المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
فضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي

تفسير من قوله: {أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف:42]

وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]؛ ولهذه الحكمة جاءت الجملة الاعتراضية بين المبتدأ والخبر لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [الأعراف:42]، أي: طاقتها، وما تفعله في ساعةٍ لا يُرهقها فيه ضيقٌ وعناءٌ شديدٌ.

معنى قوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

ثم جاء بالخبر: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ... [الأعراف:42] "أولئك" مبتدأٌ، و"أصحاب" خبرُه، والمبتدأ وخبره: خبرُ المبتدأ الأول، الذي هو موصولٌ في قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ... أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف:42] خلودًا أبديًّا، لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا [الكهف:108] عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108] إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:54]، لا يمرضون ولا يشيبون، ولا يزول عنهم النعيم، بل هم في سرورٍ ونعيمٍ دائمٍ، يتمتعون بأنواع المآكل والمشارب والمفارش والمناكح، إلى غير ذلك مما بيَّنه الله في آياتٍ كثيرةٍ.

تعريف الجنة

وقد قدَّمنا أن الجنة في لغة العرب: البستان؛ لأن أشجارها المُلتفَّة تضم الداخل فيه، وجاء في القرآن إطلاق الجنة على البستان، كقوله: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ... [القلم:17]، هي قصة بستانٍ معروفٍ في أطراف اليمن، كما يأتي في تفسير سورة القلم، إن شاء الله، وكقوله جلَّ وعلا: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ... [الكهف:35]، إلى غير ذلك من الآيات.

ومن إطلاق العرب الجنة على البستان كما قدَّمنا: قول زهير:

كأنَّ عينيَّ في غَرْبَي مُقتَّلةٍ من النواضح تسقي جنةً سُحُقا [1].

يعني بقوله "جنة": بستان نخلٍ، وقوله "سُحُقًا": جمع سحوق، والسحوق: النخلة الطويلة.

أما الجنة في اصطلاح الشرع: فهي دار الكرامة التي أعدَّ الله لعباده المؤمنين، وهي شجرةٌ مثمرةٌ، ونهرٌ مُطَّردٌ، وغرفةٌ عاليةٌ، وزوجةٌ حسناءُ، ورضًا لا سخط بعده، والمؤمنون فيها ينظرون إلى وجه الله الكريم، كما جاء في آياتٍ وأحاديثَ صحيحةٍ، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، وهذا معنى قوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف:42].

ومن أعظم السرور: الخلود؛ لأن أكبر ما يُنكِّد اللذائذ ويُنغِّص اللذات: أن يعلم صاحبها أنه زائلٌ عنها، وأنها زائلةٌ عنه، فترى الإنسان في سرورٍ مُتمتعًا بنسائه الحسان، وماله ونعيمه... في الدنيا؛ فإذا خطر على قلبه أنه يموت وتُنكح نساؤه بعده وتُقسَّم أمواله، تكدَّرت عليه تلك اللذائذ وبقي مهمومًا؛ ولذا كان الخلود الأبدي هو عدم الانقطاع، هو ما تتم به اللذة في الدنيا؛ ولذا قال الله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف:42] لا يزولون عنها أبدًا، فلا تُورَّث ديارهم من بعدهم، ولا تُنكَح نساؤهم من بعدهم، ولا يكون ما عندهم من النعيم لأحدٍ بعدهم، فهم خالدون في ذلك النعيم.

وقد صدق من قال:

أشدُّ الغم عندي في سرورٍ تيقَّن عنه صاحبه انتقالا [2].

والسرور إذا تيقَّن صاحبه الانتقال عنه، صار عليه غمًّا، وقد أوضح هذا بعض الشعراء، فقال:

أُحب ليالي الهجر لا فرحًا بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصالِ
وأُبغض أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ مُعقَبًا بزوالِ [3].

فالفكرة في الزوال تكدُّر اللذات الحاضرة؛ ولذا كان النبي يأمرهم أن يُكثروا من ذكر الموت [4] ويُقال للموت: هادم اللذات؛ لأن مَن تذكَّره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، ولأنه يقطعها؛ ولذا قال: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الأعراف:42]، لا يزول عنهم ذلك النعيم، حتى تتكدر غبطتهم بزواله.

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43].

معنى قوله: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ...: لمَّا كان أهل الدنيا على مُصادقتهم والقرابات بينهم، يكون بينهم الغل والغش والبغضاء والحسد؛ بيَّن الله أن أهل الجنة سالمون من هذا الداء الذي يُصاب به أهل الدنيا.

وَنَزَعْنَا: صيغة الجمع للتعظيم، والله جلَّ وعلا هو الذي نزع ما في صدورهم، أي: صدور عبادنا المؤمنين الذين هم أصحاب الجنة، نزعنا جميع ما في صدورهم من غِلٍّ.

واختلفت عبارات العلماء في الغِلِّ إلى معانٍ مُتقاربةٍ، والظاهر أنه يشملها كلها؛ فبعضهم يقول: الغِلّ: الحقد الكامن، وبعضهم يقول: هو البغض، وبعضهم يقول: هو الحسد والكراهية، وهو يشمل ذلك كله؛ لأن الإنسان قد يكون له في قلبه للآخر حقدٌ كامنٌ، وحسدٌ وبُغضٌ، يكون هذا بين الآدميين.

