تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر
فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر

الإيمان بالقضاء والقدر (2)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا، وأصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ.

أما بعد:

منزلة الإيمان بالقدر وأدلته

فإن الإيمان بالقدر أصلٌ من أصول الدين، وركنٌ من أركان الإيمان، وهو من دعائم الدين المتينة التي عليها قيام دين الله جلَّ وعلا؛ فإن دين الله جلَّ وعلا يقوم على أصولٍ ستةٍ لا قيام له إلا عليها؛ هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكُتبه، ورُسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره.

وقد قال الله : فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات:23]، وقال جلَّ وعلا: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38]، وقال : ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه : 40]، وقال جلَّ وعلا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ۝الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى۝وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:1-3].

وفي خواتيم أكثر من ثلاثين آيةً في القرآن الكريم يقول سبحانه: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 20] أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:106] إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26]، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284]؛ هذا جاء في خواتيم خمسٍ وثلاثين آيةً من كتاب الله جلَّ وعلا، وهذا فيه أن الأمور كلها بقدر الله، وأن الله سبحانه قديرٌ على كل شيءٍ، لا يُعجِزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

والإيمان بالقدر من الإيمان العلمي بالله ​​​​​​​، كما قال سبحانه في آخر آيةٍ من سورة الطلاق: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]. فالله خلقنا  لنعرفه سبحانه بكمال قدرته: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، وسعة علمه: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]، خلقنا لنعلم ذلك، ونتعلم ذلك، ونعرف ذلك، فهذا من التوحيد؛ توحيد الله جلَّ وعلا.

ولهذا ينبغي أن يُعلَم في مسألة الإيمان بالقدر: أن القدر هو قُدرة الله، وهذا يُروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: "القدرُ قُدرةُ الله، فمَن نفى القدر جحد قُدرة الله"، أو: "مَن كذَّب بالقدر جحد قُدرة الله".

وجاء أن الصحابي الجليل عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وكذَّب بالقدر نقض تكذيبُه توحيدَه". نقض تكذيبُه -أي: بالقدر- توحيدَه لله ​​​​​​​، وقوله: إن القدر نظام التوحيد؛ أي: إن التوحيد لا ينتظم أمره إلا بماذا؟ إلا بالإيمان بالقدر، وإذا كان الإيمان بالقدر نظام التوحيد؛ فإن التوحيد هو نظام ماذا؟ الحياة، فالحياة لا تنتظم إلا بالتوحيد، فإذا لم يوجد توحيدٌ فلا فرق بين الإنسان وبهيمة الأنعام.

إن التوحيد هو الحياة الحقيقية، هو الغاية التي خُلِق الإنسان لأجلها وأُوجِد لتحقيقها، كما قال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]؛ أي: يُوحِّدون، فتوحيد الله جلَّ وعلا هو المقصود لإيجاد الخلق وخلق الناس، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ؛ أي: إلا ليُوحِّدون، فلا ينتظم التوحيد إلا بالإيمان بالقدر، والحياة كلها لا تنتظم إلا بالتوحيد، الذي هو الغاية التي خُلِق الخلق لأجلها وأُوجِدوا لتحقيقها.

وقد قال عليه الصلاة والسلام في شأن القدر والإيمان به، كما في "صحيح مسلمٍ"، قال : كل شيءٍ بقَدَرٍ، حتى العَجْز والْكَيْس [1]، وجاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: "كل شيءٍ بقدرٍ، حتى وضعك كفَّك على ذقنك هكذا بقدرٍ"، وقال طاووس رحمه الله: "أدركت ثلاثمائة صحابيٍّ يقولون: كل شيءٍ بقدرٍ"، وهذا من التحقيق للإيمان بالقدر؛ أن كل شيءٍ بقدرٍ، لا يخرج من ذلك شيءٌ، كل شيءٍ بقدرٍ.

قال عليه الصلاة والسلام: حتى العَجْز والْكَيْس، العَجْزِ: الضعف والوهن والكسل والفتور، إلى آخره. والْكَيْسِ: الفطنة والحِذْق والنباهة والجِدِّ والنشاط؛ هذا كله بقدرٍ.

وقد قال عليه الصلاة والسلام: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ [2]، وقال عليه الصلاة والسلام: أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فجرى في تلك الساعة بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة [3].

وفي حديث عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله : يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ؛ لم ينفعوك إلا بشيءٍ كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ؛ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف [4].

والأدلة والنصوص في بيان هذا الأصل العظيم في كتاب الله ​​​​​​​ وسُنة نبيِّه عليه الصلاة والسلام كثيرةٌ.

