تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. علي بن نفيع العلياني
فضيلة الشيخ أ.د. علي بن نفيع العلياني

من قوله "الذي لا يخلو من علمه مكان" (1)

جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

أحبتنا المستمعين الكرام، يطيب للإدارة العامة للتوجيه والإرشاد بالمسجد الحرام أن تقدم لكم:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يَهْدِه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

ثم أما بعد:

فإننا نحمد الله ​​​​​​​ على أن هيَّأ هذا اللقاء العلمي في موضوعٍ من أهم الموضوعات، وفي هذا المكان المبارك في المسجد الحرام.

ونسأل الله  أن يجزي القائمين على هذه الدورة العلمية خير الجزاء، وأن يجعل ذلك في موازين حسناتهم.

التعليق على كتاب "لمعة الاعتقاد"

والكتاب الذي سوف ندرسه في هذه الدورة هو كتاب "لُمعة الاعتقاد" لمُوفَّق الدين عبدالله بن أحمد بن قدامة، وهو في مسائل من مسائل الاعتقاد، أجملَها واختصرها، وذَكَر طَرَفًا من أدلتها.

تمهيد لمسائل تُعين على فهم العقيدة

وقبل أن نبدأ في الكتاب أريد أن أُشير إلى بعض المسائل التي تُعيننا على فهم مسائل العقيدة، وهذه المسائل باختصار هي:

اكتمال الدين في حياة النبي

  • أن الله قد أكمل لنا هذا الدين في حياة الرسول ، وأنزل الله عليه قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]؛ فكل ما نحتاجه في ديننا من مسائل العقيدة ومسائل الأحكام فقد اكتمل في زمن حياة الرسول .

البلاغ النبوي المبين ونقل الصحابة

  • المسألة الثانية: أن الرسول قد بلَّغ البلاغ المبين، فلم يترك شيئًا مما يحتاج له المسلمون من مسائل الأحكام أو مسائل العقيدة إلا وقد بيَّنه ووضَّحه للمسلمين، وقد أعطاه الله تبارك وتعالى جوامع الكلم، فكان ينزل عليه الوحي وهو يُبلِّغه للمسلمين، والمراد: يُبلِّغه لمن حوله ممن تقوم به الحجة، فليس كل المسلمين فهموا كل الدين، وإنما قد بلَّغ مَن حوله مِن صحابته ممن تقوم به الحجة في نقل هذا الدين.

ولهذا لا بد أن نوقِن بأن دين الله الذي تعبَّدنا به نُقِل إلينا كاملًا، وما ضاع من دين الله شيءٌ؛ فإن الله قد اختار هذا الرسول الكريم لتبليغ هذا الدين، ونزل هذا القرآن الكريم بلسان عربي مبين؛ ولذلك يفهمه الصحابة  عندما يُتلى عليهم، وما أشكل عليهم من بعض المسائل فإنهم يسألون الرسول ، ويُوضح لهم ذلك، فليس للدين ظاهر وباطن، وإنما هو الدين كما بُلِّغ إلى المسلمين على ظاهره كما نزل، فليس فيه أسرارٌ مخفية ولا معانٍ باطنية لم يعلمها الصحابة رضوان الله عليهم.

ولهذا لما حجَّ في حجة الوداع؛ استشهدَ الناسَ وهم يزيدون على مائة ألف من الحُجاج من صحابة الرسول ، فقال: إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟. قالوا: نشهد أنك قد بلَّغْتَ وأدَّيتَ ونصحتَ. فقال: اللهم فاشهد[1]. فأشهدَ اللهَ عليهم في يوم عرفة أنه قد بلَّغهم البلاغ المبين.

تنبيه نبوي على الاكتفاء بالوحي

ولهذا فإن المسلمين ليسوا في حاجة إلى أن يبحثوا عن عقائدهم: لا في كتب الفلسفة، ولا في كتب علم الكلام، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل.

ولما رأى أن في يد عمر بن الخطاب ورقةً من التوراة يُقلِّبها، قال له: أمُتَهَوِّكون أنتم يا ابن الخطاب؟ لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي[2].

فلهذا ما لم يكن دِينًا على زمن الرسول فإنه لا يكون دِينًا بعده، وإنما الدين قد كمُل في زمنه وبلَّغ البلاغ المبين.

ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم هم من أفضل الناس فهمًا، ومن أحرص الناس على دينهم، ومن أحرص الناس على البلاغ، ولا يكون أحدٌ بعد الصحابة أعرف للدين من الصحابة  أبدًا لن يكون؛ لِما تكامل فيهم من الفهم والنصح والعلم وعدم التعقيد، فهم قد فهموا الدين فهما صحيحًا سليمًا.

عدالة الصحابة وإجماعهم ونقلهم للدين

ولهذا لا يمكن أن يُجمع الصحابة على شيءٍ ثم يكون هذا الشيء ليس بصحيح أو غير مناسب؛ ولهذا أجمع المسلمون على أن الصحابة  نقلوا لنا الدين عن الرسول ، وهم عُدُولٌ في نقلهم؛ ولهذا لا نحتاج إلى أحدٍ يُعلِّمنا دينًا غير ما جاء به الرعيل الأول من الصحابة، والفهمُ الصحيح هو فهم الصحابة؛ فهم أنصح الخلق بعد الرسل، وهم أفصح الخلق، وهذا الكتاب بلغتهم.

فالواجب على المسلمين أن يرجعوا إلى أخذ مسائل الاعتقاد مما ذكره الصحابة عن مسائل الاعتقاد، وكذلك مسائل الأحكام، فالدِّين يُؤخذ عن طريقهم، وبما نقلوه لنا من أحاديث الرسول ، ثم رزقهم الله بتلاميذ بَرَرة وهم التابعون ثم أتباع التابعون؛ ولهذا قال الرسول : خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم[3].

