- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
تفسير سورة الرحمن- من قوله تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}

جدول المحتويات
- قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ إلى قوله: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-53]
- مناسبة ذكر ثواب المتقين بعد عذاب المجرمين
- دلالة الواو واللام وعموم الخائفين في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]
- أقوال المفسرين في معنى مقام الله تعالى
- معنى الخوف وحقيقته
- أنواع الخوف
- الخوف شرط في صحة الإيمان
- أنواع الخوف ومقام الخشية
- سر التعبير القرآني بالتثنية في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانَ [الرحمن:46]
- أقوال المفسرين في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانَ [الرحمن:46]
- ثمرات الخوف من الله في الدنيا والآخرة
- فقه حديث عائشة رضي الله عنها في قراءة الحائض للقرآن
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونثني عليه الخير كله، نشكره ولا نكفره، ونخلع ونترك من يفجره، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك؛ إن عذابك الجد بالكفار ملحق.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:
ففي هذا اليوم الثلاثاء السادس عشر من الشهر السادس من عام ثمانيةٍ وثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى ، نستأنف الدروس العلمية في المسجد الحرام في تفسير كتاب الله ، وشرح حديث رسول الله .
اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، ويا مفهم سليمان فهمنا، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا حي يا قيوم، نعم.
قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ إلى قوله: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-53]
القارئ:
الشيخ: أحسنت هذه الآيات الكريمات تبدأ من الآية السادسة والأربعين من سورة الرحمن.
مناسبة ذكر ثواب المتقين بعد عذاب المجرمين
لمَّا تحدث سبحانه في الآيات قبل ذلك عن عذاب المجرمين: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [الرحمن: 41-44]، عافانا الله وإياكم، لمَّا تحدث عن المجرمين وعذابهم، ناسب أن يتحدث بعد ذلك عن المتقين الخائفين لله وثوابهم، وهكذا القرآن دائمًا يقارن بين الترغيب والترهيب، وعذاب المجرمين وثواب المتقين الخائفين لله .
لمَّا فرَغ سبحانه مِن تَعْداد النعم الدنيوية على الثَّقَلين، وذِكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم، ولمَّا تحدَّث عن المجرمين وجزائهم، ناسب أن يتحدث عن المتقين الخائفين وثوابهم.
ففي الآيات قبل ذلك وصفٌ للمجرمين وعذابهم، فناسب بأسلوب الانتقال البلاغي اللغوي القرآني أن ينتقل من حالةٍ إلى حالة: من حالة الجزاء والعقاب إلى حالة الترغيب والثواب، فانتقل من وصف المجرمين إلى ثواب المتقين.
إذن؛ فالواو في قوله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] واو العطف: عطف جملة على جملة، جملة الخائفين المتقين على المكذبين المجرمين، فلما قال سبحانه: يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ [الرحمن:41] وذَكر جزاءهم وعقابهم؛ ناسب ترغيبًا للمتقين وتحذيرًا من طريق المجرمين: أن يبين سبحانه بعد ذلك ثواب المتقين؛ ليكون في ذلك تحفيزٌ لسلوكِ طريقِ التقوى والخوف من الله .
وهذا من أسلوب الانتقال والمقارنة، والضد يُظهر حُسْنَه الضِّدُّ، وبضدها تتبين الأشياء أو تتميز الأشياء؛ فهناك طريقان: طريق المجرمين وهو العذاب والنَّكال -والعياذ بالله-، وطريق المتقين الخائفين لله.
دلالة الواو واللام وعموم الخائفين في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]
إذن عرفنا في هذا مناسبة ذِكر قوله سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] بعد ذكر جزاء المجرمين المكذبين، وفي هذا من الترغيب وأخذ النفس وأَطْرها على طاعة الله وخوفه وتقواه ما لا يخفى، فهي دعوةٌ إلى سلوك طريق المتقين الخائفين لله؛ قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، الواو عاطفة، واللام اللام للتمليك، لام الملكية: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، التمليك كما أقول لك: لمن حضر الدرس ثوابٌ أو جائزة، هذا هنا -اللام هنا- للتمليك، أي: كأن هذا الأمر مِلك لهؤلاء الذين يتصفون بالخوف من الله تبارك وتعالى.
إذن، الواو للعطف، واللام لام الملك، أو لام الملك، أو لام الملكية، أي: يُعطَى مَن خاف مقام ربِّه ويملك جنتين: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، هل المراد بمن خاف ربه شخص واحد، أو أنه جنس الخائفين؟ المراد جنس الخائفين، أي: كل من خاف مقام الله فإنه يستحق هذا الثواب بملك الجنتين العظيمتين، وليس خائفًا معينًا أو شخصًا محددًا.
وهذه من صيغ العموم، وتسمى من صيغ العموم البَدَليِّ، بمنزلة من قال: وللخائف مقام ربه، وَلِمَنْ: "مَن" من صيغ العموم، والتقدير: وللخائفِ مقامَ ربه جنتان. ما المراد بمقام الرب هنا؟
أقوال المفسرين في معنى مقام الله تعالى
اختلف المفسرون في المراد بمقام الله سبحانه، فذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بقوله: مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46]: هو الموقف الذي يقوم فيه العباد لله رب العالمين؛ لمن خاف هذا الموقف العظيم والمقام الكبير له جنتان، قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]؛ قال تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي [إبراهيم:14].