مراتب الإيمان بالقدر

والإيمان بالقدر حقيقته: إيمانٌ بعلم الله ، وكتابته، ومشيئته، وخلقه للمخلوقات؛ هذه الأربعة هي مراتب الإيمان بالقدر، ولا يكون مؤمنًا بالقدر من لم يؤمن بمراتبه هذه الأربعة:

  •  العلم.
  • والكتابة.
  • والمشيئة.
  • والإيجاد.

المرتبة الأولى: العلم؛ علم الله الأزلي، الواسع، المحيط بما كان وبما سيكون وبما لم يكن أن لو كان كيف يكون، هذا الإيمان بعلم الله ​​​​​​​ هو من الإيمان بالقدر: أن الله عَلِمَ ما كان، وعلم ما سيكون، وعلم ما لا يكون لو كان كيف يكون، مثل قوله : وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ [الأنعام:28]، يعني: الكفار لو رُدُّوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهوا عنه، هذا الأمر لا يكون، لا يقع، لا يُرَدُّ الكافر إلى الدنيا، لكن علم الله هذا الأمر لو كان كيف يكون، قال:وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ.

فالإيمان بعلم الله ​​​​​​​ المحيط، الشامل، الواسع، الأزلي، بكل شيءٍ؛ هذا من الإيمان بالقدر، أحدُ أركان ومراتب الإيمان بالقدر، يقول الله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ۝ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ۝  وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [سبأ:1-3].

وتقدَّم معنا قول الله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]. وترى في القرآن في خواتيم كثيرٍ من الآيات: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: 283]، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ [النور:41]، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة:234]، وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:153]، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [البقرة:265]، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحجرات:18]، في آياتٍ كثيرةٍ جدًّا.

فهذا الإيمان بعلم الله المحيط، الشامل، الأزلي، علمه بما كان، وما سيكون، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون؛ هذا ركنٌ من أركان الإيمان بالقدر، لا يقوم الإيمان بالقدر إلا عليه.

المرتبة الثانية: الكتابة: كتابة ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ۝وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر:52-53]، أي: كل ذلك مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70]، مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22].

فالإيمان بالكتابة هذا من الإيمان بالقدر، كتابة ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، وتقدَّم معنا قول النبي عليه الصلاة والسلام أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال القلم: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة... [5]، ومَرَّ معنا قول النبي : كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ [6].

  • إذن؛ المرتبة الأولى: العلم.
  • المرتبة الثانية: الكتابة.

المرتبة الثالثة: المشيئة، أي: إنه لا يقع شيءٌ إلا بمشيئة الله، إلا بإذنه، إلا بتقديره ، قال ​​​​​​​: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ۝وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ[التكوير:28-29]، الإيمان بمشيئة الله ​​​​​​​ النافذة، وقدرته الشاملة، مشيئته النافذة؛ ما شاء كان وفقًا لما شاء، طبقًا لما شاء، في الوقت الذي شاء، على الصفة التي شاء، لا يتخلَّف، ما شاء كان: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فما شاءه كان وفقًا لما شاءه .

ومن جميل النظم وحُسنه: أبياتٌ للإمام الشافعي رحمه الله، قال ابن عبدالبر: "هي أحسن ما قيل في باب الإيمان بالقدر"، يقول رحمه الله:

ما شئْتَ كان، وإنْ لم أشَأْ وما شئْتُ إن لم تَشأْ لم يكنْ
خلقتَ العبادَ لِما قد علمتَ ففي العلم يجري الفتى والمُسِنّ
على ذا مَنَنْتَ، وهذا خذلتَ وذاك أعنتَ، وذا لم تُعِنْ
فمنهمْ شقيٌّ، ومنهم سعيدٌ ومنهم قبيحٌ، ومنهم حسنْ [7]

يعني: هذا كله بماذا؟

كله بقدر الله ، ولا يقع في هذا الكون إلا ما كَتَبَه وقَدَّرَه وقضاه سبحانه.

الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر: الإيجاد للخلق، قال ​​​​​​​: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62]، وقال جلَّ وعلا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، وقال جلَّ وعلا: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]؛ أي: خلقكم وخلق أعمالكم، فمن الإيمان بالقدر: الإيمان بالخلق؛ خلق الله لكل شيءٍ.

فهذه مراتب الإيمان بالقدر: العلم، والكتابة، والمشيئة، والإيجاد.