ترجمة موجزة لابن قدامة ومكانته

ثم هيَّأ الله حَمَلةً لهذا الدين ينقلونه من جيلٍ إلى جيل، ومن قرنٍ إلى قرن، يُؤلِّفون فيه المؤلفات، ويذكرون الاستدلالات، ويَرُدُّون البدع على أصحابها، وكان منهم هذا الإمام الذي ندرس في هذه الدورة كتابه "لمعة الاعتقاد".

وهو قد وُلد في عام واحد وأربعين وخمسمائة من الهجرة، ومات في عام عشرين وستمائة من الهجرة، فهو قبل شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن شيخ الإسلام ابن تيمية -كما تعلمون- مولود عام ستمائة واثنين وستين تقريبًا، فهو مات قبله بعشرين سنة.

الرد على دعوى نسبة عقائد أهل السنة لابن تيمية

وأنا أُشير إلى هذه النقطة؛ لأن بعض أهل البدع يقولون: إن مذهب أهل السنة والجماعة لم يُحرَّر، وإنما يُذكر في مسائل الاعتقاد، فكله أو بعضه من اجتهادات شيخ الإسلام ابن تيمية، فيظنون أن هذه العقيدة الصحيحة التي يتبناها الآن أهل السنة والجماعة، ويدرسون كتبها، وينشرون كتبها؛ يظنون أن هذه من اجتهادات شيخ الإسلام ابن تيمية.

فكون هذا العالم النِّحرير قبل شيخ الإسلام ابن تيمية، يدل على أنها سلسلة متصلة من الأئمة الذين كتبوا في مسائل الاعتقاد، وهذا الرجل يُثنى عليه ثناءً عاطرًا، فهو قد درس في دمشق، وسافر إلى بغداد وأخذ عن علمائها، وسافر إلى مكة وأخذ عن علمائها، ثم رجع إلى دمشق ودرس فيها، وكان عالمًا مجاهدًا؛ فإنه قد اشترك بالحروب الصليبية مع صلاح الدين الأيوبي، فقد اشترك في محاربة الصليبيين، فهو عالمٌ مجاهد من العلماء الكبار.

مكانة ابن قدامة العلمية ومصنفاته

ويدل على باعه في العلم الكتابُ الكبير، كتاب "المغني" الذي طُبع في مجلدات كبيرة، وطريقته فيه -كما تعلمون- يذكر أقوال العلماء مستدلًّا عليها بالأدلة الشرعية، فهي طريقةٌ سلفيةٌ أثرية، ويذكر أقوال العلماء الآخرين.

وله مؤلفاتٌ كُثُر، ومنها هذا الكتاب المجمل في العقيدة، الذي ندرسه، وقد أثنى عليه جملةٌ من العلماء، وممن أثنى عليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وحسبكم بثنائه؛ فإنه قال: "ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من موفق الدين ابن قدامة"[4]، شف المدة هذه الطويلة! قال: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أوثق من ابن قدامة، أفقه، قال: أفقه من ابن قدامة.

وكان له تلاميذ نجباء؛ منهم: أبو شامة الرجل المشهور في إنكاره للبدع.

شهادة ابن رجب بمنهج ابن قدامة في الصفات

وأيضًا أثنى عليه بعض العلماء، هنا نصٌّ عن ابن رجب الحنبلي أذكره لكم، وحسبكم بابن رجب شارح "صحيح البخاري"، قال ابن رجب عليه رحمة الله: "ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام"، وهو يقصد بدقائق الكلام في المسائل التي كتبها أهلَ علم الكلام بطريقةٍ فيها غموضٌ والتواء واحتجاج بالعقل ونحو ذلك؛ فإن هذه تُشوِّش على طالب العلم وتُؤثِّر عليه؛ ولهذا قال: "ولم يكن يرى الخوض مع المتكلمين في دقائق الكلام... وكان كثير المتابعة للمنقول في باب الأصول وغيره"[5] يعني: في باب أصول الدين وفي غيره من الأحكام، فكان يتبع المنقول، وهذا الواجب على المسلم أن يتبع الوحي.

"لا يرى إطلاق ما لم يُؤْثَرْ من العبارات، ويأمر بالإقرار والإمرار لما جاء في الكتاب والسنة من الصفات"، الإقرار: أن يعترف وأن يُقِرَّ بها كما سيأتي في منهجه، والإمرار يعني: على معناها الذي أراده الله ، والذي يفهمه المُخاطَب من ظاهر اللفظ "من غير تفسير"، فقوله هنا: "من غير تفسير"، المراد: من غير تفسيرٍ بمعنًى آخر غير المتبادر إلى الظاهر، يعني: من غير أن يُفسَّر بمعنى آخر غير المتبادر من ظاهر النص، "ولا تكييفٍ، ولا تمثيلٍ، ولا تحريف، ولا تأويل، ولا تعطيل"[6]، وكل هذه سوف نأتي لها إن شاء الله تعالى.

فهذه شهادةٌ من ابن رجب لهذا العالِم النِّحرير.

وأيضًا هذه الشهادة لا تجعلنا نَقْبل كلَّ شيءٍ من غير دليل؛ فإننا مُتعبَّدون باتباع الدليل، فلو جاءت كلمةٌ من عالِمٍ وليس عليها دليل فلا نتبعه؛ لأن هذا الدين مأخوذٌ من الوحي، وأيُّ إنسان لا بد أن يُقيم الدليل على ما يَذكر، فإذا لم يأتِ بدليل فإنه لا يُتابَع على قوله.

بداية نص "لمعة الاعتقاد" والتعليق عليه

وهنا بدأ كتابه بخطبةٍ، وهذه الخطبة: هي ثناءٌ على الله ، وأنتم كما تعلمون العلماء إذا ألَّفوا فإنهم يُثنون على الله بمبدأ مؤلفاتهم؛ اقتداءً بكتاب الله الكريم، عبيدٌ لله يستغفرون ويتوب عليهم؛ فلذلك هو معبودٌ في كل زمان.

