- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}

جدول المحتويات
- فضائل الحج ومنافعه
- تكفير الذنوب
- الفوز بالجنة
- من أفضل أنواع الجهاد
- الحاج من وفد الله الموعودين بإجابة الدعاء
- سببٌ للتخلص من الفقر والذنوب
- عتق الرقاب من النار
- تحصيل الأجور العظيمة
- اجتماع المسلمين والشعور بالوحدة الإسلامية
- إقامة ذكر الله تعالى على الوجه المشروع
- ابتغاء رضوان الله وفضله
- التذكير بالآخرة والموت
- تحقيق حسن الخلق
- تعويد النفس على تعظيم ما عظَّمه الله
- التربية على التوحيد
- الأمن والسكينة والراحة النفسية
- مُضاعفة الأجر بالصلاة في الحرمين
- طلب الرزق بالتجارة ونحوها
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71].
أما بعد:
فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشر الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
فضائل الحج ومنافعه
ثم يا معاشر الفضلاء: إن ربنا سبحانه حكيمٌ عليمٌ، بَرٌّ رؤوفٌ، رحيمٌ كريمٌ، لا يَشْرَع شيئًا إلا وفيه من الحِكَم ما هو به عليمٌ، قد نعلم بعضها وقد يخفى علينا بعضها. ومن تلك الشعائر العظيمة التي كلها حِكَمٌ وكلها منافعُ: شعيرةٌ يستعد الحُجاج من الرجال والنساء لأدائها، ألا وهي شعيرة الحج، كما قال ربنا سبحانه: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:26-28].
فربنا في النداء العظيم للناس بالحج قال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28]، وجاءت الصيغة بصيغة منتهى الجموع؛ لتعم منافع الدنيا والآخرة.
قال ابن جريرٍ رحمه الله : اختلف أهل التأويل في معنى المنافع التي ذكرها الله في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: هي التجارة ومنافع الدنيا. وروى عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] قال: هي الأسواق... إلى أن قال: وقال آخرون: هي الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا. وروى عن مجاهدٍ رحمه الله أنه قال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] قال: التجارة وما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة...، إلى أن قال: وقال آخرون: بل هي العفو والمغفرة..
وأولى الأقوال بالصواب: "قول من قال: عَنَى بذلك لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] من العمل الذي يرضي الله، والتجارة؛ وذلك أن الله عمَّ لهم منافعَ جميع ما يُشهَد له الموسم، ويأتي له الحُجاج من منافع الدنيا والآخرة، ولم يُخصِّص من ذلك شيئًا"[1].
وقال ابن كثيرٍ رحمه الله: "قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28]، قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة: فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا: فما يصيبون من منافع البُدن والذبائح والتجارات. وكذا قال مجاهدٌ وغيرُ واحدٍ: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ... [البقرة:198]، وقوله: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ [الحج:28]"[2].
وقال الشيخ السعدي رحمه الله : "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:28] أي: لينالوا ببيت الله منافعَ دينيةً من العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا فيه، ومنافعَ دنيويةً من التكسب وحصول الأرباح الدنيوية، وكل هذا أمرٌ مُشاهَدٌ كلٌّ يعرفه"[3].
تكفير الذنوب
معاشر الفضلاء: إن للحج منافعَ عظيمةً، ومنازلَ كريمةً؛ فمن منافع الحج العظيمة: أن من جاء إلى الحج حاملًا أوزاره فوق ظهره قد أسرف وأسلف من الذنوب الشيءَ الكثيرَ فحجَّ كما أُمِر، وتاب إلى الله ؛ يرجع من حجه نقيًّا من الذنوب، فعن أبي هريرةَ قال: سمعت النبي يقول: مَن حجَّ لله فلم يَرفُث ولم يَفسُق؛ رجع كيوم ولدته أمُّه [4] رواه البخاري في "الصحيح".
وفي روايةٍ عند البخاري: عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله : مَن حجَّ هذا البيت فلم يَرفُث ولم يَفسُق؛ رجع كما ولدته أمُّه [5].
وعند مسلمٍ: مَن أتى هذا البيت فلم يَرفُث ولم يَفسُق؛ رجع كما ولدته أمُّه [6].
مَن حج هذا البيت: مَن أتى هذا البيت حاجًّا لله ، مُخلِصًا لله ولزم الأدب فلم يَرفُث، ولم يُجامِع، ولم يتكلم في شأن النساء حال إحرامه.
ولم يَفسُق أي: لم يرتكب محظورات الإحرام، ولم يرتكب معصيةً، ولم يُصر على معصيةٍ سابقةٍ.
