- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
دور الأسرة والمجتمع في الوقاية من المُخدِّرات

جدول المحتويات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحكم الشرعي للمخدرات
الحمد لله الذي أرسل إلينا خير رسله، ما من خيرٍ إلا دلَّنا عليه وأمرنا به، وما من شرٍّ إلا حذَّرنا منه، وصلوات الله وسلامه عليه، فتح الله به أعينًا عُميًا وآذانًا صُمًّا وقلوبًا غُلفًا، أقام الله به الحُجة، وأنار به الطريق، أمرنا بكل خيرٍ ونهانا عن كل شرٍّ، أحلَّ لنا الطيبات وحرَّم علينا الخبائث، كما قال : وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157].
ألا وإن من الخبائث التي تدخل في ذلك: كل مُسكِرٍ، وكل ما يؤثِّر على العقل وعلى النفس؛ فإنها مُحرَّمةٌ حرَّمها الإسلام، ومن ذلك المُسكِرات وكل ما يُغيِّب العقل ويضرُّ من المُخدِّرات والحشيش، وغير ذلك مما يدخل في هذا المعنى باختلاف أسمائها وأنواعها، وقد قال : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90 -91].
لمَّا نزلت هذه الآية قال الصحابة : "انتهينا انتهينا"، وكانت عندهم مُبادرةٌ ومُسارعةٌ للامتثال، حتى إن سكك المدينة صارت تجري من الخمر، سكبوا ما عندهم من الخمور، وتابوا وأنابوا وأقلعوا عن ذلك. وهذا دليلٌ على قوة الإيمان، والمبادرة لامتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ لأن الإسلام لا ينهى عن شيءٍ إلا وفيه مضرةٌ وفيه تهلكةٌ، والله يقول: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195].
فالخمر لا شكَّ أنها تهلكةٌ، تُخامر العقل وتُغطيه، تجعل الإنسان كالمجانين، يتصرف تصرفات غير العقلاء وغير الأسوياء؛ ولهذا جاء الإسلام بتحريم كل مُسكرٍ، كل خمرٍ، فكل خمرٍ حرامٌ، كل مُسكرٍ خمرٌ، وكل خمرٍ حرامٌ [1]، والله لم يُحرِّم الخمر لاسمها وإنما حرَّمها لعاقبتها، كما قالت عائشة رضي الله عنها.
وإذا كانت الخمر مُحرَّمةً بما فيها من الإسكار وغياب العقل والمضارِّ الكثيرة، فإن الحشيش والمُخدِّرات أشد تحريمًا من الخمر؛ لأن المضارَّ التي فيها أكثر من مضارِّ الخمر، وقد حذَّر منها العلماء.
أقوال العلماء والفقهاء في المُخدِّرات
وأجمع علماء الإسلام على تحريم هذه الأمور من الحشيش والمخدرات ونحوها، وهذه كلها مُحرَّمةٌ، سواءٌ أكانت مأكولةً أو مشروبةً أو مشمومةً أو تُتناول عن طريق الإبر أو غير ذلك، فكل ما يُوصل إلى هذه الحال فهو مُحرَّمٌ بإجماع المسلمين، كل ما يُغيِّب العقل ويجعل الإنسان غير سويٍّ فهو مُحرَّمٌ؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن كل ما يُغيِّب العقل يَحرُم باتفاق المسلمين، ومن استحلَّ ذلك وزعم أنه حلالٌ فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتدًّا والعياذ بالله".
انظر إلى علماء الإسلام كيف حرَّموا هذه المُخدِّرات والحشيش من مئات السنين!
شيخ الإسلام ابن تيمية قبل أكثر من ثمانمائة سنةٍ تكلَّم عن هذا الموضوع، وكان مما قال: "هذه الحشيشة الملعونة هي، وآكلوها، ومستحلوها، الموجبة لسخط الله تعالى وسخط رسوله وسخط عباده المؤمنين، المُعرِّضة صاحبها لعقوبة الله، تشتمل على ضررٍ في دين المرء وعقله وخُلقه وطبعه، وتُفسد الأمزجة حتى جعلت خلقًا كثيرًا مجانين، وتُورث من مهانة آكلها ودناءة نفسه وغير ذلك ما لا تورث الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، فهي بالتحريم أولى..
وقد أجمع العلماء على أن المُسكِر منها حرامٌ، ومن استحلَّ ذلك وزعم أنه حلالٌ فإنه يُستتاب، فإن تاب وإلا قُتل مرتدًّا، لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين. وإن القليل منها حرامٌ أيضًا بالنصوص الدالة على تحريم الخمر وتحريم كل مُسكِرٍ، وقالوا: إن الحشيشة حرامٌ، يُحَدُّ متناولها كما يُحَدُّ شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تُفسد العقل والمزاج، حتى يصير في الرجل تخنُّثٌ ودياثةٌ، وغير ذلك من الفساد، وإنها تصدُّ عن ذكر الله". انتهى كلامه رحمه الله.
