تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد البدر
فضيلة الشيخ عبدالمحسن بن حمد العباد البدر

تفضيل بعض البشر والأزمنة والأمكنة على بعض

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

اختيار الرسل لهداية الخلق

فيقول الله ​​​​​​​: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].

الله ​​​​​​​ خلق الخلق، وهو الخالق وحده، المتصرف بالكون وحده .

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، خلق الخلق، وفاوت بينهم، فاوت بين البشر، وبين الملائكة، وبين البقاع والأزمان: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].

تفضيل الرسل على سائر البشر

فجعل خير البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام، وفضَّلهم على غيرهم، وميَّزهم على غيرهم بالرسالة، وأنَّ الله تعالى بعثهم لهداية الخلق، وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

تفضيل أولي العزم من الرسل

وجعل أولي العزم منهم أفضلهم وخيرهم، وهم: نبيُّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وإبراهيم، ونوحٌ، وموسى، وعيسى، عليهم الصلاة والسلام، فهؤلاء خمسةٌ، هم أولو العزم من الرسل، الذين هم أفضل من غيرهم، وقد جاء ذكرهم في القرآن في آيتين:

  • في سورة الأحزاب، في قوله ​​​​​​​: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7]، فهؤلاء خمسةٌ.
  • والثانية في سورة الشورى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى [الشورى:13].

فهتان الآيتان فيهما ذِكر أولي العزم والرسل، وأفضل هؤلاء الخمسة نبينا محمدٌ عليه الصلاة والسلام، الذي كان خليل الرحمن وكليم الرحمن، ثم إبراهيم  الذي هو خليل الرحمن، ثم موسى  الذي هو كليم الرحمن.

فضل نبينا محمد ﷺ

فنبيُّنا محمدٌ  خليلٌ كليمٌ، وإبراهيم خليلٌ، وموسى كليمٌ، فاجتمع في نبينا محمدٍ ما تفرَّق في غيره؛ اجتمع له الخُلَّة والكلام، وقد تفرَّق في غيره، ووُصف إبراهيم بأنه خليل الرحمن، وموسى بأنه كليم الرحمن، ونبيُّنا محمدٌ عليه الصلاة والسلام خليلٌ كليمٌ.

تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض

وفضَّل الأزمان، فجعل شهر رمضان خير شهور العام، وجعل ليلة القدر خير الليالي، وجعل يوم عرفة خير الأيام، وجعل يوم الجمعة خير أيام الأسبوع: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ [القصص:68].

وفضَّل الأماكن، فجعل مكة أفضل بقاع الأرض، وهي أفضل بقعةٍ على وجه الأرضِ، ثم يليها: هذه المدينة المباركة، وقد جعل الله ​​​​​​​ هذين البلدين -وهما مكة والمدينة- هما الحرمان، الحرمان مكة والمدينة.

ومكة لها حدودٌ، ولها أميالٌ وعلاماتٌ، هي حدود الحرم، والمدينة بيَّن الرسول حدودها بقوله: ما بين عَيرٍ إلى ثورٍ [1]، وقال فيما بين ذلك: ما بين لابتيها [2]، وما بين الجبلين.

والله تعالى حرَّم مكة وأظهر حرمتها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وحرَّم المدينة وأظهر حرمتها نبيُّنا محمدٌ ، فهما الحرمان الآمنان، ولا يوجد في الدنيا حرمٌ ثالثٌ، ليس هناك إلا هاتان المدينتان.

تفضيل المساجد الثلاثة

وأما المساجد المفضَّلة: فأفضل المساجد:

  • المسجد الحرام، الذي فيه الكعبة، والمسجد الحرام يطلق على المسجد المحيط بالكعبة، وعلى مكة كلها، يقال لها "المسجد الحرام".
  • وهذا المسجد المبارك الذي بناه الرسول .
  • والمسجد الأقصى.

لكن لا يقال: إن الأقصى ثالث الحرمين، لأن الحرمين: مكة والمدينة، وليس لهما ثالثٌ، والتعبير الصحيح أن يقال: "ثالث المسجدين الشريفين"؛ لأنها مساجد ثلاثةٌ مشرَّفةٌ، وثالثها: المسجد الأقصى.

فلا يقال: المسجد الأقصى حرمٌ، ولا يقال للقدس: "حرمٌ"، وإنما الحرم: مكة والمدينة، التي لا يُصادُ صيدها، ولا يُقطع شجرها، وقد ورد في خصائص هاتين المدينتين ما يبيِّن معاني التحريم التي حصلت لهما.

والمسجد الأقصى، البلد الذي هو فيه لا يقال له "حرم"، وإنما يقال له: مسجدٌ مشرَّفٌ، له ميزةٌ وله فضلٌ.

وأفضل المساجد على الأرض: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى.

وكل هذه المساجد بناها أنبياء؛ فإبراهيم بنى البيت العتيق، ومحمدٌ بنى هذا المسجد، وسليمان بن داود جاء أنه بنى المسجد الأقصى، يدلنا هذا على تفضيل هذه المساجد، لكن لا يقال: إن المسجد الأقصى يقال له: "حرمٌ"؛ لأنه ليس هناك حرمٌ إلا مكة والمدينة، هذان هما الحرمان، وليس الحرم مقصورًا على المسجد، وإن كان غلب في استعمال الناس، يقولون: "المسجد حرم"، لكن الحرم هو المدينة كلها حرمٌ، ولكن أفضل مكانٍ في الحرم: مسجد الرسول الذي الصلاة فيه بألف صلاةٍ، كما جاء ذلك عن رسول الله [3].