أهمية التقيُّد بالدليل في باب القدر

وباب الإيمان بالقدر شأنه كشأن أصول الإيمان ، قال الله ​​​​​​​: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ۝الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:2-3]، شأنه شأن أصول الإيمان، فإن أصول الإيمان إنما تؤخَذ مِن ماذا؟

من كتاب الله وسُنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه، لا تؤخَذ بالتخرُّصات ولا بالآراء ولا بالعقول ولا بالظنون، ولا غير ذلك؛ إنما تؤخَذ بـ: قال الله، قال رسوله ؛ ولهذا تجدون كُتب أهل السُّنة تختلف عن كُتب غيرهم من أهل الأهواء والضلال؛ ففي كُتب أهل السُّنة يقول: نعتقد كذا لقول الله كذا، ونؤمن بكذا لقول رسول الله كذا، هذه طريقة أهل السُّنة. لكن لمَّا تنظر في كتب أهل الأهواء يقول: بما أنه كذا؛ إذن كذا، ويبني على ذلك عقيدةً وتخرصاتٍ وآراءً وفلسفاتٍ وظنونًا.

فالإيمان بالقدر هو كذلك، ما يُخاف فيه ولا يُتكلم فيه إلا بالدليل، في حدود الدليل ويقف الإنسان؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا ذُكر القدر فأمسكوا [8].

ما المقصود بـ "أمسكوا"؟ نحن الآن نتحدث على الإيمان بالقدر، لكن في ضوء ماذا؟ في ضوء الأدلة، نمشي مع الآيات، ومع الأحاديث، ومع النصوص، ومَن كان كذلك لا يضل بإذن الله ما دام قيَّد نفسه بالأدلة، يتكلم بالدليل، يذكر شيئًا بدليله، هذا لا يضل.

فإذن؛ إذا ذُكر القدر فأمسكوا، كيف يكون هذا الإمساك؟ حين يكون هناك خوضٌ في القدر بالتنازع والخصومات. انظر إلى مقام الصحابة؛ ما أرفعه! ومكانتهم؛ ما أعلاها! رضي الله عنهم وأرضاهم.

فقد جاء في الحديث الصحيح: أن النبي عليه الصلاة والسلام خرج على الصحابة يومًا وهم يتنازعون في القدر، فغضب عليه الصلاة والسلام حتى احمرَّ وجهه، كأنما فُقِئَ في وجنتيه حَبُّ الرمان، من الحمار في وجهه من الغضب، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أبهذا أُمرتم؟ أم بهذا أُرسلتُ إليكم؟ إنما هَلَكَ من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر، هذا سببُ هلاكِ أممٍ هلكت قبلكم بسبب تنازُعهم في هذا الأمر، عزمتُ عليكم، يقول للصحابة : عزمتُ عليكم ألا تَنَازَعوا فيه [9].

والقدر سِرُّ الله في خلقه، كما قال عليٌّ : "القدر سِرُّ الله في خلقه"، فما يخوض الإنسان في القدر إلا في حدود الأدلة فقط، كل كلمةٍ يقولها عن موضوع القدر بالدليل، بآيةٍ أو حديثٍ عن رسول الله .

لكن بعض الناس ضائعٌ تمامًا لمَّا يتحدث في هذا الباب، في باب القدر، فكثيرٌ من الأحاديث التي هي ليست مبنيةً على الدليل هي اعتراضٌ على الله وعلى أقداره ، وجرأةٌ، واعتراضٌ على الله وأقداره: لماذا قدَّر الله كذا؟ ولماذا لم يُقدِّر كذا؟ ولِمَ؟ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23]، لا تقل: لِمَ؟ ولكن قل: بِمَ؟ لا تقل: لِمَ فعل الله؟ ولكن قل: بِمَ أمر الله؟ أنت عبدٌ، مَن أنت حتى تقول: لِمَ أمر الله؟! ولِمَ فعل الله؟! من أنت؟!

هذا ما عَرَفَ نفسه، ولا عَرَفَ ربَّه، هذا الذي يقول: لِمَ؟ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ [الأنبياء:23]، لكن قل: بِمَ أمر الله؟ لأنك عبدٌ، تعرَّف على الذي أمرك الله به؛ لتعمل به، بِمَ أمر الله؟ بِمَ أمرني؟ وهذا واجبك أنت: أن تعرف الذي أمرك الله به؛ لتفعله ولتكون من أهله؛ ولهذا فإن باب القدر -مثل ما تقدَّم- ما يُخاض فيه إلا بالأدلة.

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان كثيرًا ما يقول: "مَن فارَقَ الدليل..."، ما معنى الدليل؟ قال الله وقال رسوله، "مَن فارَقَ الدليل؛ ضَلَّ السبيل، ولا دليلَ إلا بما جاء به الرسول ".

ويقول ابن أبي العز رحمه الله: "كيف يُرام الوصول إلى علم الأصول بغير معرفة ما جاء به الرسول ؟"؛ أي: لا يمكن هذا، ما يمكن أن تعرف أصول الدين -ومنها الإيمان بالقدر- إلا بالأدلة: قال الله وقال رسوله .