وذكر ابن عابدين آراء بعض العلماء، ونقل عن ابن حجرٍ أن في أكل الحشيشة مئةً وعشرين مضرَّةً دينيةً ودنيويةً.
حُرمة المُخدِّرات وإن اختلفت أسماؤها
علماء الإسلام قد حذَّروا من هذه الأمور، وما يظهر الآن هو تغييرٌ في الأسماء، سواءٌ سُمِّيت "حشيشًا"، أو "مُخدِّرات"، أو "أفيونًا"، أو "كبتاجون"، أو "الأمفيتامين"، أو "الشبو"، أو غير ذلك، أشياءُ كثيرةٌ تتجدد أسماؤها، وكلها يجمعها أنها تُغيِّب العقل وتضر بالنفس، بل إن هذه تضر وتتعارض مع الضرورات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها.
فالإسلام جاء بحفظ الضرورات الخمس: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض. وهذه المُخدِّرات ونحوها تُفسد هذه الأمور الخمسة؛ فهي ضررٌ في الدين، وضررٌ في النفس، وفي المال، وفي العقل، وفي العِرض؛ ولهذا لا يرتاب عاقلٌ -فضلًا عن مسلمٍ- بتحريمها.
أضرار المُخدِّرات
ولهذا فإنها ممنوعةٌ، ليس من قِبل المسلمين فقط بل حتى من قِبل غير المسلمين؛ لما فيها من المضرَّة العظيمة، ولأنها تجعل صاحبها أحطَّ من البهيمة؛ لا يهتم بدينٍ ولا بعِرضٍ ولا بشرفٍ ولا بمالٍ، ويغيب عقله، وينتهك المُحرَّمات؛ فيسفك الدماء، ويسرق الأموال، ويعتدي على الحُرمات؛ ولهذا يجب أن يتكاتف المسلمون وأن يكونوا يدًا واحدةً في حربها، وفي التحذير منها، وفي البُعد عنها، ذلك أنها تضر بالضرورات الخمس التي جاء الإسلام لحفظها، فصاحبها مُخالفٌ لدين الله، مُرتكبٌ لما حرَّم الله، وصاحبها تجده مُضيِّعًا للصلوات مُرتكبًا للمُحرَّمات.
إذا كانت الخمر حُرِّمت لأجل أنها تُخامر العقل وتُسبِّب الجريمة، فإن ما في المُخدِّرات هذه أعظم ضررًا، فهي تضر بالنفس؛ نفس صاحبها في جهازه العصبي وبدماغه وعقله وفي قلبه وفي رئته وفي الجهاز العصبي وفي الكلى وفي جهازه الهضمي، وغير ذلك، وتجعل صاحبها غير سويٍّ، فهو لا يستطيع أن يتعايش مع الناس عيشةً سويةً، بل تجده يميل إلى الانطواء والانعزال والسلبية، وتجد عنده اضطرابًا في نومه وفي أكله وفي التغيُّر في هيئته وفي شكله وفي تصرُّفاته وفي تفكيره، فلا يستطيع أن يتكلم كلامًا سويًّا، ولا يتصرف تصرفات سوية؛ فلهذا لا يستطيع أن يُقيم نفسه ويُدبِّر شؤونه، فكيف بشؤون غيره؟!
تجده يُكثر النوم، ويُكثر السهر، ويكون عنده اضطرابٌ في شعوره وفي نفسيته، ويميل إلى الانعزال عن الناس والانطوائية، همُّه تحقيق شهوته الموهومة، وغالبُ من يتورَّط في هذا المرض تجده إنسانًا ضعيف الدين، وضعيف العقل، وضعيف العلم، وضعيف الثقافة، وضعيف الوعي، فيزجُّ بنفسه في هذا الشِّراك، ولا يستطيع أن ينجو بعد ذلك، لا يستطيع أن ينجو إلا أن يشاء الله.
يُصاب بأنواع الأمراض التي تنتهي به إلى أن يكون مُنحطًّا في شخصيته، منطويًا عن الناس، ساعيًا في تحقيق شهواته في كل سبيلٍ، حتى لو أدَّى ذلك إلى الحرام، وإلى السرقة، وإلى انتهاك الأعراض، بل إلى بيع عِرضه، وإلى صرف جميع أمواله وممتلكاته، بل حتى لو أدَّى به إلى الانتحار، وإلى القضاء على نفسه، والعياذ بالله.