فضل مكة على المدينة

وأفضل المدينتين المقدستين: مكة، فهي أفضل البقاع، وأفضل بقعةٍ على وجه الأرض، وفيها بيت الله، فيها الكعبة المشرفة، فيها قبلة المسلمين التي يؤمونها في صلاتهم ويتجهون إليها في صلاتهم، ويبنون مساجدهم متجهةً إليها، فجميع أنحاء الأرض في الصلوات الفرائض والنوافل يتجهون إلى الكعبة، إلا ما جاءت به السنة من أن الراكب له أن يتنفل على راحلته؛ كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله [4]، والمساجد تؤسس وتُبنى متجهةً إلى الكعبة، فهي أفضل بقاع الأرض، ويليها: المدينة، هذه المدينة المباركة، مدينة الرسول .

ويدل على فضل مكة على المدينة: أن الرسول لما أُخرج منها وآذاه كفار قريشٍ حتى اضطروه إلى الخروج والهجرة، قد خرج خفيةً، وخرج ليلًا، لما اضطروه إلى الخروج وخرج؛ جعل يخاطب مكة مبيِّنًا حرمتها وفضلها، قال: والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، ولولا أنني أُخرجت منك؛ ما خرجت [5]، يعني: أن خروجه منها لم يكن رغبةً عنها، وإنما كان مضطرًّا لإيذاء الكفار له، وأذن الله ​​​​​​​ له بالهجرة إلى هذه المدينة المباركة، مدينة الرسول .

فقوله: إنكِ أحب البلاد إلى الله، يدلنا على أنها أفضل من غيرها، لأنها ما دامت أحب البلاد إلى الله؛ فما هناك أفضل منها؛ لأن ما كان أحب إلى الله من غيره؛ فهو المفضّل على غيره.

وأما الحديث الذي يَستدل به بعض الناس على تفضيل المدينة على مكة، وهو الذي يُنسب إلى النبي وليس من كلامه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه حديثٌ موضوعٌ مكذوبٌ على الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو القول الذي نُسب إليه: اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليَّ، فأسكني أحب البلاد إليك [6].

يعني: أخرجه من مكة وهي أحب بلادٍ للرسول ، وطلب منه أن يُسكنه أحب البلاد إلى الله، وهي المدينة، يعني معناها: أن المدينة أفضل من مكة؛ لأنها أحب إلى الله ​​​​​​​.

هذا حديثٌ موضوعٌ، ليس بصحيحٍ من جهة السند، ومن جهة المعنى أيضًا باطلٌ وفاسدٌ؛ لأنه يُشعر بأن الأحب إلى الله غير الأحب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن محبة الرسول تابعةٌ لمحبة الله، فما كان إلى الله أحب؛ فهو إلى الرسول أحب، ما كان الأحب إلى الله؛ فهو الأحب إلى رسول الله .

لا يُقال: إن الأحب إلى الله شيءٌ، والأحب إلى الرسول شيءٌ آخر، لا، فالأحب إلى الله هو الأحب إلى رسول الله .

فإذنْ الحديث هذا غير ثابتٍ، وإنما الثابت هو الحديث الأول، الذي فيه بيان فضل مكة.

ومما يُبيّن فضلها أيضًا: أن الرسول ، لما بيَّن فضل الصلاة في هذا المسجد؛ بيَّن أنها خيرٌ من ألف صلاةٍ، والصلاة في هذا المسجد أفضل من ألف صلاةٍ، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي بمئة صلاةٍ، أفضل منه بمئةٍ، فهذا يُبيِّن أيضًا فضل مكة على المدينة، وفضل المسجد الحرام على مسجد الرسول ، وأن ذاك بمئة ألفٍ، وهنا بألفٍ، هنا بألفٍ وهناك بمئة ألفٍ فيما سواه من المساجد، ولكن المسجد الحرام أفضل من المسجد النبوي بمئةٍ، والصلاة في هذا المسجد بألفٍ؛ فمعنى ذلك: يصير مئة ألفٍ المسجد الحرام بالنسبة لغيره من المساجد الأخرى التي هي غير هذا المسجد، مسجد الرسول .

إذنْ هذا يُبيِّن لنا فضل هاتين المدينتين، وبيان أن أفضلهما مكة، وأن التفضيل واضحٌ من حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، الذي قاله حينما هاجر ووصفها بأنها أحب البلاد إلى الله [7]، وأيضًا كون الصلاة في مسجدها أو في المسجد الحرام تعدل مئة صلاةٍ في هذا المسجد الذي هو مسجد الرسول .

لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

ثم إن الإنسان عندما يزور المدينة؛ عليه أن يقصد بالزيارة الإتيان إلى هذا المسجد، الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشد الرحال إلا إليها؛ كما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى [8].

فالإنسان لا ينتقل من بقعةٍ إلى بقعةٍ ليتقرب إلى الله ​​​​​​​ في تلك البقعة التي انتقل إليها إلا لهذه المساجد الثلاثة التي لها فضلٌ، يعني: البقاع الله تعالى هو الذي فضَّل بعضها على بعضٍ، فضَّل مكة، ثم المدينة، وفضَّل المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى، وجعل هذه الثلاثة المساجد التي هي مساجد الأنبياء، والتي بناها أنبياء، هي التي لا تُشد الرحال إلا إليها، فليس للإنسان أن ينتقل إلى بلدٍ من أجل أن يتقرب إلى الله في بقعةٍ لأن لها فضلًا ولها شرفًا ولها ميزةً؛ إلا ما جاء به النص، والنص جاء بقصر ذلك على المساجد الثلاثة.

