تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. أسامة بن عبدالله خياط
فضيلة الشيخ د. أسامة بن عبدالله خياط

من قوله: "قال العبد الضعيف الخامل .."

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأوَّلين والآخرين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحابته أجمعين.

مُوجَز عن المؤلف والكتاب وسبب اختياره للدروس

أما بعد:

فهذا الدرس الأول -إن شاء الله تعالى- في شرح كتاب "نيل المَرَام في أحاديث الأحكام" للعلامة محمد صديق حسن خان رحمه الله تعالى، القنوجي، البخاري، رحمة الله عليه، وهو صاحب مُؤلَّفاتٍ كثيرةٍ، من المُكثرين في التأليف، والمُجيدين فيه أيضًا، وهذا قَلَّ أن يجتمع؛ أن تجتمع كثرة التَّأليف مع الإجادة والتَّحقيق والإتقان، لكن هذا ممن جمع اللهُ له بين هذين الأمرين؛ بين الإكثار من التَّأليف، فمُؤلَّفاته كثيرةٌ جدًّا في الحديث، وفي الفقه، وفي التفسير، وفي العقيدة، وفي التوحيد، وفي غير ذلك من العلوم الشرعية، ليس علمٌ منها إلا وقد ضرب فيه بسهمٍ رحمة الله عليه.

وكان قد تزوج ملكة (بهوبال) في الهند لمَّا كانت ممالك أو ولايات، فقد تزوج هذه الملكة -ملكة (بهوبال) في الهند- وتيسر له من المَقْدِرة المادية، ومن الاقتدار على التَّفرغ للعلم ما ساعده على ذلك، ولكن هذا على كل حالٍ من فضل الله: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21].

فهذا أحد كتبه العظيمة، الجليلة، المُوجَزة، الصالحة للدروس العامَّة، واللقاءات العامَّة، مثل هذا الدرس.

وله أيضًا في شرح أحاديث الأحكام كتابٌ قريبٌ من هذا في حجمه، وهو كتابٌ مُوجَزٌ، ويتميز بمزايا كثيرةٍ، وإلا فالكتب المُتعلقة بشرح آيات الأحكام كثيرةٌ ومُتعددةٌ بين القديم والحديث، ومن أشهرها كتاب أبي بكر الجَصَّاص الحنفي: "أحكام القرآن"، وكذلك كتاب: "الجامع لأحكام القرآن" لأبي بكر ابن العربي المالكي، والإمام الشافعي كذلك يُنْسَب إليه كتابٌ في هذا، وللمعاصرين كتبٌ كثيرةٌ أيضًا.

لكن هذا الكتاب تميز بمزايا خاصةٍ، من أهمِّها: الوَجَازة، الإيجاز مع عدم الإخلال، وأنه يختم كل كلامٍ على آيةٍ بطائفةٍ من الآثار والأحاديث المُوجَزة أيضًا، كأنها للتَّأصيل أو للتَّدليل على ما قاله في شرحه المُوجَز، المُركَّز، العميق، الذي كُتِبَ بعباراتٍ سَلِسَةٍ، واضحةٍ، لا غموضَ فيها ولا تعقيد، ولا اصطلاحات غامضة، فهو يصلح لأهل هذا العصر، مع أنه هو ليس في عصرنا هذا، قبل ذلك بقرنٍ أو قرنين؛ لأنه من تلاميذ ...

المهم الآن أننا سنرى جميعًا -إن شاء الله- جلالة هذا الكتاب ومزاياه عمليًّا عندما نقرأ فيه.

خطبة الكتاب

نبتدئ درسنا -إن شاء الله تعالى- هذه الليلة باستماع خطبة كتابه رحمه الله، نعم.

القارئ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الولي الحميد، الفَعَّال لما يُريد، وأُصلي وأُسلم على النبي المجيد، وعلى آله وصحبه وسائر العبيد.

أما بعد:

اللهم انفع بعلوم شيخنا، وبارك في علمه وعمله وعمره، وزِدْهُ يا ربّ إحسانًا وسَدَادًا وتوفيقًا، اللهم آمين.

قال الإمام المُصنف رحمه الله تعالى السيد صديق حسن خان القنوجي البخاري رحمه الله، المُتوفى عام 1307 من الهجرة.

الشيخ: يعني: في بداية القرن الماضي -وهو القرن الرابع عشر- تُوفِّي رحمه الله.

يعني: هو في القرن الذي قبله، عاش معظم حياته في القرن الذي قبله، في القرن الثالث عشر، لكنه أدرك بداية القرن الرابع عشر، وهو الذي تُوفِّي فيه، في بداية القرن الرابع عشر، القرن الماضي 1307.

القارئ: قال رحمه الله في مقدمة كتابه: "نيل المَرَام من تفسير آيات الأحكام":

بسم الله الرحمن الرحيم
قال العبد الضعيف الخامل المُتواري صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري، ختم الله له بالحُسْنَى:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي الأمين، وعلى آله الطَّاهرين، وصحبه الراشدين.

تنبيهٌ حول صيغة الصلاة على النبي

الشيخ: هنا اقتصر على الصلاة على النبي ، وليس واضحًا هل إسقاط السلام عليه صلوات الله وسلامه عليه كان منه؟ لأنه اقتصر على قوله: "وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي الأمين، وعلى آله الطَّاهرين، وصحبه الراشدين"، ما ندري هل هو أسقطها؟ يعني: إسقاط السلام عليه ؛ لأن الصلاة والسلام على رسول الله مُقترنان مع بعضهما.

وذكر العلماء: أنه يُكْرَه الاقتصار على الصلاة عليه ، دون السلام عليه.

في آداب الصلاة على النبي لا تقل: صلى الله عليه فقط، لا، تجمع بين الصلاة والسلام عليه؛ لأنه ورد الحديث بذلك: قد عرفنا كيف نُسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ [1].

فالصلاة والسلام مُجتمعان مع بعضهما؛ ولذلك قالوا: إنه يُكْرَه الاقتصار على ذكر الصلاة فقط دون السلام عليه.

وهذا كثيرٌ مَن يصنعه، خاصةً في أهل الأدب، فالمُؤلِّفون القُدامى في كتب الأدب يُصلون على النبي ويُسْقِطون السلام عليه: صلى الله عليه، مثل: الجاحظ، وكذلك تلميذه ابن قتيبة، وغيرهما من أهل الأدب، تجد في كتبهم هذا كثيرًا: صلى الله عليه، صلى الله عليه، فقط بدون السلام، وهذا مكروهٌ عند أهل العلم: أنك تقتصر على الصلاة عليه فقط، لا بد أن تجمع بين الصلاة والسلام.

وهناك دليلٌ واضحٌ من القرآن على ذلك، وهو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، جمع بين الصلاة والسلام عليه؛ ولذلك لا بد من الجمع بينهما.

وأما الاقتصار على الصلاة فقط، فهذا كرهه كثيرٌ من العلماء، وقالوا: إن هذا مكروهٌ؛ لأنه مُخالفٌ لما أتى به القرآن، ولما ورد في الصحيح من سُنته عليه الصلاة والسلام من الجمع بين هذين الأمرين.

لكن على كل حالٍ هذا قد يكون سقطًا من النَّاسخ، فما نستطيع أن نجزم بأن هذا منه؛ لأن هذه الكتب المنسوخة يتصرف أحيانًا النُّسَّاخ في النُّسخ الخطية، فَيُسْقِطون شيئًا، وأحيانا يُضِيفون شيئًا.

فعلى كل حالٍ هذا بمناسبة الاقتصار تنبيهٌ على أنه لا بد من الجمع بين الصلاة والسلام عليه ، وما تقتصر على الصلاة فقط، وأن هذا مكروهٌ، نعم.