علم الله المحيط وتنزيهه عن الحلول والاتحاد

.. الذي لا يخلو من علمه مكان.

فإن علم الله شاملٌ محيطٌ، لا يَعْزُب عنه مثقال ذرة في أيِّ مكان، في الأرض، في السماوات، في غيرها، لا يعزب عنه مثقال ذرة؛ ولهذا قال: علمه في كل مكان، ولم يقل: "ذاته"؛ لأن الله مستوٍ على عرشه فوق سماواته؛ فليس الله مختلطًا بالبشر في كل مكان، كما يزعم أهل الحلول والاتحاد؛ فإن الله أكبر من هذه الأمكنة وأعلى وأجل، فلا يقال: إن الله في كل مكان إلا مقيدًا بعلمه، أنه يعلم أيَّ مكان، أما بذاته فهو ليس في خلقه، وهو منفصلٌ عن خلقه، وهو مستوٍ على عرشه، وهو العلي الأعلى.

لا يشغله شأن عن شأن

ولا يُشغله شأنٌ عن شأن.

فإن الله يُصرِّف الأمور كلها، هذا يدعوه بلغته، وهذا يدعوه في كذا، وهذا يفعل كذا، والله ليس كالبشر؛ فإن البشر عقولهم محدودة، وإذا اشتغل أحدهم بقضيتين أو ثلاث؛ تشتت ذهنه، لكن الله لا يشغله شأنٌ عن شأن.

تنزيهه عن الأنداد والصاحبة والولد

جل عن الأشباه والأنداد.

يعني: ليس له شبيه، جَلَّ عن الأشباه والأنداد، وليس له نِدٌّ؛ والمراد بالند هنا: المَثيل والنَّظير، فليس لله نِدٌّ ولا نظيرٌ ولا شبيهٌ، بمعنى المثيل؛ فإنه : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، ليس له نِدٌّ: لا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في عبادته، ولا في التقرب إليه، ليس له نِدٌّ ، فهو أحدٌ صمدٌ: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

وتَنَزَّه عن الصاحبة والولد.

والمراد بالصاحبة هنا: الزوجة؛ لأن الاحتياج للزوجة علامة الافتقار، والله غنيٌّ عمن سواه.

وكذلك الولد؛ فإن الولد لا بد أن يكون فيه شيءٌ من بعض صفات والده، فالله متنزِّهٌ عن الصاحبة والأولاد؛ ولهذا أنكر الله على اليهود إذ قالوا: "عُزَيْرٌ ابن الله"، وعلى النصارى الذين قالوا: "عيسى ابن الله"، وعلى المشركين الذين قالوا عن الملائكة: "بنات الله"؛ فإن مقتضى غناه ألا يُنسب له شيءٌ يدل على حاجته وافتقاره؛ فإن الله غنيٌّ عمن سواه.

نفاذ حكمه القدري

ونفذ حكمه في جميع العباد.

"ونفذ حكمه" يعني: تقديره؛ فإن تقدير الله نافذ، والمراد به هنا: القدر الكوني القدري؛ فإن تقدير الله نافذٌ وفي كل الخلق؛ لأنه كتب المقادير، فإن.. كما تعلمون ما يتعلق بالإرادة الكونية والإرادة القدرية ونحو ذلك؛ فإن الإرادة: منها إرادة شرعية أمرية، فإن الله يريد منا الإيمان والإحسان، ويريد منا مكارم الأخلاق، وتقع من الناس بخلاف هذه الإرادة، لكن هذه الإرادة الشرعية الأمرية. أما الإرادة والتقدير الكوني القدري فلا يقع في مُلْك الله إلا ما يريد، ونفذ حكمه في جميع العباد.

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير

لا تُمثِّله العقول بالتفكير.

يعني: مهما أشغلت تفكيرك؛ فإنك لا تستطيع أن ترسم صورةً في ذهنك لله ؛ لأن هذا أمرٌ غيبيٌّ، وهذه هي الكيفية التي يقول عنها المسلمون: إنها لا تُدرَك، الكيفية لا تُدرَك، كيفية الله إطلاقًا.

ولا تتوهمه القلوب بالتصوير.

يعني: هذه الكيفية لن تُدركها على الحقيقة، ولا يجوز لك أن تتوهمها، فتتوهم كيفية لله ، أو لصفةٍ من صفاته أنها بهذه الكيفية؛ فإن هذا أمرٌ غيبيٌّ: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36].

فلا تتوهمه القلوب بالتصوير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

ولهذا جاء في هذه الآية التي جمعت بين النفي والإثبات، فإنه لما قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا نفيٌ عامٌّ، كل الأشياء ليست مثله، لكن قيدها بأنه سميعٌ، بَيَّن أنه سميعٌ بصير، فدل على أن النفيَ المنفي هنا: هو أن يُماثل من كل وجه، ليس هناك شيءٌ يُماثل الله من كل وجه؛ في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ما يوجد شيءٌ يُماثله من كل وجه.

لكنه أثبت له السمع والبصر، والبشر لهم، وغير البشر من بعض المخلوقات لها سمع وبصر، لكن لما تعرف يُقدِّم لك: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ بمعنى: أن هذا السمع والبصر ليس كسمع المخلوقات التي تعرف، وليس كبصر المخلوقات التي تعرف.