فالمقام هو الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى في يوم العرض عليه سبحانه في يوم الحشر، من يخاف هذا اليوم فإنه يخاف الله، بمعنى: أن خوفه من الجزاء وهذا الموقفِ العظيم يجعله يقوم بالواجبات، ويتبع الأوامر، ويترك المَنْهيات، ويبتعد عن الزواجر، مَن تذكر أن هناك يومًا عظيمًا يجمع الله فيه الناس كلهم في موقف واحد، في حالة واحدة، حفاةً عراة غرلًا، يسألهم سبحانه، تُنصَب الموازين، تُنشَر الدواوين، تدنو الشمس فيه من رؤوس العباد؛ فإنَّ مَن تذكَّر هذا المقام العظيم دَفَعه إلى الخوف مِن رب العالمين. هذا المراد بمقام ربه في قوله سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46].
وقيل: القول الثاني: إن المعنى مَقَامَ رَبِّهِ؛ أي: خاف قيام ربه عليه، فالله يقوم على عباده، بمعنى: أنه يطَّلِع عليهم، يُشرف على أحوالهم: في أفعالهم، في أقوالهم، كما في قوله سبحانه: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الرعد:33]، وهو الله تبارك وتعالى.
قال مجاهد والنَّخَعي: هو الرجل يَهُمُّ بالمعصية فيذكر الله فيَدَعُها مِن خوفه[1]. والمقام في قوله: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46] أصله محلُّ القيام، ومصدر القيام وهو مصدر ميمي، وعلى كلا الوجهين وعلى كلا المعنيين بمعنى: أنه خاف مقام العرض على الله ، أو مقام اطلاع الله عليه، كله على سبيل الحقيقة؛ ولهذا تقول الرَّحِم: هذا مقامُ العائذِ بك من القطيعة[2].
ويُطلق المقام -وهذا قولٌ ثالث- على الشأن والعظمة: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ؛ أي: شأن الله وعظمته وجلاله، وكماله وقدرته وحكمته، وعِلْمه سبحانه، مَن خاف ذلك واستشعره فإنه يستحق هذا الأجر العظيم، وهو ملك الجنتين.
وقوله: مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46]، لاحِظوا هنا أن فيه مضافًا ومضافًا إليه، الإضافة إضافة تعظيم مَقَامَ رَبِّهِ مقام الله ، إضافته من باب الشأن والعظمة، فهذا دليل على أن ذلك يدعو كلَّ إنسان إلى مراقبة عظمة الله وخشيته سبحانه، وشأنه جل وعلا، فيدفعه ذلك إلى العمل الصالح، وإلى القيام بالأوامر، والنهي عن الزواجر، فهذه كإضافة المفعول إلى الفاعل.
إذن؛ هذه ثلاثة أقوال في المراد في قوله سبحانه: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46]:
- الأول: الموقف الذي يقف فيه العباد بين يدي الله .
- والثاني: قيام ربه عليه، واطلاعه عليه بشؤونه وأحواله.
- ويطلق المقام على الشأن والعظمة، ومنه في الحرم: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]، أي: الشاهد الدال، وهو آيةٌ من آيات الله: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97]، وهذا دليل على عِظَم شأنه ومكانته، نعم.
ويحتمل أيضًا كلَّ هذه الأقوال، بمعنى: أنه لا تنافي بين هذه الأقوال: مَن خاف الموقف فإن ذلك يدعوه إلى الخوف من الله ؛ لأنه مراقب له سبحانه ومُطَّلِع عليه. وكذلك يدل على عظمة الله وشأنه ومكانته، ومنزلته في نفس الخائف لله.
معنى الخوف وحقيقته
ما الخوف؟ ما معنى الخوف؟ الخوف: حالة إيمانية تقوم بالعبد تحمله على القيام بالأوامر واجتناب الزواجر، بمعنى أنه يستشعر خشية الله والخوف منه ومراقبته، فلا يفرط في أمرٍ من الأمور الواجبة، ولا يقع في أمر من الأمور المخالفة. بل إنه إذا تذكر المنكر والمعصية فإنه يخاف الله، قلبه يتحرك ويستشعر عظمة الله ، فلا يقع في المعصية تحت تأثير الشيطان والنفس الأمارة بالسوء.
وكذلك من تذكر الموقف العظيم، فإنه سيجتهد في عمل الطاعات والقيام بالأوامر وأهمها: التوحيد، العقيدة الصحيحة، الإيمان بالله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
وكذلك القيام بأركان الإسلام، وعلى رأسها: الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، أعمال البر والخير كلها، ويجتنب جميع المحرمات والمنهيات وفي مقدمتها: الشرك بالله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
وكذلك البدع والمخالفات، والمعاصي والمنكرات والمحرمات؛ كعقوق الوالدين، وأذى المسلمين، والسعي في الخلاف والفتنة والاختلاف بين المسلمين، وجلب الشرور إليهم، وما إلى ذلك من أنواع المحرمات.
الخوف من الله حالةٌ إيمانية تستدعي من العبد أن يتحرك فيه هذا الشعور، فيخاف الله ويخشاه حينما يتساهل بواجب أو يَهُم ويُقصِّر في ارتكاب محرم ومنكر.