موضوع الكتاب وعدد آيات الأحكام

القارئ: قال رحمه الله:

وبعد:
فهذه الآيات التي يحتاج إلى معرفتها كلُّ راغبٍ في معرفة الأحكام الشرعية القرآنية، وقد قيل: إنها خمسمئة آيةٍ، وما صحَّ ذلك، وإنما هي مئتا آيةٍ، أو قريبٌ من ذلك.
وإن عَدَلْنَا عنه، وجعلنا الآية كل جملةٍ مفيدةٍ يصح أن تُسمَّى: كلامًا في عُرْف النُّحاة؛ كانت أكثر من خمسمئة آيةٍ، وهذا القرآن مَن شكَّ فيه فَلْيَعُدّ.
ولا أعلم أن أحدًا من العلماء أوجب حفظها غيبًا، بل شرط أن يعرف مواضعها؛ حتى يتمكن عند الحاجة من الرجوع إليها، فمَن نقلها إلى كراسةٍ وأفردها كَفَاه ذلك.
ولم أَسْتَقْصِ فيها نوعين من آيات الأحكام:
أحدهما: ما مدلوله بالضَّرورة، كقوله : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]؛ للأمان من جهله إلا أن تشتمل الآية من ذلك على ما لا يُعلم بالضَّرورة، بل بالاستدلال، فأذكرها لأجل القسم الاستدلالي منها؛ كآية الوضوء والتَّيمم.
وثانيهما: ما اختلف المُجتهدون في صحة الاحتجاج به على أمرٍ مُعينٍ، وليس بقاطع الدلالة ولا واضحها، فإنه لا يجب على مَن لا يعتقد فيه دلالةً أن يعرفه؛ إذ لا ثمرة لإيجاب معرفة الاستدلال به، وذلك كالاستدلال على تحريم لحوم الخيل بقوله تعالى: لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8].

الآيات التي استثناها المؤلف من "نيل المَرَام" وسبب استثنائها

الشيخ: يعني: أنه يتحدث الآن في مطلع خطبته أو مقدمة كتابه عن موضوع الكتاب، وأن موضوع الكتاب هو آيات الأحكام، أو تفسير آيات الأحكام، وعَرَضَ موضوع العدد؛ عدد الآيات التي فيها أحكام أو آيات الأحكام، وقال بأنه قيل -وهذا القول مشهورٌ مُتناقلٌ بين العلماء أو بين المُؤلِّفين في آيات الأحكام- أنها خمسمئة آيةٍ، أن عدد آيات الأحكام خمسمئةٍ.

لكنه لم يَرْتَضِ هذا العدد، المصنف رحمه الله رفض هذا، أو لم يَرْتَضِ هذا، وقال بأن هذا ليس بصحيحٍ، هذا العدد خمسمئة آيةٍ للأحكام، هذا ليس بصحيحٍ، وإن كان قيل ذلك، وإن كانوا قالوه، أو تداولوه، أو انتشر أنه خمسمئةٍ، لكنه ليس بصحيحٍ.

طيب، ما الصحيح؟

قال: الصحيح أنها مئتا آيةٍ أو دون ذلك، أو نحو ذلك.

يعني: هي لا تكون مئتين كاملتين، قد تكون قريبًا من ذلك، قريبًا من المئتين، يعني: مئةً وتسعين، مئةً وخمسةً وتسعين، أما خمسمئةٍ لا، ليس بصحيحٍ، مع انتشار هذا القول، ومع تناقله بين المُؤلفين أو المُصَنِّفين، وبين المُشْتَغِلين بالعلم أنها خمسمئة آية.

هذا قولٌ مشهورٌ، لكن قال: إنه ليس بصحيحٍ، والعدد أقلّ من ذلك، ما يزيد على مئتي آية، وإلا -يعني يقول- فقضية زيادة العدد إذا أردتم الزيادة، كأنه يقول: إذا أردتم أننا نزيد آيات الأحكام، فإننا بناءً على أن كل كلامٍ مُفيدٍ ... إن عدلنا عن هذا، إن قلنا: ما هي بخمسمئة آية، بل هي أكثر، خمسمئة أو أكثر، إذا أردتم أن نزيد في هذا فهذا ممكنٌ، الزيادة ممكنةٌ، لكن بأيِّ صفةٍ، أو بأيِّ حالٍ: أننا نجعل الآية كل جملةٍ مفيدةٍ يصح أن تُسمَّى: كلامًا في عُرْف النُّحاة.

الكلام في عُرْف النُّحاة ما هو؟

الكلام في عُرْف النُّحاة: هو اللفظ المُفيد المُرَكَّب بالوضع.

فبناءً على عُرْف النُّحاة بأن هذا هو الكلام عندهم؛ الكلام المفيد، والقرآن كله مُفيدٌ، لا شكَّ فيه، فكل آيةٍ فيها كلامٌ مفيدٌ، وفيها كلامٌ مُرَكَّبٌ، يعني: أكثر من اثنين، ما هو واحد، وكلامٌ مفيدٌ، لا شكَّ في إفادة كلام الله، بل هو الكلام المُفيد على الحقيقة، فالكلام المُفيد على الحقيقة هو كلام الله تعالى، وكلام رسوله ، فهو كلامٌ مُفيدٌ.

فإذا قلنا: إنه بناءً على عُرْف النُّحاة أنه الكلام المُفيد، وجعلنا كل جملةٍ مفيدة، فالآية جعلناها جملةً مفيدةً، فمعناه: أننا يمكن أن نزيد العدد، ليس فقط إلى خمسمئة، يعني: أنا لا أرضى بخمسمئة، لكن إذا أردتم أن يصل بناءً على هذا العُرْف، أو بناءً على استعمال عُرْف النُّحاة.

واضح الكلام؟

أننا إذا استعملنا عُرْف النُّحاة بأن الكلام هو اللفظ المُفيد بالوضع المُرَكَّب، فهذا معناه: أنه ما من آيةٍ إلا ويمكن ... يعني: ما أكثر الآيات التي تصلح أن تدخل تحت هذا!

فبذلك -بهذه الحَيْثِية، أو بهذه الصفة، أو بهذه الحال- يزيد العدد أضعافًا مُضاعفةً إذا أردنا الزيادة، لكنها في الحقيقة ليست زيادةً، يعني: ما نقصد الزيادة، إنما نقصد التَّحقيق، كم العدد على التَّحقيق؟ ما نقصد الزيادة.

أنك تجد خمسمئةٍ فتراها قليلةً، يعني: بعض الناس يراها قليلةً، أيش خمسمئة آية للأحكام؟

فيقول: هي الحد الأدنى، يعني: نحن نقول بأن خمسمئة كأنها الحدُّ الأدنى.

هو يقول: لا، هي ما وصلتْ إلى خمسمئةٍ أصلًا، وإذا كانت المسألة مسألة زيادةٍ فهذا ممكنٌ بسهولةٍ.

ثم بعد ذلك -كأنه نوعٌ من الجزم والثقة بصحة كلامه- قال: مَن شكَّ في هذا العدد الذي ذكرتُه، أو هذا الإحصاء الذي بَيَّنْتُه، فأمامه القرآن فَلْيَعُدّ هو، يقوم بإحصائه، اترك إحصائي أنا، اترك العدد الذي ذكرتُه، واترك الإحصاء الذي ذكرتُه أو عرضتُه، وقم أنت بالإحصاء بنفسك، وانظر، والمسألة ما تحتمل.

يعني: إذا لم تُصدق العدد، أو وجدتَ كلامي ليس دقيقًا، أو ليس مُطابقًا للواقع، فأنت قُمْ بالعدِّ، والقرآن بين يديك، وعُدَّ الآيات، وانظر إلى هذا، يعني: ما يحتمل الأمر غير ما هو معروفٌ ومجزومٌ به.

الحاصل: أن عدد آيات الأحكام خمسمئة، يقول: ليس بصحيحٍ، بل هي أقلُّ من ذلك، وأن مَن شكَّ في ذلك فَلْيَقُمْ بالإحصاء بنفسه، يترك إحصائي، يترك الإحصائية التي قمتُ بها، أو العدد الذي ذكرتُه، والتعداد الذي بَيَّنْتُه، وَلْيَقُمْ هو إذا شكَّ في ذلك بالعَدِّ، فالقرآن بين يديه، فَلْيَعُدَّ ويُعْطِينا النتيجة.