إن المتورِّط -أيها الإخوة- في هذا الأمر تجده لا يمكن أن يقوم بعملٍ، إن كان يعمل فتجده كثير الغياب والتأخر، وإن كُلِّف بعملٍ فإنه لا يقوم به؛ لأنه إنسانٌ غير سويٍّ، فلا يُعتمد عليه، وربما ينتهي به الأمر إلى أن يُطرَد من عمله، ثم لا يجد مالًا يُشبِع به شهوته التي تتضاعف وتتراكم وتريد الزيادة حتى تصل إلى النشوة الموهومة والسعادة الموهومة، فيضطر إلى السرقة -والعياذ بالله- وبيع العِرض لأجل أن يصل إلى هذا الأمر الذي يدمر حياته هو، ثم يدمر حياة من حوله، بدءًا بأسرته إن كان في أسرة، وجيرانه وأصدقائه ومن حوله من مجتمعه، ويكون سوسةً تنخر في المجتمع، وتضر في المجتمع.
ربما يصل هذا الشخص إلى قتل الآخرين؛ إن قاد سيارةً فلا يستطيع أن يقودها، وإن مشى في السوق فإنه يكون عدوانيًّا عصبيًّا لا يتحمل شيئًا، ولا يستطيع أن يُركِّز في جهده العقلي والنفسي، فيكون شخصًا ضارًّا، ويضر بمجتمعه ومن حوله، ومرضًا يسري في المجتمع.
أسباب الوقوع في تعاطي المخدرات
هذا الداء -أيها الإخوة- له أسبابٌ كثيرةٌ، من أعظم أسباب الوقوع فيه: ضعف الإيمان، الإنسان الذي لا يُعظِّم حُرمات الله عنده شهوةٌ ضاغطةٌ وكبيرةٌ يريد أن يُشبِعها، وليس عنده خشيةٌ لله وخوفٌ من الله يردعه ويمنعه عن ارتكاب الحرام؛ فيقع في هذه المُحرَّمات وهذه الكبائر.
ومن أسبابها: أن يكون الشخص يمر بأزماتٍ نفسيةٍ أو في حياته، فيظنُّ لجهله أنه يريد أن يهرب من هذه الظروف التي يمر بها من ضيق العيش، أو فشلٍ في عملٍ، أو في دراسته، فيهرب إلى هذا الجحيم من المُخدِّرات وغيرها، فيكون كالمُستجير من الرمضاء بالنار.
ومن أعظم ما يُوقع في ذلك: رفقاء السوء، الجلساء السيئون، فيكون للشخص جلساء من هؤلاء المتورِّطين في هذا الداء، فيُريدون أن يُكثروا سوادهم، فيُورِّطوا جليسهم، ويُزيِّنوا له هذا العمل فيُشاركهم. وكثيرٌ ممن وقع في براثن هذه الجريمة تجد أنه يقول: إن السبب رفقاء السوء، صاحَبَ أناسًا مُنحرفين مُتورِّطين، فحسدوه على صلاحه وعلى استقامته، فعملوا كل عملٍ لأجل أن يجعلوه مُشاركًا لهم في هذا الداء وهذا المرض.
ومن الأسباب: أن الشخص يكون عنده فضولٌ ويحب أن يستطلع ويحب أن يُجرِّب، فيسمع ويقول: أريد أن أجرِّب، ولا سيما إذا كان عنده ويُحيط به جلساء من هؤلاء، فيُغرونه بأن يجرِّب ولو مرةً أو مرتين، ثم يكون مُدمنًا -والعياذ بالله- لا يستطيع أن يرجع إلى حالة الصحة وحالة الاستقامة وحالة الأسوياء.
ومن الأسباب: الفراغ والبطالة، فتجد هذا الشخص عنده فراغٌ لم يملأه بما يُرضي الله، فيكون عنده مع الفضول ومع الجهل ومع قلة الدين؛ فراغٌ يريد أن يشغله، فيشغله بهذا المرض وهذا الخبث والعياذ بالله.
وقد يكون عند هذا الشخص اضطراباتٌ أو أمراضٌ نفسيةٌ، فلا يكون حوله من يُعينه على تجاوزها؛ فيقع في براثن المُخدِّرات والعياذ بالله.