وإذا جاء إلى المدينة؛ يأتي بالأمور المشروعة في المدينة، إذا جاء شادَّ الرحل لهذا المسجد؛ يأتي بالأمور المشروعة في هذه المدينة المباركة؛ مثل: الصلاة في مسجد قباء، والسلام على الرسول وصاحبيه الكريمين رضي الله عنهما، وزيارة شهداء أُحدٍ، وزيارة مقبرة البقيع، لكن شد الرحل لا يكون إلا لهذه المساجد الثلاثة.

فلو أن إنسانًا قال: والله أنا أريد أن أذهب إلى المدينة من أجل أن أصلي في مسجد قباءٍ وأرجع؛ لا يجوز له ذلك؛ لأن الرسول ما قال: تُشد الرحال إلى مسجد قباءٍ، وإنما قال: تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد.

فكون الإنسان يعزم من بلده، يأتي قاصدًا قباء ليصلي فيه ثم يرجع، لا يجوز له ذلك؛ لأنه ما شد الرحال إلى مسجد قباء، وإنما شد الرحال للمساجد الثلاثة؛ هي: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، مسجد النبي ، والمسجد الأقصى.

الأعمال المشروعة عند زيارة المدينة

هذه المساجد التي لا تُشد الرحال إلا إليها، لكنه إذا وصل إلى المدينة؛ يأتي بالأمور المشروعة في المدينة، ويترك الأمور الأخرى التي لا تُشرع في المدينة، يأتي بما هو مشروعٌ؛ وهو خمسة أمورٍ: الصلاة في هذا المسجد، والصلاة في مسجد قباء، وزيارة القبر الشريف والصاحبين الكريمين، وزيارة البقيع، وزيارة شهداء أحد، خمسةٌ، هذه المشروعة، غيرها لا شيء يدل على أنه مشروعٌ.

ثم إن زيارة المدينة والإتيان للمدينة ليس مرتبطًا بالحج، ولا تلازم بين الحج والعمرة وبين الزيارة، فيمكن للإنسان أن يأتي إلى مكة معتمرًا ويرجع إلى بلده ولو لم يأت إلى المدينة، ويمكن للإنسان أن يأتي للحج ويرجع إلى بلده ولو لم يأت إلى المدينة، ويمكن للإنسان أن يقصد المدينة ويأتي إليها ويصلي في هذا المسجد ويرجع إلى بلده دون أن يذهب إلى مكة.

فلا تلازم بين الحج والعمرة والزيارة، فإنه يمكن أن يُؤتى بالحج وحده والعمرة وحدها؛ يأتي بالحج في زمن الحج، ويأتي بالعمرة في أشهُر السَّنَة ويرجع إلى بلده وإن لم يأت المدينة، ويمكن أن يأتي مسافرًا قاصدًا المدينة؛ ليصلي في مسجدها ويرجع إلى بلده، كما أنه يمكن أن يسافر إلى المسجد الأقصى ويُصلي فيه ويَرجع إلى بلده؛ لأن هذه المساجد الثلاثة هي التي لا تُشد الرحال إلا إليها كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله [9].

ثم إن الإنسان عندما يَصل المدينة؛ يُشرع له أمورٌ خمسةٌ: هي الصلاة في هذا المسجد، والصلاة في مسجد قباء، وزيارة قبر النبي وصاحبيه الكريمين رضي الله عنهما، وزيارة البقيع، وزيارة شهداء أحد ، هذه الأمور المشروعة، وغيرها لا يُشرع؛ لا مساجد ولا غير مساجد، ليس هناك إلا مسجدان وثلاث مقابر، هذه التي تُزار في هذه المدينة المباركة، مدينة الرسول .

وإذا وصل إلى المدينة؛ فإنه -كما قلت- يُشرع له هذه الأمور الخمسة، وأولها الصلاة في مسجد الرسول ، يُصلي فيه الفرائض والنوافل، يُصلي فيه الفرائض وما أمكن من النوافل؛ لأن الفريضة بألف فريضةٍ، والنافلة بألف نافلةٍ.

فضل الصلاة في المسجد النبوي

فالإنسان يحرص على أن يكون له نصيبٌ من هذه التجارة الرابحة، وقد جاء في الحديث عن النبي : صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام [10].

فإذنْ الأرباح أضعافٌ مضاعفةٌ، الصلاة الواحدة بألف صلاةٍ، هذا ربحٌ عظيمٌ، أهل التجارات الدنيوية لو عرفوا أن بلدًا في وقتٍ من الأوقات تكون فيه الأرباح الضعف أو الضعيفين؛ ينتقلون بتجاراتهم إليه؛ من أجل أن يحصِّلوا هذا الربح الذي هو ضعفٌ، الريال بالريالين، أما تجارة الآخرة التي في هذا المسجد فإن الأرباح أكثر من ألفٍ، أضعافٌ مضاعفةٌ، ليست ضعفين ولا ثلاثةً ولا عشرةً، ولا مئةً ولا مئتين ولا خمسمئةٍ، بل ألفٌ، هذه تجارةٌ من تجارات الآخرة.

فالإنسان ينتهز هذه الفرصة عندما يأتي إلى هذه المدينة؛ بأن يُصلي في هذا المسجد ولا يُشغل نفسه بالتجوال والذهاب والإياب والبحث عن أشياء ليس هناك شيءٌ يدل على مشروعية الذهاب إليها، وإنما يحرص على أن يُصلي في هذا المسجد ما أمكنه من الصلوات، يُصلي الفرائض وما أمكنه من النوافل؛ لأن الصلاة بألف صلاةٍ، الفريضة بألف فريضةٍ، والنافلة بألف نافلةٍ.