ولهذا فإن مالك بن أنسٍ الإمام رحمه الله يقول: "السُّنة سفينة نوحٍ ؛ من ركبها نجا، ومن تركها غَرِقَ وهَلَكَ"، فمن كان مُعتصمًا بالسُّنة مُستمسكًا بها؛ فإنه قد تحققت له السلامة والنجاة، ومن ترك السُّنة وانشغل بالطرائق التي عليها كثيرٌ من الناس في الاستدلال؛ ضَلَّ عن سواء السبيل، "مَن فارق الدليل؛ ضَلَّ السبيل، ولا دليلَ إلا بما جاء به الرسول ".

عرفنا أن القدر أربع مراتبَ: العلم، والكتابة، والمشيئة، والإيجاد.

مراتب التقدير

هناك أيضًا فيما يتعلق بالقدر أمرٌ ينبغي أن يُعلَم، هو من الإيمان بالقدر، وهو: معرفة مراتب التقدير في ضوء أدلة الكتاب والسُّنة، ومَن يتأمل نصوص الكتاب والسُّنة يجد أنها أربع مراتب:

المرتبة الأولى: التقدير العام الذي كُتِب في اللوح المحفوظ، ومَرَّ معنا شيءٌ من الأدلة عليه؛ مثل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ [10]، فالمرتبة الأولى: التقدير العام؛ يعني: الذي كُتِب في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ.

المرتبة الثانية: التقدير العُمري الذي يخص عمر كل إنسانٍ بعينه؛ رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، هذا أيضًا نوعٌ من التقدير.

وجاء في حديث عبدالله بن مسعودٍ  أن النبي قال: إن أحدكم يُجمَع خَلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل المَلَك... هذا الآن التقدير العُمري، ثم يُرسَل المَلَك فينفخ فيه الروح، ويُؤمَر بأربع كلماتٍ: بِكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ، الآن هذه الأربعة ما شأنها في ما كُتِب في اللوح المحفوظ؟

يقول العلماء: هذا تقديرٌ من بعد تقديرٍ، ليس خارجًا عن التقدير الأول، بل هو داخلٌ فيه، تقديرٌ من بعد تقديرٍ، يعني: بعد التقدير الذي كُتِب في اللوح المحفوظ، وهو داخل فيه؛ لأن هذا الذي يكتبه المَلَك هو أيضًا مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، قال: ويُؤمَر بأربع كلماتٍ: بِكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيدٌ. فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها [11].

المرتبة الثالثة من مراتب التقدير: التقدير السنوي، وهذا يكون في ليلة القدر، قال الله فِيهَا يعني: ليلة القدر، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]، جاء عن عددٍ من أصحاب النبي في معنى الآية: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ؛ أي: ما هو كائنٌ في تلك السنة إلى ليلة القدر الأخرى، يُفْرَقُ: يُكتَب، يُقدَّر -تقديرٌ أيضًا من بعد التقدير، داخل في التقدير الأول- ما هو كائنٌ إلى ليلة القدر الأخرى في السنة المقبلة.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، أرأيتَ إن علمتُ ليلة القدر أيَّ ليلةٍ هي؛ ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحِبُّ العفو فاعفُ عنِّي [12]، تُكرَّر: اللهم إنك عفوٌّ تُحِبُّ العفو فاعفُ عنِّي.

فإذا كُتِب لك قَدَرُك في تلك السنة وأنت تسأل الله العفو، انظر إلى المناسبة العظيمة بين الدعاء وشأن تلك الليلة، وأن فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4]! فيها يُكتَب ويُقدَّر ما هو كائنٌ إلى ليلة القدر الأخرى، فكان مُناسِبًا غاية المُناسَبة أن تسأل الله ماذا؟ أن يعفو عنك.

المرتبة الرابعة: التقدير اليومي، وهذا دَلَّ عليه قوله في سورة الرحمن: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29]، يُحيي ويُميت، ويُعز ويُذل، ويخفض ويرفع، ويُضحك ويُبكي، ويقبض ويبسط، يُدبِّر جلَّ وعلا، وهذه المخلوقات كلها طوع تدبيره، مشيئته فيهم نافذةٌ، وقدرته شاملةٌ لكل شيءٍ، ولا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّب لحُكمه .

فهذه مراتب التقدير في ضوء الأدلة من كلام الله وكلام رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. والمسلم يقف من هذه الأدلة والشواهد والدلائل على أن الأمور بقَدَرٍ، وأنه لا يقع إلا شيءٌ قَدَّره الله، وأن أعمال العباد التي يفعلونها أيضًا مُقدَّرةٌ وكتبها الله .

إشكالٌ وجوابه (فيمَ العمل مع وجود القدر؟)

هنا تأتي مسألةٌ مُهمةٌ، هي: إذا كان كلُّ شيءٍ مُقدَّرٌ ومكتوبٌ ولن يقع إلا المكتوب المُقدَّر؛ إذن ففيمَ العمل؟ لماذا لا نتَّكِلُ على المكتوب؟! فيم العمل؟ لِمَ العمل ما دام كل شيءٍ مكتوبًا مُنتهيًا فُرِغَ منه، إذن كُتِب ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، إذن ففيمَ العمل؟!