رجع كيوم ولدته أمُّه: يرجع كأنه لم يُذنب قطُّ، ولم يُصب ذنبًا قطُّ.
الفوز بالجنة
ومن منافع الحج العظيمة: أن مَن حجَّ وحرص على برِّ حجه بالتوحيد والإخلاص لله ، وحرص على أن يكون حجه موافقًا لحج النبي ، بأن يأتي بالسُّنن في نسكه الذي دخل به، من إفراد أو قران أو تمتُّع، فإن لم تتيسر له نواها، وحرص على اجتناب محظورات الإحرام، والمعاصي كلها، فإن زلت به القدم ووقع في معصية بادر بالندم والتوبة، وكفَّ لسانه عن الرفث والجدال؛ يحصل على عمل يَفضُل غيره من الأعمال كثيرًا، ويرجع بأعظم فوزٍ وهو الفوز بجنة رب العالمين.
فعن أبي هريرة : أن النبي قال: الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة [7]، رواه مسلمٌ في "الصحيح".
وعن ماعزٍ : عن النبي أنه سُئل: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمانٌ بالله وحده، ثم الجهاد، ثم حَجَّةٌ بَرَّةٌ تَفضُل سائر العمل كما بين مطلع الشمس إلى مغربها [8]، رواه أحمد، وصححه الألباني.
إن حجةً مبرورةً يوقعها العبد، ويحرص فيها على ما ذكرناه؛ هي أفضل له من سائر الأعمال، إلا التوحيد والجهاد في سبيل الله، هي أفضل له فضلًا كبيرًا عظيمًا، بل تَفضُل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس ومغربها.
من أفضل أنواع الجهاد
ومن منافع الحج: أنه من أفضل وأجمل وأحسن وأكمل الجهاد في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله ذِروة سِنام الإسلام؛ فعن عائشةَ أم المؤمنين رضي الله عنها وعن أبيها، أنها قالت: يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل؛ أفلا نجاهد؟ قال: لا، -يعني: لا تُجاهِدن- لَكِنَّ أفضلَ الجهادِ حجٌّ مبرورٌ [9]، رواه البخاري. وتُضبط أيضًا: لَكُنَّ أفضلُ الجهادِ: حجٌّ مبرورٌ.
وفي روايةٍ عند البخاري: عن عائشةَ أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، ألا نغزو ونجاهد معكم؟ فقال: لَكُنَّ أحسنُ الجهاد وأجملُه: الحج، حجٌّ مبرورٌ [10]، فقالت عائشةُ رضي الله عنها: "فلا أدع الحجَّ بعد أن سمعت هذا من رسول الله ".
وفي روايةٍ عن عائشةَ، عن النبي ، قالت: سأله نساؤه عن الجهاد، فقال: نِعْمَ الجهادُ الحجُّ [11]، رواه البخاري في "الصحيح".
وعن أم سلمةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : الحجُّ جهادُ كل ضعيفٍ [12]، رواه ابن ماجه، وحسَّنه الألباني.
فالحج نوعٌ من أنواع الجهاد في سبيل الله، هو من أكمل أنواع الجهاد، وأجمل أنواع الجهاد، وأحسن أنواع الجهاد.
الحاج من وفد الله الموعودين بإجابة الدعاء
ومن منافع الحج: أن الحاج يسلك نفسه في وفد الله الموعودين بإجابة الدعاء، فعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله : وفد الله ثلاثةٌ: الغازي، والحاج، والمُعتمِر [13] رواه النسائي، وصححه الألباني.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: عن النبي أنه قال: الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر؛ وفدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم [14]، رواه ابن ماجه، وحسَّنه الألباني.
فالحاج إنما هو وافدٌ على الله ، دعاه الله إلى الحج فأجاب الدعوة، فإن سأل ربه أعطاه الله مُناه، ووفَّاه مُراده.
سببٌ للتخلص من الفقر والذنوب
ومن منافع الحج: أنه من أعظم الأسباب وأنفعها للتخلص من الفقر والذنوب، فعن عبدالله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله : تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلا الجنة [15]، رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني.
عتق الرقاب من النار
ومن منافع الحج، معاشر الفضلاء: ما يرجوه الحاج من عتق رقبته من النار، فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله قال: ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِق الله فيه عبدًا من النار؛ من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟ [16]، رواه مسلمٌ في "الصحيح".