فهذا يدلنا على فضل الصلاة في هذا المسجد، وأن الأرباح فيها أضعافٌ مضاعفةٌ، ليس شيئًا يسيرًا، الربح أضعافٌ، وهذه تجارة الآخرة التي ينبغي أن يحرص عليها من يريد الخير لنفسه، فيُقدِّم لنفسه عملًا صالحًا يرضاه الله ​​​​​​​، ويُعظِّم به أجره وثوابه، ويجد ذلك إذا انتقل من هذه الدار إلى الدار الآخرة؛ لأن هذه الدار دارُ العمل، والآخرة دار الجزاء؛ كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ : "إن الدنيا قد ارتحلت مدبرةً، وإنّ الآخرة قد ارتحلت مقبلةً، ولكلٍّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليوم عملٌ ولا حسابٌ، وغدًا حسابٌ ولا عملٌ" [11].

التذكير بالآخرة

فالدنيا ارتحلت مدبرةً، والآخرة ارتحلت مقبلةً؛ لأن كل يومٍ يمضي عليك ينقص من عمرك، ويُقرِّبك من الأجل؛ لأن لك أجلًا تنتهي إليه، وكل يومٍ يمضي يُقربك من الأجل، فالآخرة مقبلةٌ، والدنيا مدبرةٌ.

والإنسان يحرص على أن يستعد للدار الآخرة التي إذا انتقل إليها؛ يجد الأعمال التي ترفع درجته عند الله، والتي يجد ثوابها عند الله، يجد ذلك في قبره قبل أن يُبعث الناس؛ لأن النعيم يكون في القبر، والعذاب يكون في القبر، الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة: الموت، كل من مات؛ قامت قيامته وانتقل من دار العمل إلى دار الجزاء؛ لأن الناس يُجازَون في قبورهم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌ؛ كما جاء في الحديث عن النبي في الرجل المؤمن الذي يُسأل في قبره عن ربه ودينه ونبيه، فيُجيب الجواب السديد، فيفتح الله له بابًا إلى الجنة، فيأتيه من رَوحها ونعيمها، ولا يزال على ذلك حتى تقوم الساعة، فهو مُنعَّمٌ بنعيم الجنة وهو في قبره [12].

يعني: الحد الفاصل بين العمل والجزاء: الموت، فما يعمله الإنسان إلى أن يموت، هو في دار عملٍ، وإذا مات انتقل إلى الجزاء مباشرةً في قبره، ما هو حتى ينتهي من القبور ويذهب، فالموفَّق يُفتح له بابٌ إلى الجنة، ويأتيه من روحها ونعيمها، كما ثبت في ذلك الحديث عن رسول الله ، وغيره يُفتح له بابٌ إلى النار، ويأتيه من حرها وسمومها، وقد قال الله ​​​​​​​ عن آل فرعون، وأنهم يُعذّبون في قبورهم، قال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، ينتقلون من عذابٍ شديدٍ إلى عذابٍ أشد، فهم مُعذبون في النار، في قبورهم، النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.

وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يعني: ينفخ في الصور النفخة الثانية ويخرج الناس من القبور، ينتقلون من عذابٍ شديدٍ إلى عذابٍ أشد، أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، كانوا في القبر في عذابٍ شديدٍ، وبعد القبر ينتقلون إلى عذابٍ أشد.

فالنعيم يكون في القبر، والعذاب يحصل في القبر، وليس بين الإنسان وبين الآخرة إلا الموت، والموت يأتي فجأةً، الإنسان لا يدري متى يموت، لا يدري هل يموت بعد ساعةٍ أو بعد ساعتين، أو بعد دقيقةٍ أو دقيقتين، أو سنةٍ أو سنتين، أو عشر سنواتٍ أو عشرين سنة؟ هذا شيءٌ أخفاه الله على الناس؛ حتى يتميز من يعمل ومن لا يعمل، من يعمل لآخرته ومن يغفل عن آخرته، يتبيَّن من يُقدِّم خيرًا يلقاه، أو يُقدم شرًّا يلقاه؛ كما قال الله ​​​​​​​: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، وفي الحديث القدسي يقول الله ​​​​​​​: يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلا نفسه [13].

إذنْ الإنسان إذا جاء إلى هذه المدينة؛ يحرص على أن يكون في هذا المسجد؛ يُصلي ويقرأ القرآن ويذكر الله ​​​​​​​ في أفضل مسجد بعد المسجد الحرام، مسجد الرسول  الذي بيَّن فضله النبي ، وأن الأرباح فيه أضعافٌ مضاعفةٌ، تزيد على ألف ضعفٍ: صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام [14].

إذنْ هذا يُبيِّن لنا فضل الصلاة في هذا المسجد، وفضل العبادة في هذا المسجد، هذا أمرٌ من الأمور المتعلقة بالمسجد، وهي بيان فضله، وأن الصلاة فيه بألف صلاةٍ، أكثر من ألف صلاةٍ، خيرٌ من ألف صلاةٍ...

مضاعفة الأجر في المسجد النبوي تشمل الفرض والنفل

من الأمور المتعلقة بهذا المسجد: أن التضعيف الذي جاء في الحديث ليس مقصورًا على الفرائض دون النوافل، ولا النوافل دون الفرائض، وإنما هو لهما جميعًا، يدل لذلك: الإطلاق الذي في الحديث؛ لأن النبي قال: صلاةٌ، ما قال: صلاة فريضةٍ أو صلاة نافلةٍ، قال: صلاةٌ، وهذا يشمل الفرض والنفل؛ فإذنْ التضعيف للفرائض والنوافل، الفريضة بألف فريضةٍ، والنافلة بألف نافلةٍ، وهذا فضلٌ عظيمٌ من الله .