ثم بعد ذلك قال رحمه الله: إني ذكرتُ آيات الأحكام التي في القرآن إلا نوعين من آيات الأحكام لم أذكرهما، لم أُوردهما في كتابي:

النوع الأول ما هو؟

هو ما مدلوله بالضَّرورة، الذي يُسمُّونه: العلم الضَّروري، يعني: الذي تضطر العقول إلى فهمه اضطرارًا، ما تحتاج فيه إلى دليلٍ.

يعني: أنه واضحٌ وضوح الشمس، ما يحتاج إلى استدلالٍ، يُسمونه: العلم الضَّروري.

وضرب مثالًا على ذلك بقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، هذا كلامٌ واضحٌ، أمرٌ واضحٌ جدًّا، ولا يحتاج إلى استدلالٍ، يعني: في إدراك معناه وفي إدراك مدلوله واضحٌ جدًّا، ما يحتاج، على سبيل المثال: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ، هذا من العلم الضَّروري.

هذا القسم قسم العلم الضَّروري، إذا كانت الآية من العلم الضَّروري، يعني: الذي تضطر العقول إلى معرفته بَدَاهَةً، يُسمُّونه: علمًا بَدَهِيًّا، بعبارةٍ أخرى، يعني: مفهومًا، واضحًا، ما يحتاج إلى دليلٍ ولا استدلالٍ.

هذا ما أذكره، إذا كانت الآية بهذه المثابة أو من هذا النوع من آيات الأحكام، وإن كانت فيها أحكامٌ فأنا لا أذكرها؛ لأنها واضحةٌ، بدهيةٌ، واضحةٌ جدًّا، ما تحتاج إلى كلامٍ عليها.

هذا نوعٌ، لكن يستثني من هذا النوع الآية التي فيها علمٌ استدلاليٌّ، التي تحتاج إلى استدلالٍ، هي واضحةٌ بذاتها، لكنها بالإضافة إلى كونها من العلم الضَّروري، يعني: الذي تضطر العقول اضطرارًا؛ لوضوحها وبيانها الشديد، واضحةٌ جدًّا، هذا الوضوح يضطر العقول اضطرارًا إلى فهمها بدون حاجةٍ إلى دليلٍ، هذا العلم الضَّروري.

ويُقابله العلم النَّظري الذي تحتاج معرفته والوقوف عليه إلى استدلالٍ -إلى دليلٍ- يُسمونه: نظرًا واستدلالًا، هذا العلم يُقال له: النَّظري.

لكن الآية التي من النوع الأول -وهي من العلم الضروري- إذا كانت هذه الآية تشتمل على ما لا يُعلم بالضرورة، يعني: فيها جانب ضروري، وفيها جانب نظري، فيها جانب من العلم الضروري، الآية الواحدة، نفس الآية، فيها جانب علم ضروري واضح ما يحتاج إلى ... لكن أيضًا تشتمل على علم نظري، تشتمل على ما لا يُعلم بالضرورة، بل لا بد فيه من النظر والاستدلال؛ إذا كانت الآية من هذا النوع فإني أذكرها وإن كانت من النوع الأول.

والنوع الثاني الذي لا أذكره -الذي لا يريده في هذا الكتاب- هو: ما اختلف المجتهدون في صحة الاحتجاج به، الآية التي هي من آيات الأحكام، لكن اختلف الأئمة المجتهدون في صحة الاحتجاج بها، يعني: اختلفوا في أنها فيها حكمٌ، أو ليس فيها حكمٌ، لا، هي مُشتملةٌ على الحكم، لكن هل يصح الاحتجاج بها على هذا الحكم الذي قالوا به؟

إذا كانت الآية بهذه الصفة مما اختلف فيها الأئمة المجتهدون: هل يصح الاحتجاج بها على ما ذهبوا إليه أو لا يصح؟ فإني أيضًا لا أذكرها، إذا كانت مما اختلف فيه الأئمة المجتهدون في صحة الاحتجاج به.

لماذا؟

قال: لأن هذا لا يجب على مَن لا يعتقد، الذي يعتقد أن الآية تدل على هذا الذي ذهب إليه هو الذي يلزمه أن يعرف الحكم، ويعرف معناه، أما الذي لا يعتقد هذه الدلالة، ما يرى في هذه الآية دلالةً على هذا الحكم؛ ما يحتاج إلى أن يعرف معناها.

يعني: نجلس نشرح له معناها، ونقول له: كذا وكذا؛ لأنه لا يرى أن هذه الآية تدل على هذا الحكم، فلا يلزمه معرفتها؛ فلذلك نحن لا نحتاج إلى أن نُبيِّن له معناها؛ لأنه لا يعتقد صحة الدلالة فيها.

هذا الكلام كله على النوع الثاني الذي لا يذكره في هذا الكتاب، وهي آياتٌ وإن كانت مُتضمنةً للأحكام، لكن وقع الخلاف في صحة الاستدلال بها على الحكم الذي اشتملتْ عليه، وقع الاختلاف بين الأئمة المجتهدين.

وذكر مثالًا على الآية التي وقع اختلاف الأئمة المجتهدين في صحة الاستدلال بها على ما ذهبوا اليه.

ما المثال الذي ذكره؟

آية الخيل نموذج تطبيقي على الآيات المُسْتَثْنَاة المُختلف فيها بين الأئمة

القارئ: قال رحمه الله:

وذلك كالاستدلال على تحريم لحوم الخيل بقوله تعالى: لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8].

الشيخ: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً [النحل:8] هذه الآية في سورة النحل، وهذه مما وقع الخلاف بين الأئمة المُجتهدين فيها -أئمة الفقه- مثل: الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم من الأئمة المجتهدين.

ما دام ذكرها هنا سأذكرها من الباب الفائدة؛ حتى لا نَمُرَّ عليها مرورًا بدون أن نخرج منها بفائدةٍ.

وقع الخلاف بين الأئمة فيها، بين الإمامين: مالك رحمه الله والشافعي؛ فالإمام مالكٌ يقول بأن هذه الآية ... استدلَّ بها.

نحن نتكلم عن: أن هذه الآية هل يصح الاستدلال بها على تحريم لحوم الخيل أم لا يصح؟

هذا موضع البحث، والآية هي قوله تعالى: لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً، هذا الجزء من الآية، أو هذه الآية هل يصح أن تكون دليلًا صحيحًا على تحريم لحوم الخيل أو لا يصح؟ هل يصح الاستدلال بها على تحريم لحوم الخيل أو لا يصح؟

مذهب مالك ومذهب الشافعي في أكل لحم الخيل

هذا مما وقع فيه الخلاف بين أئمة الفقه، الأئمة المجتهدين الذين أشار إليهم؛ فالإمام مالكٌ رحمه الله يرى أن هذه الآية دليلٌ على تحريم لحوم الخيل، على أنه لا يجوز أكل لحوم الخيل، لماذا؟ ما وجه الاستدلال بهذا؟

قال مالكٌ رحمه الله ... هذا نَقْلٌ نقله عنه ابن القاسم وابن وهبٍ، مما نقله عن الإمام مالكٍ رحمه الله ابن القاسم وابن وهبٍ، نقلا عنه رحمه الله هذا القول، ونقلا نصَّ كلامه، وهذا أورده الإمام الكبير أبو بكر ابن العربي في كتابه "الجامع لأحكام القرآن".

فهذان الإمامان أو الفقيهان من أئمة المالكية نقلا عن الإمام مالكٍ رحمه الله القول بأنه يحرم أكل لحوم الخيل؛ استدلالًا منه رحمه الله بهذه الآية.

كيف استدلَّ بهذه الآية على ما ذهب إليه؟

قال بأن الله تعالى قال: لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً، يعني: ذكر أن الانتفاع بالخيل إنما هو محصورٌ في هذين الأمرين، أن الله تعالى نصَّ على أن الانتفاع بالخيل هو فقط في هذين الأمرين، وهما: الركوب لِتَرْكَبُوهَا، وَزِينَةً الزينة فقط.