خطر ضعف وعي الأسرة بآفة المُخدِّرات
أيضًا -وهذا مما يهمنا في هذه الكلمة والمحاضرة- الأسرة؛ فالأسرة -وهي المحضن الأساسي للشخص- قد تكون سببًا في وقوع أحدٍ من أولادها بهذا الداء، ومنها: أن الأسرة تكون غير واعيةٍ للخطر، إذا كان الأب والأم غير واعيين فإنهما لا يُدركان أبعاد الأخطار، وربما يقع أبناؤهما وبناتهما في هذا الخطر وهما لا يعلمان ولا يُدركان، إذا كان الأب والأم غير مُدركين فإنهم لا يُوعِّيان أولادهما ولا يُحذِّرانهم.
وقد تكون الأسرة متفكِّكة؛ إما أن تكون الأم مطلقةً والأب يتزوَّج امرأةً أخرى والأولاد ضاعوا، وإما يكونون مجتمعين لكن بينهم مشاجراتٌ ومشاحناتٌ ومخاصماتٌ، فتجد الولد أو البنت لا يرتاح في جوِّ الأسرة، لا يجد ما يملأ عاطفته وحبه، لا يجد الرحمة في ظل هذا البيت. البيت لا بد أن يكون بيت سكينةٍ ورحمةٍ ومأوًى ومثوًى للأولاد، لا بد أن يكون الولد يرتاح في البيت أكثر من خارج البيت، فإذا لم يجد الراحة في البيت فإنه يلجأ إلى خارج البيت، وربما يقع في براثن المُروِّجين والفاسدين والمُتعاطين.
فعدم وجود بيتٍ آمنٍ ومُتماسكٍ وعاطفيٍّ يَكسب الأولاد ويجدون فيه الراحة؛ فإن الأولاد قد يذهبون إلى خارج البيت ليجدوا ما يُشبعُ عاطفتهم ومحبتهم، فيقعون -والعياذ بالله- في هذا الداء وهذا المرض.
وقد يكون الأب منشغلًا عن أولاده، منشغلًا لا يدري من يُصاحبون، لا يدري ماذا يعملون، لا يدري أين يقضي أولاده أوقات فراغهم؟ منشغلٌ بدنياه، منشغلٌ مع أصحابه وأصدقائه، يسهر خارج البيت، يُسافر كثيرًا، لا يكون قريبًا من أولاده، لا يدري ماذا يعملون، فهذا من أسباب وقوع الأولاد في شِراك المُخدِّرات والعياذ بالله.
قد يكون الأب أو الأم مع الانشغال بعيدين عن أولادهما، وقد تكون هناك قسوة من الوالدين أو من أحدهما، فهذه القسوة تجعل حاجزًا بين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم، فتجد الابن لا يستطيع أن يُفضي لأبيه بحاجته أو بمشكلاته، فيُفضي بها إلى خارج البيت، وربما كانت له علاقاتٌ مع أولئك الفاسدين والمُفسدين؛ لأنه لم يجد من يتقبَّله ويستمع إلى مشكلاته وإلى سؤالاته، فيذهب إلى الآخرين.
القسوة قد تكون سببًا لوضع حاجزٍ بين الأب وأبنائه وأولاده عمومًا، وكذلك التدليل الزائد أيضًا قد يكون سببًا، فتجد الأب أو الأم يضعون بين أيدي أولادهم الأموال، ويُحقِّقون لهم كل ما يريدون، ويضعون بين أيديهم هذه الأجهزة الذكية التي تجعل الولد أو البنت يدخل إلى مواقع، إلى العالم كله؛ لأن هذا الجهاز هو انفتاحٌ على العالم، لا يستطيع بعد ذلك الأب أن يُوجِّه؛ لأن المُوجِّه صار هذه المواقع التي ربما تُزيِّن للأولاد تعاطي المُخدِّرات، أو تُسهِّل عليهم أضرارها، أو تُروِّج لهم بأن هذه المُخدِّرات سببٌ للسعادة واللذة.
فتجد هذا التدليل الزائد ووضع الأموال ووضع هذه الأجهزة بين أيدي الأولاد، مع عدم التحصين وعدم التربية وعدم التوجيه، فصار الأب أو الأم كالذي يرمي ولده في البحر وهو لا يُجيد السباحة، رماه في البحر وهو لا يُجيد السباحة.
| ألقاه في اليمِّ مكتوفًا، وقال له: | إياك إياك أن تبتلَّ بالماءِ! |
لا يمكن أن تضع بين أيديهم أنواع الفساد والعالم المفتوح دون توجيهٍ ودون تحصينٍ، هذا يكون قد شارك في الزجِّ بهم في براثن المُخدِّرات والمُسكِرات والحشيش وغير ذلك، فبعد ذلك لا يستغرب الأب حينما يجد أولاده قد تورَّطوا في هذا الأمر.