ولهذا العلماء يقولون: هناك شيءٌ مشترك في الذهن، لكنه ليس موجودًا في الواقع، إلا مرتبطًا بشيءٍ، يعني: أنت لما تسمع كلمة "البصر" فهذا معنى كليٌّ في الذهن، لما تسمع "السمع" معنى كليٌّ في الذِّهن، لكن هذا المعنى الكلي لا يتحدد إلا بموصوفه، فإذا قلت مثلًا: "بصر الجَمَل" تحدَّد البصر الذي تتحدث عنه، إذا قلت: "بصر النملة" تحدد البصر... لكنْ بصر موجود هكذا -يعني: فيه مكان محدد اسمه "بصر" ما هو مرتبط بمخلوق- ما فيه بصر، وهذا الذي يقال "الكلي"، يوجد في الأذهان فقط، هذا الكلي؛ فهذا الكلي فيه نوعٌ من الاشتراك في المعنى، ولو لم يكن فيه نوعٌ من الاشتراك ما فَصَل الإنسان بين المعاني.

أمثلة توضيحية لمعاني الصفات

ولهذا مثلًا لمَّا يقال عن الجنة: إن فيها لبنًا، وفيها عسلًا، وفيها خمرًا، وفيها نساءً؛ فإنك تُدرك المعاني هذه أنها مختلفة، فاللبن لبن، والعسل عسل، وليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء، الحقائق مختلفة تمامًا، لكن هناك معنًى هو الذي يُرغِّبك أن تطلب هذه اللذائذ، هناك معنى كلي مشترك يتحدد إذا رأيته في الواقع، فهذا الذي يُرغِّبك.

ولذلك عندما يأتي الحديث عن أسماء الله وصفاته الكثيرة في القرآن؛ فإنك تفهم من كل اسم وكل صفة معنى، لكن هذا المعنى ما تُحدِّده بالتي تعرفها، لكنه معنى فيه اشتراكٌ ذهني؛ فأنت تُفرِّق بين سمعٍ وبصرٍ؛ ولهذا لمَّا يأتي الحديث عن مسائل العذاب ونحو ذلك فإن القلوب تُوجَف، يُصيبها خوفٌ، وإذا جاء الحديث عن الرحمة والمغفرة فإن القلوب يكون فيها رجاءٌ وأملٌ في رحمة الله ، هذا الذي أَحدثه في نفسك هو المعنى، المعنى الكلي، هذا الذي أَحْدثه في نفسك هو المعنى الكلي، وهذا الذي أُمرنا بالتدبر فيه، لمَّا نتدبر ونعرف المعاني، لكن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

الرد على شُبه المُعطِّلة وبيان منهج السلف

فهذا الموضوع ركَّز العلماء على بيانه؛ لأن المعنى المشترك هذا أراد أهلُ التعطيل نَفْيَه، وقال: لو فهمنا المعنى المشترك فمعنى ذلك وقعنا في التشبيه ووقعنا في التمثيل.

انتبِهوا لهذا جيدًا، قالوا: لو أردنا المعنى المشترك فإننا وقعنا في التمثيل والتشبيه؛ ولهذا نحن لا نفهم معنى -وهذا مكابرة- من الحس. يعني: شخص يقول: أنا ما أفهم مِن "رحيم" مثل "قدير" مثل "قوي".

هذا كلُّ واحدٍ له معنى، لكن هم يَحُولُون بين الإنسان وبين التدبر في هذه المعاني، يقولون: لا تتدبر؛ فإن هذا التدبر يَجُرُّك إلى التشبيه والتمثيل، فلا تتدبر في هذه المعاني.

وهذا بخلاف هَدْي الرسول ؛ فإن التدبر هو في هذه الأسماء والصفات، لمَّا تتدبَّر في اسم صمد، غني، عليم، قدير، حكيم، هذا هو الفقه الصحيح، وهذا هو التعبد لله الصحيح.

مثال حديث "يضحك الرب" وفهم السلف للمعنى

ولهذا لمَّا سمع الصحابي أن الرسول قال عن الله: إنه يضحك، ولم يسمع قبل ذلك؛ لأن صفة الضحك جاءت في السنة، قال: وإنه يضحك إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، وكلاهما يدخل الجنة[7]، يعني: الكافر يقتل المسلم، ثم يُسلم الكافر، وكلاهما يدخل الجنة، فقال الصحابي: يا رسول الله، أيضحك الرب؟ قال: نعم. انظروا هذا الرجل، ما قال: "كيف يضحك؟"، سأل عن المعنى الكلي: أيضحك الرب؟ لكنه فهم المعنى الكلي؛ فإن الضحك فيه رجاء وأمل، فإن الضحك ليس مثل الغضب، فيه رجاء وأمل، فقال: لن نَعْدَم من رَبٍّ يضحك خيرًا[8].

إذًا ماذا فهم الصحابي؟

فَهِمَ الأمل من هذا الضحك؛ لأن الذي يضحك لك غالبًا هو لن يُسِيء إليك، إذا قابلك بضحك وبشاشة فإنه لن يُسِيء إليك؛ فلذلك فَهِم هذا المعنى وهذا الأمل، فقال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا.

هل أنكر عليه الرسول ؟ هل قال: لماذا تفهم هذا المعنى؟

ما أنكر عليه الرسول في فهمه؛ مما يدل على أن المعاني تُفهم على ظاهرها، لكن الظاهر ليس هو المشابهة؛ لأن الصفة لا تتحدد إلا بربطها بصاحبها، فليس السمع كسمع المخلوقات، وليس البصر كبصر المخلوقات، والدليل على ذلك: أن المخلوقات أنفسها سَمْعها يختلف عن بعضها، وبصرها يختلف عن بعضها، وهي مخلوقات، فكيف بالخالق ؟!

لا تُمثله العقول بالتفكير، ولا تتوهمه القلوب بالتصوير: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

قاعدة توحيد الأسماء والصفات وإفراد الله بها

ثم قال:

له الأسماء الحسنى والصفات العلى.

الأسماء الحسنى: البالغة الحسن، لا أحسن منها، لا أحسن من أسماء الله .