تحصيل الأجور العظيمة
ومن منافع الحج: الأجور العظيمة التي يُحصِّلها الحاجُّ في كل مراحل حجه، من خروجه من بيته إلى أن يرجع من حجه.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: جاء رجلٌ من الأنصار إلى النبي فقال: يا رسول الله، كلماتٌ أسأل عنهن، قال: اجلس... ثم أقبل على الأنصاري، فقال: إن شئتَ أخبرتُك عما جئتَ تسأل، وإن شئتَ سألتني فأخبرك، فقال: لا يا نبي الله، أخبرني عمَّا جئتُ أسألك.. -جبريل أخبر النبي بما يريد هذا الرجل أن يسأل عنه- فقال النبي : جئتَ تسألني عن الحاج: ما له من حين يخرج من بيته، وما له حين يقوم بعرفاتٍ، وما له حين يرمي الجمار، وما له حين يحلق رأسه، وما له حين يقضي آخر طوافٍ بالبيت، فقال: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق، ما أخطأتَ مما كان في نفسي شيئًا..
فقال : فإن له حين يخرج من بيته أن راحلته لا تخطو خطوةً إلا كُتب له بها حسنةٌ، أو حُطت عنه بها خطيئةٌ... -إذا ركب الحاجُّ دابتَه من بيته لا تتحرك دابته شيئًا إلا كُتبت له حسنةٌ أو حُطت عنه خطيئةٌ- قال : فإذا وقف بعرفة، فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيقول: انظروا إلى عبادي شُعثًا غُبرًا، اشهدوا أني قد غفرت لهم ذنوبهم، وإن كانت عدد قَطْرِ السماء ورَمْلِ عالِجٍ. وإذا رمى الجمار لا يدري أحدٌ ما له حتى يوفَّاه يوم القيامة، وإذا حلق رأسه فله بكل شعرةٍ سقطت من رأسه نورٌ يوم القيامة، وإذا قضى آخر طوافه بالبيت خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه [17]، رواه ابن حبان، وحسَّنه الألباني لغيره.
وفي روايةٍ عند الطبراني في "الكبير" وحسَّنها الألباني: قال النبي مُبشِّرًا ومُبيِّنًا: أما خروجك من بيتك تؤم البيت، فإن لك بكل وطأةٍ تطأها راحلتك يكتب الله لك بها حسنةً ويمحو عنك بها سيئةً. وأما وقوفك بعرفةَ، فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شُعثًا غُبرًا من كل فجٍّ عميقٍ يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني؛ فكيف لو رأوني؟! فلو كان عليك مثل رَمْلِ عالِجٍ أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قَطْرِ السماء ذنوبًا؛ غسلها الله عنك. وأما رميك الجمار، فإنه مدخور لك -أي: إنه لا يعلم جزاءه ووفاءه إلا الله - وأما حلقك رأسك، فإن لك بكل شعرةٍ تسقط حسنةً، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمُّك [18].
الله كبر، الله أكبر، ما أعظمها من أجورٍ جعلها الله لحُجاج بيته الحرام!
وعن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول الله : ما من مسلمٍ يُلبِّي -أي: في حجٍّ أو عمرةٍ- إلا لبَّى مَن عن يمينه أو عن شماله، من حجرٍ أو شجرٍ أو مَدَرٍ؛ حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا [19]، رواه الترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني.
والمقصود: أن الحاج إذا لبَّى ورفع صوته بالتلبية، لا يسمع صوته حجرٌ ولا شجرٌ ولا مَدَرٌ إلا لبَّى؛ فيُكتب له أجر تلك الجمادات؛ لأنه كان السبب في كونها لبَّت.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسول الله يقول: مَن طاف بهذا البيت أسبوعًا -أي: سبعةَ أشواطٍ- فأحصاه؛ كان كعتقِ رقبةٍ، قال: وسمعتُه يقول: لا يضع قدمًا ولا يرفع أخرى -أي: في طوافه- إلا حطَّ الله عنه خطيئةً، وكتب له بها حسنةً [20]، رواه الترمذي، وصححه الألباني
وعن أبي هريرةَ : عن النبي قال: ما أَهَلَّ مُهِلٌّ قطُّ إلا بُشِّرَ -يعني: ما لبَّى مُلَبٍّ قطُّ إلا بُشِّرَ-، ولا كَبَّرَ مُكبِّرٌ قطُّ إلا بُشِّرَ، قيل: يا رسول الله: بالجنة؟ -يعني: يُبشَّر بالجنة؟- فقال : نعم [21]، رواه الطبراني، وبيَّن الألباني رحمه الله في "السلسلة الصحيحة" أنه حسنٌ.