نجد الأب أو الأم غافلين عن توجيه أولادهم، مشغولين عن توجيه أولادهم وعن تحصينهم، وقد وفَّروا لهم كل أسباب الترفيه والمتعة والانفتاح على العالم الصالح والفاسد دون توجيهٍ، فلا شكَّ أن الابن إذا لم يجد من يُوجِّهه ويُحصِّنه فإنه لا يستطيع أن يُميِّز، وقد يكون عنده فضولٌ يريد أن يُجرِّب فيقع -والعياذ بالله- في الشِّراك، ثم لا يستطيع أن يرجع بعد ذلك.
من الأسباب أيضًا التي تُوقِع بعض الناس في براثن هذه المُخدِّرات والعياذ بالله: السفر إلى البلاد الموبوءة، والذهاب إلى الأماكن التي يُمارَس فيها هذا الشيء ويَسهُل تناوله ويَسهُل الوصول إليه، فتجد من يُسافر إلى البلاد التي يَسهُل فيها الوقوع في المُخدِّرات وشراء المُخدِّرات وتعاطيها، يرجع بعد ذلك الشخص مُدمِنًا والعياذ بالله.
علينا جميعًا -أيها الإخوة- أن نُدرك الخطر، وعلينا أن نبدأ بأسرنا، كل واحدٍ يبدأ بأسرته في تحصينها وفي تربية أولاده، فالأسرة لها دورٌ كبيرٌ في التحصين من هذا الداء.
طرق الوقاية من المُخدِّرات
ولعلنا نُلقي الضوء على أهم ما يجب على الأسرة في تحصين الأولاد من الوقوع في هذا الداء والخطر العظيم والوقاية منه، سواءٌ وقايةٌ قبل وقوع الأولاد، أو بعد الوقوع، أو حينما تظهر بوادرُ وعلاماتُ تورُّطِ أحدٍ من الأولاد في هذا الداء. وهذا لا يكون إلا بأن يكون الوالدان على مستوى الوعي؛ لأن الأب أو الأم لا يستطيع أن يُوجِّه أولاده ويُبيِّن لهم الخطأ ويُحذِّرهم، إلا إذا كان عنده وعيٌ هو نفسه، الأب والأم لا بدَّ أن يكون عندهم وعيٌ بالخطر والتمييز ومعرفةٌ لأساليب هؤلاء؛ حتى يستطيع أن يُشارك في التحذير من هذا الأمر.
أهم شيءٍ -أيها الإخوة- في هذا الموضوع في دور الأسرة، أن يُنشِّئ الوالدان أولادهما تنشئةً دينيةً وأخلاقيةً صحيحةً، الولد منذ صغره لا بدَّ أن يسعى الوالدان ويعملا على أن يَنشأ نشأةً صالحةً، ويُنشِّئان أولادهما على القرآن تعلُّمًا وحفظًا ودراسةً وتدبُّرًا، أن يلتحق الولد بحِلَق تحفيظ القرآن التي ينشأ عليها، أو يحفظ في البيت وينشأ على ذلك، وأن يُنشَّأ على الأخلاق الطيبة، ويُحذَّر من الأخلاق السيئة، فالبيت هو المحضن الأساس في التربية والتنشئة.
أيضًا لا بدَّ أن يكون الأمر واضحًا لدى الأولاد؛ بأن يُوضِّح الوالدان لأولادهما حُرمة هذه المُخدِّرات وخطرها، وأنها لا يُمكن أن يرضى بها عاقلٌ، فضلًا عن مسلمٍ يحافظ على دينه وعلى نفسه وعلى عِرضه وعلى عقله وعلى ماله.
وعلى الأسرة أن تسعى في شغل أوقات أولادها بما ينفع؛ لأن الولد عنده وقتٌ كبيرٌ، يقضي بعضه في الدراسة وفي المذاكرة وفي الأكل والشرب، لكن لا بدَّ أن يُمارس أعمالًا في أوقات فراغه، وإذا لم يُوجِد الوالدان برامجَ وأعمالًا يُشغل فيها الأولاد أوقاتهم؛ فإنهم سيشغلونها فيما حرَّم الله، وقد يدخلون إلى مواقع ويتواصلون مع أُناسٍ عبر هذه البرامج الكثيرة، برامج التواصل الكثيرة الآن، يعني: كثيرةٌ جدًّا، منها ما يعرفه الوالدان، ومنها ما لا، وما لا يعرفونه أكثر.