ولهذا؛ فإن العبدَ مُطالَبٌ أن يستمر فيه هذا الخوف، والخوف عبادة، الخوف عبادة من العبادات، وللإمام ابن القيم رحمه الله كلام نفيس في كتابه "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين"، قال رحمه الله: "ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الخوف، وهي مِن أَجَلِّ منازلها وأنفعها للقلب، وفرضٌ على كلِّ أحد"[3].
أنواع الخوف
الخوف من الله أمر واجب، وهو توحيدٌ لله تبارك وتعالى؛ ولهذا هم يقسمون الخوف إلى ثلاثة أقسام:
خوف طبيعي جِبِلِّيٌّ؛ كخوف الإنسان من الأسد، أو من السَّبُع، قطعًا سيخاف من الأمور التي تؤثر على نفسيته وطبيعته وجبلته، فيتحرك فيه شعور الخوف فيهرب من المرهوب أو المخوف منه، وهو السبع على سبيل المثال.
وهناك خوف واجب، وهو الخوف من الله، وهو خوف التوحيد، الخوف أن يقع الإنسان في الشرك؛ كما خاف إبراهيم : وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ [إبراهيم:35]، قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: نحن أحق بالخوف من إبراهيم [4].
فإذا كان هذا خوف الأنبياء، وهم سادات المتقين والمؤمنين، وأفضلهم وأشرفهم، فكيف بنا نحن؟! أولى أن نخاف من أن نقع في الشرك بالله تبارك وتعالى، لا سيما الشرك الأصغر، وهو الرياء: أن يزين المرء صلاته، أو أن يحلف بغير الله، أو ما إلى ذلك من الأمور التي يقع فيها بعض الناس، ومنه الشرك الخفي وشرك السرائر. كل هذه من الأمور التي ينبغي أن يخاف العبد فيها مقام ربه.
الخوف شرط في صحة الإيمان
قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، وقال: ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:14]، وقال سبحانه: فَلَا تَخَافُوهُمْ [آل عمران:175]، يعني: الأعداء والمشركين والكفار، لَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175]، هذا شرطٌ أن الإيمان لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تحقق المشروط، وهو الخوف من الله وعدم الخوف من غيره؛ لأن غيره لا يستطيع أن يجلب لك نفعًا أو يدفع عنك ضررًا.
أنواع الخوف ومقام الخشية
وقال سبحانه: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، والرهبة نوعٌ من الخوف، وكذلك الخشية: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44]، وقال بعض أهل العلم: إن "الخشية أخص من الخوف"[5]. يعني: أدق وأهم وأكبرُ دلالةٍ على استشعار الخوف من الله تبارك وتعالى ومَدْح الخائفين بقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ.. [المؤمنون:57-60]، يعني: خائفة تخشى الله : وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60].
قالت عائشة رضي الله عنها تستفسر من رسول الله : أَهُمُ الذين يَقتلون ويَزْنون، ويسرقون، ويشربون الخمر؟ قال: لا، يا ابنة الصديق، وإنما هم مَن يعملون الأعمال الصالحة، ويخافون ألا يُتقبَّل منهم، أو كما قال [6].
ليس مجرد فعل العبادة؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وعمل الخير، ليس المراد فعلها، وإنما المراد قبولها: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]؛ ولهذا كم مِن مُصَلٍّ صلاتُه مردودةٌ عليه: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]؟! وكم مِن حاج ليس له من حجه إلا التعب -والعياذ بالله-؟! وكم من صائمٍ حَظُّه من صيامه الجوع والعطش؟!
إن لم يكن هناك وَجَلٌ وخوفٌ من الله ، وحرص على القبول بأن تُؤدَّى العبادة بتحقيق شرطيها: الإخلاص لله، والمتابعة للحبيب المصطفى عليه صلوات الله وسلامه، القائل: صلوا كما رأيتموني أصلي[7]، خذوا عني مناسككم[8]، وهكذا.
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:60-61]، قال الحسن رحمه الله ورضي عنه: عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن من جمع إحسانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا[9]، أي أنه يأمن مكر الله تبارك وتعالى.
والوجل: وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60]، والخوف والخشية: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12]، والرهبة كذلك، كلها ألفاظ متقاربة لكنها غير مترادفة، بينها معانٍ خاصة ببعضها؛ فالخوف: توقُّع العقوبة على مَجَاري الأنفاس، وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته مِن تذكُّر المَخُوف، وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام. وهذا سبب الخوف لا أنه نفسه، وهذا كلام العلامة ابن القيم رحمه الله[10].
وقيل: الخوفُ هربُ القلب من حُلُول المكروه عند استشعاره، والخشية أخص من الخوف؛ فإن الخشية للخاصة: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، فالناس كلهم عامتهم وعلماؤهم يخافون، لكن العلماء يخشون، فيها مزيد عناية واهتمام بمقام العلماء؛ لأن العالم يخشى الله عن علم وبينة وبصيرة، ليس كالعامي الذي يخاف الله على قلة علمه.