فالله جلَّ وعلا يوم القيامة ينزع من صدور المؤمنين في الجنة جميع الأحقاد، فلا يكون هنالك أحدٌ يُضمر حقدًا لأخيه، ولا بُغضًا، ولا حَسدًا، ولا غِشًّا؛ بل ليس بينهم إلا التوادُّ الكامل، والتعاطف، والتناصح، يُحب بعضهم بعضًا.

ومن آثار ذلك: أن منازلهم مُتفاوتةٌ، ينظر بعضهم منازل بعضٍ فوقه، كما ننظر النجم في السماء، ومع ذا لا يحسده على ارتفاع منزلته عليه، بل هو يُحبّه، ولا يُضمِر له في ذلك حسدًا ولا غِلًّا.

سلامة صدور الصحابة

وذكر غيرُ واحدٍ عن علي بن أبي طالبٍ أنه قال: "أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ... [الأعراف:43]"، ذكره عن عليٍّ غيرُ واحدٍ؛ قتادةُ وغيره [5]. وكثيرٌ من طُرقه فيها انقطاعٌ، والله أعلم بصحته إليه، ولكنه مشهورٌ فائضٌ على ألسنة المُفسرين والعلماء، والله أعلم بصحته عنه.

ولا شكَّ أنهم إن كان بينهم في الدنيا شيءٌ؛ لأن طلحة والزبير قد قاتلا عليًّا يوم الجمل، وبعضهم يزعم أنه كان بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشيء، مع أن الذي يظهر أن عليًّا وعثمان لم يكن أحدهما يُضمِر للآخر إلا الطيب.

وكان تسليم الحسن بن عليٍّ الخلافةَ إلى معاويةَ بن أبي سفيانَ، رضي الله عن الجميع، فيها أعظمُ مَنقبةٍ لعلي بن أبي طالبٍ ؛ لأن كثيرًا من الناس كانوا يتّهمون عليًّا بما هو بريءٌ منه؛ أن له درعًا في قتل عثمان، وأنه كان يقول له الوليد بن عقبةَ بن أبي مُعَيْطٍ -أخو عثمان من أُمه- يُعرِّض بعليّ:

 بني هاشمٍ ردُّوا سلاح ابن أختكم  ولا تنهبوه، لا تَحِلُّ مناهبه
بني هاشمٍ كيف التعاقد بيننا وعند عليٍّ سيفُه وحرائبُه؟! [6].

وكانوا يظنون بأمير المؤمنين عليٍّ وأرضاه أنه مُقصِّر في القود من قتلة عثمانَ، وأنه قادرٌ على أن يقتلهم وأنه مُقصِّرٌ، فلمَّا سلَّم الحسنُ الخلافة إلى معاويةَ بن أبي سفيانَ، مصداقًا لحديث جدّه : إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين [7]، فصار الأمر كله إلى معاوية، وهو ولي الدم الذي كان يطالب به في أهل الشام، وكان امتناعه من بيعة عليٍّ لا يعلِّله إلا أنه يُمكَّن من قتلة عثمان، فيقتلهم قصاصًا، ثم يبايع عليًّا. فلما خلصت الخلافة لمعاوية، ولم يَبقَ له مُنازعٌ أبدًا، واجتمعت عليه كلمة المسلمين وصار واليًا على جميع المسلمين، لا مُنازع له.. لمَّا سلَّمه الحسنُ الخلافة ، لم يستطع معاوية أن يقتل واحدًا كائنًا من كان ممَّن قتلوا عثمان ؛ فتبيَّنت بذلك براءة أمير المؤمنين عليٍّ وأرضاه مما كانوا يتّهمونه به.

فصار في تسليم الحسن الخلافةَ لمعاويةَ أعظم مَنقبةٍ لعليٍّ ، وأعظم براءةٍ مما كان يتهمه به من لا يعلم، ولا يُقدِّر فضله .

وقوله جلَّ وعلا: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ...، قال بعض العلماء: الله ينزعه من صدورهم بعد أن يدخلوا الجنة، وقال بعض العلماء: يُنشئهم النشأة الجديدة على فطرةٍ سليمةٍ خاليةٍ من الأحقاد [8]، وظاهر الآية: أنهم يوم القيامة يُبعثون وهو موجودٌ فيهم، إلا أن الله يسلُّه وينزعه منهم، بدليل قوله: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ... [الأعراف:43]، وقد قال في سورة الحجر: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

وهذا من أعظم كمال اللذات؛ حيث يكون الإنسان خالدًا مُخلَّدًا، وحيث يكون هو وإخوانه ورفقاؤه في ذلك النعيم، ليس بين اثنين منهم شحناءُ، ولا عداوةٌ، ولا حقدٌ، ولا حسدٌ، ولا مُخاصمةٌ، وكل هذا من كمال النعيم.

معنى قوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ..