والصفات العلى: أعلى الصفات التي لا نقص فيها، التي لم يسبقها عدم، ولم يلحقها فناء.

ومن المعاني في الأسماء الحسنى: أنها تدل على اسمٍ وتدل على صفة، فإذا قلت: القدير فهو اسمه القدير، وتدل على صفة القدرة، لكن صفة القدرة هذه هي العالية، أعلى شيء، التي لا يعجزها شيء، والتي لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء. وهذا ما يكون في صفاتِ أحدٍ من الذين عندهم قدرة؛ فإن البشر عندهم قدرة، لكنها ليست قادرة على كل شيءٍ، وقد سبقها عدم وسوف يلحقها فناء.

فلذلك هذه الأسماء الحسنى والصفات العلى هي منفردة؛ ولهذا سُمِّي التوحيد فيما يتعلق بالأسماء توحيد الأسماء والصفات؛ لأنه منفرد، يعني: أنت تُفرده بأسماء لا تتحقق في المخلوقين وإن أُطلقت عليهم، لكن أُطلق عليهم الناقص منها، وأما الكامل فهو غير مطلق عليهم، فأنت تُوحِّد الله بمعنى أنك تُفرِده بهذه الأسماء وبهذه الصفات. وهذا التوحيد بالأسماء والصفات من أعظم أنواع التوحيد.

سبب كثرة تصنيف السلف في باب الصفات

ولهذا كثرت مؤلفات أهل السنة والجماعة فيه؛ لسببين:

أحد الأسباب: أن أهلَ البدعِ أوَّل انحراف وقع عندهم فيما يتعلق بالأسماء والصفات، فإن بدعة الجهمية والمعتزلة كانت في الأسماء والصفات؛ فلذلك أرادوا أن يَرُدُّوا على أهل هذه البدع فنشروا ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات.

المسألة الثانية: أن توحيد الربوبية والإلهية داخلٌ في توحيد الأسماء والصفات؛ فإن الرب اسمٌ من أسماء الله ، والإله اسمٌ من أسماء الله ، فأنت إذا أتقنت باب الأسماء والصفات؛ أتقنت باب الربوبية وباب الألوهية.

إذا أتقنت باب الأسماء والصفات، فإنه سوف يأتيك معنى الرب، فتُتقن باب الربوبية، ويأتيك معنى الإله ومعنى الله، فتُتقن باب الإلهية؛ ولهذا إذا حصل خللٌ في توحيد الأسماء والصفات أو خللٌ في توحيد الربوبية؛ فإنه يحصل خللٌ في توحيد العبادة وتوحيد الإلهية، فيُؤثِّر الخلل هنا وهنا عليها جميعًا، يُؤثِّر الخلل في توحيد الأسماء والصفات، أو في توحيد الربوبية أو توحيد الإلهية.

انظروا مثلًا البخاري عليه رحمة الله لما جعل كتابًا سماه "كتاب التوحيد"، أكثر ما فيه يتعلق بالأسماء والصفات، أكثر ما فيه أولًا: لمحاربة هذه البدع المنتشرة؛ ولذلك العلماء أحيانًا في تصنيفاتهم يُلاحظون قوة الانحراف في زمنهم، فتجد التوسع في هذا، وهذا الذي يُفسر مثلًا أن الشيخ محمد بن عبدالوهاب توسَّع في توحيد العبادة وفي توحيد الألوهية؛ لأن الانحراف الذي كان منتشرًا في زمنه أكثره في هذا؛ في عبادة القبور، في عبادة الأضرحة، التوسل بالأولياء، في النذر لهم، في الذبح لهم؛ ولهذا فصل في هذا الأمر.

في زمن البخاري ومَن معه أيامَ الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوها والماتريدية، كان الانحراف في باب الأسماء والصفات؛ ولهذا ترجع مثلًا إلى "كتاب التوحيد" لابن خزيمة، أو كتاب "التوحيد" للبخاري، أو "خلق أفعال العباد"؛ فتجده ألَّف الكتاب أصلًا ليردَّ انحرافًا منتشرًا، لكن بعضهم يُقدِّم للناس النصوص التي تَرُدُّ عليه، ليس مجرد كلام، بل مجرد ذكر النصوص، والمراد -أقصد نصوص الوحي- ذكر دلائل الوحي عند الانحرافات هذا أمر مهم؛ لأن الذي يُؤثِّر في الناس ويُقنع الناس هو الأدلة.

معالجة الانحراف بالأدلة لا بالأذواق

ولهذا لما تكون في زمنٍ -مثلًا- ينتشر فيه الغناء والموسيقى ونحو ذلك، فتُؤلِّف كتابًا فيه ذكر الأدلة على تحريم الموسيقى؛ فإنك بهذا عالجت هذا الانحراف فنَظَرَ الناسُ في الأدلة. فيه مثلًا التساهل في الربا، فذكرتَ في ذلك الأدلةَ من الآيات والأحاديث وفسَّرتها فقط؛ فهذا يَرُّدُّ هذا الانحراف ردًّا كبيرًا. وهكذا، فكلُّ انحرافٍ يأتي فعلاجُه في الكتاب والسنة في الأدلة، علاجه في الكتاب والسنة.

ولذلك قد تجد بعض العلماء يُكثر الحديث عن هذا الأمر، كأنك ترى أنه بالَغ فيه أو أَكْثَر مِن غيره، وهو لا؛ فيه تأثيرٌ من الانحراف الذي في زمنه، فكتب هذا الكتاب.

التحذير من إلزام الناس بفهم المعاصرين دون نص

يعني انظروا مثلًا إلى العلماء المتأخرين لما جاء التشريع الوضعي، وجاءت القوانين الوضعية، كيف بدؤوا يتكلمون عن موضوع التحليل والتحريم، وأن التحليل والتحريم هو لله ، وليس للبشر أن يُحلِّلوا وأن يُحرِّموا من دون الله ، هذه القضية في بعض الأزمنة كانت بديهية، بديهية ما تحتاج...