وعلى كلٍّ، في هذا خير، فهو -خوفُ الخشية- خوفٌ مقرونٌ بعلم وحكمة وبصيرة ومعرفة؛ ولهذا كان النبي يقول في الحديث عند مسلم وغيره: أمَا أني أتقاكم لله، وأخشاكم له[11]، سيد من يخشون الله ويخافونه هو محمد ، فالواجب اتباع سنته وإعزازها، والحذر من مخالفتها بالبدع والمخالفات، وتقديم الآراء والأهواء، والتعصب للعلماء أو للمذاهب، التعصب للمذاهب أن تُقدَّم على السنة.
فأبو حنيفة رحمه الله، ومالك رحمه الله، والشافعي وأحمد، كلهم يَقْتَفُون أثرَ محمد ، وكلهم أُثِر عنهم: إذا صح الحديث فهو مذهبي[12]، إذا جاءكم ما يوافق سنة رسول الله فخذوا به، وما خالفه فاضربوا به عُرْض الحائط. هكذا كان الأئمة رحمهم الله يُعظِّمون القرآن والسنة، ويحترمون الجَنَاب المحمديَّ والمصطفويَّ في الاتباع.
فليحذر الأتباع من التعصب للأئمة على خلاف السنة، إذا بانت السنة فهي كالقمر، وكالشمس في رابعة النهار، لا يحل لأحد أن يخالفها لقول أحدٍ كائنًا مَن كان، مع الأدب الجم لأهل العلم، والأئمة الأربعة، وغيرهم من أئمة الإسلام عبر التاريخ.
والخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون؛ فإن الذي يرى العدو والسَّيْل والسَّبُع ونحو ذلك لا شك أنه يهرب ويخاف ويحذر، لكنه ليس بالضرورة أن يحقق الخشية أو الوجل، وإن كانت هذه أمورًا كما قلنا تنبعث على اختلاف الحالات؛ فحالات العلماء والحالات الإيمانية ليست كالحالات الطبعية والنفسية والجبلية، هذا مما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب "مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين" في بيان الخوف من الله تبارك وتعالى، وبيان منزلة الخوف[13].
سر التعبير القرآني بالتثنية في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانَ [الرحمن:46]
ننتقل بعد ذلك إلى قوله سبحانه: جَنَّتَانَ لمن حقَّق هذا الخوف والخشية من الله، وقضى حياته في الدنيا مُقرِّرًا هذه العبادة العظيمة، التي ربما تحرمه من كثير من الشهوات والملذات، مَن حبس نفسه في الدنيا لم يحبسه الله في الآخرة.
ولهذا؛ مَن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة، ومن أخذ نفسه بالحزن فيما يتعلق بالطاعات والحذر من المعاصي جازاه الله وكافأه؛ لأنه جاهد نفسه في هذه الحياة وخاف من الله أن يقع في معصية أو أن يترك أمرًا واجبًا.
جَنَّتَانَ: الجنة والجنتان والجنات جاءت في القرآن على ثلاثة أحوال:
- جاءت في حالة الإفراد، مثال: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133]، إذن تأتي الجنة في القرآن بأسلوب الإفراد.
- وتأتي في القرآن بأسلوب التثنية؛ قال تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانَ [الرحمن:46]، لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ [سبأ:15]. نعم، وأيشٍ بعد الآيات؟ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا [يس:13]، هذه أصحاب الجنة، لا، في سورة الكهف: جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ [الكهف:32]، هذا الأسلوب الثاني.
- الأسلوب الثالث: أن تأتي الجنات في القرآن على سبيل الجمع؛ قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، وهكذا.
إذن؛ هذه صيغٌ ثلاث تأتي في القرآن الكريم في ذِكر الجنة: بالإفراد والتثنية والجمع، ونسأل الله أن يرزقنا الجنة بمفردها وتثنيتها وجمعها، الحاضرين والسامعين، ووالدينا والمسلمين أجمعين، بمَنِّ الله وكرمه.
قد ذكرت الجنات في القرآن بصيغة الجمع والإفراد والتثنية، وجاءت في هذه السورة -في سورة الرحمن- بأسلوب التثنية: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانَ [الرحمن:46]، فما المراد بالجنتين هنا؟ هل المراد جنس الجنة يختلف عن جنسٍ آخر؟ أو أنه نوعٌ من جنس؟ أو أن هناك جنة على حالة وجنة على حالة أخرى؟
كل ذلك مما ذكره أهل العلم وتحدثَّتْ عنه كتب التفسير، جنتان هنا: هل المراد جنة واحدة، أو المراد جنتان، أو المراد جنات؟ أسلوب التثنية هنا هل هو مقصودٌ هدفٌ لِذَاته، أو أنه أسلوبٌ من أساليب القرآن؟
لاحِظ أن أساليب سورة الرحمن كلها جاءت: "آن.. آن.. آن": فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13-77]؛ ولهذا قال بعض المفسرين وأهل اللغة ومنهم النحاس: إن المراد جنة واحدة، وجنتان هنا جاءت للسياق القرآني البديع في سورة الرحمن[14].
ورد عليه جمهور المفسرين: والأصل أنه إذا جاء الأسلوب في القرآن فإنه يُحمل على ظاهره، ما نُؤوِّل أو نغير المعنى، إذا جاء القرآن بجنتين فمعناه ليست جنة واحدة. وإن كان هذا قد يكون من المعاني، بل قد يكون زيادةُ الجنتين زيادةَ ثواب، يا أيها الخائف ربَّه المتقي، مِن فضل خوفك وتقواك أنه لا يكفيك جنة واحدة؛ تستحق جنتين وأكثر. فهذا أسلوبٌ ينبغي أن يُراعَى أيضًا في ذكر المعاني.
