- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
الثبات والاستمرار على العمل الصالح

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، وأُصلي وأُسلم على نبينا محمدٍ خاتم النَّبيين، وإمام المُتقين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
مشروعية التوبة وسؤال الله القبول
أيها الإخوة، إن المشروع للمؤمن في ختام هذا الشهر أن يختمه بالتوبة إلى الله وسؤاله القبول؛ لأنه ليس المُعوَّل على كثرة العمل الصالح، وإنما المُعوَّل على القبول؛ ولهذا كان السلف رحمهم الله يدعون الله تعالى ستة أشهرٍ أن يُبَلِّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهرٍ أن يتقبله منهم؛ لأن العبرة بالقبول، وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].
فالمشروع للمؤمن بعد أن مَنَّ الله تعالى عليه بما تيسر من الأعمال الصالحة في هذا الشهر من صيامٍ وقيامٍ وتلاوة قرآنٍ وذكرٍ ودعاءٍ وتسبيحٍ: أن يختمه بالاستغفار وسؤال الله تعالى القبول.
استمرار العمل الصالح بعد رمضان
أيها الإخوة، إن انقضى شهر رمضان فإن عمل المؤمن لا ينقضي إلا بالموت؛ ولهذا قال الله تعالى: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، فلا يكن آخر عهدك بالأعمال الصالحة من صلاةٍ وصيامٍ وذكرٍ وغيره، لا يكن آخر عهدك بها في رمضان، فإنه إن انقضى قيام رمضان -أو سينقضي قيام رمضان- فإن القيام -ولله الحمد- لا يزال مشروعًا في جميع ليالي السنة، قالت عائشة رضي الله عنها لما سُئلتْ عن صلاة النبي : "كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً، كان يُصلِّي أربعًا" يعني: بسلامين "فلا تسأل عن حُسْنِهنَّ وطولهنَّ، ثم يُصلِّي أربعًا" يعني: بسلامين "فلا تسأل عن حُسْنِهنَّ وطولهنَّ، ثم يُصلِّي ثلاثًا" [1].
المُحافظة على قيام الليل
هذا من نعمة الله -أعني: قيام الليل- ولهذا قال النبي : إن الله أَمَدَّكم بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمْر النَّعَم: الوتر، جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر [2].
فالمشروع للمؤمن أن يُحافظ على ما يَسَّر الله تعالى عليه من قيام الليل، وأقلّه ركعة، فلو أوتر بركعةٍ كَفَتْهُ، لكن الأفضل أن يزيد: إما أن يُوتر بثلاثٍ، أو بخمسٍ، أو بسبعٍ، إلى غير ذلك مما جاءتْ به السُّنة عن النبي .
الحرص على السُّنن الرَّواتب
كذلك من الصلوات والتَّطوعات التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها: السنن الرواتب التي تكون إما قبل الصلاة، وإما بعد الصلاة.
والسنن الراتبة ثنتا عشرة ركعةً: ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعاتٍ قبل الظهر بسلامين، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
قال النبي : ما من عبدٍ مسلمٍ يُصلي لله كل يومٍ ثنتي عشرة ركعةً تطوعًا غير فريضةٍ إلا بنى الله له بيتًا في الجنة [3].
خصائص سُنة الفجر
أفضل هذه السنن الراتبة: سُنة الفجر؛ ولهذا هذه السُّنة لها خصائص، منها:
أولًا: أنها خيرٌ من الدنيا وما فيها: ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها [4]، ليست دنياك، وإنما الدنيا منذ خلقها الله تعالى إلى قيام الساعة، هاتان الركعتان خيرٌ من الدنيا وما فيها.
ثانيًا: أنها أفضل السُّنن الراتبة.
ثالثًا: أن الرسول كان يُحافظ عليها حَضَرًا وسفرًا [5]، فتُصلَّى في السفر كما تُصلَّى في الحَضَر.
رابعًا: أنه يُسَنُّ الاضطجاع بعدها، وذلك إذا كان في بيته؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها عن الرسول : "فإن كنتُ مُستيقظةً حدَّثني وإلا اضطجع" [6].
خامسًا: أنه يُسَنُّ تخفيفها، قالت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله : "حتى إني أقول: هل قرأ فيهما بأم القرآن؟" [7].
سادسًا: من خصائصها: أن لها قراءةً مخصوصةً، فَيُسَنُّ أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة الكافرون: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون]، وفي الركعة الثانية: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، أو أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة الآية من سورة البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا... الآية [البقرة:136]، وفي الركعة الثانية الآية من سورة آل عمران: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا... الآية [آل عمران:64].
هذه هي السنن الراتبة التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها، وأن يُحافظ عليها.