لكن لما يأتي الانحراف بهذه الطريقة، وينتشر عند الناس، ويأتي بشرٌ يُمارسون التحليل والتحريم للناس من دون الله ، فعند ذلك لا بد مِن نشر ما يدل على ذلك من الكتاب والسنة، والناس يكفيهم الدليل، دَعْكَ مِن مفاهيمِكَ أنتَ لمَّا تأتي..

ولذلك الناس لا يلتفتون إلى مفاهيمك أنت، يعني أنت لمَّا تَفْهم هذه المسألة بفهمٍ وتُنزِّلها: فَهْمُك ما هو حجة على الناس، فهمك ليس بحجة على الناس، وقد تَزِلُّ بك القدم وتفهم فهمًا غلطًا، وتُعالِج البدعة ببدعة، والانحراف بانحراف، لكن هو يكفي أن تُبرز النصوص، يكفي أن تأتي بالآيات والأحاديث وأقوال السلف المتبوعين.

الرجوع إلى فهم السلف لتصحيح الاستدلال

ولذلك الأفهام المعاصرة لبعض المسائل هذه ليست مُلزِمة لأحد، وإنما أنت خُذ الدليل الذي جاء به؛ هو استدل على هذه المسألة بكذا، أنت خذ الدليل وارجع إلى فهم السلف الصالح، اترك فهمه؛ لأنه قد تَزِل به القدم في الفهم، ويُحمِّل الدليل ما لا يحتمل، فأنت خذ هذا الدليل، وارجع بماذا فسره الصحابة، ماذا فسره التابعون.

فهذا عصمةٌ لك من الوقوع في الخلل، عصمةٌ لك من الوقوع في الخلل؛ لأن الناس الآن بعضهم يتحمس لقضية ويفهم من الدليل فهمًا غلطًا ويُنزِّل الحكم على هذا الدليل، وتنزيله غلط، والدليل ليس هذا معناه.

لكن أين تجد المعنى الصحيح؟

تجد المعنى الصحيح عند أهله، عند الصحابة والتابعين.

ولهذا يُنصح بالرجوع في التفسير مثلًا إلى التفسير بالأثر؛ لأن التفسير بالأثر يَنقل لك بالسند: الصحابي أو التابعي قال كذا وقال كذا، فأُبْعِدْتَ عن فهم المعاصرين.

وبعض المعاصرين فَهْمُه سليم، ويأخذ من الكتاب والسنة، ومشهودٌ له بالعلم، لكنك ما أنت ملزم به، حتى تضمن أنك أخذت العلم الصحيح من مصدره.

الاستواء على العرش

له الأسماء الحسنى والصفات العلى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

وبدأ بهذه القضية؛ لأن هذه القضية من أكبر القضايا، هذه القضية من أكبر القضايا، وهي ما يتعلق بعلو الله على عرشه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.

إبطال تأويل "استوى" بالاستيلاء

وأكثر انحرافات الذين انحرفوا في باب الأسماء والصفات؛ أكثرها في هذا الأمر، فهم يُماحِكُون في علو الله ، فبعضهم يرى أن الله في كل مكان، وبعضهم يرى أن العالم داخلٌ في الله، يعني: يعتبر أن الله كالفلك والعالَم داخلٌ في الله ، ونحو ذلك من الانحرافات.

وهذا كل الأدلة تَرُدُّه من الكتاب والسنة، ولو كان هناك معنًى غير المتبادر من الظاهر؛ لقال الرسول للناس: انتبهوا، ترى هذا المعنى المراد به كذا؛ فهو أنصح الناس للأمة، وهو لا يريد ضلال الأمة.

ولذلك الذين أتوا بعده يأتون إلى نصوص ويقولون: لا، هذه غير مرادة، يأتون مثلًا إلى صفة اليد، ويقولون: هذه ليست مرادة.

وما المراد منها؟ قالوا: القدرة.

طيب، الرسول هل عنده قصور في البلاغ ولا يقول لأمته: ترى المراد باليد القدرة؟ ليس عنده قصور في البلاغ.

هل عنده قصور في النصح لأمته أن يُعلِّمها؟ ليس عنده البتة.

هل الله أراد منا الفهم والبيان والتعقل والتدبر، أم أراد أن يُعمِّي علينا الأشياء؟ لا شك أنه فصَّل القرآن وأحكمه؛ لنفهم ولنتدبر.

فأنتَ! هذا المعنى مَن الذي قال به قبله؟ هل قال به الرسول؟ لا. هل قال به صحابي؟ لا. هل قال به تابعي؟ لا. مَرَّ هؤلاء كلهم ولا يعرفون ما تعرف أنت.

مناظرة في مسألة "خلق القرآن"

ولهذا لما جاء -أحد- بعض أهل السنة والجماعة في زمن المأمون، فإن المأمون قد أضله بعض علماء الضلال، فرَكَّبوا في ذهنه بدعًا، وأن ظاهر النصوص يدل على التشبيه والتمثيل؛ ولهذا أنكروا ظاهر النصوص، وبحثوا لها عن معانٍ عندهم، وكان أول ما بدأ به كلام الله ، وقال: كلام الله مخلوق.