اجتماع المسلمين والشعور بالوحدة الإسلامية
ومن منافع الحج العظيمة: اجتماع المسلمين يأتون من أقطارٍ مختلفةٍ، وثقافاتٍ مختلفةٍ، بألوانٍ مختلفةٍ، وألسنة مختلفةٍ، يجتمعون ويُحسُّون بالأخوة بينهم؛ حيث يلبسون لباسًا واحدًا؛ غنيُّهم وفقيرُهم، عربيُّهم وعجميُّهم، كلهم يلبسون لباسًا واحدًا، ويؤدون عملًا واحدًا، ويستفيد بعضهم من بعضٍ.
قال الشيخ الأمين، صاحب "أضواء البيان"، رحمه الله وسائر علماء المسلمين: "ومِن تلك المنافع التي لم يُبيِّنها القرآن: تيسُّر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقاتٍ معينةٍ، في أماكنَ معينةٍ؛ ليشعروا بالوحدة الإسلامية، ولتُمكِن استفادة بعضهم من بعض فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين. وبدون فريضة الحج لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك؛ فهو تشريعٌ عظيمٌ من حكيمٍ خبيرٍ"[22].
إقامة ذكر الله تعالى على الوجه المشروع
ومن منافع الحج العظمى: إقامة ذكر الله تعالى على الوجه المشروع، وتخليصه من البدع التي أُلحقت به، وهو أمرٌ يتضح بجلاءٍ لمن يعلم أذكار ومناسك الحج.
إن الحاجَّ يدخل في حجه بالتلبية العظيمة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، ينادي بها بلسانه، ويعقد عليها قلبه: لبيك ربي؛ إجابةً لك بعد إجابةٍ.
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك": ربي لا شريك لك في العبادة، فأنا لا أعبد إلا إياك يا ربي، إياك أعبد وإياك استعين.
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك": الحاج ينادي بالتوحيد، ويعقد قلبه على التوحيد، ويرفع صوته امتثالًا لأمر الله ؛ حيث أُنزل جبريل إلى محمدٍ ليأمره بأن يأمر أصحابه بأن يرفعوا أصواتهم بالتلبية.
الحاج عندما يذكر الله بهذه التلبية العظيمة تتجلى في نفسه معاني التوحيد وأصول التوحيد وتحقيق التوحيد؛ ولذلك قال جابرٌ عن هذه التلبية في صفة حج النبي : "فأَهَلَّ بالتوحيد".
والحاج إذا وصل بيت الله الحرام وطاف بالكعبة، يُكبِّر الله، ويذكر الله، ويدعو الله . وإذا وقف في عرفة، حاول أن يستوعب وقت الوقوف من الزوال إلى أن تغرب الشمس بالذكر والدعاء والثناء على الله ، يردد: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ؛ ويدعو الله ويُلبِّي ويُكبِّر حتى تغيب الشمس.
وإذا انصرف من عرفة وجاء إلى مزدلفة، وقف عند المشعر الحرام بعد الفجر ودعا الله، وهلَّله، ووحَّده، وسبَّحه، وكبَّره ، ثم يستمر يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، وإذا رمى جمرة العقبة فإنه يُكبِّر مع كل حصاةٍ، وهكذا في رمي الجمار كلها: يُكبِّر مع كل حصاةٍ، ثم يبقى في مِنًى يُكبِّر الله ويرفع صوته بالتكبير، ويطوف طواف الإفاضة، ويسعى سعي الحج إن كان مُتمتعًا يسعى لعمرته، ثم بعد الإفاضة يسعى لحجه، وإن كان قارنًا يسعى سعيًا واحدًا، وإن كان مُفردًا يسعى سعيًا واحدًا، يذكر الله فيه، ويوحِّد فيه، ويدعو الله فيه، ويقيم ذكر الله.
فما شُرعت المناسك إلا لإقامة ذكر الله ، وأن يذكر العبد ربه في الأيام المعلومات، والأيام المعدودات يُكثر فيها من ذكر الله على السُّنة، بعيدًا عن البدع، حريصًا على أن يذكر الله بما ثبت عن رسول الله ، أو بالذكر المطلق الذي لا علةَ فيه ولا بدعةَ فيه: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203]، وهي أيام التشريق، بعد أن يكون قد ذكر الله في الأيام المعلومات وهي أيام العشر الأُوَل من ذي الحجة، وقد قال النبي : أيام التشريق أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذكرٍ لله [23].