مضاعفة الأجر تشمل جميع توسعات المسجد

من الأمور المتعلقة بهذا المسجد: أن التضعيف للمسجد الذي كان في زمنه ، وللزيادات التي زيدت إليه؛ لأن الزيادة لها حكم المزيد، والمسجد مهما وُسِّع وكيف وُسِّع؛ فإنما يكون داخل الأسوار والجدران والأبواب وداخل البنيان كل ذلك يُعتبر مسجد الرسول ، والصلاة فيه بألف صلاةٍ، ليس قاصرًا على البقعة التي كانت في زمنه ؛ لأنها بقعةٌ صغيرةٌ قليلةٌ جدًّا، مساحتها قليلةٌ جدًّا، لكن التضعيف ليس مقصورًا عليها.

والدليل على أن التضعيف لا يكون مقصورًا على البقعة التي كانت مسجد الرسول في زمن النبي عليه الصلاة والسلام: أن الخليفتين الراشدين عمر وعثمان رضي الله عنهما زادا المسجد من جهة الأمام، من الجهة القبلية، والصحابة  متوافرون، ولم يُنكروا عليهما، وكان الخليفتان عمر وعثمان يؤمان في المسجد ويُصليان في الزيادة الأمامية، والصف الأول الذي هو خير الصفوف في الزيادة الأمامية، ولم يُنكر الصحابة عليهما، ما قالوا لهما: كيف تَحرِم الإمام من ألف صلاةٍ، وتحرم الصفوف الأولى من ألف صلاةٍ؟! ما أحدٌ قال هذا.

فلما فعل ذلك خليفتان راشدان، وأقرهما الصحابة  على ذلك، وما اعترضوا على ذلك وما أنكروا، وكانوا يُصلُّون في الصفوف الأولى، والإمام يُصلِّي في الزيادة، والصفوف الأولى في الزيادة؛ عُلِم بهذا أن الزيادة لها حكم المزيد، وأن المسجد لا يكون مقصورًا على البقعة؛ لأن الزيادة التي هي الآن وراء الروضة، يعني من الجهة الجنوبية، هذه كلها زيادةٌ، وكل الصفوف المسامتة لها من الزيادة؛ لأن الحد من الجهة الجنوبية هو حد الروضة، حد الروضة من الجهة الجنوبية، الجهة القبلية هو منتهى الروضة من جهة الجنوب، وهذا الذي بين الروضة وبين الأمام كله زائدٌ عن مسجد النبي .

فهذا من أوضح الأدلة الدالة على أن الزيادة لها حكم المزيد، وأن الصفوف الأول هي خارج المسجد الذي كان في زمنه ، والتضعيف حاصلٌ فيها، لأن الذي فعل ذلك خليفتان راشدان، والصحابة  متوافرون وما أنكروا ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها وعضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ [15].

إذنْ هذا هو الدليل الواضح الجلي على أن الزيادة لها حكم المزيد، وأن من صلى في أي مكانٍ من المسجد؛ فإن صلاته بألف صلاةٍ، الفريضة بألف فريضةٍ، والنافلة بألف نافلةٍ؛ ولأن ذلك ليس مقصورًا على البقعة التي كانت في مسجده .

ترتيب الصفوف وإكمالها في المسجد النبوي

والناس عليهم أن يُكمِلوا الصفوف، الأول فالأول، ولا يتركوا أماكن بين الصفوف لا يُصلُّون فيها، إلا ما بين الأعمدة، لا يُصلُّون إلا إذا امتلأ المسجد؛ فيجوز أن يُصلَّى بين الأعمدة، الأعمدة تقطع الصفوف، ولكن إذا امتلأ المسجد، وامتلأت الصفوف التي ليست بين الأعمدة؛ فيُصلَّى بين الأعمدة.

لكن لا يُصلِّي الإنسان وحده بين العمودين، لا بد أن يكون اثنان فأكثر؛ لأن الإنسان لا يُصلِّي فذًّا منفردًا خلف الصف، وإنما لا بد أن يكون اثنان فأكثر، ولا يُصار إلى ذلك إلا إذا امتلأ المسجد، وإذا جاء الإنسان فإنه يُصلي وراء العمود، ولو كان الذي بين العمودين خاليًا؛ لأن الذي بين العمودين لا يُصار إليه إلا عند الضرورة وعند الحاجة، أما من غير حاجةٍ وضرورةٍ فالناس يَتركون الذي بين الأعمدة، ويُصلُّون في الصفوف المتصلة التي لا تفصلها الأعمدة ولا تقطعها الأعمدة.

وإذا امتلأ المسجد؛ فالناس يُصلُّون من الجوانب الأخرى؛ من الخلف واليمين والشمال -واليسار يعني- من الشرق والغرب والشمال، ولا يتقدمون على الإمام في الصلاة فيُصلُّون أمامه، وإنما يكونون وراء الإمام، فيكونون من الجهة الشمالية والغربية والشرقية، يُصلُّون بصلاة الإمام.

الصلاة في الشوارع عند الزحام

وإذا امتلأ المسجد والساحات؛ فيُصلُّون في الشوارع بصلاة الإمام، لا بأس بذلك، وهم بذلك يُدركون أجر الجماعة، لكن لا يحصلون أجر التضعيف الذي في المسجد.

التضعيف يُحصِّله الذين سبقوا للمسجد وملؤوه، هم الذين أدركوا الفضيلة وأدركوا التضعيف، وأما الذي صلَّى في الشارع، فصلاته صحيحةٌ، وله أن يُصلِّي وله أجر صلاة الجماعة، لكن التضعيف بألفٍ لا يكون له؛ لأن النبي قال: صلاةٌ في مسجدي، ومن صلَّى في الشارع، لا يُقال: إنه صلَّى في المسجد؛ لأن الشارع محل البيع والشراء، والمسجد لا يُباع فيه ولا يُشترى، ولا يُنشد فيه الضالة، والشوارع تُنشد فيها الضالة، ويُباع فيها ويُشترى، والحائض تجلس في الشارع ولا تجلس في المسجد.