فلما جاءه هذا العالِم، قال: أريد أن أسألك: هل عَلِم الرسول أن كلام الله مخلوق؟ قال: نعم. قال: فهل بيَّن أم كتم؟ هل بيَّن للناس أنه مخلوق أم كتم؟ فتوقف، فقال: هل عَلِم الصحابة أن كلام الله مخلوق؟ قال: نعم. قال: فهل كتموا أو بَيَّنوا؟ فإذًا ما يوجد شيء، قال: ألا يسعك ما وَسِع الرسولَ وما وسع الصحابة، ألا يسعك هذا؟

الانحراف في فهم الصفات أصل البدع والضلالات

فهؤلاء الذين يأتون بمعانٍ ليس لها أصلٌ بحجة أنها تُؤَدِّي إلى التشبيه، هذا الفهم أنها تُؤَدِّي إلى التشبيه هو فهمٌ غلط، فهمٌ باطل، وهذا الفهم الباطل جَرَّهم إلى هذه البدع، ولو سلَّموا للنصوص كما سلَّم الرعيل الأول، وآمنوا بها، وابتعدوا عن هذه الخزعبلات؛ لسَلِمَ الناسُ مِن شرورهم ومن انحرافاتهم.

ولهذا؛ هذه الانحرافات الآن تنتقل من جيلٍ إلى جيل، ومن بلد إلى بلد، ومن مؤلفات إلى مؤلفات، فهذا قَدَر الله ؛ فإن الله يبتلي العباد بعضهم ببعض؛ ولهذا ابتُلي الصحابة رضوان الله عليهم بالخوارج، وهم بزمن آخر الصحابة، ابتُلوا بالخوارج، يفهمون فهمًا أعوج، ويُقاتلون الصحابة على هذا الفهم الأعوج، وليس معهم صحابيٌّ واحد؛ ولهذا لما جاءهم ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: من أين أتيت يا ابن عباس؟ قال: أتيت من عند صحابة رسول الله ، وليس معكم منهم أحد. فهل هذا معقول؟ يعني: كل الصحابة ما يفهمون هذا الفهم! ومع هذا لا يتهمون أنفسهم أنهم على ضلال. ثم ابتُلوا بعد ذلك بالمرتدين، ثم ابتُلوا بعد ذلك بالزنادقة الذين حرَّقهم علي بن أبي طالب .

فهذه انحرافاتٌ مبكرة، ولا شك أن هذا من البلاء، هذا من الابتلاءات: أن الله يبتلي الناس حتى يتبين الحق، كما يُبتلي المسلمين بالكافرين؛ ليحصل بينهم الجهاد، ويحصل بينهم البراء والولاء للمؤمنين، ويتخذ الله من المسلمين شهداء، فهذا قدر الله الكوني، قدر الله الكوني يحصل لحكمة يعلمها الله .

إثبات صفة الاستواء دون تحريف

الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:6]، ولهذا لما جاؤوا يفسرون الاستواء قالوا: المراد بذلك الاستيلاء على العرش.

وقبل ذلك مَن كان مستوليًا على العرش؟!

انظروا كيف يختلفون على المعاني! قالوا: وقبل ذلك من كان مستوليًا على العرش؟! هل كان هناك أحدٌ يُغالب الله ثم استولى عليه بعد خلق السماوات والأرض؟! فلا المعنى في اللغة العربية يصح، ولا في التفكير السليم يصح.

وإنما معنى استوى يعني: صعد وارتفع على العرش ، والله قد خلق العرش قبل السماوات والأرض، وخلق السماوات والأرض ثم جعل هذه المخلوقات تحت العرش، جعل هذه المخلوقات تحت العرش، بل تحت الكرسي؛ لأن السماوات والأَرَضِينَ أمام الكرسي كحَلْقة في أرضٍ فلاة، ثم بعد الكرسي العرش، والله مُستوٍ على عرشه.

عموم ملكه سبحانه وتعالى

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى [طه:6].

وهذا بيانٌ لملك الله الشامل، لا يخرج من ملك الله شيء: لا في السماء، ولا فوق السماء، ولا تحت، ولا في الأرض، ولا تحت الأرض. فكل ما عدا الله فهو مخلوقٌ مملوكٌ لله، كل ما عدا الله فإنه مخلوقٌ مملوكٌ لله .

وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى [طه:7].

وهذا -يعني- بعد أن ذكر الاستواء على العرش، وذكر العلم المحيط؛ العلم المحيط الشامل الذي يعلم السر وأخفى من السر.

أيشٍ الذي أخفى من السر؟

يعني: ما يَرِدُ في ذهنك من خواطر، السر مثلًا: لو تكلمت مع شخص سرًّا، أو كلامًا بسيطًا بينك وبين نفسك، "أخفى من السر": الخواطر التي قد تخفى عليك أنت في ذاتك، فهو يعلم السر وأخفى، فهذا علمه المحيط الشامل.

مناظرة القدرية وإثبات العلم الإلهي

ولهذا قال بعض السلف: ناظِروا القدرية بالعلم، فإن سلَّموا به خُصِموا، وإن أنكروه كفروا[9]؛ لأن بعض القدرية يُنكرون العلم هذا، فيقولون: لا يعلم المعصية التي سوف تقع من الشخص إلا بعد أن تقع.

وهذا انتقاصٌ لعلم الله ، لا يعلم المعصية من الشخص إلا أن تقع! الدليل الذي يستدلون به: لأنه لو كان يعلم ذلك لوجب عليه أن يمنع العاصي من الوقوع فيها.

انظروا كيف قاسوا؟! قالوا: لأن الإنسان لو علم أن بعض الناس سوف يقع في معصية؛ فإنه يَحسُن منه أن يمنعه عن هذه المعصية، ولا يتركه حتى يقع فيها؛ فإنه قبيح بالإنسان أن يترك الإنسان حتى يقع في المعصية وهو قادرٌ على منعه من المعصية.

طيب، أنت تقيس الله على الإنسان! لو أراد الله أن يكون الناس جميعًا أهلَ إسلامٍ لَحَصل، لكن هذه حكمة التكليف، حكمة الله، فمن ذلك: أن المعصية مكتوبة على الشخص ويفعلها ويُعاقبه الله عليها، وهي مكتوبة عليه ويفعلها، لكن هذا الشخص عنده قدرة أن يمتنع عن المعصية، فلم يستخدم قدرته في الامتناع.