إذن؛ إما أن يراد بها جنة واحدة على سبيل الإفراد هنا، أو جنتان على سبيل التثنية؛ لأنه أحيانًا يأتي الأسلوب القرآني في العدد لمجرد التكرار، مثلًا في قوله سبحانه: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك:3-4]، هو نفس الأول لكنه تأكيد للثاني، فهذا أيضًا من المعاني المقصودة في ذِكر الجنتين، كما تقول مثلًا: "لبيك وسعديك"، سعديك هي -تَرَى- بمعنى لبيك لكنها تأكيد ومرادف لها، وهكذا "دَوَالَيْكَ" بمعنى: هكذا الأمر مستمر، ومنه قول الطائي في شعر الحماسة:
| فقُولَا لهذا المرء ذو جاء ساعيا | هَلُمَّ فإنَّ المَشْرَفِيَّ الفرائض[15] |
أي: فقولوا -ليس المراد قولًا- بمعنى اثنين؛ لأنه تأتي التثنية ويراد بها الجمع، ويأتي الفرد ويراد به الجمع: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [آل عمران:173]، وهكذا فهي أساليب قرآنية معتبرة، وأساليب لغوية صحيحة. إذن هذا أيضًا من معاني قوله سبحانه: جَنَّتَيْنِ [الكهف:32].
وقوله سبحانه في قصة سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ [سبأ:15]، قال المفسرون: جنة على يمين سبأ وجنة على يسارهم، أو جنة على يمين القصر وجنة على يساره[16]. ومثله: جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ [الكهف:32]، جنة من اليمين، وجنة من الشمال، وبالتالي هي جنة واحدة، وهي جنات أيضًا على أنه يجوز أن يراد بالتثنية الجمع، ومنه قول الطائي في شعر الحماسة:
| فقُولَا لهذا المرء[17] .............. | .......................................... |
والمراد: قولوا يا قوم.
أقوال المفسرين في قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانَ [الرحمن:46]
ومنه قوله سبحانه: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك:4]، هناك عشرة أقوال للمفسرين في معنى الجنتين:
- القول الأول: جنتان، قاله مقاتل بن سليمان يقول: الجنتان للخائفين، ما هي؟ قال: جنة عَدْن وجنة النعيم، جنة عدن وجنة النعيم[18]. في سورة البينة: جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [البينة:8]، وكذا في سورة الكهف[19]، فهي إما الجنة كلها عدن، أو أنه نوعٌ من أنواع الجنة يسمى "عدن" وجنة النعيم، أو جنة عدن وجنة الفردوس: كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان:8]، إما هي جنة واحدة بمعنى نعيم فردوس عدن، أو أنها جنان متعددة وهو الأظهر والله أعلم؛ لأن الجنة درجات، وأعلاها الفردوس الأعلى من الجنة.
نسأل الله بأسمائه الحسنى ونحن في بيته الحرام، وفي حَلْقةٍ من حِلَق الذكر تتنزل عليها السكينة وتغشاها الرحمة ويذكرها الله فيمن عنده، ألا يحرمنا فضله وجنته نحن والحاضرين والمستمعين ووالدينا والمسلمين أجمعين، وأن يجمعنا بكم -كما جمعَنا بكم في هذا المكان المبارك وفي هذه الدنيا- أن يجمعنا بكم في دار كرامته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. - القول الثاني في معنى جَنَّتَانِ [سبأ:15]: الجنة التي خُلقت له؛ لأن الله من فضله وإحسانه على عباده لكل مؤمن يُنعم الله عليه بالجنة أو بنوعٍ من أنواع الجنة، والأخرى التي ورثها بعمله: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، يعني شيء مخلوق قبله، وشيء من الجنان يُخلق كذلك تكريمًا للمؤمن الخائف مقام ربه.
- وقيل: القول الثالث: الجنة الأولى مَنْزِلُه -منزل المؤمن- والأخرى منزل أزواجه، يعني -هذا- وهذه جنته وهذه جنة العائلة والأسرة، وهذا تكريم لأبناء المؤمنين: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21].
- القول الرابع: إحداهما أسفل القصور، والأخرى أعاليها، جنتان له: في أعلى الجنان جنة، وفي أسفلها جنة.
- القول الخامس: جنة للخائف الإنسي، وجنة للخائف الجني؛ لأن الجني أيضًا مكلف.
- وقيل أيضًا: جنة لفعل الطاعات وجنة لترك المعاصي والمنكرات، جنة لفعل الأوامر وجنة لترك الزواجر.
- وقيل: جنة للعقيدة، شُف أهمية العقيدة والإيمان والتوحيد والسنة؛ جزاءً له يُعطى جنةً لحسن عقيدته وتوحيده وإيمانه بربه. والجنة الأخرى لماذا؟ للعمل، الجنة الأخرى للعمل. وهذا دليل على مكانة التوحيد.
- وقيل: جنة استحقها بعمله جزاءً بما كنتم تعملون، والجنة الثانية تفضُّل من الله تبارك وتعالى.
- وقيل: جنة روحانية، جنة الروح، والثانية جنة البدن والجسد ونعيمه.