العناية بالسنن غير الراتبة
هناك سُنَنٌ ليست راتبةً ينبغي للمؤمن أن يُحافظ عليها، لكن لا يُواظب عليها مُواظبته على السُّنن الراتبة؛ لأجل ألا يُلْحِقَ غير الراتب بالراتب.
فمن ذلك: أن يُصلِّي أربع ركعاتٍ بعد الظهر، يعني: أن يُضيف ركعتين إلى الراتبة، فقد قال النبي : ما من عبدٍ مؤمنٍ يُصلي أربع ركعاتٍ بعد الظهر فَتَمَسَّ وجهه النار أبدًا، إن شاء الله [8].
ومنها أيضًا: أربع ركعاتٍ قبل العصر بسلامين، قال : رحم اللهُ امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا [9].
ومنها أيضًا: ركعتان قبل المغرب، وهاتان الركعتان ثبتت فيهما السنة القولية والفعلية والإقرارية؛ ولهذا قال النبي : صَلُّوا قبل صلاة المغرب، صَلُّوا قبل صلاة المغرب، صَلُّوا قبل صلاة المغرب، قال في الثالثة: لمَن شاء؛ كراهية أن يتَّخذها الناس سنةً [10]، فهذه أيضًا من السنن؛ ولهذا كان الصحابة يَبْتَدِرون السَّواري إذا غربت الشمس ودخل وقت المغرب.
فوائد المُحافظة على السنن
هذه السنن ينبغي للمؤمن أن يُحافظ عليها مع السنن الراتبة؛ لأن هذه السنن من حِكَمها وفوائدها:
أولًا: أنها تزيد في الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد بالعمل الصالح.
ثانيًا: أنها تكون سببًا لرفعة الدَّرجات، وتكفير السيئات، قال الله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وقال النبي : وأَتْبِع السَّيئة الحسنة تَمْحُها [11].
ثالثًا: أنها تُكَمِّل ما يحصل في الفرائض من النَّقص والخلل، فهي تُرَقِّعها وتُكَمِّلها، فالإنسان مهما حرص على أن يُؤدِّي الفرائض كما شُرِعَتْ إلا أنه لا بد أن يكون فيها نقصٌ وخللٌ، فهذه السنن الراتبة وما يتبعها مما تُكَمَّل به الفرائض؛ ولهذا جاء في الحديث: أن أول ما يُحاسَب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، ثم إذا حصل فيها نقصٌ قال الربُّ : انظروا هل لعبدي من تطوعٍ؟ [12].
المُحافظة على صلاة الضُّحى
أيضًا هناك صلواتٌ أخرى ينبغي للمؤمن أن يُحافظ عليها، منها: صلاة الضُّحى، فقد كان النبي يُصلِّي من الضُّحى أربعًا ويزيد ما شاء الله [13]، فهي سُنةٌ مُؤكدةٌ رغَّب فيها النبي ، بل أوصى أبا ذَرٍّ وأبا هريرة رضي الله عنهما بذلك، فأوصاهما بركعتي الضُّحى [14]، وقال: يُصبح على كل سُلَامَى من أحدكم صدقةٌ، والسُّلَامَى: المفاصل، والإنسان فيه ثلاثمئةٍ وستون مَفْصِلًا، كل مَفْصِلٍ من هذه المفاصل عليه في كل يومٍ وظيفةٌ، ويُجْزِئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى [15].
وأقلُّها -أعني: صلاة الضحى- ركعتان، ولا حَدَّ لأكثرها، فلو صلَّى أربعًا أو ستًّا أو ثمانيًا أو عشرًا أو عشرين إلى ما شاء الله فليس لها حَدٌّ.
ووقت فعلها من ارتفاع الشمس قيد رُمْحٍ -يعني: بعد طلوع الشمس بنحو خمس عشرة دقيقة- إلى قُبيل الزوال -يعني: إلى دخول وقت النَّهي عند زوال الشمس- وأفضل زمنٍ تُصلَّى فيه ما أرشد إليه النبي بقوله: صلاة الأَوَّابين حين تَرْمَضُ الفِصَال [16].
الفِصَال هي صغار الإبل.
وحين تَرْمَضُ يعني: حين تقوم من الأرض من شدة حرارة الشمس واحترار الأرض، وهذا إنما يكون قبل الزوال بنحو ساعةٍ.
إذن وقتها من زوال النَّهي بعد طلوع الشمس إلى قبل الزوال، وأفضل وقتٍ هو حين تشتد حرارة الشمس، كما قال النبي : صلاة الأَوَّابين حين تَرْمَض الفِصَال، فينبغي للمؤمن أن يحرص عليها، وأن يُحافظ عليها.
صيام الأيام الفاضلة
ولئن خرج رمضان، وانقضى الصيام، فإن الصيام لا يزال مشروعًا في جميع العام، فقد شرع النبي لأُمته أن يصوموا أيامًا فاضلةً:
منها: صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، فقد قال النبي : صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ صيام الدهر [17].