أمَّا أنَّ الله ما يعلمها! فهذه مشكلة القدرية: أنهم يقيسون ما يَحسُن من المخلوق على ما يحسن من الله، وشتان بين ذلك.

إحاطة القدرة والرحمة والحكمة

ولهذا جاء بموضوع العلم هنا، قال:

أحاط بكل شيءٍ علمًا، وقهر كل مخلوق عِزَّةً وحُكمًا.

وهذا دلالة على القدرة التي لا تُحَدُّ، والعزة والحكمة، فهذه كلها من صفاته .

ووسع كل شيءٍ رحمة وعلمًا.

"كل شيءٍ" يعني: حتى البهائم عندها رحمة على أولادها، الكفار عندهم رحمة من هذه الرحمة العامة الموجودة في الأرض، كل شيءٍ وسعه الله رحمة وعلمًا.

لا يوصف الرب إلا بما وصف به نفسه

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، موصوفٌ بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم.

هذه قاعدة مهمة عظيمة جدًّا فيما يتعلق بالله في أسمائه وصفاته؛ فإنه لا يُطلق على الله من الأسماء والصفات إلا ما جاء في الكتاب والسنة: "موصوفٌ بما وصف به نفسه في كتابه العظيم، وعلى لسان نبيه الكريم".

فلذلك لا يمكن أن تنسب إلى الله اسمًا ليس موجودًا في الكتاب، ولا صفة ليست موجودة في الكتاب، ولا اسمًا لم يُطلقه الرسول  ولا صفة؛ لأن الرسول معصومٌ لا يتكلم إلا بوحي، خاصة فيما يتعلق بالله ، وبدين الله، والله لا يُقِرُّه على باطل، ولو قال قولًا ليس بصحيح فإن الله يُصحِّح له ولا يُقِرُّه على باطل البتة؛ فدل على أن ما قاله الرسول في حق الله: هو مثل ما قال الله في حق نفسه، وهذا أيضا يدل...

المنهج في نصوص الصفات: التسليم بلا تحريف

قال بعد ذلك:

وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى من صفات الرحمن وجب الإيمان به، وتَلَقِّيه بالتسليم والقبول، وترك التعرُّض له بالردِّ والتأويل والتشبيه والتمثيل.

قال: "وكل ما جاء في القرآن، أو صح عن المصطفى"؛ لأنه ليس كلُّ حديثٍ منسوبٍ إلى الرسول يصح، تعلمون حتى بعض الزنادقة وضعوا أحاديث على الرسول ، لكنَّ اللهَ قيَّض لها جهابذةً من أهل العلم ينخلون هذه الأحاديث ويُبيِّنون الصحيح من الضعيف.

فلذلك لا تستدل فيما يتعلق بدينك إلا بحديث صحيح، وهذا يدل على أن الدين ما جاء فيه من أحاديث فهي محفوظة بكاملها، لأيشٍ؟ مِن أين أخذنا هذا؟ من أين أخذنا أنَّ ما صح في الدين عن الرسول فهو محفوظ ولم يَضِعْ منه شيءٌ؟

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فإن الذكر يشمل القرآن والسنة، والله تعهَّد بحفظه، فدل على أنه لن يضيع حكمٌ من الأحكام، غير موجود البتة، لكن يجهله كثير من الناس. نعم، لكن يُسَخِّر الله له مَن يُظهره ممن تقوم به الحجة.

الرد على من يشترط التواتر في العقيدة

وهذا يَرُدُّ تُرَّهات الرافضة الذين يقولون: ذهب من القرآن مثل القرآن، وذهبت أحاديث كثيرة، وكذا. لا، فهذا الكلام باطل مردودٌ؛ لأن الوحي الذي نحتاجه في الدين فهذا محفوظٌ ممن تقوم به الحجة.

ولهذا هنا بعضٌ من الناس أتى بشيءٍ جديدٍ ما قاله السلف البتة ولا قاله الصحابة، وهو أنه يقول: لا نَحْتَجُّ في العقيدة إلا بالمتواتر، وأما حديث الآحاد الصحاح فنحن لا نحتج بها.

من أين لكم هذا؟ ألم يُرسِل الرسولُ معاذ بن جبل إلى اليمن لوحده، فلو كان الشخص إذا بلَّغ الناسَ الدِّين ما تقوم به الحجة؛ لكان الرسول يُرسل فوجًا كاملًا حتى يكون هناك تواتر، فإذا كان يرسل الرسل شخصًا وحده؛ فدل على أنه تقوم به الحجة، خاصة إذا احتفَّت القرائن به، وتقبَّله الناس.

ولهذا هو ذكر شرطًا هنا: "وجب الإيمان به، وتَلَقِّيه بالتسليم والقبول"، يعني: إذا تَلَقَّاه المسلمون، وخاصة الصحابة والتابعين تلقَّوه بالتسليم ومَن بعدهم؛ فإن بعض الأحاديث -التي- قد يكون في السند صحة لكن فيها علة خفية؛ ولهذا لم يتلقَّها الناس بالقبول، لم يتلقَّها أهل السنة بالتسليم والقبول، فإذا صح السند وتلقَّوه بالتسليم والقبول فهو حجة ومقبول.

نكتفي في نهاية الدرس بما سمعتم.

وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

^1 رواه البخاري: 4402، ومسلم: 1218.
^2 رواه أحمد: 15156، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل": 1589.
^3 رواه البخاري: 6658، ومسلم: 2533.
^4 "ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب الحنبلي: 3/ 286.
^5, ^6 المصدر السابق: 3/ 291.
^7 رواه البخاري: 2826، ومسلم: 1890.
^8 رواه ابن ماجه: 181، وأحمد: 16187، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌2810.
^9 ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 23/ 349.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©