ابتغاء رضوان الله وفضله
ومن منافع الحج العظيمة: ابتغاء رضوان الله وفضله، قال الله سبحانه، مُمتدحًا صحابة رسوله ورضي عنهم: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29]، والحاج في حجه يتشبه بصحابة رسول الله ، يطلب فضل الله، ويطلب رضوان الله. والحاج المُوفَّق هو من يحرص في حجه على كسب الحسنات، ويبذل الأسباب التي تَكثُر بها حسناته وتُضاعَف حسناته، ويستثمر أيام الحج كلها في الإكثار من الحسنات، ومن طاعة الله .
التذكير بالآخرة والموت
ومن منافع الحج العظيمة: الذكرى والتذكير، ومن ذلك: التذكير بالآخرة؛ فإن أعمال الحج تُذكِّر بالآخرة، ومن تَذكَّر الآخرة كان قلبه حيًّا وكان قريبًا من ربه.
فحينما يُعِدُّ الحاج زاده وعُدته للسفر، ويطلب ذلك من المال الحلال؛ فليتذكر أنه في هذه الدنيا مُسافرٌ إلى ربه، وكادحٌ إلى ربه كدحًا فملاقيه، فليحرص على أن يحمل معه الحلال في سفره العظيم الذي يسير فيه إلى ربه ، وليحرص على أن يتزود بالتقوى، وقد ختم الله آيات الحج بالوصية بالتزود بالتقوى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197].
وأول ما يقوم به الحاج هو الإحرام من الميقات، وثياب الإحرام تشبه الكفن الذي يُلف به الميت؛ فليتذكر الحاج وهو يلبس ثياب الإحرام الموت الذي سيلاقيه، وأنه سيدخل قبره، وليُحسِن استعداده لما بعد الموت. وإن الوقوف بعرفة في ذلك المشهد العظيم وما يجده الحاج في قلبه من الخشية لَيُذكِّر المسلم والمسلمة بيوم الزحام الأعظم، بيوم العرض على الله تعالى، ذلك اليوم العظيم: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18].
فسفر الإنسان إلى الحج لأداء المناسك يُذكِّره بسفره إلى الله والدار الآخرة، فكما أن في السفر إلى الحج فراق الأحبة والأهل والأولاد والوطن؛ فإن في السفر إلى الدار الآخرة كذلك، وكما أن الذاهب في هذا السفر يتزود من الزاد الذي يبلغه إلى الديار المقدسة؛ فليتذكر أن سفره إلى ربه ينبغي أن يكون معه من الزاد ما يبلغه مأمنه، وفي هذا يقول الله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].
وكما أن السفر قطعةٌ من العذاب؛ فالسفر في الدنيا إلى الدار الآخرة قطعةٌ من العذاب. فعلى المسلم أن يصبر على طاعة الله، وأن يصبر عن معصية الله، وأن يصبر على أقدار الله المؤلمة. وأمام الإنسان أمورٌ عظامٌ، أمامه هول المطلع، وأمامه شدة النزع، وأمامه القبر، وأمامه الحشر، وأمامه الحساب، وأمامه الصراط، ثم الجنة والنار، والسعيد من نجَّاه الله .
وإذا لبس المُحرِم ثوبَي إحرامه باختياره وهو في وسط الناس؛ فليتذكر كفنه الذي سيُكفَّن به اضطرارًا وقد غادر الناس، ويدخل به قبره وحيدًا لا يدخل معه إلا عمله، وهذا يدعوه إلى التخلص من المعاصي والذنوب. وكما تجرد من ثيابه؛ فعليه أن يتجرد من ذنوبه، وكما لبس ثوبين أبيضين نظيفين؛ فكذا ينبغي أن يكون قلبه أبيض نظيفًا، وأن تكون جوارحه بيضاء لا يشوبها سواد المعصية.
وإذا قال في الميقات: "لبيك اللهم لبيك"، ونادى ربه وعلم أنه يقول: يا ربي إني أجيبك إجابةً بعد استجابةٍ، فينبغي أن يستحي من الله أن يبقى على ذنوبه وآثامه، والله قد أمره بأن يتخلص منها.
أنت يا عبد الله إذا قلت في الميقات: "لبيك اللهم لبيك"؛ انظر إلى نفسك مع ذنوبك وآثامك، هل أجبت الله ؟ هل أطعت الله في ترك الذنوب والآثام؟
ينبغي علينا إذا نادينا: "لبيك اللهم لبيك"، أن نستحي من ربنا، وأن نُبقي في أنفسنا آثامًا ومعاصيَ.