وقوله: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ [الأعراف:43]، أعربه بعضهم حالًا، وبعضهم منع إتيان الحال هنا؛ لأنه قال: وَنَزَعْنَا [الحجر:47] وفاعلها لا دخل له في الجملة، فلا يمكن أن تكون حالًا. وبعضهم يقول: يصح أن تكون حالًا، وعلى أن الجملة حاليَّةٌ فلا إشكال. وعلى امتناع الحالية فيها -كما زعمه بعض علماء العربية- فهو كلامٌ آخرُ مُستأنفٌ مما يعطيهم الله.

تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ أي: من تحت قصورهم وغُرفهم العالية، تجري من تحتها الأنهار سائلةً. يقول بعض العلماء: أنهار الجنة تجري في غير أخدودٍ [9] ويذكرون: أن المؤمن في غرفته العالية قد يُبصِر إلى النهر تحته، فيصعد إليه حتى يقضي منه حاجته، كما يأتي في تفسير قوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6].

ولا غرابة في ارتفاع الماء إلى وليّ الله في غرفته من الأرض؛ لأنه يُشاهَد في الدنيا ما هو أعظم من هذا وأغرب؛ لأنك أيام البلح، تأخذ بلحةً من نخلةٍ طويلةٍ سحيقٍ، فإذا ضغطت على البلحة بضرسك طار منها الماء، وهذا الماء إنما أخذته من عروقها، فصعد من الأرض ومن عروق النخلة، وطلع معها هذا الجذع القوي الخَشن، طلع معه الماء، ورفعه الله منها إلى البُعد العالي بقدرته؛ فمن فعل هذا فلا يَصعُب عليه أن يرفع الماء إلى غرف المؤمنين العالية.

وهذه الأنهار مختلفة الألوان والأشكال، كما قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى... [محمد:15]، وهذا معنى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس:9]، فتارةً يُفرد الجنة؛ نظرًا إلى أنها اسمُ جنسٍ، وتارةً يجمعها. وقيل: أضافها إلى النعيم؛ لأنهم يتنعَّمون فيها بجميع الليالي، وتظهر على وجوههم نضرةُ النعيم، فهم في غاية النعيم. والنعيم: ضد البؤس، فهم في نعمةٍ دائمةٍ، ظاهرةٌ آثارها على أبدانهم بنضرةٍ وجمالٍ وسرورٍ وغبطةٍ، لا يشيبون، ولا يهرمون، ولا يمرضون؛ ولذا قال: فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس:9].

معنى قوله: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا..

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا... [الأعراف:43]: بيَّن الله أنه لما أدخل أهلَ الجنةِ الجنةَ؛ حمدوا الله على نِعَمه، وذلك ذكره عنهم في مواضعَ كثيرةٍ، كقوله عنهم أنهم قالوا: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ۝ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ [فاطر:34، 35]، وقال عنهم هنا: إنهم حمدوه أيضًا، فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ [فاطر:34].

الحمد معناه: كل ثناءٍ جميلٍ ثابتٍ لله جلَّ وعلا؛ لأنه يستحقه بذاته، ولأنه يستحقه علينا بما أنعم علينا؛ حيث أدخلنا هذا النعيم الخالد الذي لا يزول.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا... أي: وفَّقنا للطريق التي يُنال بها هذا الثواب العظيم، وهي الجنة، نحمد الله على أن وفَّقنا في دار الدنيا، وهدانا إلى الإيمان به واتِّباع رسله؛ حتى نِلنا بذلك العمل الصالح هذا الجزاء المقيم، والنعيم العظيم الذي هدانا لهذا.

الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا، ثم قالوا: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ...: هذه اللام هي التي تُسمى في النحو بـ "لام الجحود"، وهي تؤكد النفي، تؤكد نفي هدايتهم: لولا أن الله هداهم، وتُسمى "لام الجحود"، ولا تكون إلا بعد كونٍ مَنفيٍّ، نحو: ما كان ولم يكن، والفعل منصوبٌ بعدها بـ "أن" مضمرةٍ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ... إلى الطريق التي هذا ثوابها وجزاؤها.

لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، والمصدر المنسبك من "أن" وصلتها في محل رفعٍ؛ لأن ما بعد لولا مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ غالبًا، والمعنى: لولا هدايةُ الله موجودةٌ لما نلنا هذا الجزاء، ولَمَا هُدينا إلى هذا العمل الذي هذا جزاؤه.

وقرأ هذا الحرفَ عامةُ القراء، ما عدا الشاميَّ؛ أعني: ابنَ عامرٍ وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، وقرأه ابن عامرٍ وحده: "ما كنا لنهتدي" بلا واوٍ. والمصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو، وإنما فيها: "ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله"، بلا واو، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان فصيحتان. ولأجل هذا الاختلاف بزيادة حرفٍ في بعض القراءات الصحيحة، وحذفه من القراءة الأخرى؛ كان ذلك سبب تعدُّد نُسخ المصحف العثماني؛ تعدُّد نسخه لتكون نسخةٌ فيها الواو ونسخةٌ لا واو فيها، فبعض المصاحف التي أُرسلت إلى الشام ليس فيها الواو، وإنما فيها: "ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله"، بلا واوٍ، وهي قراءة الشاميِّ، وهو ابن عامرٍ. وهذا معنى قوله: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43].