ولا بدَّ أن يكون لدى الوالدين ما يُشغِل أولادهم، ويُشجِّعونهم على أن يُشغِلوا أوقاتهم فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وخاصةً في سنِّ المراهقة، سنِّ الشباب، وأن يسعى الوالدان في اختيار الأصدقاء الصالحين لأولادهم، لا بدَّ أن تحرص على أن تربط أولادك بجلساء صالحين، وأن تحذِّرهم من الجلساء الفاسدين، لا بدَّ للأسرة أن تُشجِّع أولادها من بنينَ وبناتٍ على مُصاحبة الصالحين والمستقيمين وأصحاب الأخلاق الفاضلة، وتحذيرهم من المُنحرفين والفاسدين وأصحاب الأفكار الضالة، فإن هذا من أعظم الأمور التي تُساعد في استقامة الأولاد؛ لأن الولد قد يأخذ من صديقه أكثر مما يأخذ من أبيه وأمه.
وقد حثَّ الإسلام على اختيار الأصدقاء الصالحين، وبيَّن مضارَّ الأصدقاء السيئين، كما قال النبي : مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير؛ فحامل المسك إما أن يُحْذِيَك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير إمّا أن يُحرِق ثيابك، وإمّا أن تجد منه ريحًا سيئةً [2]، أو كما قال : المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالل [3]. ولا شكَّ أن الصديق له دورٌ كبيرٌ وتأثيرٌ عظيمٌ على جليسه، فليحرص الوالدان على مساعدة أولادهم في اختيار الجلساء الصالحين المستقيمين.
وعلى الوالدين أن يكونا قدوةً حسنةً لأولادهما، كُن أيها الأب قدوةً حسنةً، فإن الابن يرى فيك قدوةً، إذا كان الأب مُنحرفًا، فكيف يكون قدوةً لأولاده؟! لا بدَّ أن يجد الولد في استقامة أبيه وفي سلوكه ما يكون قدوةً حسنةً، كالاستقامة وفعل الأفعال الطيبة والابتعاد عن الأفعال الخبيثة.
فلا يصحّ أن يكون الأب مُتعاطيًا ويريد من أبنائه أن يكونوا أسوياء بعيدين عن ذلك. كثيرٌ من الآباء المُتعاطين -والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية- تجد أبناءهم يُقلِّدونهم، فعلى الأب أن يبتعد عن ذلك، بدءًا من البُعد عن شُرب الدخان؛ لأن هذا وسيلةٌ؛ الدخان وسيلةٌ إلى المُسكِر، إلى الحبوب، إلى المُخدِّرات، والحشيش، وغير ذلك. فليكن الأب قدوة حسنة لأولاده؛ حتى لا يقعوا في هذا الداء العظيم.
ومن الأمور المهمة في دور الأسرة في التحذير من المُخدِّرات: تحذير أولادهم، أن يُبيِّنوا للأولاد الأساليب التي يسلكها المُروِّجون، فلا بدَّ أن يكون الأب والأم على وعيٍ بالأساليب، حتى لا يقع الولد أو البنت في شِراك أولئك المُجرمين. ولا يُمكن أن يُحذِّر الوالدان أولادهما إلا إذا كانا على مستوى الوعي، لا بدَّ أن نرفع المستوى، وأن نكون واعين بالأساليب الخبيثة التي يسلكها المُروِّجون والمُفسدون؛ حتى نُحذِّر أبناءنا وبناتنا من أن يقعوا في شِراكهم.
وكذلك يكون الوالدان على وعيٍ أيضًا بالأنواع التي تُروَّج؛ حتى لا يقع الأولاد في شِراك الترويج. الولد إذا كان جاهلًا ربما يتعاطى شيئًا وهو لا يدري أنه مُخدِّرات، يأتيه صديقٌ سيئٌ، قد يكون صديقًا في المدرسة، أو في العمل، أو قد يكون قريبًا، أو قد يكون من أبناء الجيران، فيُعطيه شيئًا يشمه أو يأكله، وهو لا يعلم أنه من المُخدِّرات؛ فيقع فيها. فلا بدَّ أن يكون الوالدان على وعيٍ؛ حتى يستطيعا أن يُحذِّرا أولادهم من الوقوع في أساليب المُروِّجين الماكرة التي تُريد أن تصطاد أبناء المسلمين.
أيها الإخوة، إن المُروِّجين أناسٌ مُجرمون يريدون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، يريدون أن تنتشر الجريمة وهذا الداء الخطير؛ حتى ينخروا في جسم الوطن، وجسم أبناء البلاد، وأبناء الإسلام والمسلمين. يحسدون بلادنا وبلاد المسلمين على ما يجدونه عندهم من استقامةٍ أو صلاحٍ، فيُريدون أن يُدمِّروا البلاد بتدمير أبنائها وشبابها، بتدمير أُسرها. هذا الشاب إذا دُمِّر من خلال المُخدِّرات والحشيش وغيرها، فإنه لا يستطيع أن يقود أسرةً، ولا يستطيع أن يقوم بعملٍ، ولا يستطيع أن يكون عمدةً يُعتمد عليه في أيِّ شيءٍ، فإذا تدمَّر هو تدمَّرت أسرته، وإذا تدمرت الأسرة تدمَّر المجتمع.