استمع إلى هذا الحديث، وهو في "الصحيحين"، حديث عليِّ بن أبي طالبٍ ، هذه مسألةٌ تُعتبَر كبيرةً ومن أهم المسائل في هذا الباب، وجوابها السديد الذي لا أسَدَّ منه، بل لا جوابَ غيره إلا هذا الذي ستسمعونه في الحديث، ولا بُدَّ أن نسمعه، ولا بُدَّ أن نَعِيَه، ولا بُدَّ أن نفهمه، ولا بُدَّ أن نُلزِم عقولنا بفهمه؛ لأنه هو الجواب الذي مَن يخرج عنه؛ يدخل في متاهاتٍ خاض فيها المتكلمون، وخاض فيها أقوامٌ حاصلها ضلالٌ وضياعٌ، هذا السؤال الكبير جاء في أذهان الصحابة ، جاء في أذهانهم، وجال في عقولهم، وسألوا النبي عنه.

جاء في الحديث في "الصحيحين"؛ حديث عليِّ بن أبي طالبٍ : أن النبي قال: ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب مقعده من الجنة، ومقعده من النار، فقال الصحابة : يا رسول الله، أفلا نَتَّكِلُ على كتابنا وندع العمل؟ واضحٌ الكلام؟ نَتَّكِلُ على كتابنا؛ يعني: الذي كُتِب، أن كل واحدٍ كُتِب مقعده في الجنة ومقعده في النار وندع العمل، نترك العمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: اعملوا، فكُلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له، أما مَن كان مِن أهل السعادة؛ فيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأما مَن كان مِن أهل الشقاء؛ فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة، ثم تلا: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى۝ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى۝ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ۝فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل:5-10] [13].

فانتظم الجواب أمرين، هما صلاح العبد وفلاحه في دنياه وأخراه، هما:

  •  الأمر الأول: في قوله: اعملوا، هذا الأمر بالعمل يُفيد أن هذا المأمور عنده مشيئة، وهو مأمورٌ في ضوء هذه المشيئة التي عنده أن يعمل بالطاعة، وأن يتجنَّب المعصية، وأن يسلك طريق الطاعة، ويتجنَّب طريق المعصية، اعملوا يدخل فيها: الصلاة والصيام والحج والبر والصلة والإحسان وفعل المعروف، ويدخل فيها أيضًا تجنُّب الأعمال المُحرَّمة، كلها داخلٌ في اعملوا.
  • والأمر الثاني: في قوله: كلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِق له، هذا فيه أن الأمور كلها بماذا؟ بأقدار الله .

فتجمع لنفسك بين أمرين:

  1. بذل الأسباب.
  2. والاستعانة بالله، وسؤاله المعونة، وسؤاله الثبات، وسؤاله التوفيق.

انظر في الدعوة التي كانت أكثر دعاء نبيِّنا صلوات الله وسلامه عليه، كان من أكثر دعائه: يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك، قالت له أم سلمةَ رضي الله عنها: أَوَإِنَّ القلوب لتتقلَّب؟! قال: ليس من آدميٍّ إلا وقلبُه بين أصبعين من أصابع الله يُقلِّبها كيف يشاء، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه [14].

ومن الدعوات في القرآن: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8].

وجاء في "الصحيح": من دعائه عليه الصلاة والسلام: اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك -لا إله إلا أنت- أن تُضلَّني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون [15].

وجاء عنه في الخروج من المنزل: اللهم اني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ [16].

فإذن؛ تحقيق الأمر في هذا الباب، وهو من تمام الإيمان بالقدر: بذلُ السبب دون اعتمادٍ على ماذا؟ دون اعتمادٍ على السبب، وإنما يُبذَل السبب ويُتوَكَّل على الله، كما قال سبحانه: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]، وكما قال عليه الصلاة والسلام : احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ فلا تقل: لو أني فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان [17].

والهداية والضلال بيد الله، يهدي من يشاء ويُضل من يشاء: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ [فاطر:8]، إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ [النحل:37]، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

الهداية والضلال بيد الله ؛ ولهذا من دعاء المؤمنين في قنوتهم: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن تولَّيت [18]، الأمور كلها بيده، فيَبذُل السبب طالبًا سبيل الهداية، سالكًا طريقهًا، داعيًا ربَّه، مُستعينًا بمولاه.