والوقوف بعرفةَ وازدحام الناس فيه يُذكِّر الحاج بازدحام الخلائق يوم المحشر، وأنه إن كان الحاج ينصب ويتعب من ازدحام آلافٍ من البشر، فكيف بازدحام الخلائق كلهم، حُفاةً عُراةً غُرلًا غير مختونين وقوفًا خمسين ألف سنةٍ؟!
تحقيق حسن الخلق
ومن منافع الحج: تحقيق حُسن الخلق، فالله تعالى نهى الحاج عن الفسوق والجدال في الحج، كما أن النبي ذكر في صفات الحج المبرور: أنه الذي يُوفَّق فيه الحاج لئلا يكون من أهل الرفث والفسوق، والمجاهدة في ذلك، رغم ما يعترض الحاج من مشقةٍ وتعبٍ وزحامِ المجاهدة في تحقيق ذلك مما يزكي حجه، ومما يجعله أهلًا لأن يؤوب بفضل الله .
وامتثال حُسن الخلق والتزيِّي به والتحلِّي به؛ من مقاصد الشريعة، وهو من دين الله . ومن أعظم ما يظهر من حُسن الخلق في الحاج: أن يُحب المسلم لأخيه المسلم ما يُحب لنفسه، وأن يكون رفيقًا صبورًا ذا سكينةٍ، وأن يحرص حرصًا شديدًا على ألا يؤذي أحدًا.
تعويد النفس على تعظيم ما عظَّمه الله
ومن منافع الحج العظيمة: تعويد النفس على تعظيم ما عظَّمه الله؛ من تعظيم بيته الحرام، والبلد الحرام، وهذا يجعل النفس تتعود على تعظيم شعائر الله في أي زمانٍ، وفي أي مكانٍ: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].
التربية على التوحيد
ومن منافع الحج العظيمة: التربية والتثبيت على التوحيد، فالعبد في حجه يكون على التوحيد، يلبِّي بالتوحيد، ويفارق الشرك وأهله، يطوف ببيت الله ولا يوجد مكانٌ يُطاف به تعبُّدًا قصدًا إلا هذا المكان، هو يطوف بالكعبة، والكعبة بيتٌ مباركٌ، لا يتعلق قلبه بالكعبة؛ وإنما يتعلق قلبه بالله، لا ينادي الكعبة ولا يطلب من الكعبة شيئًا؛ وإنما ينادي ربه ويَذكُر ربه ويسأل ربه.. الله أكبر؛ إنه التوحيد، إنه توحيد الله ، ففي توحيده وفي حجه، كله هو على توحيد الله .
في الحج تجريدُ الاتباع لرسول الله ، فالحاج إذا أراد أن يُحرِم نزع ثيابه المعتادة ولبس الإزار والرداء؛ لِمَ؟
لأن حبيبه ونبيَّه قد فعل ذلك وأمره بذلك، لا يقول: لماذا؟ وإنما يتَّبع رسول الله .
والحاج إذا وصل إلى الكعبة يطوف بالكعبة سبعةَ أشواطٍ، لا يقول: لماذا لا تكون تسعةً؟ لماذا لا تكون خمسةً؟ لِمَ؟
لأنه يتَّبع رسول الله .
الحاج يُقبِّل الحجر الأسود وهو يعلم أنه حجرٌ لا يضر ولا ينفع، لكنه يُقبِّله؛ لأن رسول قبَّله، كما قال عمرُ : "أَمَا إني أعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبلتك".
الحاج في جميع المناسك يتَّبع رسول الله ، يرمي الجمار بسبعِ حصياتٍ، يُكبِّر مع كل حصاةٍ، لا يقول: لِمَ لا تكون خمسًا؟ لِمَ لا تكون تسعًا؟ لِمَ؟
لأنه يتَّبع الرسول ، أعظم مَحفلٍ يظهر فيه صدق المحبة لرسول الله هو الحج؛ حيث يظهر تجريد الاتِّباع لرسول الله ، فالحج فيه تعليم وتثبيت التقوى، أن يتقي العبد ربه، بأن يعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله، على نورٍ من الله، ويخاف عذاب الله.
الحاج في حجه يحرص على أن يحج وعلى أن يطيع الله، ويحرص على اجتناب محظورات الإحرام، وهي حلالٌ له قبل الإحرام، لكن لمَّا أحرم ونهاه الله عنها اجتنبها، هكذا ينبغي أن يتقي الله في عمره كله، ويعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله، على نورٍ من الله، ويخاف عذاب الله.