فهناك فروقٌ بين الشوارع والمساجد، والرسول  قال: مسجدي، والشارع ليس مسجده ، لكن من صلى فيه بصلاة الإمام فإنه مُحصِّلٌ أجر الجماعة، لكن التضعيف بألفٍ، الرسول  قال: في مسجدي، وما كان خارج الأسوار والأبواب يُقال له: "شارعٌ"، ولا يُقال له: "مسجدٌ"، لكن عند الحادث والضرورة تصح الصلاة، ويُؤتم بالإمام في الشوارع إذا امتلأ المسجد، إذا امتلأ المسجد وامتلأت الساحات؛ فللإنسان أن يصلي من وراء الأسوار من جهة الغرب والشمال والشرق، وأما الجهة القبلية فلا يَتقدم على الإمام ولا يُصلي أحدٌ أمام الإمام.

هذا من الأمور المتعلقة بهذا المسجد.

 الصلاة في الروضة

من الأمور المتعلقة بهذا المسجد: أن فيه بقعةً يُقال لها: "الروضة"، قد جاء فيها حديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة [16]، وهذا يدلنا على فضل هذه البقعة التي وُصفت بهذا الوصف، أنها أفضل من غيرها من المسجد كله؛ لأن الرسول وصفها وحدها بأنها روضةٌ من رياض الجنة؛ إذنْ لها ميزةٌ على غيرها، وهذه الميزة تكون بالصلاة فيها نافلةً.

فالإنسان يأتي إليها ويتنفل ويقرأ القرآن، لكن لا يُؤذي أحدًا، ولا يحتكرها ويحتجزها والناس يتزاحمون والإنسان يبقى فيها، بل الإنسان إذا كان هناك زحامٌ؛ يُصلي ويذهب، يعطي فرصةً لغيره.

أفضلية الصفوف الأولى في الفرائض

وأما بالنسبة للفريضة: فإن الصفوف التي أمامها، أفضل من الصلاة فيها؛ لقوله : خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها [17]، فخير الصفوف: الصف الأول الذي وراء الإمام، والإمام لا يُصلي في الروضة، والمسجد الذي هو مسجده أولًا في زمنه، وإنما يصلي في الزيادة التي زادها عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما.

فالصلاة في الصفوف الأمامية أفضل في الفريضة، صلاة الفريضة في الصفوف الأمامية أفضل من الصلاة في الروضة، ولا يُقال: إن الصلاة في مسجده الأول أفضل من الصلاة في الصفوف الأمامية؛ لأن عمر وعثمان أمَّا الناس في هذه الزيادة، والصفوف الأُوَل في الزيادة، لكن في النوافل إذا تيسر للإنسان أن يُصلي في الروضة؛ يُصلي فيها النافلة، فهو أفضل من بقية المسجد، لكن لا يُضيِّق الناسُ بعضُهم على بعضٍ، بل يُصلي الإنسان ويذهب، ويترك الفرصة لغيره.

إيضاح خطأ اشتراط الأربعين صلاة في المسجد النبوي

من الأمور المتعلقة بهذا المسجد: بعض الناس يظن أن مَن جاء إلى المدينة؛ يلزمه أن يُصلي أربعين صلاةً، وأن يمكث في المدينة ثمانية أيامٍ يُصلي فيها أربعين صلاةً، وأن يمكث في المدينة ثمانية أيامٍ، كل يومٍ بخمس صلواتٍ، أربعون لا تفوته صلاةٌ، وَرَدَ في ذلك حديثٌ ضعيفٌ، ليس بثابتٍ عن رسول الله ، والأمر في ذلك واسعٌ، كلما زاد صلاةً؛ فهي بألفٍ، ولكن الإنسان ليس مُقيَّدًا بصلاةٍ أو صلاتين أو خمسٍ، أو عشرةٍ أو عشرين أو ثلاثين أو أربعين أو خمسين أو ستين، ليس مُقيَّدًا، يُصلي الإنسان ما أمكنه من غير أن يكون مُلزَمًا بعددٍ معينٍ من الصلوات، الأمر واسعٌ بحمد الله، وليس هناك تقييدٌ ولا تحديدٌ، وإنما يُصلي الإنسان ما تيسّر له وما أمكنه.

وإذا كان سينتقل من المدينة إلى مكة؛ فسينتقل من مكانٍ الصلاة فيه بألفٍ إلى مكانٍ الصلاة فيه بمئة ألفٍ، إذا كان الانتقال من المدينة إلى مكة؛ فإن الانتقال سيكون من مفضولٍ إلى فاضلٍ، من مكانٍ الصلاة فيه بألفٍ، إلى مكانٍ الصلاة فيه بمئة ألفٍ كما عرفنا.

إبطال الاحتجاج بوجود قبر النبي ﷺ في مسجده؛ على جواز البناء على القبور

من الأمور المتعلقة بالمسجد: أن الناس إذا جاءوا؛ يجدون قبر النبي في المسجد، وكثيرٌ من بلاد الأرض ابتُليت ببناء المساجد على القبور، أو دفن الموتى في المساجد، وبعض الناس الذين لم يُحالِفهم التوفيق يقولون: ما دام مسجد الرسول فيه قبره، وهو خير المساجد بعد المسجد الحرام؛ إذنْ ليس هناك بأسٌ أن الناس يبنون المساجد على القبور، وأنهم يدفنون الموتى في المساجد، ما دام قبر النبي في مسجده، وهو أفضل المساجد بعد المسجد الحرام؛ إذنْ ليس هناك بأسٌ، ويستهينون ويستمرئون مثل هذه الأفعال، وأن ذلك ليس فيه بأسٌ، وهذا غلطٌ بيِّنٌ، هذا خطأٌ فاحشٌ.