هذا حاصلُ الجواب، قال: اعملوا، فكُلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له، أما مَن كان مِن أهل السعادة؛ فيُيَسَّر لعمل أهل السعادة، وأما مَن كان مِن أهل الشقاء؛ فيُيَسَّر لعمل أهل الشقاوة [19]، والمُقدَّر على العبد أمرٌ مُغيَّبٌ لا يدري ما هو، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34].

يقول ابن عمرَ رضي الله عنهما: "لا تدري ما اسمك غدًا؟!"، هكذا يقول: "ما تدري ما اسمك غدًا؟"، ما يقول واحدٌ: أنا اسمي مُحمدٌ، وغدًا اسمه مُحمدٌ، لا؛ بل يقصد: الآن حيٌّ، وما تدري غدًا يكتبون اسمك في الأموات؛ هذا مقصوده، الآن أنت من الأحياء، وغدًا ما تدري: هل أنت منهم في أسماء الأحياء أم في أسماء الأموات؟ ما تدري ما اسمك غدًا، فهذا أمرٌ لا يَدري عنه العبد، مُغيَّبٌ عنه القدر لا يَعْلَم به، أو من طرق العلم به إذا وجد.

دعوني أضرب لكم مثالًا تفرحون به في هذا المجلس الذي أكرمنا الله ​​​​​​​ به، ونتذاكر هذا الموضوع الذي هو الإيمان بالقدر، هذا أمرٌ كتبه الله مُقدِّرًا وقوعه طبقًا لما قَدَّر ، فهذا فضل الله عليك. إن رأيت نفسك فيما قدَّره الله وكتبه في هذا الموطن، فاحمده على أن قدَّر لك ذلك، وسَلْهُ المزيد من فضله، والثبات على الحق والهدى، والعون على طاعته، والهداية إلى سبيل رضاه، والإعاذة من سُبل الضلال، والنجاة من طرق الزيغ، كُنْ دائمًا مُلتجئًا إلى الله ​​​​​​​ مُعتصمًا به، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:101]، كن مُعتصمًا بالله.

ونحن أُمرنا بنوعين من الاعتصام في القرآن، قال جلَّ وعلا: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:78] في آخر سورة الحج، وقال : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، والآيتان جمعتا المعنيين المُتقدِّمين:

  • وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ: استمسكوا بالدين، وأَلْزِموا أنفسكم بالدين والطاعة والعبادة والخضوع والذل لله .
  • وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ أي: مُتوكِّلين عليه، مُستعينين به، مُفوِّضين أموركم إليه، هو مولاكم نعم المولى، ونعم النصير؛ فمن استعان بالله أعانه، ومن توكَّل على الله كفاه،أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ [الزمر:36]، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3].

فحاصل الكلام: أن الإيمان بالقدر من تمامه وتحقيقه بذلُ السبب، كما قال عليه الصلاة والسلام: اعملوا [20]، هذا بذل السبب، وكما قال عليه الصلاة والسلام: احرصْ على ما ينفعك [21]، وكما في الآية الكريمة: فَاعْبُدْهُ [هود:123]؛ هذه كلها بذلٌ للأسباب، كما في سورة الفاتحة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، جمع بين الأمرين، جمع بين هذين الأصلين العظيمين.

الطوائف التي ضلَّت في باب القدر

وباب الإيمان بالقدر -هذا الباب العظيم- ضلَّ فيه طائفتان، يدخل تحتها أيضًا تفاصيل؛ لكن في الجملة ضلَّ فيه طائفتان خالفتا الحق، الذي دَلَّ عليه كتاب الله وسُنة نبيِّه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

الأولى: "القدرية النُّفاة": هؤلاء يُقال عنهم "قدريةٌ نُّفاةٌ"؛ لأنهم نُفاةٌ للقدر، ووُجدوا في وقتٍ مُبكِّرٍ؛ فقد جاء في "صحيح مسلمٍ": أن ابن عمر رضي الله عنهما جاءه رجلان من العراق، وقالا: إن قبلنا أقوامًا يقولون: "لا قَدَرَ، وإن الأمر أُنُفٌ"؛ يعني: غير مُقدَّر، فقال لهما عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: "فإذا لقيت أولئك؛ فأخبرهم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرَآءُ مني، والذي يحلف به عبدالله بن عمر لا يقبل الله عمل أحدٍ منهم ما لم يؤمن بالقدر"، ثم ساق الحديث الطويل لجبريل : عن أبيه عمر بن الخطاب ، عن النبي ، وذكر الحديث الطويل لجبريل من أجل جملةٍ واحدةٍ فيه، هي: وأن تؤمن بالقدر؛ خيره وشره [22].