ثم قالوا على سبيل الفرح والغبطة والسرور: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف:43]، والله لقد جاءتنا رسلُ ربنا في دار الدنيا بالحق؛ لأن العمل الصالح الذي أمرتنا به، والجزاء الذي وعدتنا أن نناله؛ هذا هو قد تحقَّق لنا، ودخلنا الجنة التي كانوا يعدوننا في دار الدنيا على الأعمال الصالحة. والله لقد جاءتنا رسلُ ربنا في دار الدنيا بالحق الثابت الذي لا شكَّ فيه... وإنما جاؤونا بالحق، فقالوا هذا على وجه السرور والغبطة؛ لأن من دخل في غبطةٍ وسرورٍ، وتكلم بهذا الكلام... لا يقصد غير ذلك.

معنى قوله: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ..

ولما قالوا الكلام: لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ، قالوا هذا وَنُودُوا أي: نودوا من قِبل الله، ناداهم الله، أو مَلكٌ من الملائكة بأمر الله: أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ...، و"أنْ" هذه فيها وجهان: زعم بعضهم أنها المُخفَّفة من الثقيلة، وأنْ إذا خُففت من الثقيلة، أن المفتوحة؛ لم يبطل عملها، ويكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرها.

وأظهر القولين: أنها هنا التفسيرية، ومعنى التفسيرية: أن ما بعدها يُفسِّر ما قبلها في نفس النداء الذي نودوا به، وهو قوله: تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

وضابط "أنْ" التفسيرية التي يكون ما بعدها تفسيرًا لما قبلها: هو أن يتقدمها ما فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، أعني: القاف والواو واللام. وقد تقدَّمها ما فيه معنى القول؛ لأن النداء فيه معنى القول، وليس فيه حروف القول، فيظهر أنها تفسيريةٌ؛ خلافًا لمن زعم أنها مُخفَّفةٌ من الثقيلة.

تِلْكُمُ الْجَنَّةُ...: تلك إشارةٌ إلى الجنة؛ نظرًا إلى أنها اسم جنسٍ، وقوله: "كُم": هو حرف خطاب للمُخاطَبين؛ لأنهم جمعٌ كثيرٌ.

تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا...: معنى أورثتموها: أعطيتموها ... وليس المراد به أنها مأخوذةٌ من أمواتٍ كميراث الميت، كما يزعمه بعضهم؛ بل المراد بميراثها: أن الله أعطاهم إياها، وأدخلهم إياها، وأباحها لهم؛ خلافًا لمن زعم أن معنى إرثهم لها: أن الله جعل لكل نفسٍ منفوسةٍ مسكنًا في الجنة، ومسكنًا في النار؛ فإذا أدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، أطلع أهل الجنة على مساكنهم في النار لو أنهم كفروا بالله وعصوه؛ لتزداد غبطتهم وسرورهم، وعند ذلك يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ. ثم إنه يُطلع الكفار على منازلهم في الجنة لو أنهم آمنوا وأطاعوا الله؛ لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: لو أن الله هداني لكنت من المتقين.

قالوا: ثم إن الله يعطي منازل أهل النار في الجنة لأهل الجنة، وكأنَّ أهل النار أمواتٌ؛ لأنهم يتمنَّون الموت فلا يجدونه، فكأنهم ورثوها عنهم، وهذا وإن جاء به حديثٌ فلا يصلح لتفسير الآية؛ لأن الله قال: بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ولم يقل: أورثتموها من أهل النار، فصرَّح أنه أورثهم إياها بما كانوا يعملون؛ أي: بسبب ما كنتم تعملون في دار الدنيا من طاعة الله.

إشكال حول قوله: أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

وتمسَّك المعتزلة بظاهر هذه الآية، وأمثالها من الآيات، وقالوا: إن العبد هو الذي خلق فعل نفسه بالطاعات، واستحق بها الجنة، لا بفضلٍ من الله جلَّ وعلا -أعاذنا الله من مقالتهم-، وهنا يُشنِّع الزمخشري في تفسير هذه الآية؛ لأنه معتزليٌّ، على من يقول: إنهم دخلوا الجنة بفضل الله ورحمته، فيقول: قال المُبطلة: إنهم دخلوها بفضل الله، والله يقول: إنهم دخلوها بأعمالهم [10].

وهذا جهلٌ من المعتزلة، وعدم علمٍ بالسُّنة؛ لأن النبي  قد ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه قال: لن يُدخل أحدَكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ [11]. وهذا الحديث الصحيح أصله فيه إشكالٌ بينه وبين هذه الآيات التي يستدل بها المعتزلة، كقوله هنا: أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]، وتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63]، وأمثال ذلك.

وللعلماء أجوبةٌ كثيرةٌ عن الإشكال بين الحديث وبين هذه الآيات، وما جرى مجراها من الآيات. وأظهر أوجُه التوفيق عندنا: أن العمل الصالح لا ينفع صاحبه إلا إذا تقبَّله الله منه، ولا يعمل عملًا صالحًا إلا وفَّقه الله إليه وأعانه عليه. فلما كان العمل الصالح -الذي هو سبب دخول الجنة- لا ينفع إلا إذا تقبَّله الله، ولو شاء لن يتقبله، ولا ينفع إلا إذا وفَّق الله إليه، ولو شاء لن يوفِّق إليه؛ صار كل شيءٍ بفضله ورحمته جلَّ وعلا، كما هو الحق وهو الصواب.