معنى ذلك: أنه ما ذكر الأكل؛ فلا يجوز أكلها، ولو كان جائزًا لَنَصَّ على ذلك، يقول: لو كان يجوز أكل لحوم الخيل لَبَيَّن الله تعالى ذلك، كما قال في بيان الانتفاع، أو وجوه الانتفاع، أو وجهي الانتفاع بها، وهما: الركوب والزينة، فما دام ما قال أنها تُؤْكَل، وما نَصَّ بأي أسلوبٍ أنها تُؤْكَل، فمعنى ذلك: أنه لا يجوز، يحرم أكل لحوم الخيل.

هذا عند الإمام مالك، إمام دار الهجرة رحمه الله.

الإمام الشافعي ذهب إلى أنه يجوز أكل لحوم الخيل.

لماذا؟

استدلَّ بالحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، أنها قالت: "نَحَرْنَا على عهد رسول الله فَرَسًا فأكلناه" [2].

نَصَّتْ على أنه في عهد رسول الله ، يعني: هي عاشتْ بعد النبي ، لكن نَسَبَتْ ذلك إلى عهد رسول الله .

ومعنى ذلك: أنه -في الغالب إن لم يكن قطعيًّا- عَلِمَ بذلك فَأَقَرَّه: "نَحَرْنَا على عهد رسول الله فَرَسًا فأكلناه"، هذا استدلَّ به الإمام الشافعي على أنه يُباح أكل لحوم الخيل.

واستدلَّ الإمام الشافعي أيضًا بحديثٍ عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي أَذِنَ في لحوم الخيل، وحَرَّم الحُمُر [3].

الحُمُر يعني: الإنسية، الأهلية.

معروفٌ أن الحُمُر الوحشية جائزةٌ، مُباحةٌ، لكن الكلام كله في الحُمُر الإنسية، حتى لو لم يَرِد في لفظ هذا الحديث، لكن ورد في الروايات الأخرى، وفي طرق الحديث الأخرى؛ لأننا دائمًا نُكرِّر: أن الروايات المتعددة للحديث الواحد يُكَمِّل بعضُها بعضًا، ويُزيل بعضُها ما في البعض الآخر من لَبْسٍ، أو غموضٍ، أو إشكالٍ.

تعدُّد الروايات للحديث الواحد من أهم فوائده هذا: أن الروايات يُكمِّل بعضها بعضًا، ويُوضِّح بعضها بعضًا، ويُزيل بعضها ما في البعض الآخر من لَبْسٍ، أو غموضٍ، أو إشكالٍ.

فالمقصود أن الإمام الشافعي رحمه الله استدلَّ على إباحة لحوم الخيل بهذا الحديث الذي في الصحيحين أيضًا -الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما- عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي أَذِنَ في لحوم الخيل، وحَرَّم لحوم الحُمُر، يعني: الأهلية أو الإنسية.

وجه استثناء الآية من كتاب "نيل المرام" وبيان مقصود المؤلف

المهم أن هذه الآية وقع الخلاف في صحة الاستدلال بها؛ هل تصح أن تكون دليلًا على تحريم لحوم الخيل وعدم إباحتها، أو لا تصح؟

وقع الخلاف في هذه الجزئية، أو في هذه القضية؛ ولذلك يقول: ما دام أنها مما وقع الخلاف في صحة الاحتجاج بها بين الأئمة المجتهدين فأنا لا أذكرها.

ما كان من الآيات من هذا القبيل، من هذا النوع، يعني: الذي وقع فيه الاختلاف بين الأئمة هل يصح الاستدلال به أو لا يصح؟ فإني لا أذكره؛ لأنه ليس فيه فائدةٌ.

هو يقول هكذا رحمه الله؛ لأن هذا أيش؟ علَّل هذا الإسقاط أو عدم الذكر لهذا النوع من الآيات بأن قال أيش؟

القاعدة الكلامية: عدم الوجدان ليس دليلًا على عدم الوجود

القارئ:

وهذا لا تجب معرفته إلا على مَن يحتجُّ به من المُجتهدين؛ إذ لا سبيل ...

الشيخ: يعني: هذا يحتاج إلى معرفته فقط الذين يحتجُّون به، فهذه الآية يحتاج إلى معرفتها مَن احتجَّ بها وهم المالكية: الإمام مالك ومَن وافقه، يعني: فقهاء المذهب.

وأما غيرهم ممن يطعن في صحة الاستدلال، يقول: هذه الآية لا دليل فيها، كالإمام الشافعي -مثلًا- ومَن وافقه، يقول: هذه الآية لا دليل فيها على التَّحريم؛ على تحريم لحوم الخيل، ولا يصح الاستدلال بها، ليس فيها دليلٌ؛ لأنه ليس فيها ما يدل على تحريم لحوم الخيل.

فالذي يحتاج لمعرفتها مَن يحتجُّ بها، مَن يحتجُّ بالحكم، أو يحتجُّ بصحة الاستدلال، أو يُصحِّح الاستدلال، مَن يُصحِّح الاستدلال بهذه الآية هو الذي يحتاج لمعرفتها.

لكن في الحقيقة عندنا مسألةٌ هي: صحيحٌ أن الطرف الآخر -يعني: المقابل- لا يحتاج إلى هذا؛ لأنه أسقط الاستدلال بها، أسقط الاحتجاج بها.

لا، ما أسقط الآية، أسقط الاستدلال بها، فالاستدلال بها غير صحيحٍ على ما ذُكِرَ من إباحةٍ -مثلًا- أو تحريمٍ عمومًا، وهنا عندنا التَّحريم؛ تحريم لحوم الخيل، فهو أسقط الاستدلال، فالآية لا تدل على ذلك.

لكن عندنا مسألةٌ هي: عند المناقشة العلمية أنت تحتاج إلى معرفة دليل ما نقول: الخصم، لكن الشخص الآخر المقابل لك، الذي لا يقول بقولك، تحتاج إلى معرفة دليله حتى تُناقشه، فكيف تُناقشه وأنت لا تعرف دليله؟

فهذا فيه نظرٌ، قول المصنف رحمه الله بأن هذا ما يُحتاج إلى معرفته، هو يقصد -طبعًا- بالنسبة للمُجتهدين، يعني: كلامه الآن كله فيما يتعلق بالمجتهد الذي لا يقول بصحة الاستدلال بهذا ما يحتاج إلى أننا نشرح له الآية، ونقول له كذا؛ لأنه يقول: هذه الآية لا تدل على هذا. يعني: أغلق الباب وانتهى، بالنسبة للمُجتهدين المُسْتَبِقِين.

أما بالنسبة لعامَّة الناس فكلامه على هذا، مُتعلِّقٌ بعموم الناس بأنهم لا يحتاجون، يعني: أنا أُوجِّه كلامه على هذا النحو، وإلا فمثله رحمه الله لا يذهب عنه ولا يغيب عنه أنك لما تكون طالب علمٍ، أو عندك قُدرةٌ على النِّقاش العلمي والاستدلال والأخذ والردِّ تحتاج إلى معرفة دليل المُناقِش لك أو المُخالِف؛ حتى تُناقشه على بَيِّنةٍ، وتعرف دليله، هل دليله صحيحٌ أو ما هو بصحيحٍ؟ بماذا استدلَّ أولًا؟ ثم هذا الدليل الذي استدلَّ به هل هو دليلٌ صحيحٌ أم لا؟ هذا كله تحتاج إلى معرفته.

كيف لا توجد فائدةٌ؟

لا، لكنه يقصد أن هذا في مقام الأئمة المُجتهدين، فهؤلاء ما يحتاجون؛ لأنك ما تقول للإمام الشافعي -مثلًا-: إن الآية كذا وكذا، أو الإمام مالك بالعكس، إذا كان ذلك في مسألةٍ أخرى هو لا يرى فيها ما ذكرتَ، فما تحتاج إلى أن تُبيِّن له وتتكلم معه عن هذا؛ لأنه لا يقول بصحة الاستدلال بها، يعني: أغلق الباب، وانتهى الموضوع.