- وقيل: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه لشهواته.
وعلى كل حال، هذه أقوال المفسرين في المراد بقوله سبحانه: جَنَّتَانَ [سبأ:15].
وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة، والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي[20]. والنحاس رحمه الله هو الذي رد هذا القول؛ فليتأمل أن النحاس هو الذي رد قول الفراء بقول جمهور أهل العلم، وقال: إن هذا من أعظم الغلط على كتاب الله، أن يقول الله: جَنَّتَانَ، فيأتي الفراء فيقول: جنة واحدة، وكلام الله يؤخذ على ظاهره وعلى أصله وعمومه، فإن الله يقول: جَنَّتَانَ، فهما جنتان على سبيل التثنية[21].
وبهذا يتبين لنا معنى هذه الآية، أي ومعناها الإجمالي، أي: ولمن يستحق -الذي يخاف ربه، يخافه بعبادته، يستشعر الخوف منه، والخشية، ويقوم عليه، ويترك ما نهى عنه، ويفعل ما أمر به- أنه يستحق جنتين من ذهبٍ: آنيتهما وحِلْيتهما وبنيانهما، وما فيهما، إحدى الجنتين جزاء على ترك المنهيات، والأخرى على فعل الطاعات.
ثمرات الخوف من الله في الدنيا والآخرة
إذن ما نستفيده من هذه الآية:
- أولًا: أهمية الخوف من الله، وأنه عبادة من أجَلِّ العبادات.
- ثانيًا: أن الخوف الحقيقي يقتضي التوحيد والعمل، والقيام بالأوامر، وعدم ارتكاب الزواجر والنواهي: القيام بالطاعات، والحذر من المنهيات.
- ثالثًا: فَضْل الله سبحانه: بلام التمليك، و"لمن" بصيغة العموم.
- رابعًا: الأثر العظيم للخوف من الله، والجزاء الدنيوي والأخروي؛ ففي الدنيا: السعادة والخير والتوفيق في الدارين، وفي الآخرة ما ذكره الله من الجنتين وما فيهما من النعيم المقيم.
- أيضًا: بيان الخوف الحقيقي، وأنه ليس الخوف فقط الطبيعي أو الجبلي، وإنما خوف التوحيد والإيمان، الحذر من أن يخاف غير الله، بمعنى لِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ [الرحمن:46] أي: لا يخاف غيره، لا يخاف غير مقام الله. إثبات الجزاء من أين أخذناه؟ مَقَامَ رَبِّهِ، يعني: الحشر، جنتان في الآخرة: إثبات يوم الجزاء والحساب، والثواب للمؤمنين، والعقاب للمجرمين. كل هذه من المعاني.
ولهذا؛ ينبغي أن تكون -وهذه جلسة الخوف- أن نأخذ على أنفسنا ونحن في بيت الله العهدَ والميثاق: أن نخاف من الله، وأن نستمر على هذه العبادة، وأن نحذر أن نخرق هذا الخوف من الله بارتكاب المعاصي، إما الشبهات أو الشهوات.
ينبغي أن يستشعر المسلم خوف ربه تبارك وتعالى فيما يأتي وما يَذَر، ويكفي في هذا الدرس درس الخوف من الله، واستمرار العبد على هذه العبادة العظيمة: العبادة القلبية، والعبادة العَقَدية، والعبادة القولية، فالذي يطعن في الناس ويغتابهم ويكذب عليهم؛ يخاف الله أنه سيسأله عن هذا.
العمل كذلك؛ لا ترتكب برِجْلِك أو بيدك أو بلسانك أو بجوارحك أيَّ ذنب على مسلم، في حق الله أو في حق عباد الله.
هذه مدرسة الخوف التي أستاذها وسيدها محمد ، والأنبياء والمرسلون عليهم صلوات الله وسلامه.
فأتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام عليهم أن يقتفوا أثره بالخوف منه تبارك وتعالى، والسير على ما سار عليه ساداتُ الخائفين في مقاماتهم العظيمة، مقامات الخشية من رب العالمين، فلا يرتكبون معصية، ولا يقعون في منهي، وإنما يحرصون كل الحرص على أن تكون حياتهم كلها عبادة لله: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونَ [الذاريات:56].
ولقائلٍ أن يقول: أنا قد أُسرف على نفسي، وأخطئ عليها، وقد يَضعُف عندي الخوف من الله، وأقع في المعصية، فنقول: ليكن الخوف من الله، وإن غلبتك نفسك وشيطانك فترةً، فتستمر عليه فترات، وتلازم التوبة والاستغفار والإقبال على الله، والندم على فعل المعاصي، والإقلاع والعزم على ألا تعود إليها مرة أخرى، وبذلك تدرك مقامات الخائفين ومكانتهم السامقة وقمتهم العالية؛ لتستحق ما وَعَد الله من الجنات العظيمة في جنات النعيم.
ثم قال سبحانه: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:13]، أيشٍ المناسبة؟ الخوف من الله نعمة أو ليس بنعمة؟ بلى، نعمة من نعم الله تبارك وتعالى، هذه النعمة العظيمة وهي الخوف من الله، وهذا الجزاء أيضًا نعمةٌ: أن يُعطى الجنات، وأن يوفق في الخير لعمل الصالحات في الدنيا وترك المحرمات، كلُّ هذه نِعم، آلاء: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-47].