وهذا معنى قوله: وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الأعراف:43]، أي: في دار الدنيا من طاعات الله، ودخلتموها بفضل الله ورحمته؛ حيث تقبَّل منكم تلك الأعمال الصالحة، ووفَّقكم إلى فعلها في دار الدنيا، وأعانكم عليها برحمته وفضله وتقبَّلها منكم، ولو لم يوفّقكم لها ويعنكم عليها؛ لما قدرتم على فعلها، ولو لم يتقبّلها منكم؛ لما نفعتكم أبدًا، فكل هذا بفضله ورحمته جلَّ وعلا.

نعم.

معنى قوله: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ...

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف:44].

بيَّن جلَّ وعلا أنه إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ؛ بيَّن ما يقوله أهل النار في النار: من التخاصم ولعْن بعضهم لبعضٍ، كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] وسؤال بعضهم مضاعفة العذاب لبعضٍ؛ وما يقوله أهل الجنة: من حمد الله والثناء عليه للتوفيق والغِبطة بالخلود، ونزع الأحقاد والغلال التي كانت بينهم، ثم بيَّن هذا كله، بيَّن أنَّ أهل الجنة يُنادون أهل النار كالمُوبِّخين على نوعٍ من التوبيخ والشماتة بهم؛ لأنهم كانوا يُكذِّبون في الدنيا بالنار والجنة.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ...: وهذا النداء للعلماء فيه سؤالاتٌ: هل نادى جميعُ أهل الجنة جميعَ أهل النار، أم نادى بعضهم بعضًا؟ وظاهر القرآن أنه نداءٌ عامٌّ. وقال بعض العلماء: كل ناسٍ من المؤمنين ينادون من كانوا يعرفونهم في الدنيا من الكفار: يا أصحاب النار، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فنحن وجدنا ما وعدنا من النعيم حقًّا، فهل وجدتم ما كان يُقال لكم من الوعيد بالعذاب حقًّا؟

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا...: "أنْ" هذه كالتي قبلها في قولي: إنها تفسيريةٌ أو مُخفَّفةٌ من الثقيلة، وقد ذكرنا الكلام عليها آنفًا.

أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا...: من الجنة والنعيم المقيم والخلود الأبدي في نعم الله، وجدناه حقًّا من الله، وصَدَقنا وعده: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ [الزمر:74]، فوجدنا وعد الله بالنعيم والخلود الأبدي في الجنة على ألسنة الرسل، وجدناه حقًّا؛ فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من العذاب والنكال ودخول النار، هل وجدتموه حقًّا؟ وهذا سؤالُ توبيخٍ وتقريعٍ وشماتةٍ، والعياذ بالله... وعدهم الله من العذاب والنكال، على ألسنة الرسل حقًّا، ووجدنا أن تكذيبنا به في دار الدنيا سفاهةٌ منَّا، وجنايةٌ على أنفسنا.

وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا عليًّا الكسائيَّ: قَالُوا نَعَمْ [الأعراف:44]، بفتح النون والعين، وقرأها الكسائي وحده: "قالوا نَعِم"، ونَعَم ونَعِم لغتان، كلتاهما تأتي بمعنى الأخرى على الصواب، ونَعَم لا تكون جوابًا إلا لاستفهامٍ مُثبتٍ، ولا تكون جوابًا لاستفهامٍ منفيٍّ، فلو كانت الآية: "ألم تجدوا ما وعدكم ربكم حقًّا" بالنفي، لما جاز أن يُجاب بـ: نعم، وإنما يُجاب بـ: بلى، هذا هو المعروف؛ لأن المكان الذي تصلح فيه بلى لا تصلح فيه نعم، والمكان الذي تصلح فيه نعم لا تصلح فيه بلى.

معاني "بلى" في القرآن واللغة العربية

وبلى تأتي في اللغة العربية، وفي القرآن العظيم، بمعنيين لا ثالثَ لهما:

  • أحدهما: أن بلى تأتي لنفي النفي، فهي نقيضة لا؛ لأن لا لنفي الإثبات، وبلى لنقيض النفي، فإذا جاء نفيٌ في القرآن، ثم جاءت بعده بلى ، فإنها تنفي ذلك النفي، ونفي النفي إثبات، فيكون ما بعد بلى إثباتٌ؛ لأنها نفت النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثباتٌ، وهذا كثيرٌ في القرآن، كقوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا... [التغابن:7]، نفَوا البعث بأداة النفي التي هي لن قُلْ بَلَى [التغابن:7]، فنفي الله نفيهم للبعث فثبت البعث؛ ولذا قال: وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ... [التغابن:7]. وكقوله: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ... [سبأ:3]، نفَوا إتيان الساعة بحرف النفي الذي هو لا، قال الله: بَلَى [سبأ:3]، فنفى نفيهم وأثبت إتيان الساعة؛ ولذا قال بعده: لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ:3]، وهذا كثيرٌ في القرآن وفي كلام العرب.
  • المعنى الثاني: أن تأتي بلى جوابًا لاستفهام مُقترنٍ بالنفي خاصةً، لا للاستفهام الإيجابي، كقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى... [الأعراف:172] أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى... [يس:81]، وهكذا، ولا يجوز أن يقال في هذا: نعم.