أولًا: المعوَّل عليه: الدليل، والدليل جاء بتحريم بناء المساجد على القبور، جاء في أحاديث كثيرةٍ، أحاديث عن النبي في آخر حياته عليه الصلاة والسلام محكمةٍ لا تقبل النسخ بحالٍ من الأحوال.

فثبت في "صحيح مسلمٍ"، عن جندب بن عبدالله البجلي  قال: سمعت رسول الله قبل أن يموت بخمس ليالٍ فقط -الرسول عليه الصلاة والسلام توفي يوم الاثنين، وقال هذا يوم الخميس أو يوم الأربعاء، قبل أن يموت بخمسٍ- يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ؛ فإن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ ابراهيم خليلًا، ولو كنت متخِذًا من أمتي خليلًا؛ لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك [18].

أولًا: ذكر أن هذا الفعل فعل الأمم السابقة، والمقصود من ذلك: ألا نفعل كما فعلوا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.

ثم قال: ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، لا تفعلوا كما فعلوا، وأتى بـ "أَلَا" الدالة على التنبيه والاهتمام بالشيء: ألا فلا تتخذوا القبور مساجدوهذا نهيٌ، ثم أكَّد ذلك بجملةٍ خبريةٍ: فإني أنهاكم عن ذلك، لو قال: "لا تتخذوا القبور مساجد"؛ لكفى، هذا نهيٌ، والنهي يقتضي التحريم، لكن كونه يقول: ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، ثم يأتي بعدها: فإني أنهاكم عن ذلك، تأكيدٌ بعد تأكيدٍ، عليه الصلاة والسلام.

وهذا يدل بوضوحٍ على كمال نُصحه عليه الصلاة والسلام، وكمال بيانه، فهو أفصح الناس، وأنصح الناس للناس، هو أكمل الناس نُصحًا، وأفصحهم لسانًا، وأكملهم بيانًا، وقد بلَّغ البلاغ، وبيَّن كل ما يَحتاج الناس إليه، وبيَّن أمور الدين، وما ترك شيئًا مما أُمر بتبليغه إلا وقد بلَّغه عليه الصلاة والسلام، بلغ البلاغ المبين، عليه أفضل الصلاة وأتم السلام.

ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك، قال هذا متى؟ قبل وفاته بخمسٍ فقط، ثم وروحه تُنزع، كما جاء في الحديث الصحيح، ففي "الصحيحين" أنه كان عليه خميصةٌ يُغطي بها وجهه، فإذا حصل انكتام النفس؛ أزالها، يُغطي ويُزيل، قال وهو كذلك، وهو في النزع: لعنة الله على اليهود والنصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [19]، يعني: قال ذلك في اللحظات الأخيرة؛ لأنه جاء في الحديث: لما نزل برسول الله ، يعني نزل به الموت، فحذَّر من ذلك في لحظاته الأخيرة وقبل موته بخمس ليالٍ، هذا لا يقبل النسخ بحالٍ، ما يُقال: والله هذا منسوخٌ، يعني جاء شيءٌ يُنسخه؛ لأن الرسول  قاله ومات، ما عاش حتى يأتي الناسخ.

وهذا من كمال نُصحه عليه الصلاة والسلام، وبيانه لأمته عليه أفضل الصلاة والتسليم، حديثٌ قاله وهو في "صحيح مسلمٍ" قبل وفاته بخمسٍ، والثاني وهو تُنزع روحه عليه الصلاة والسلام؛ إذنْ هذا حُكمٌ محكَمٌ، لا يُقبل النسخ بحالٍ من الأحوال؛ لأنّ الرسول ما عاش عليه الصلاة والسلام حتى يُقال: فيه مجالٌ للنسخ، قاله ومات على أثره، فهو مِن آخر ما قاله عليه الصلاة والسلام، ومن آخر ما تكلم به، ومن آخر ما بيَّنه قبل وفاته بخمسٍ، وعند نزع روحه عليه الصلاة والسلام.

هذه أحاديث محكمةٌ، كيف تُترك الأحاديث المحكمة ويُحتج بعملٍ حصل في عهد بني أمية؟! قبر الرسول  ما كان معروفًا أين سيكون قبره ، والصحابة  ما كانوا يعرفون أين سيُدفن الرسول إذا مات، وهو الذي بنى هذا المسجد، وبنى بيوته خارج المسجد بجوار المسجد، هناك بابٌ على المسجد، وبيوته كان يُجامع أهله فيها، ونساؤه تحيض فيها، أعمالٌ لا تكون في المساجد، فهو  بنى البيوت خارج المسجد، وبنى المسجد.

في زمن بني أمية وُسِّع المسجد وأُدخل القبر في المسجد، هذا الإدخال الذي قد حصل لا يُخرج المسجد عن كونه أفضل المساجد بعد المسجد الحرام، فالصلاة به بألف، دخل القبر أو ما دخل، لكن لا يجوز أن يُحتجَّ بعملٍ حصل في عهد بني أمية، وهو أن القبر دخل في المسجد، ثم تُترك أحاديث محكمةٌ ثابتةٌ عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، قالها قبل أن يموت، بعضها قبل وفاته بخمسٍ، وبعضها وروحه تنزع، عليه الصلاة والسلام، هذا كيف يُعقل؟! كيف يُعقل أن تُترك الأحاديث المحكمة ويُعوَّل على عملٍ حصل في عهد بني أمية؟

إذنْ هذه أمورٌ تتعلق بهذا المسجد، مسجد الرسول .