الأمن والسكينة والراحة النفسية
ومن منافع الحج العظيمة: ما يجده الحاج من الأمن والطمأنينة والسكينة وفرح النفس عند رؤية البيت الحرام، وذهاب الشعور بالتعب وأن يسَّر الله له زيارة المدينة؛ وما يجده في نفسه من السكينة العظيمة والراحة النفسية التي لا مثيل لها، وذلك إنما هو أثرٌ من آثار التوحيد وطاعة الله ، قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [آل عمران:96-97].
وقال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، مَن هم هؤلاء القوم الذين ضمن الله لهم الأمن والهداية؟
إنهم أهل التوحيد، الذين وحَّدوا الله ولم يخلطوا توحيدهم بشرك: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.
وقال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].
مُضاعفة الأجر بالصلاة في الحرمين
ومن منافع الحج: حصول الحاج على أجورٍ لا تكون إلا إذا جاء إلى الحرمين، ومن ذلك: أنه إذا صلى صلاةً واحدةً في المسجد الحرام فاز بأجر مائة ألف صلاةٍ، وإن صلى صلاةً واحدةً في المسجد النبوي فاز بخيرٍ من أجر ألف صلاةٍ.
فعن أبي هريرة : أن النبي قال: صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام [24] متفقٌ عليه.
وعن جابرٍ : أن رسول الله قال: صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاةٍ فيما سواه [25]، رواه احمد، وابن ماجه، وصححه الألباني.
طلب الرزق بالتجارة ونحوها
ومن فوائد الحج ومنافعه العظيمة الدنيوية: أن الله أباح طلب الرزق في الحج، كأن يشتري الحاج بعض السلع من مكة أو المدينة ويحملها معه إلى بلده؛ ليبيعها ويربح فيها، ونحو ذلك. فهو الموسم الذي يتوافد الناس فيه من أقطار المعمورة، والذي هو مظنةٌ للأرباح وتنمية الأموال، قال الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، أي: لا حرج عليكم أن تبتغوا فضل الله تعالى من التجارة في موسم الحج.
وروى البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "كانت عُكاظ ومِجَنَّة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثَّموا -أي: تأثَّم المسلمون- أن يَتَّجِروا في المواسم، فنزلت: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، أي: في مواسم الحج.
وقد اتفق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، أي: إنه ليس على من حَجَّ أي حرجٍ أو إثمٍ إذا ابتغى فضل الله خلال أيام موسم الحج، بالتجارة ونحوها، ما دام فعل ذلك على وجهٍ لا يُخالف فيه نظامًا ولا يُلهيه ولا يشغله عن شيءٍ من أعمال حجه ونُسكه، ويتبع ذلك ما يُرى من الحركة الاقتصادية التي تصاحب الحج، فيرزق الله الناس بعضهم من بعض.
وما يستفيده الفقير مما يُهدى إليه من اللحوم وغيرها، ومما يُتصدق به عليه. ففي الحج يظهر جود النفوس وسخاؤها، ويُنفق الحاج في سبيل الله أكثر مما ينفق في العادة.
معاشر الفضلاء: إن الله شرع الحج وجعل فيه منافعَ عظيمةً، ولن نستطيع أن نحصي تلك المنافع، وإنما ذكرنا شيئًا منها من باب التشويق إلى الحج إلى البيت العتيق، ومن باب تحفيز نفوس المؤمنين الذين كتب الله لهم هذا الحج على الحرص على أن يغتنموا من هذه المنافع، وعلى أن يغترفوا من هذه المنافع.
أسأل ربي سبحانه، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يُيسِّر للحُجاج حجهم، وأن يعينهم على إكماله وإتقانه، وأن يتقبله منهم، وأن يُعيدهم إلى ديارهم مغفورًا لهم، وأن يُعيدهم سالمين غانمين، وأن يغفر لهم، ويُعتق رقابهم، ويغفر لمن شفعوا له، ويُعتق رقاب من شفعوا له، وأن يكتب الحج لمَن لم يحج هذا العام في أعوامٍ قادمةٍ.
اللهم يا ربي، يا حي يا قيوم، إن هؤلاء العباد عبادٌ من عبادك، قد اجتمعوا في مسجد رسول الله ، يرجون رحمتك ويخافون عذابك، وإن إخوانًا لنا يتابعوننا عن بُعد، يحبون العلم، يرجون رحمتك ويخافون عذابك؛ اللهم فأسبغ علينا وعليهم رحمتك، اللهم أسبغ علينا وعليهم رحمتك، اللهم أسبغ عليهم وعلينا رحمتك.
اللهم واغفر لهم ذنوبهم أجمعين، اللهم واغفر لهم ذنوبهم أجمعين، اللهم واغفر لهم ذنوبهم أجمعين.