ولا بشيءٍ من آلائك ربنا نكذب؛ فلك الحمد، كما قال الجن حينما قال عليه الصلاة والسلام وقرأ عليهم سورة الرحمن: قالوا كلما مرَّ عليهم فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد[22]. فكان النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الجن في هذه كانوا أفضل من الإنس، فكان ردهم شكرًا لنعمة الله .
ونحن نقول: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد، سبحانه، ونسأله سبحانه أن يرزقنا شكر آلائه، وأن يجعلنا من الخائفين مقامه، وأن يجعلنا ممن كان لهم من النعيم الجنتين المتصفتين بالصفات الجليلة العظيمة؛ إنه جواد كريم.
فقه حديث عائشة رضي الله عنها في قراءة الحائض للقرآن
الحديث؟
القارئ:
الشيخ: نعم، أحسنت.
هذا هو الحديث الرابع من الأحاديث التي أوردها المصنف رحمه الله في باب الحيض، وهو حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله يتكئ في حجري، بكسر الحاء، أو حَجْري بفتحها، لغتان صحيحتان: فيقرأ القرآن وأنا حائض.
هذا الحديث خرجه البخاري في كتاب الحيض، باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض، الحديث رقم 293[24]، وكذلك في كتاب التوحيد، في باب قول النبي : الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة[25].
كما أخرجه مسلم في كتاب الحيض، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد، واللفظ له إلا أن عنده: وأنا حائض فيقرأ القرآن[26]، موضوع الحديث، ما موضوعه؟ الحديث يتحدث عن ماذا؟
معنى لفظ "الاتكاء" في الحديث
يتحدث عن حكم قراءة القرآن للحائض، حكم قراءة القرآن للحائض: هل يجوز للحائض أن تقرأ القرآن، أو لا؟ قالت عائشة: كان عليه الصلاة والسلام يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن، وأنا حائض[27].
فقه الحديث، وتحرير مسائله ودلالاته، وشرح ألفاظه:
يتكئ في حِجري: الاتكاء: الميل من جانب إلى جانب آخر، أو يتكئ بإحدى شِقَّيه على غيره: إما على وِسَادة، أو على زوجه، أو على أحدٍ ممن حوله. فهذا يسمى اتكاءً. الاتكاء: أن يميل بإحدى شقيه في -يعني- حِجر عائشة كما في الحديث، أو غير ذلك من الاتكاء بمعناه العام.
وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام في شهادة الزور، قال: وكان متكئًا فجلس، ثم قال: ألا وقول الزور، ألا وقول الزور[28]؛ إذن "كان متكئًا": كان مائلًا بشقه وجنبه: إما الأيمن أو الأيسر، ثم جلس واعتدل.
فهنا عائشة تخبر أنه عليه الصلاة والسلام يتكئ عليها في حجرها. والحِجر: هو مجمع الثوب في وسَط الإنسان يُسمى "الحجر"، الحجر الذي هو مجمع الثوب: إما الثوب، أو مجمع الجسد؛ الرُّكَب وما بعدها في وسط الإنسان، كل ذلك يسمى "حِجر الإنسان" أو "حَجْره"، أي إنه إما من "الحَجْر" بمعنى: المنع، وإما أنه يُحجَر على غير مَن يحل له أن يتناوله.
قال الإمام الخطابي رحمه الله: كل معتمد على شيء متمكن منه، فهو متكئ عليه[29]، قال المصنف رحمه الله: في حجري، يتكئ في حجري، اتِّكاءً بمعنى: يميل بإحدى شقيه، فهذا معنى الاتكاء كما في "المطلع".
قال الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحه في "فتح الباري على صحيح البخاري": المراد بالاتكاء: وضع الرأس في الحجر[30]. يعني في حديث عائشة: وَضَع رسول الله رأسه في حجرها[31]، بدليل قولها: في حجري.
والحجر إما مجمع الثوب، أو الحضن، الحضن يعني: وسط الإنسان.
حكم قراءة الحائض للقرآن وأقوال العلماء في المسألة
يشتمل هذا الحديث على جملة من الأحكام:
الحكم الأول: فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن، الحائض ممنوعة من أمورٍ بسبب هذا الأمر الذي ينزل عليها، وهو نجس، هي حالة طبيعية يخرج منها الدم من الرحم، يمنعها من الصلاة والصيام، ويمنع زوجها من معاشرتها بمعنى الجماع. أما المباشرة من غير الفرج فلا بأس، كما في حديث عائشة السابق.
فقولها: كان يتكئ في حجري ويقرأ القرآن، معناها: هي لا تقرأ معه، فيه إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قولها رضي الله عنها: فيقرأ القرآن يعني النبي عليه الصلاة والسلام، أمَّا هي فلا تقرأ معه. هذا هو الحكم الأول: الحائض لا تقرأ القرآن.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة -أعني في قراءة الحائض- على ثلاثة أقوال:
حكم قراءة الحائض للقرآن:
اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال:
- القول الأول: المنع، وهو قول الجمهور، المنع مطلقًا، الحائض ما دامت في هذه المدة فإنها لا تقرأ القرآن، سواء كان بمسِّ المصحف أم عن ظهر قلب، ومس المصحف أخطر وأعظم وأشد.