لكن غيره الذي لا يتمذهب بمذهبه من أصحاب المذاهب الأخرى -مثلًا- يحتاج إلى أن نُبيِّن له الآية، وما المأخذ منها؟ وكيف يُسْتَدَلُّ بها؟ وهل هذا الاستدلال صحيحٌ أم لا؟ فطلبة العلم يحتاجون إلى ذلك.

فالله أعلم بمقصوده رحمه الله، والقصد الأقرب إلى هذا: أنه لا يريد أن يُشوِّش أذهان القارئين ما دام أن الكتاب مُوجَزٌ ومُركَّزٌ، فيقتصد فيه؛ لذلك اقتصر فيه على المُسلَّمات والواضحات، حتى ما فيه خلافٌ فهو خلافٌ واضحٌ، ظاهرٌ، بَيِّنٌ، وأدلته بيِّنةٌ.

أما الذي فيه إشكالٌ، يعني: فيه غموضٌ، كأنه يقول: الاستدلال الغامض مثل هذا.

هذا فيه غموضٌ أو ما فيه غموضٌ: الاستدلال بقوله تعالى: لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً؟ هذا أليس فيه غموضٌ: الاستدلال به على أنه تحرم لحوم الخيل؟

هذا فيه غموضٌ، ويحتاج إلى فكِّ هذا الغموض، وإلى الكلام على حقيقته، وبسط مفهومه.

لكن الذي ليس فيه غموضٌ، يعني: ليس كل خلافٍ بين الأئمة غامضًا، لا، الخلاف واضحٌ؛ هذا يقول بقولٍ، والثاني يقول بقولٍ آخر، هذا له دليلٌ، والآخر له دليلٌ آخر، هذا قد يكون دليله أصحَّ من هذا، أو مأخذ فهمه للدليل مُخالفٌ لفهم الآخر للدليل، وهكذا، يعني: الخلافات واضحة.

لكن حين يكون فيه غموضٌ كأنه رحمه الله يقول: إن الآيات وإن كانت فيها أحكامٌ، لكن الاستدلال بها على هذا الحكم الذي ورد فيها فيه غموضٌ، أو فيه عدم تسليمٍ بين الأئمة أنفسهم، فأنا لا أذكرها؛ لأنه لا توجد فائدةٌ لجمهور الناس؛ لأن الاستدلال نفسه بهذه الآية لم يصحّ، أو فيه أخذٌ وردٌّ، أما غيره من الخلافات الواضحات التي عليها أدلةٌ واضحةٌ، والتي لها مآخِذُ واضحةٌ أيضًا، فهذه لا تدخل في هذا؛ لذلك يذكرها.

تبيَّن بذلك -إن شاء الله- مقصوده رحمه الله.

القارئ: قال رحمه الله:

وهذا لا تجب معرفته إلا على مَن يحتجُّ به من المُجتهدين، إذ لا سبيل إلى حصر كل ما يُظَنُّ أو يُجَوَّز فيه استنباط الأحكام من خَفِيِّ معانيه، ولا طريق إلى ذلك إلا عدم الوجدان، وهي من أضعف الطرق عند علماء البرهان.

الشيخ: هو يعتمد هنا على قاعدةٍ من قواعد علم الكلام، وهي: أنه لما قال بأن هذا يُسَوِّغ أو يُوَضِّح لماذا لا يذكر ما كان من هذا القبيل، أو ما كان من هذا النوع من الآيات، يُوجِّه السبب، أو يُبيِّن السبب الذي يحمله على ذلك، قال: لأنه لا سبيل، ما يوجد طريقٌ إلى حصر كل ما يُظَنُّ ... ليس هناك سبيلٌ إلى حصر كل ما يُظَنُّ أو يُجَوَّز فيه استنباط الأحكام، ما يوجد طريقٌ إلى حصر هذه الآيات التي تُستنبط من المعاني الخفية.

هذا الذي قلتُه لكم قبل قليلٍ: الغموض، الخفاء، فما يوجد سبيلٌ إلى حصر كل آيةٍ يظنُّ ظانٌّ، أو يعتقد مُعتقدٌ أو يُجَوِّز فيها أنها يُستنبط منها من خَفِيِّ معانيها حكمٌ يقول به، ما توجد إمكانيةٌ، ما نستطيع أن نحصر هذا النوع.

يعني: هذا صعبٌ جدًّا -إن لم يكن من المُحَالات- أن نحصره، وهي الآيات من هذا النوع الذي تندرج تحته آياتٌ تُستنبط منها أحكامٌ من معاني خفيةٍ.

على سبيل المثال: موضوع الآية التي ذكرناها لكم قبل قليلٍ، فيها غموضٌ ولا شكَّ، فيها غموضٌ في الاستدلال بها على ما قيل فيها، أو على الحكم الذي قالوا به وهو: تحريم لحوم الخيل، فيه بلا شكٍّ خفاء وغموضٌ، ما هو بواضحٍ.

ولذلك رأينا من الأئمة مَن خالف ذلك، واستدلَّ على الإباحة بالأحاديث الصحيحة الواردة عن رسول الله ، يعني: ما أباح من عند نفسه، أو حتى باجتهاده، ولكن استدلَّ على ذلك بالدليل الصحيح الصريح الوارد عن رسول الله الذي هو إمام الأئمة، وإمام المُفْتِين الذي وصفه الإمام ابن القيم رحمه الله بذلك في فصلٍ أخيرٍ قد كررتُه مرارًا؛ لأهميته البالغة، في فصلٍ أخيرٍ من كتابه الجليل "إعلام المُوقعين عن ربِّ العالمين" عقد الفصل الأخير من الكتاب بعنوان: "فصلٌ في فتاوى إمام المُفْتِين ورسول ربِّ العالمين" [4].

وليُوضِّح هذا الفصل وأهميته وجلالته وعِظَم الانتفاع به قال: "فَلِلَّه ما أجلَّ هذه الفتاوى! وما أحلاها! وما أنفعها! وما أجمعها لكل خيرٍ! فواللَّه لو أن الناس صرفوا هِمَمَهم إليها لَأَغْنَتْهُم عن فتاوى فلانٍ وفلانٍ، والله المُستعان" [5]؛ لأنها فتاوى إمام المُفْتِين ورسول ربِّ العالمين، الذي لا ينطق عن الهوى، والذي كل مَن عداه يُؤْخَذ من قوله ويُتْرَك، كما قال مالكٌ رحمه الله: "ما منَّا إلا رادٌّ ومردودٌ عليه إلا صاحب هذا القبر "، وفي لفظٍ آخر: "كل أحدٍ يُؤْخَذ من قوله ويُتْرَك إلا صاحب هذا القبر " [6].

فهذا الذي لا يستطيع مسلمٌ مؤمنٌ مُصدِّقٌ به صلوات الله وسلامه عليه أن يردَّ عليه، ما يقول له: كلامك غير صحيحٍ، أو دليلك غير صحيحٍ، أو يوجد دليلٌ أصحّ منه، ما يستطيع أحدٌ أن يقول للنبي ذلك، ما يستطيع أحدٌ أبدًا ما دام أنه مسلمٌ؛ لأن هذا من الردِّ على النبي ، وعدم الإذعان له ولشريعته، فهو صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى، بل هو مُبلِّغٌ عن ربِّه ، ومُبيِّنٌ لحدود ما أنزل الله ​​​​​​​ عليه صلوات الله وسلامه عليه.

فهذا الحصر غير ممكنٍ، الحصر لهذه الآيات التي يُستدلُّ من معانيها الخفية، المعاني الخفية التي يستنبطها مُسْتَنْبِطٌ، أو يظنُّ ظانٌّ، أو يعتقد مُعتقدٌ أنها تدل على الحكم الفلاني، أو القضية الفلانية، أو المسألة الفلانية، ما كان من الآيات هذا سبيله فلا يمكن، ومن الصعب، ومن المُحَال أن نحصره، ولا طريق إلى ذلك إلا عدم الوجدان، وهي من أضعف الطرق عند علمائنا.

هذه المسألة من مسائل علم الكلام استدلَّ بها، ويقصد بها: أن معنى "عدم الوجدان" المراد به هو ما يقولون: إن عدم الوجدان ليس دليلًا على عدم الوجود.