هذا أصلٌ كيف يُنكَر؟! هذا أصلٌ من الإيمان، وركنٌ من أركان الدين، ما ينتظم الدين إلا به، وهؤلاء يقولون: لا قَدَرَ! فهؤلاء يقال لهم ماذا؟! "القدرية النُّفاة" يُكذِّبون بالقدر، واذا قيل لهم: أعمال العباد، إذا كنتم تنفون القدر وأن الله ما قدَّرها؛ فمن الذي أوجدها؟ من الذي خلقها؟ يقولون: الإنسان نفسه! فجعلوا مع الله ماذا؟ خالقين، ليس خالقًا بل خالقين، كل إنسانٍ عندهم خالِقٌ لفعل نفسه؛ ولهذا فإن السلف قديمًا سمَّوهم "مجوس هذه الأمة"، سمُّوا هؤلاء القدرية النُّفاة "مجوس هذه الأمة"؛ لقولهم بنفي القدر وإن الإنسان هو الخالق لفعل نفسه.

الثانية: طائفة أخرى ضد هؤلاء، يُقال لهم: "القدرية المُجبِرة"، غَلَوْا في إثبات القدر حتى جرَّدوا الإنسان من المشيئة مطلقًا، قالوا: الإنسان ليست عنده مشيئةٌ، وهو كالورقة في مهبِّ الريح، لا مشيئةَ له ولا اختيار، هذا قول من؟ القدرية المُجبِرة، يعني: الإنسان مجبورٌ على فعل نفسه.

وهؤلاء الذين يُقال لهم "القدرية المُجبِرة"، عقيدتهم -وهذا من دليل فساد العقيدة- لا يطردونها في كل شيءٍ، لا يُطبِّقونها في كل شيءٍ.

الآن لو أن أحدًا جاء وصفع واحدًا من هؤلاء القدرية المُجبِرة على وجهه، حتى سقط على قفاه، وقال له: إنك الورقة في مهبِّ الريح، ما تعمدت ولا قصدت؛ هل يقبل ما تقتضيه عقيدته؟

أو جاء أحدٌ وأخذ ماله أمامه وذهب به، ولمَّا طالَبَ به قال: لا، هذا ما فعلتُه باختياري، هذا مُقدَّرٌ، يعني: هذا مُجبَرٌ عليه، ما لي مشيئةٌ، أنا كالورقة في مهبِّ الريح، يقول له: "بلا ورقة وبلا مهب ريحٍ، هاتِ المال حقي"، ما يقبل عقيدته، ما يُنفِّذها، وتجده يخاصم ويجادل، لكن لما تقول له: صَلِّ، وصُمْ، وتصدَّق، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77]، يقول: أنا مُجبَرٌ، وهذه هلكةٌ.

يُستدَلُّ بالقدر على المصائب، ولا يُستدَلُّ به على المعائب

ومِن أقبح ما يكون في هذا الباب: أن يَستدِلَّ واحدٌ من هؤلاء على المعائب، يعني: على الشر والفساد الذي يفعله بماذا؟ بالقدر، وهذه طريقة المشركين: لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ[الأنعام: 148]، طريقة المشركين، وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ۝قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ [الأعراف:28-29]، ولهذا فإن أهل العلم من أهل السُّنة يقولون: "يُستدَلُّ بالقدر على المصائب، ولا يُستدَلُّ بالقدر على المعائب".

"يُستدَلُّ بالقدر على المصائب" يعني: إنسانٌ أصابته مصيبةٌ، قال: قدَّر الله وما شاء فعل، هذا في محله، قدَّر الله وما شاء فعل. لكنَّ رجلًا مثلًا يترك الصلاة، يقال له: لماذا لم تصلِّ؟ قال: قدَّر الله وما شاء فعل، هذا باطلٌ، هذه طريقة المشركين، أو يفعل الفاحشة والمُحرَّم ويُقال له، ويقول: قدَّر الله وما شاء فعل، هذا باطلٌ.

يُستدَلُّ بالقدر على المصائب، ولا يُستدَلُّ بالقدر على ماذا؟ على المعائب، المعائب إذا وقع الإنسان وابتُلي بشيءٍ منها يسأل ربه ماذا؟ أن يَمُنَّ عليه بالتوبة؛ لأنه أصلًا لا يتوب إلا بقَدَرٍ، كما قال الله تعالى ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة:118]، تَابَ عَلَيْهِمْ يعني: وفَّقهم للتوبة، ما تكون توبةٌ إلا بقَدَرٍ، فيسأل ربه أن يُوفِّقه للتوبة، أن يُيسِّر له أمر التوبة، وإذا تاب يسأل الله أن يُثبِّته على ماذا؟ أن يُثبِّته على الحق، وأن يُثبِّته على الهدى، وأن يُعِيذه من الضلال، وأن يُنجِّيَه من سُبل الرَّدى.