إن الأعداء حريصون كل الحرص على أن يدمِّروا الأُسر والمجتمع، بتدمير شبابها وبإشاعة ونشر وترويج هذه القنابل الموقوتة والقنابل الناعمة. إنها قنابلُ تدمِّر الإنسان؛ تدمِّر دينه، تدمِّر عقله، تدمِّر نفسيته، تدمِّر صحته بجميع أنواع التدمير.
فعلى الوالدان أن يكونا على مستوى الوعي بأنواع وأصناف المُخدِّرات وبأساليب ترويجها؛ حتى يحذِّروا أولادهم من أن يقعوا في شِراك هؤلاء المُجرمين.
المظاهر السلوكية الدالة على التعاطي
من الأمور المهمة: أن يكون الوالدان على وعيٍ بعلامات ومظاهر المُدمنين أو المُتعاطين، يعني: كيف تعرف أن ابنك أو ابنتك قد وقع في شِراك هذه أو هذه الأمراض وهذه الجرائم، لا بدَّ أن يكون عندك وعيٌ.
فمن ذلك: أن هذا المتعاطي تجده يميل إلى العزلة، الأب أو الأم حينما يرون ابنهم أو بنتهم صار منطويًا لا يجلس معهم، يَنعزل في غرفته أو في مكانٍ بعيدٍ من البيت؛ فهذا من علامات أن هذا الشخص مريضٌ، ربما بدأ يتعاطى هذا الشيء، فتجده ينسحب عن عائلته فضلًا عن اجتماعات أرحامه وأقاربه، فيرونه يبتعد عن الاجتماعات فيكون منطويًا منعزلًا، ويتغيَّر سلوكه؛ إن كان في مدرسةٍ تجده يغيب كثيرًا ويُهمل دراسته، وإن كان في عملٍ كذلك يغيب عن عمله ويتأخر ولا يقوم بواجب عمله.
تجد هذا، يعني: الوالدان حينما يجدان ولدهما وبنتهما يغيب عن البيت، يسهر كثيرًا خارج البيت، لا يأتي إلى البيت إلا قليلًا، ثم يخرج وينطوي، يتعامل بسِرِّيةٍ مع خصوصياته ومع أموره، لا يريد أن يطلع أحدٌ على أموره، تجده سريع الغضب، متقلِّب المزاج، لا يُبالي بتحمُّل المسؤولية، يغيِّر أصدقاءه وأصحابه؛ لأنه بدأ يغيِّر من حياته إلى أمورٍ أخرى.
من هذه المظاهر، لا بدَّ أن الوالدين يُدركان هذا الشيء بملاحظة أولادهم إذا وجدوا هذه العلامات وهذه السلوكيات، أو بعض الأمور النفسية، أو حتى الصحية، التي تظهر على أولادهم؛ فليُبادروا وليُسارعوا إلى تدارك الخطر، وإلى أن يتقرَّبوا من أولادهم. الأب والأم أن يكونوا قريبين من الولد ومن البنت؛ حتى يُفضي الأولاد بما عندهم من مشكلات لآبائهم وأمهاتهم، يستطيعون بعد ذلك أن يشاركوا في علاجهم بدلًا من أن يزيدوا الفجوة.
دور الأسرة في العلاج والتدخل المبكر
حينما يرى الوالدان أن الأولاد بدأت تظهر عليهم هذه الأشياء وهذه العلامات الصحية والنفسية، وصار عندهم شيءٌ من الاكتئاب ومن الضجر ومن الانزواء، ومن عدم الاهتمام بأمورهم الشخصية ونحو ذلك؛ فليَقْربوا من أولادهم، وليسعَوا في علاجهم، ويجتنبوا القسوة معهم، وعليهم أن يكونوا صريحين مع أولادهم، يدخلون معهم في نقاش في بعض الأمور؛ حتى يكون هذا الحاجز النفسي بينهم وبين أولادهم بعيدًا، ويقضون عليه، ويكونون معهم كأصدقائهم، ويشاركونهم في علاجهم.