ومنها أيضًا: أن يصوم يومي الاثنين والخميس، فقد قال النبي : ذانك يومان تُعْرَض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُعْرَض عملي وأنا صائمٌ [18].
ومنها أيضًا: صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، قال النبي في يوم عرفة: أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده [19]، وقال في صيام عاشوراء: أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله [20].
فينبغي للمؤمن أن يحرص على التَّطوعات من الصيام والصلاة وغيرها، وأن يَثْبُت على الأعمال الصالحة بعد رمضان.
وسائل الثبات على الأعمال الصالحة
إن من أعظم ما يُعِين الإنسان على الثبات على دين الله، وعلى شريعة الله، وعلى الأعمال الصالحة:
- الإقبال على كتاب الله تلاوةً وتَدَبُّرًا، فإن القرآن الكريم أعظم مُعينٍ على الثبات، كما ذكر الله في آياتٍ أن القرآن العظيم سببٌ للثبات على دين الله ؛ وذلك لأنه يتدبر كلام الله تعالى ويتلوه حقَّ تلاوته، ومَن تدبر كلام الله وتفكر فيه وتأمَّل فيه كان ذلك من أعظم أسباب المعونة على الثبات على دين الله ؛ ولهذا قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان:32].
- ومنها أيضًا: الحرص على سُنة الرسول ، فالتَّمسك بالسُّنة والحرص على السنة من أسباب الثبات على دين الله.
- ومنها أيضًا: اللجوء إلى الله بالدعاء أن يُثَبِّته على الدين؛ ولهذا كان من دعاء النبي : يا مُقلِّب القلوب، ثَبِّتْ قلبي على دينك [21]، فيدعو الله بذلك.
- ومنها أيضًا -من أسباب الثبات على الدين-: الإكثار من ذكر الله على سبيل العموم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال:45]، وهذا يدل على أن ذكر الله تعالى سببٌ من أسباب الثبات على دينه.
- ومنها أيضًا -من أسباب الثبات على الدين-: الرُّفْقَة الصالحة التي تُعين الإنسان على الخير، وتدلُّه على الخير، وتَحُثُّه عليه، إذا غفل وعظته، وإذا نسي ذكَّرته؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الكهف:28].
فنسأل الله أن يختم لنا ولكم شهر رمضان بغفرانه، والعتق من نيرانه، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يُصلح قلوبنا وأعمالنا، وأن يُوَفِّقنا للهُدى والصَّلاح، ويجعلنا قادة هُدًى وإصلاحٍ، وأن يُدِيم علينا أَمْنَنَا ورخاءنا وعقيدتنا وقيادتنا، وأن يحفظنا بحفظه، ويَكْلَأَنا برعايته، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولوالديهم ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والميتين.
وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 1147، ومسلم: 738. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 1418، والترمذي: 452، وقال الألباني في "إرواء الغليل": صحيحٌ، دون قوله: هي خيرٌ لكم من حُمْر النَّعَم. |
| ^3 | رواه مسلم: 728. |
| ^4 | رواه مسلم: 725. |
| ^5 | روى البخاري: 1169، ومسلم: 724 عن عائشة رضي الله عنها قالت: "لم يكن النبي على شيءٍ من النوافل أشدّ منه تَعَاهُدًا على ركعتي الفجر". |
| ^6 | رواه البخاري: 1161، ومسلم: 743. |
| ^7 | رواه البخاري: 1171، ومسلم: 724. |
| ^8 | رواه النسائي: 1813، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1709. |
| ^9 | رواه أبو داود: 1271، والترمذي: 430، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 588. |
| ^10 | رواه البخاري: 1183. |
| ^11 | رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2655. |
| ^12 | رواه أبو داود: 864، والترمذي: 413، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1330. |
| ^13 | رواه مسلم: 719 عن عائشة رضي الله عنها. |
| ^14 | روى البخاري: 1178، ومسلم: 721 عن أبي هريرة قال: "أوصاني خليلي بثلاثٍ: بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وركعتي الضُّحى، وأن أُوتر قبل أن أرقد"، أما حديث أبي ذرٍّ فرواه النسائي: 2404 بلفظ: "أوصاني حبيبي بثلاثةٍ لا أدعهنَّ -إن شاء الله تعالى- أبدًا: أوصاني بصلاة الضُّحى، وبالوتر قبل النوم، وبصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ"، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2266. |
| ^15 | رواه مسلم: 720. |
| ^16 | رواه مسلم: 748. |
| ^17 | رواه النسائي: 2420، وحسنه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2276. |
| ^18 | رواه النسائي: 2358، وأحمد: 21753، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2222. |
| ^19, ^20 | رواه مسلم: 1162. |
| ^21 | رواه الترمذي: 2140، وأحمد: 12107، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 102. |