ثمار الإيمان بالقدر

والإيمان بالقدر فوائده عظيمةٌ على العبد ومنافعه كبيرةٌ جدًّا، ومن ذلكم: ما يتعلق بالمصائب التي تُصيب العبد، انظر قول الله تعالى في سورة الحديد: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ۝لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ [الحديد:22-23]، انظر فائدة الإيمان: لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ، فهذه فائدة الإيمان بالقدر: لا تحزن على ما فات، ولا تفرح فرحَ أَشَرٍ وَبَطَرٍ، واعلم أن هذا شيءٌ قدَّره الله وشيءٌ كتبه وشيءٌ قضاه .

انظر مثلًا قول الله ​​​​​​​: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ۝الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155-156]، إِنَّا لِلَّهِ يعني: عبيدٌ لله، يُقدِّر ما يشاء، ويقضي ما يشاء، ويحكم بما يشاء، عبيدٌ له؛ هذا من الإيمان بالقدر إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157].

ولهذا فإن الإيمان بالقدر فيه التسلية في المصاب، وتجد المؤمن تُصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويُسلِّم، مثل ما قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11]، قال بعض السلف: هو المؤمن تُصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويُسلِّم، قال جلَّ وعلا: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا [التوبة:51]، لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا.

المؤمن يُفيده إيمانه بالقدر فوائدَ عظيمةً جدًّا في حياته، ومن فوائد الإيمان بالقدر العظيمة: أنه يزيد العبد تعلُّقًا بالله، وسؤالًا لله، وإلحاحًا على الله، وضراعةً إلى الله، واستعانةً بالله، وتوكُّلًا على الله؛ لأنه يعلم أن كل شيءٍ بقدره .

كذلك في باب النصر والعز والتمكين: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:160]، فثماره وآثاره على العبد في دنياه وأخراه كثيرةٌ.

ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبأنه الله الذي لا إله إلا هو، أن ينفعنا أجمعين بما علَّمنا، وأن يزيدنا علمًا وتوفيقًا، وأن يصلح لنا شأننا كله، وأن يهدينا إليه صراطًا مستقيمًا.

اللهم إنا نعوذ بك أن نَضِلَّ أو نُضَلَّ، أو نَذِلَّ أو نُذَلَّ، أو نَظلِم أو نُظلَم، أو نَجهل أو يُجهل علينا.

اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنبنا، وبك خاصمنا، نعوذ بعزتك -لا إله إلا أنت- أن تضلنا، فأنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون.

اللهم يا مُقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهبْ لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفة والغنى.

اللهم إنا نسألك الهدى والسداد.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت.

اللهم أعنّا ولا تُعِن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسِّر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا.

اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، إليك أواهين منيبين، لك مخبتين لك مطيعين.

اللهم تقبَّل توبتنا، واغسل حوبتنا، وثبِّت حجتنا، واهدِ قلوبنا، وسدِّد ألسنتنا، واسْلُل سخيمة صدورنا.

اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، ونسألك شكر نعمتك، وحُسن عبادتك، ونسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقا، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراءَ مُضرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضلَّةٍ.

اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مُهتدين.

اللهم حبِّب إلينا الإيمان وزيِّنه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا رب العالمين أصلح لنا أجمعين النية والذرية والعمل.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك نبيِّنا محمدٍ، وآله وصحبه أجمعين.

^1 رواه مسلم: 2655.
^2 رواه مسلم: 2653.
^3 رواه أبو داود: 4700، والترمذي: 3319، وأحمد: 22705، بنحوه؛ وصححه محققو المسند.
^4 رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7957.
^5, ^10, ^19, ^20, ^21 سبق تخريجه.
^6 سبق تخريجه
^7 السنن الكبرى، للبيهقي: 10/ 348.
^8 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 1427، والبيهقي في "القضاء والقدر": 444؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 545.
^9 رواه الترمذي: 2133، والبزار في "البحر الزخار": 10063، وأبو يعلى في مسنده: 6045.
^11 رواه البخاري: 3208، ومسلم: 2643.
^12 رواه الترمذي: 3513، والنسائي: 7665، وابن ماجه: 3850، وأحمد: 25495؛ وصححه محققو "المسند"، والألباني في "صحيح الجامع": 4423.
^13 رواه البخاري: 4949، ومسلم: 2647.
^14 رواه الترمذي: 3522، والنسائي: 7690، وابن ماجه: 3834، وأحمد: 26679؛ وصححه محققو المسند، والألباني في "صحيح الجامع": 4801.
^15 رواه مسلم: 2717.
^16 رواه أبو داود: 5094، والنسائي: 5486، وابن ماجه: 3884، وأحمد: 26704؛ وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4709.
^17 رواه مسلم: 2664.
^18 رواه أبو داود: 1425، والترمذي: 468، والنسائي: 1745، وابن ماجه: 1178؛ وصححه محققو المسند.
^22 رواه مسلم: 8.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©