اللهم املأ قلوبهم يقينًا، واملأ نفوسهم سعادةً، واملأ بيوتهم بركةً.
اللهم بارك لهم في أجسادهم، وبارك لهم في أعمارهم، وبارك لهم في عافيتهم، وبارك لهم في أعمالهم، وبارك لهم في ذرياتهم، وبارك لهم في أهليهم، وبارك لهم في أموالهم؛ يا رب العالمين.
اللهم من كان منهم مريضًا أو كان له مريضٌ؛ اللهم فاشفه شفاء تامًّا عاجلًا يا رب العالمين.
اللهم من كان منهم مهمومًا، اللهم فادفع عنه همه، وفرِّج كربه يا رب العالمين.
اللهم من كان منهم مدينًا، اللهم فاقضِ عنه دَيْنه.
اللهم من كان مُضيقًا عليه في رزقه، اللهم فوسِّع عليه رزقه، اللهم فوسِّع عليه رزقه، اللهم فوسِّع عليه رزقه.
اللهم يا ربنا، يا حي يا قيوم، يا قوي يا عزيز؛ إن لنا إخوةً وإن لنا أهلين في غزة يُعانون الأَمَرَّيْن، اللهم فأعنهم واحفظهم، واهدهم، وسدِّدهم، واحمهم يا رب العالمين.
اللهم أنزل الرعب في قلوب أعدائهم يا رب العالمين، اللهم أنزل الرعب في قلوب أعدائهم، اللهم أنزل الرعب في قلوب أعدائهم، اللهم أقر أعيننا بالتفريج عنهم، اللهم فرِّج عنهم في عزة، اللهم فرِّج عنهم في عزة، اللهم فرِّج عنهم في عزة، اللهم وأنجح مساعي الحكماء لإنهاء هذا الاعتداء يا رب العالمين.
اللهم يا ربنا، إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجمع الكلمة في السودان على أمنٍ وإيمانٍ.
اللهم يا ربنا أطفئ الفتنة، اللهم يا ربنا أطفئ الفتنة، اللهم اجمع كلمتهم على الخير والهدى.
اللهم اكتب لأهلنا في السودان خير ما كتبت لعبادك يا رب العالمين.
اللهم إني أسألك لكل مسلمٍ ومسلمةٍ أن تغفر ذنبه، وأن تهدي قلبه، وأن تسدِّد أمره يا رب العالمين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.
والله تعالى أعلى وأعلم، وصلَّى الله على نبيِّنا وسلَّم.
| ^1 | يُنظر: تفسير الطبري (16/ 519-522). |
|---|---|
| ^2 | تفسير ابن كثير، ت: سلامة (5/ 414-415). |
| ^3 | تفسير السعدي (ص:537). |
| ^4 | رواه البخاري: 1521. |
| ^5 | رواه البخاري: 1819. |
| ^6 | رواه مسلم:1350. |
| ^7 | رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349. |
| ^8 | رواه أحمد: 19010، والطبراني في "المعجم الكبير": 809، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1091. |
| ^9 | رواه البخاري: 1520. |
| ^10 | رواه البخاري: 1861. |
| ^11 | رواه البخاري: 2876. |
| ^12 | رواه ابن ماجه: 2902، وأحمد: 26520، والطبراني في "المعجم الكبير": 746، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 3171. |
| ^13 | رواه النسائي في "السنن الكبرى": 3591، وابن خزيمة في "صحيحه": 2511، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7112. |
| ^14 | رواه ابن ماجه: 2893، والطبراني في "المعجم الكبير": 13556، وابن حبان في "صحيحه": 390، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1108. |
| ^15 | رواه الترمذي: 810، والنسائي: 2631، وأحمد: 3669، وابن حبان في "صحيحه": 3693، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2901. |
| ^16 | رواه مسلم: 1348. |
| ^17 | رواه ابن حبان في "صحيحه": 1887، وقال الألباني: "حسن لغيره" في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان": 1884. |
| ^18 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 13566، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 1360. |
| ^19 | رواه الترمذي: 282، وابن ماجه: 2921، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5770. |
| ^20 | رواه الترمذي: 959، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6380. |
| ^21 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7779، وقال الألباني: "حسن لغيره"، في "صحيح الترغيب والترهيب": 1137، و"السلسلة الصحيحة": 1621. |
| ^22 | أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (5/ 536). |
| ^23 | رواه مسلم: 1141. |
| ^24 | رواه البخاري: 1190، ومسلم: 1394. |
| ^25 | رواه ابن ماجه: 1406، وأحمد: 15271، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3838. |