فضل الصلاة في مسجد قُبَاءٍ

أما مسجد قباءٍ فقد جاء عن النبي ما يدل على فضل الصلاة فيه، فجاء من قوله وجاء من فعله عليه الصلاة والسلام.

أما فعله : فقد ثبت في "الصحيحين" أن النبي كان يذهب إلى قباءٍ راكبًا وماشيًا، أحيانًا راكبًا وأحيانًا ماشيًا، ويُصلي فيه ركعتين كل سبتٍ [20]، يذهب إليه كل أسبوعٍ، يُصلي فيه ركعتين، أحيانًا ماشيًا، وأحيانًا راكبًا، عليه الصلاة والسلام؛ وهذا يدل على فضله؛ لأن النبي كان يقصده كل أسبوعٍ، هذا فعله .

وأما قوله : فقد جاء عن النبي  أنه قال: من تطهَّر في بيته، ثم أتى مسجد قُبَاءٍ فصلى فيه صلاةً؛ كان كأجر عمرةٍ [21].

وقوله : صلاةً، يشمل الفرض ويشمل النفل، من ذهب وصلى فيه فريضةً ورجع، يُقال: صلى فيه صلاةً، ومن ذهب إليه وصلى فيه نافلةً ورجع، يُقال: صلى فيه صلاةً؛ لأن لفظ الصلاة مطلقٌ: من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباءٍ فصلى فيه صلاةً، يعني: يشمل الفرض ويشمل النفل.

وأما الذي جاء في فعله: فكان يُصلي ركعتين ويرجع يُصلي بالناس؛ لأنه هو إمام هذا المسجد، كان يذهب ويُصلي ركعتين نافلةً ثم يرجع ويُصلي بهذا المسجد، يُصلي بالناس؛ لأنه إمامهم عليه الصلاة والسلام في هذا المسجد.

ولكن القول الذي جاء عنه يشمل الفرض والنفل: من تطهر في بيته، ثم أتى مسجد قباءٍ فصلى فيه صلاةً؛ كان كأجر عمرةٍ.

وهذا يدلنا على أن هذا المسجد يُقصد للصلاة فيه، لكن لا تُشد الرحال إليه، الإنسان يأتي من أجل أن يُصلي فيه ويرجع إلى بلده؟ لا؛ لأن الرحال لا تُشد إلا إلى ثلاثة مساجد، وليس منها مسجد قباءٍ، لكن من وصل إلى المدينة؛ يأتي بالأمور المشروعة في المدينة، ومنها الصلاة في مسجد قباءٍ؛ وعلى هذا كما ذكرت في أول الحديث: الإنسان عندما يأتي إلى هذه المدينة؛ يُصلي في هذا المسجد، ويُصلي في مسجد قباءٍ، ويزور قبر النبي وصاحبيه الكريمين رضي الله عنهما، ومقبرة البقيع، ومقبرة شهداء أحدٍ ، هذه هي الأمور المشروعة، أما غيرها من المساجد والأماكن والبقاع وغير ذلك، فلا يَشغل الإنسان نفسه بذلك؛ لأنه لم يرد فيه سنةٌ عن رسول الله .

ثم كون الإنسان يشغل نفسه بهذه الأمور، يُفوِّت على نفسه خيرًا كثيرًا، وهو أن يُفوِّت على نفسه شيئًا من هذه الأرباح في هذا المسجد، والأجور العظيمة التي تكون في هذا المسجد؛ من كون الإنسان يُصلي فيه في غير أوقات النهي، وكذلك يقرأ القرآن، ويذكر الله ​​​​​​​؛ فإن الإنسان يُفوِّت على نفسه خيرًا كثيرًا بفعله هذا.

أنا قلت: إن الأمور المشروعة: خمسةٌ، وقد تكلمت على ما يتعلق بالصلاة في هذين المسجدين اللذين جاء في السنة بيان فضل الصلاة فيهما، وهما: مسجد الرسول ، ومسجد قباءٍ.

وما يتعلق بزيارة القبور سأتكلم عليها في الدرس القادم إن شاء الله.

والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 6755، ومسلم: 1370، وعير وثور: جبلان بالمدينة. ينظر غريب الحديث لأبي عبيد (1/ 315).
^2 رواه البخاري: 1873، ومسلم: 1372.
^3, ^10 رواه البخاري: 1190، ومسلم: 1394.
^4 رواه البخاري: 1097، ومسلم: 700.
^5 رواه الترمذي: 3925، والنسائي في السنن الكبرى: 4238، وابن ماجه: 3108، وأحمد: 18716، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.
^6 رواه الحاكم: 4261، وحكم عليه الذهبي بالوضع في مختصر التلخيص لابن الملقن (2/ 1087).
^7, ^9, ^14 سبق تخريجه.
^8 رواه البخاري: 1189، ومسلم: 1397.
^11 رواه ابن المبارك في الزهد: 255، ووكيع في الزهد: 191، وأحمد في الزهد: 693، وذكره البخاري (8/ 89).
^12 رواه أبو داود: 4753، وأحمد: 18534، وقال محققو المسند: إسناده صحيح.
^13 رواه مسلم: 2577.
^15 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وأحمد: 17144، وصححه الألباني.
^16 رواه البخاري: 1195، ومسلم: 1390.
^17 رواه مسلم: 440.
^18 رواه مسلم: 532.
^19 رواه البخاري: 435، ومسلم: 531.
^20 رواه البخاري: 1191، 1194، ومسلم: 1399.
^21 رواه ابن ماجه: 1412، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6154.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©