أما إن كان السؤال بالإثبات، فالجواب بـ "نعم" لا بـ "بلى"، فلو قلت: هل جاء زيدٌ؟، فالجواب بـ "نعم" قد جاء زيدٌ، ولو قلت: أليس زيدٌ قد جاء؟ فالجواب: بـ "بلى"، لا بـ "نعم"، وما سُمع من كلام العرب في شأن "نعم" بعد الاستفهام المقترن بالنفي الذي هو موضع بلى؛ فإنه شاذٌ، يُحفَظ ولا يُقاس عليه، وقد سُمع في كلام العرب إتيان لفظة "نعم" في محل "بلى" للاستفهام المقترن بالنفي، ومن شواهده قول الشاعر:

أليس الليل يجمع أمَّ عمرو  وإيّانا فذاك بنا تداني
نعم، وترى الهلال كما أراه ويعلوها النهار كما علاني [12].

فالمحل هنا لـ "بلى"، لا لـ "نعم"؛ لأن الاستفهام مقترنٌ بنفيٍ، وإنما يُحفَظ مثل هذا ولا يُقاس عليه.

وقوله: قَالُوا نَعَمْ [الأعراف:44] هو حرف إثبات جواب الاستفهام، إثبات معناه: وجدنا ما وعدنا ربنا من العذاب الأليم والنكال، وجدناه حقًّا.

معنى قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ... [الأعراف 44]، التأذين في لغة العرب: الإعلام، تقول العرب: أذَّن الرجل إذا أعلم، ومنه الأذان للصلاة؛ لأنه إعلامٌ بدخول وقتها، ودعاء الناس إليها فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنبياء:109]: أعلمتكم، وآذنه: إذا أعلمه، ومنه قول الحارث بن حِلزة:

آَذَنَتنا بِبَينِها أَسماءُ رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنهُ الثَواءُ [13].

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ...: أي: نادى مُنادٍ بصوتٍ عالٍ، وأعلن مُعلنٌ بينهم. قرأ هذا الحرف عامة القراء، إلا ورشًا عن نافعٍ.. فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ [الأعراف:44] بهمزةٍ مُحقَّقةٍ، وقرأه ورشٌ وحدَه عن نافعٍ «فأذَّن مُوذِنٌ» بالواو، بإبدال الهمزة واوًا، انفرد بهذه القراءة ورشٌ عن نافعٍ، عن جميع القراء.

بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ قرأ هذا الحرف: نافعٌ، وعاصمٌ، وأبو عمروٍ، وقنبلٌ عن ابن كثيرٍ؛ قرؤوا كلهم أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ... بتخفيف "أنْ" وضم "تاء" لعنة.

وقرأه الباقون؛ وهم: حمزة، والكسائيُّ، وابنُ عامرٍ، والبزيُّ عن ابن كثيرٍ؛ بالتشديد.

أما قنبل: فقد قرأ مع نافعٍ وعاصمٍ، والذي قرأ مع حمزة والكسائيِّ وابن عامرٍ من راويَيِ ابن كثيرٍ: هو البزيُّ.

فالحاصل: أنه قرأ "أنَّ لعنةَ الله" بتشديد "أن" ونصب "تاء" لعنة: الكسائيُّ، وحمزةُ، وابنُ عامرٍ، والبزيُّ عن ابن كثيرٍ.

وقرأه نافعٌ، وعاصمٌ، وأبو عمروٍ، وقنبلٌ عن ابن كثيرٍ: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ بالتخفيف.

واللعنة في لغة العرب: الإبعاد والطرد، فالرجل إذا كان ذا جرائم وذا جرائر، يطلبه هؤلاء بدمٍ وهؤلاء بدمٍ؛ فإن قومه تبرؤوا منه وطردوه؛ لئلا تقاتلهم القبائل التي يطالبونه بالدم، إذا نفوه وطردوه يُسمى رجلًا لَعِنًا.

ومنه قول الشَّمَّاخ وغيره:

ذَعَرْتُ به القطا ونفيتُ عنه  مقامَ الذئب كالرجل اللعين [14].

فلعنة الله معناها: طرده وإبعاده.

فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ...: أي نادى مُنادٍ وأعلن مُعلِنٌ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم في دار الدنيا، وكانوا يضعون العبادة في غير موضعها -والعياذ بالله- وهم الكفرة، وهذا من النكال بالكفار، لما اعترفوا بأن الوعيد حقٌّ عليهم، نادى مُنادٍ يدعو عليهم باللعنة -والعياذ بالله- ووُصفهم بالظلم الذي استحقوا به عذاب الله ونكاله.

معنى قوله: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ

ثم قال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ... [الأعراف:45]، الَّذِينَ في محل خفضٍ؛ لأنه نعتٌ للظالمين يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ....