- القول الثاني: الجواز، وإليه ذهب المالكية، فالإمام مالك رحمه الله يرى جواز أن تقرأ المرأة الحائضُ القرآنَ.
- القول الثالث: إنه يجوز للحائض أن تقرأ القرآن في حالة خوفها من النسيان، امرأة حافظة للقرآن إذا ما راجعت وتعاهدت القرآن وقد تطول فترة حيضها؛ فإنه خطرٌ عليها أن تنسى، ففي هذه الحالة يجوز لها أن تقرأ القرآن، وهو قول للإمام الشافعي رحمه الله، وهو قولٌ فيه ميل إلى التحقيق، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن المرأة الحائض لها أن تقرأ القرآن إذا كان مِن غير مسِّ المصحف، أو بالمصحف إذا كان من وراء حائل، أو إذا خشيت نسيانه؛ فيجوز لها أن تقرأ القرآن.
دروس فقهية وسلوكية من حديث عائشة رضي الله عنها في معاملة الحائض
إذن؛ يمتنع للحائض أن تقرأ القرآن، لكن مَن كان حولها من زوجها أو اتكأ عليها في حجرها، يجوز له أن يقرأ القرآن، وهذا الحديث فيه حسن معاشرة النبي لزوجاته، وهي حائض في هذه الحالة، يضع رأسه في حجرها؛ ردًّا على ما كان يفعله اليهود الذين لا يخالطون النساء ما دامت في الحيض.
فالإسلام دين اليسر، ودين العشرة السمحة والحسنة، ودين التعامل الحسن مع الزوجات، ومع الأسر والبيوتات، وأيضًا: المخالطة في أكل الحائض وشربها ومجالستها، بل والنوم معها، بل ومباشرتها، وأيضًا معاشرتها دون الجماع فهذا هو الممنوع، أما غيره فكل ذلك سائغ، فيسوغ للإنسان في المخالطة للمرأة الحائض الأكلُ والشرب والمضاجعة، فكيف بالتلاوة والعبادة؟! هذا من باب أولى.
ومن الأحكام أيضًا: جواز قراءة القرآن في حجر الحائض، الحائض الآن عليها هذه العادة، أو تلامس مثلًا النجاسة، لكنها طاهرة البدن، طاهرة الثياب؛ فلا بأس أن يقرأ زوجها القرآن في حَجْرها وحِجْرها، كما كان [32].
جواز قراءة القرآن قرب مواضع النجاسة، ومواقع الحدث؛ فلا بأس في ذلك، كما كان عليه الصلاة والسلام، ولا أعظم من النجاسة بالحدث الأكبر وهو الحيض.
أيضًا: في الحديث تبليغ العلم، والاقتداء به، والإخبار بأحواله عليه الصلاة والسلام، والإخبار بأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لنتأسى به: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ.. [الأحزاب:21] ، يقول بعضهم: أنا عندي من النخوة والكرامة أني لا أجلس مع المرأة وقت حيضها. نقول: يا أخي، رسول الله أفضل منك، وهو القدوة والأسوة، وكان يضع رأسه في حجر عائشة وهي حائض، ويقرأ القرآن، عائشة رضي الله عنها تخبر بحال النبي مما يستحيا منه.
أيضًا في الحديث: دلالة على جواز ملامسة الحائض ومعاشرتها دون المباشرة والجماع، وأن ذاتها وثيابها طاهرة ما لم تتحقق النجاسة وتباشر النجاسة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
| ^1 | ينظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي: 17/ 176. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 4830، ومسلم: 2554. |
| ^3 | "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 179. |
| ^4 | ينظر: "اللمع في الحوادث والبدع" لابن بيدكين التركماني: ص660. |
| ^5, ^9 | "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 180. |
| ^6 | رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وأحمد: 25263، والحاكم: 3526 وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". |
| ^7 | رواه البخاري: 631. |
| ^8 | رواه مسلم: 1297. |
| ^10 | ينظر: "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 180. |
| ^11 | رواه مسلم: 1110. |
| ^12 | ينظر: "عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار" لابن القصار المالكي: 1/ 192. |
| ^13 | ينظر: "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 184. |
| ^14, ^21 | ينظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي: 17/ 177. |
| ^15, ^17 | ينظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي: ص455. |
| ^16 | ينظر: "تفسير مقاتل بن سليمان": 3/ 528، و"معاني القرآن" للنحاس: 5/ 406، و"التبصرة" لابن الجوزي: 1/ 323. |
| ^18 | ينظر: "تفسير مقاتل بن سليمان": 4/ 202. |
| ^19 | سورة الكهف: آية 31. |
| ^20 | ينظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة: ص381. |
| ^22 | رواه البزار في "مسنده": 5853. |
| ^23 | رواه البخاري: 297، ومسلم: 301. |
| ^24, ^26, ^27, ^31, ^32 | سبق تخريجه. |
| ^25 | رواه البخاري: 7549. |
| ^28 | رواه البخاري: 5976، ومسلم: 87. |
| ^29 | ينظر: "مشارق الأنوار على صحاح الآثار" للقاضي عياض: 1/ 273. |
| ^30 | ينظر: "فتح الباري" لابن حجر العسقلاني: 1/ 402. |