"وجدان" و"وجود"، يُفرِّق بين الاثنين، وهما في اللغة بمعنًى واحدٍ: الوجدان هو الوجود، والوجود هو الوجدان، لكنهم يُفرِّقون في الصياغة لِيَدُلُّوا بالأول -الأول الذي هو الوجدان- على الخفاء، أو عدم الوضوح لطالب الدليل، بالنسبة له هو، للناظر.

وأما عدم الوجود فهو نفيٌ لعدم الوجود المُطلق بشكلٍ عامٍّ بدون نسبته إلى شخصٍ؛ لأن الشخص النَّاظر أو طالب الدليل قد يخفى عليه الدليل، ويَسْتَبِين لغيره، فإذا خفي عليه بعد النظر الدليل فهذا يُسمَّى: عدم الوجدان، يقول: "لا يدل عدم الوجود  ..."، لكن خفاء الدليل؛ فما استطاع أن يصل هذا المُجتهد أو الناظر إلى الدليل، فليس معنى عدم وصوله إلى الدليل أنه ليس موجودًا.

نضرب مثالًا في الكواكب: في كوكبٍ مُعينٍ، أو حتى القمر، أو الشمس لمَّا تخفى، لمَّا ما تظهر بسبب عوائق من الظواهر الجوية وغير ذلك، فهذه العوائق ليس معناها أنها أَخْفَتِ الشمس أو أَخْفَتِ القمر، موجودة، لكن أنت لم تستطع أن تصل إليها.

كذلك الطالب للدليل والناظر إليه لمَّا يعجز عن الوصول إلى الدليل، فهذا ليس معناه: أن الدليل ليس موجودًا، أنت لم تستطع أن تصل إلى الدليل، لكن الدليل موجودٌ، بدليل أن غيرك قد يصل إليه، وهذا يحصل كثيرًا.

ولذلك يحصل الخلاف بين الأئمة أو بين العلماء، فهذا ما استطاع أن يصل إلى الدليل، وغيره وصل إليه.

هذا لم يستطع أن يصل إلى الدليل، أو ما وصله هو دليلٌ، أو هو لم يستطع أن يصل للدليل بعد طلبه واجتهاده فيه، لكن غيره وصل إليه واستطاع؛ لذلك قالوا: عدم الوجدان ليس دليلًا على عدم الوجود.

المهم أن هذه الطريقة من أضعف الطرق، والاستدلال بها ما ينفع هنا، يقول: "لا طريق إلى ذلك إلا عدم الوجدان، وهي من أضعف الطرق"، يعني: ما توجد إلا على طريقة أن الدليل نطلبه فما يوجد، على طريقة علماء الكلام، على طريقة هذه القاعدة التي قالوا بها: أن عدم الوجدان ليس دليلًا على عدم الوجود، فلا نذكر شيئًا مما يكون طريق الاستدلال به أو طريق الاحتجاج به من هذا القبيل، أو من هذا النوع؛ لأنه -أولًا- لا يمكن حصر كل ما يدل على حكمٍ أو على قضيةٍ بمعنًى خَفِيٍّ، هذا لا يمكن حصره؛ وبما أنه ما يمكن حصره فلا نتعرض له في كتابنا هذا.

وهذه قاعدةٌ من علم الكلام على كل حالٍ لمرورها: مسألة عدم الوجدان وعدم الوجود، هذه الكلمة تُذْكَر في علم الكلام، ويتكلمون فيها، ولا محلَّ لها هنا، لكن القصد بيان مقصوده رحمه الله، وبيان معنى هذه الكلمة: عدم الوجدان، هذه مبنيةٌ على عبارةٍ مشهورةٍ عندهم، وهي: أن عدم الوجدان ليس دليلًا على عدم الوجود.

"أن عدم الوجدان" يعني: عندك أنت ما استطعتَ أن تصل إلى الدليل، هذا بالنسبة إليك، الدليل مفقودٌ بالنسبة إليك فقط، لكنه ليس مفقودًا على الحقيقة مطلقًا، قد يصل إليه غيرك، وهذا واقعٌ كثيرًا؛ فلذلك يقولون: عدم الوجدان ليس دليلًا على عدم الوجود.

أردتُ بذلك بيان معنى قوله رحمه الله في هذه العبارة، ثم قال بعد ذلك: وليس القصد ...

مقصد المؤلف: الاقتصار على الآيات الواضحة في الأحكام

القارئ: قال رحمه الله:

وليس القصد إلا ذكر ما يدل على الأحكام دلالةً واضحةً؛ لتكون عناية طالب الأحكام به أكثر، وإلا فليس يَحْسُن من طالب العلم أن يُهْمِل النظر في جميع كتاب الله، مُقَدِّمًا للعناية فيه، شاملًا للطائف معانيه، مُسْتَنْبِطًا للأحكام والآداب من ظواهره وخوافيه، فإنه الأمان من الضَّلال، والعمود الأعظم في جميع الأحوال.

الشيخ: يعني: قصده أننا إذا دخلنا في مسألة الآيات التي فيها معانٍ خفيةٌ قد يستنبط منها بعض الناس استنباطاتٍ، وآخرون يُعارضونهم في هذا الاستنباط من المعاني الخفية.

ندخل في بابٍ مُقابلٍ، أو قريبٍ، أو شبيهٍ بمسألة عدم الوجدان وعدم الوجود، فيها خلافٌ، وفيها ما ليس بخلافٍ فقط، إنما عدم وصولٍ إلى المقصود الأساسي من الآية التي هي أصلًا إنما سِيقَتْ لبيان الأحكام، ما نصل إلى هذا الهدف؛ ولذلك قال: وليس القصد، ما قصدي بهذا الكتاب، ما أقصد إلا ذكر ما يدل ...

القارئ:

ما يدل على الأحكام دلالةً واضحةً؛ لتكون عناية طالب الأحكام به أكثر.

الشيخ: أما ندخل في المعاني الخفية، الآيات الخفية هل تدل أو ما تدل؟ هل يصح الاستدلال على ما ذكره هذا المجتهد؟

إذا دخلنا -مثلًا- هذا الباب، فهذا بابٌ يصعب إغلاقه، بل من المُحال أننا نستقصي فيه، أو أننا نجمع فيه، حتى مجرد جمع الآيات التي بهذه المثابة، وتدخل مسائل المعاني الإشارية، والمعاني التي تُفْهَم من الآية، فالناس يفهمون من الآية أن فيها ظاهرًا، ويقولون: لها ظاهرٌ، ولها باطنٌ، وأشياء، وأمور، وعالمٌ لا ينبغي ولا يصح الولوج إليه.

بيان مُراد المؤلف والدعوة إلى تدبّر القرآن كله

بناءً على ذلك أنا ما أذكر في هذا الكتاب ... وفي كتابه الآخر، سيتعرض إلى كتابه الآخر في خاتمة خطبته للكتاب، أو هذه المقدمة، سيذكر كتابه الآخر، بل أشار هو إلى أنك أيها الطالب أو أيها القارئ إذا فرغتَ من هذا الكتاب لا تقتصر على آيات الأحكام.

يقول: أنا ما أَلَّفْتُ كتاب "الأحكام" -أنا وغيري- يعني: العلامة صديق حسن خان وغيره ممن ألَّف في آيات الأحكام ليس قصدهم أنك تقتصر على هذه -آيات الأحكام- وتترك ما عداها من آيات كتاب الله التي ذكر ما فيها من فضائل بعد ذلك بقليلٍ، يعني: أنك تترك هذه الفضائل وهذه الأنوار التي في هذا النور، فالقرآن نورٌ كما قال الله.

أكمل؛ ولهذا قال:

القارئ: قال رحمه الله:

وإلا فليس يَحْسُن من طالب العلم أن يُهْمِل النظر في جميع كتاب الله، مُقدِّمًا للعناية فيه، شاملًا للطائف معانيه، مُسْتَنْبِطًا للأحكام والآداب من ظواهره وخوافيه، فإنه الأمان من الضَّلال، والعمود الأعظم في جميع الأحوال، والأنيس في الوحدة، والغَوث في الشدة، والنور في الظُّلمة، والفرج للغُمَّة، والشِّفاء للصدور، والفيصل عند اشتباه الأمور، فلا ينبغي أن يَغْفُل عنه لحظةً، ولا أن يَزْهَد منه في لفظةٍ.
وقد أفرد السيد الإمام ...