استعمالات "صَدَّ" عند العرب

والعرب تستعمل "صَدَّ" في استعمالين:

  • تستعملها متعديةً إلى المفعول، تقول: صَدَّ زيدٌ عمرًا يَصُدُّه، ومصدرها: صدٌّ، لا غير، ومنه قوله: وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، صَدَّه يَصُدُّه صَدًّا على القياس؛ لأن كل فعلٍ ثلاثيٍّ مُتعدٍّ إلى المفعول يقاس مصدره إلى "فَعْلٍ" بفتحٍ وسكونٍ كـ: صَدَّهُ صَدًّا؛ ولأن مصدرها الصَدُّ على القياس، وهذه مضمونة التعدية ليس فيها إلا الضم، تقول: صَدَّهُ يَصُدُّه صَدًّا، لا غير.
  • والثانية: يستعملون "صَدَّ" لازمةً غير متعديةٍ إلى المفعول، تقول: كان زيدٌ ذاهبًا إلى الشام، فصَدَّ عنه إلى العراق، أي: مال عنه إلى العراق؛ لازمًا. ومصدر هذه: الصُّدود، على القياس والغلبة. وفي مضارع هذا النوع: ضَمُّ الصاد وكسرُها، تقول: صَدَّ زيدٌ عن الأمر يَصُدُّ ويَصِدُّ، وعليه القراءتان السبعيتان: إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ و: إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57].

و يَصُدُّونَ في هذه الآية: هي صَدَّ المتعدية للمفعول الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ...، أي: يَصُدُّون الناس عن سبيل الله، والسبيل: الطريق. وإنما أضيفت الطريق إلى الله؛ لأنها السبيل التي أمر بسلوكها، ووعد بالثواب لمن سلكها، ونهى عن عدم سلوكها، ووعد بالعقاب لمن لم يسلكها.

والسبيل في لغة العرب وفي القرآن تُذكَّر وتُؤنَّث، ومن تأنيثها في القرآن: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ... [يوسف:108]، وقوله: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] على من قرأ "سبيلُ" بالرفع: تستبينَ هي؛ أي: سبيلُ المجرمين.

وقد يُذكَّر السبيل كقوله: وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا [الأعراف:146]. وسبيل الله: هو دين الإٍسلام وطاعة الله التي جاءت بها رسله.

وَيَبْغُونَهَا أي: يطلبونها، وهو السبيل ... في هذه الآية: يطلبونها عوجًا، فهذا مصدرٌ بمعنى ... أي: في حال كونها مُعوجَّةً، يبغونها مُعوجَّةً زائغةً مائلةً، فيها عبادة الأوثان والشركاء والعياذ بالله، يطلبون هذه السبيل العوجاء التي ليس فيها استقامةٌ. أما القرآن العظيم: فسبيله ليس فيها عوجٌ، بل هي مستقيمةٌ كما قال تعالى: قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] وقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف:1]، فسبيل الله ليس فيها عوجٌ، والسبيل التي يبغيها الكفار يبغونها عوجًا، أي: مُعوجَّةً أو عوجاء غير مستقيمةٍ، بما تدعو إليه من الكفر بالله وادِّعاء الشركاء والأنداد له، وهذا معنى يبغونها عوجًا.

محطات رحلة الإنسان

وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ: وهم مع ذلك كافرون بالآخرة، زاهدون بها. الآخرة: هي الدار الآخرة، وقد بيَّنا مرارًا أنها إنما سُمِّيت آخرةً؛ لأنها ليس بعدها مرحلةٌ أخرى، ويجب على الإنسان، على كل إنسانٍ، أن ينظر في مراحله وتاريخ مراحله؛ حتى يفهم الآخرة؛ لأن الله أمره بذلك؛ حيث قال: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ۝ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق:5-6].

فاعلم أيها الإنسان، أيها المسكين الذي هو الإنسان، أن أول مراحلك من التراب، بلَّه الله تبارك وتعالى بماءٍ، فصار ذلك التراب طينًا، ثم بعد أن صار طينًا نقله الله من طورٍ إلى طورٍ، خُمِّر حتى صار طينًا لازبًا، وتغيّرت ريحه حتى صار حمأ، ثم إنه يبس حتى صار صلصالًا، ثم إن الله نفخ فيه الروح وجعله بشرًا سويًّا، خلق منه آدم، وجعله ذا جسدٍ ودمٍ ولحمٍ، ثم إنه خلق من ضلعه امرأته حواء كما قال: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1]، وقال في الأعراف: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الأعراف189]، وقال في أول النساء: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1]، وقال في الزمر: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر :6].

وقد خلق حواء من آدم بلا نساءٍ، كما نصت عليه هذه الآية القرآنية، ثم بعد ذلك كان الطريق التناسل أيها الإنسان، أن تكون أولًا نطفةً من مَنِيٍّ حقيرةٍ مهينةٍ من ماء الرجل وماء المرأة في رحم المرأة، ثم تنتهي ما شاء الله، وأنت نطفةٌ، ثم يقلب الله هذه النطفة علقةً ... ثم إن الله يقلب هذا الدم مضغةً، أي: قطعة لحم، كما يقطعه آكل اللحم ليمضغه، ثم إن الله يقلب هذه اللحمة هيكلًا عظامًا، يُركِّب بعضها ببعضٍ، يُركِّب فيه المفاصل بعضها ببعضٍ، والسُّلاميات بعضها ببعضٍ، والفَقرات بعضها ببعضٍ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا [الإنسان:28].