الشيخ: طيب، هذه الفوائد، وهذه الفضائل الكثيرة للقرآن لا ينبغي أن تُعْرِض عنها وتتركها وتتخذها وراءك ظِهْرِيًّا، وتقتصر على آيات الأحكام.

أنا لمَّا أَلَّفْتُ كتاب "الأحكام" ليس قصدي هذا: أنك أيها الطالب، أو أيها القارئ، أو أيها الناظر في هذا الكتاب أنك تقتصر عليه، لا، أنا أقصد أنني أذكر الآيات الواضحات؛ لتسهل عليك وتحفظها، لأجل أن تحفظها وتستوعبها وتستكثر من العلم بها؛ فيحصل عندك النشاط والحماس إلى ما بعدها.

هذا مقصوده: أن يحصل لك الحماس والنشاط، مثلما أن الإنسان إذا أنجز مهمةً، أو قرأ كتابًا واستفاد منه، أو وجد فيه خيرًا كثيرًا، أو وجد فيه فوائد؛ فإنه يتحمس وينشط، وتقوى عزيمته على إنجاز مهماتٍ أخرى أيضًا، أو مُطالعة كتبٍ أخرى.

فهو يقول: إن هذا الكتاب كأنه مدخلٌ أو بدايةٌ لك يا طالب تفسير القرآن، يا ناظرًا في كتاب الله ، أنا جعلتُه بدايةً لما بعدها.

ولذلك ذكر في النهاية -كما سيأتي بعد قليلٍ- كتابه الآخر الكبير "فتح البيان في مقاصد القرآن"، وهو كتابٌ كبيرٌ، تفسيرٌ كاملٌ للقرآن، ليس فقط مُخَصَّصًا لآيات الأحكام مثل هذا، لكنه كتابٌ كبيرٌ، ذكر فيه ووصف فيه ما فيه من الخصائص في آخر هذه المقدمة.

فكأنه يقول -بل صرَّح- بأن هذا الكتاب، أو أن طالب العلم لا ينبغي أن يقتصر على قراءة هذا فقط الذي هو "نيل المرام" وما كان في معناه من الكتب الأخرى للمُؤلفين الآخرين، ما تقتصر عليها فقط، لا، هذا مجرد تحميسٍ وتنشيطٍ؛ لِبَثِّ النشاط والهمَّة فيك، فإذا أَتْمَمْتَ هذا الكتاب تَحَمَّسْتَ وبَثَّ في نفسك النشاط والهمَّة والعزيمة على الانتقال إلى غيره مما هو أكبر منه وأجلّ وأعظم؛ لأنه مُتعلِّقٌ بأعظم الكلام وأحسن الكلام وأفضله وأَبْرَكه وأكثره فوائد، وهو كلام الله  الذي ذكر فيه صفاته، أو ذكر فيه من جلالته وفوائده ما ذكر.

فقال بأنه الأمان: "فإنه الأمان من الضلال" يعني: أن كتاب الله هو الأمان من الضَّلال، "والعمود الأعظم في جميع الأحوال، والأنيس في الوحدة، والغَوث في الشدة، والنور في الظُّلمة، والفرج للغُمَّة، والشفاء للصدور، والفيصل عند اشتباه الأمور، فلا ينبغي أن يَغْفُل عنه لحظةً".

"لا ينبغي أن يَغْفُل عنه" يعني: الطالب ..... فهي بالبناء للمجهول بأن تقول: "لا ينبغي أن يُغْفَل عنه لحظةً، ولا أن يُزْهَد منه في لفظةٍ"، إما بالبناء للمعلوم، وإما بالبناء للمجهول، كله يصحُّ.

"لا ينبغي أن يَغْفُل عنه لحظةً" أي: الطالب أو القارئ أو المُلْتَمِس لتفسير القرآن، "ولا أن يَزْهَد" أيضًا بالبناء للمعلوم.

أو تقول: "فلا ينبغي أن يُغْفَل عنه لحظةً" بالبناء للمجهول، "ولا أن يُزْهَد منه في لفظةٍ" على البناء للمجهول، يصحُّ الضَّبْطَان.

فضل القرآن وبيان ضعف حديث: «إن هذا القرآن مأدبة الله»

هذا الكلام الذي ذكره في فضائل القرآن، أو في جلالة هذا الكتاب، وعظيم فوائده، وعظيم تأثيره، هذا دائمًا يقود الناس إلى ... أو قد يجعلهم دائمًا يستدلون أو يُوردون الحديث الوارد الذي أخرجه الحاكم أبو عبدالله رحمه الله في "مستدركه على الصحيحين" بإسنادٍ ضعيفٍ عن عبدالله بن مسعودٍ أنه قال: إن النبي قال ... الحديث الطويل المشهور، وهو في فضائل القرآن، الذي رفعه ابن مسعودٍ ، أو الذي رُوِيَ مرفوعًا إلى النبي من حديث ابن مسعودٍ الذي فيه: "إن هذا القرآن مأدبة الله ..." [7].

كلامٌ في غاية البلاغة والجمال والإبداع، لكنه لم يصحّ رفعه إلى النبي .

فليس كل كلامٍ جميلٍ، وكل كلامٍ بديعٍ تصح نسبته إلى النبي ، لا، يعني: ليست القضية في أن هذا الكلام طيبٌ أو ما هو بطيبٍ، الكلام هل صحَّ أن النبي قاله، أو لم يصح؟

ما عندنا خلافٌ أنه كلامٌ جميلٌ، وكلامٌ صحيحٌ وصادقٌ: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، والنور المُبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لِمَن تمسَّك به، ونجاةٌ لِمَن اتَّبعه، لا يَزِيغ فَيُسْتَعْتَب، ولا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ، لا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَق من كثرة الردِّ".

هذا حديثٌ مشهورٌ يستدلون به دائمًا على فضائل القرآن، لكنه حديثٌ ضعيفٌ، قد أخرجه الحاكم في "المُستدرك" وصححه، لكن الحافظ الذهبي رحمه الله خالفه، ولم يُوافقه على ذلك، وقال: إن فيه إبراهيم بن مسلم الهَجَري.

الذهبي في التعليق أو التلخيص "للمُستدرك"، وهو مطبوعٌ في نهاية الطبعة القديمة الهندية، كلام الذهبي موجودٌ في نهاية "المستدرك" تحت في الهامش، لمَّا يُصحح الحاكمُ الحديثَ، ويُخالفه الحافظ الذهبي أسفل يقول: كيف وفي إسناده ... يعني: كيف يكون صحيحًا وفي إسناده فلانٌ وفلانٌ؟ أو فيه كذا من العلل؟!

فقال: إن هذا الحديث ليس كما قال الحاكم بأنه صحيحٌ.

الحاكم رحمه الله معروفٌ أنه مُتساهلٌ في تصحيحه؛ لأنه ألَّف "مُستدركه" في آخر عمره عندما كبر، وقَلَّ -يعني: ضعف- نشاطه، وضعف حفظه، فصار عنده تساهلٌ، فألَّف الكتاب في آخر عمره رحمه الله، وإلا فهو إمامٌ كبيرٌ، وعَلَمٌ شهيرٌ.

هذا ليس طعنًا فيه، لكن هذه حقيقة كتابه المعروفة عند أهل العلم بالحديث: أنه مُتساهلٌ في التَّصحيح؛ ولذلك قال ابن الصلاح رحمه الله في مُقدمته الشهيرة في علوم الحديث: "وهو واسعُ الخَطْوِ ‌في ‌شرط ‌الصحيح، مُتَسَاهِلٌ في القضاء به".