ثم إنه جلَّ وعلا يكسو هيكل هذا العظام، يكسوه اللحم، ويجعل فيه العروق، ويفتح فيه العيون والأفواه والآناف، ويجعل الكبد في محلها، والكُليتين في محلهما، والطحال في محله، إلى غير ذلك. ثم يُيسِّر لك طريق الخروج من بطن أمك، وهو مكانٌ ضيقٌ، كما قال: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:20]، ثم يُخرِجك إلى الدنيا، وقد جاوزنا جميع هذه المراحل، ونحن في مرحلة الخروج من الدنيا، وهذه المرحلة المحطة التي نحن فيها، منا من يسافر منها بسرعةٍ، ومنا من يمكث فيها، وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج:5]

ويُقال لنا: اعلموا أن السفر طويلٌ، وأن الشُّقّة ... وأنه لا محطةَ يُؤخذ منها الزاد إلا هذه المحطة، فمن لم يتزود من هذه المحطة هلك، وانقطع عن القافلة، وبقي في بلاءٍ وغمٍّ لا ينقطع. فعلينا أن نتزود من هذه المحطة التي هي محل الزاد، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197]، فنأخذ من الأعمال الصالحات، والشُّقَة أمامنا طويلةٌ، والسفر بعيدٌ، والسفر لم ينتهِ.

ثم بعد هذه المحطة ننتقل جميعًا إلى محطة القبور، وهي محطةٌ من رحلة الإنسان، وسمع بدويٌّ رجلًا يقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ۝ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2] قال: انصرفوا والله من المقابر إلى دارٍ أخرى؛ لأن الزائر مُنصرفٌ لا محالةَ، ثم إن القبر محطةٌ ومرحلةٌ من هذه المراحل.

... إياهم كما هو معروفٌ، ثم يشفع النبي سيد الخلق، الشفاعة الكبرى، يلهمه الله، حتى إذا جاء الناس واعتذر لهم آدم، واعتذر لهم نوحٌ وإبراهيم وموسى وعيسى؛ لجأوا إليه صلوات الله وسلامه عليهم، وقال لهم: أنا لها، يعني: أن الله وعده بذلك في دار الدنيا؛ حيث قال له: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. ولكنه صلوات الله وسلامه عليه؛ لشدة علمه بالله، وتعظيمه لله، يعلم أنه لا شفاعة إلا بإذن الله مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس:3]، فلا يتجرأ على الشفاعة ... بسرعة، وإنما يسجد، ويُلهمه ربه من المحامد ما لم يلهم أحدًا قبله ولا بعده، ولم يزل كذلك، حتى يقول له ربه: يا محمد: ارفع رأسك، وسَلْ تعطَ، واشفعْ تُشفَّع [15]، فيشفع الشفاعة الكبرى.

ويظهر في ذلك الوقت فضله صلوات الله وسلامه عليه، على جميع مَن في المحشر مِن الأنبياء والمرسلين، كما ظهر فضله عليهم في دار الدنيا، لما أُعرِج به إلى فوق سبع سماواتٍ، واجتمع بهم في بيت المقدس، وصلَّى بجميعهم [16]، من بينهم جبريل، كما هو معروف في الأحاديث، فهو سيدهم في الدنيا وسيدهم في الآخرة، صلوات الله وسلامه عليه.

ثم إذا أذن الله بالحساب حاسب الناس، ثم إذا انتهى حسابهم تفرَّقوا في ذلك الوقت، فراقًا لا اجتماع بعده، وهو قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا [الزلزلة:6]، وقوله: يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [الروم:43] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ [الروم:14]، وهذا التفرق مذهوبٌ به ذات اليمين إلى الجنة، ومذهوبٌ به ذات الشمال إلى النار، وقد أوضح الله هذه الأشتات في سورة الروم؛ حيث قال: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ... [الروم:15].

^1 أمالي ابن الشجري: 3/ 181.
^2 الفتح على أبي الفتح: ص: 77.
^3 العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير: 3/ 260.
^4 رواه ابن حبان في صحيحه: 2995، وحسَّنه الألباني في "التعليقات الحسان": 2984.
^5 رواه أحمد في فضائل الصحابة: 1057، وقال أبو عبدالله الداني: محتمل التحسين: 1/ 66.
^6 الأغاني: 5/ 132.
^7 رواه البخاري: 2704.
^8 العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (3/ 263 - 264.
^9 تفسير ابن أبي حاتم - مُحققًا (3/ 845.
^10 تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل: 2/ 106.
^11 رواه مسلم: 2816.
^12 أمالي القالي: 1/ 282.
^13 الشعر والشعراء: 1/ 193.
^14 جمهرة أشعار العرب: ص: 28.
^15 رواه البخاري: 7510، ومسلم: 193.
^16 رواه مسلم: 172.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©