شرط الصحة عنده ليس كشرط الإمامين: البخاري خاصةً، ثم بعده مسلمٌ، فشرطه واسعٌ، أقلّ، يعني: فيه سهولةٌ، فيه تسامحٌ، فيه تساهلٌ: "وهو واسعُ الخَطْوِ ‌في ‌شرط ‌الصحيح، مُتَسَاهِلٌ في القضاء به"، ما دام أن شرطه خفيفٌ، أو شرطه سهلٌ في صحة الحديث، يعني: شرطه ليس قويًّا، وليس شديدًا كشرط البخاري رحمه الله، فمن الطبيعي أنه يُبادر إلى الحكم بالصحة بناءً على خِفَّة شرطه، أو سهولة شرطه وتسامحه فيه.

ولذلك يُخالفه الأئمة، وعلى رأسهم الإمام الذهبي الذي ألَّف كتابًا سَمَّاه: "تلخيص المُستدرك".

التَّلخيص ليس معناه الاختصار كما يفهم كثيرٌ من الناس، الاختصار غير التلخيص؛ فالاختصار أنك تختصر الكلام، يعني: تختصر الكلام الكثير في المعاني القليلة.

أما التلخيص فمعناه: تحرير الكلام، وتحقيق القول فيه، وبيان ما له وما عليه. هذا هو التَّلخيص.

ولذلك الإمام ابن حجر رحمه الله سمَّى كتابه في تخريج أحاديث الرافعي الكبير -من كتب الشافعية- سمَّاه: "تلخيص الحبير".

يعني: التَّلخيص معناه: التَّحقيق والتَّحرير والبيان والإيضاح الدَّقيق، هذا معنى التَّلخيص.

فلا تظن أن التَّلخيص معناه: الاختصار، لا، خطأ، التَّلخيص ليس هو الاختصار أبدًا، الاختصار شيءٌ، والتَّلخيص شيءٌ؛ لأنك قد تختصر فَتُخِلّ بما تختصره، وتَبْتُر الكلام، وتُشوِّهه، لا، التَّلخيص ليس كذلك، التلخيص معناه: التَّحقيق والتَّحرير والدقة والاحتياط، و...، و... إلى آخر ذلك من المعاني الجليلة.

فهذا الحديث كلامٌ جميلٌ، وكلامٌ صحيحٌ، وما فيه كله كلامٌ صحيحٌ، ليس فيه كلامٌ خطأٌ، لكن نسبته إلى النبي ليست صحيحةً، فالحديث ضعيفٌ؛ فيه إبراهيم بن مسلم الهَجَري، كما قال الذهبي، وليس كما قال الحاكم رحمه الله بأنه صحيحٌ، بل ليس بصحيحٍ، فهو حديثٌ ضعيفٌ، والصحيح أنه موقوفٌ كما رجَّح بعض الأئمة المُعاصرين من المُحدِّثين: كالشيخ الألباني رحمه الله، والشيخ أحمد شاكر -كما أظن- وغيرهما.

فالصحيح أنه موقوفٌ، يعني: أنه من كلام ابن مسعودٍ ، وليس من كلام النبي ، فالصحيح فيه أنه ليس من قول النبي هذا الحديث: أن هذا القرآن مأدبة الله في الأرض، الصحيح في أمره وفي شأنه أنه موقوفٌ على عبدالله بن مسعودٍ من قوله، وليس مرفوعًا إلى النبي ، هذا هو الصحيح في شأنه.

عبارة الإمام ابن الصلاح رحمه الله في شأن أبي عبدالله الحاكم النيسابوري رحمه الله من العبارات البليغة والدقيقة والمحددة، فأحببتُ أن أذكرها؛ قال ابن الصلاح رحمه الله عن الحاكم: "وهو واسعُ الخَطْوِ ‌في ‌شرط ‌الصحيح، مُتَسَاهِلٌ في القضاء به".

"واسع الخَطْو في شرط الصحيح" خطواته واسعةٌ مثل مَن يمشي بسرعةٍ، يَخْطُو خطواتٍ واسعةً، يعني: يُسرع، "واسع الخَطْو" خطواته واسعةٌ، ليس كغيره من الأئمة.

"واسعُ الخَطْوِ ‌في ‌شرط ‌الصحيح، مُتَسَاهِلٌ في القضاء به"، هذه عبارة ابن الصلاح نَصًّا ذكرها رحمه الله في كتابه الشهير الذي هو بمثابة الكعبة، يعني: شبَّهه بالكعبة؛ شبَّهه الحافظُ ابن حجر رحمه الله بالكعبة التي يطوف بها الناس.

لما ألَّف كتابه هذا: كتاب "علوم الحديث"، أو "مقدمة ابن الصلاح"، اشتهر بـ"مقدمة ابن الصلاح" عند إخواننا الهنود خاصةً -أهل الهند- اشتهر عندهم بـ"مقدمة ابن الصلاح"، وإلا فهو كتاب "علوم الحديث"، هذا عنوانه أو اسمه، وهو ما أطلق عليه عنوانًا.

قال ابن حجر رحمه الله في شرح "النُّخبة" -وهي كتابه "نُزهة النَّظر"-: إن ابن الصلاح لما ألَّف هذا الكتاب سار الناسُ بسيره، "فلا يُحْصَى كم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ، ومُسْتَدْرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ، ومُعارِضٍ له ومُنْتَصِرٍ".

"لا يُحْصَى كم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ" كثيرٌ هم مَن نَظَمُوا كتاب ابن الصلاح نَظْمًا بالشعر: كالحافظ العراقي رحمه الله، والسيوطي، وغيرهما من الذين نَظَمُوا الكتاب شعرًا.

"فلا يُحْصَى كم ناظمٍ له ومُخْتَصِرٍ"، اختصره كثيرون.

"ومُسْتَدْرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ" ناسٌ كتبوا استدراكاتٍ عليه، بعضها صحيحٌ، وبعضها غير صحيحٍ، المهم أنهم استدركوا عليه.

"ومُسْتَدْرِكٍ عليه ومُقْتَصِرٍ" منهم مَن اقتصر عليه، اكتفى به، "ومُعارِضٍ له ومُنْتَصِرٍ".

سار الناس بسيره، أصبح أشبه بالكعبة التي يطوف الناس حولها، يعني: اكتفوا به، وصاروا لا يخرجون عن كتابه رحمه الله، فَجُلُّ عملهم إما نظم هذا الكتاب، وإما شرحه، وإما الاستدراك عليه، وإما المُعارضة؛ ذكر الاعتراضات التي أكثرها ليس بصحيحٍ، وقد أجاب عنها العلماء مثل: الحافظ العراقي في كتابه "التَّقييد والإيضاح"، ومثل: تلميذه الحافظ ابن حجر في كتابه "النُّكَت على كتاب ابن الصلاح"، وهكذا.

وعلى كل حالٍ درس اليوم لم نستكمل فيه ... أو مضى الوقت فيه، وكان ينبغي أن نقسم الوقت بين هذا الدرس والدرس في كتاب الإمام الخطَّابي "معالم السنن"، لكن قدَّر الله أننا نستمر في هذا؛ لأن هذا الدرس الأول في هذا الكتاب.

فنسأل الله الرحمن الرحيم، ربَّ العرش الكريم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يزيدنا علمًا، وأن يجعل ما علمنا حُجَّةً لنا، لا حُجَّةً علينا، وأن يجعلنا جميعًا من المذكورين بلسان الصدق في الآخرين، ومن ورثة جنة النعيم.

وأن يغفر لنا ولآبائنا ولمشايخنا ولجميع المسلمين، وأن يرزقهم العمل الصالح والفقه في الدين، إنه جوادٌ كريمٌ.

وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 6357، ومسلم: 406.
^2 رواه البخاري: 5512، ومسلم: 1942.
^3 رواه البخاري: 5520، ومسلم: 1941.
^4 "إعلام الموقعين" لابن القيم: 6/ 209.
^5 "إعلام الموقعين" لابن القيم: 6/ 300.
^6 "سير أعلام النبلاء" للذهبي: 8/ 93.
^7 رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": 32002، والحاكم في "المستدرك": 2059، والبيهقي في "السنن الصغير": 943، وضعفه الألباني في "ضعيف الترغيب والترهيب": 867.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©