فإذا استطاع الوالدان أن يُنجيا ويُشاركا في العلاج، ووجدا الابن أيضًا يستمع إليهما؛ فهذا هو المطلوب، وإلا فليُبلِّغا عنهم من يستطيع أن يُنقذهم وأن يُعالجهم؛ لأن هذا المتعاطي إذا لم يسعَ في علاجه فإنه سيزيد مرضه، وإن مرضه لن يقتصر عليه، بل سينتقل منه لأسرته، بل منه لخارج أسرته.
وكم من أناسٍ مُتعاطين -سمعنا قصصهم- وصلت بهم الحال إلى أن يقتلوا ليس أصدقاءهم فقط؛ بل قتلوا آباءهم وأمهاتهم، والعياذ بالله! ومنهم من قتل أولاده وزوجه وأحرقوهم؛ لأن هذا المتعاطي هو إنسانٌ بلا عقلٍ، بلا دينٍ، بلا استقامةٍ، بلا حُسن تصرفٍ، عنده هيجانٌ وغضبٌ وغيابٌ عن المسؤولية وعن الاستقامة، فيتصرف تصرفاتٍ تضره وتضر غيره، وربما أفضى به إلى قتل نفسه.
فلا بدَّ على الوالدين أن يسعيا في إصلاحه واستصلاحه، أو يُبلِّغ عنه من يستطيع أن يمنعه من أن يرتكب جريمةً في حقه وفي حق الآخرين، لا بدَّ أن نتكاتف وتتكاتف الأسرة مع غيرها، ولا بدَّ أن يتكاتف المجتمع.
دور المجتمع في مواجهة المُخدِّرات
أيضًا المجتمع له دورٌ كبيرٌ في التحذير من هذا الداء، عرفنا بعض دور الأسرة، ولكن أيضًا المجتمع عمومًا لا بدَّ أن يتكاتف للقضاء على هذا الخطر العظيم والداء الكبير؛ فمن مسؤولية المجتمع في تحصين أبنائه: أن يسعى في دور المسجد مثلًا، المسجد هو محضنٌ إيمانيٌّ، ولا تكاد تجد شخصًا مُدمنًا وهو من أصحاب الصف الأول في المساجد، إنما يكون هؤلاء ممن ابتعد عن بيوت الله، وصار يقضي أوقاته في الأماكن المشبوهة والبعيدة عن أنظار الناس.
فعلى المجتمع عمومًا أن يسعى في تنشيط مهمة المسجد؛ بدءًا من إمام المسجد وجماعة المسجد، فيجعلون المسجد محضنًا، يُرغِّبون الناس في الصلاة والصلوات الخمس، وتكون هناك رابطةٌ تربط الناس وتُحبِّبهم في المجيء لأداء صلاة الجماعة. وأيضًا الأبناء يكونون في حِلَق تحفيظ قرآن، فإن هذا مما يساعد في تحصينهم من الوقوع في براثن المُجرمين.
كذلك المدرسة والجامعة لها دور كبير في التحصين والتوعية والتوجيه، فتُقيم المعارض التي تُبيِّن المُخدِّرات وأخطارها وأساليب المُجرمين. إن كثيرًا من الناس -وربما من الأولاد- ربما يتعلمون هذه الأمور من زملائهم في المدارس، في الجامعات، وفي غيرها، فلا بدَّ أن يكون هناك دورٌ كبيرٌ للمدارس والمعلمين والموجِّهين في التحذير من هذا الخطر، بإقامة الندوات والمحاضرات والمعارض، وغير ذلك مما يساعد في التحذير من ذلك. وأيضًا استضافة الخبراء والمسؤولين الذين يعرفون هذه الأخطار ليشاركوا في التحذير منها.
وعلى المجتمع عمومًا -أيضًا- أن يسعى في إيجاد البرامج التي تملأ فراغ الشباب من أولادٍ وبناتٍ، من شبابٍ وفتياتٍ، يُشغلون أوقاتهم بما ينفع وبما لا يضر وبما يجدون فيه المتعة والأُنس، وبما يكون من برامجَ جاذبةٍ، وبرامجَ تطوعيةٍ يقضون فيها أوقاتهم، ولا يُتركون يقضون أوقاتهم فيما لا ينفع، أو في السهر في أماكنَ بعيدةٍ عن أعين الآباء وعن رقابة المجتمع، فربما يُزيِّن بعضهم لبعض السلوكيات الفاسدة. فعلى المجتمع أن يسعى في إيجاد البرامج التي تملأ أوقات الشباب.
ولا بدَّ أن يكون هناك تحذيرٌ وتوعيةٌ في المناهج الدراسية أيضًا، لا بدَّ أن تُضمَّن المناهج الدراسية التحذير وبيان الخطر -خطر هذا الداء- حتى ينشأ الطالب في مدرسته ويكون واعيًا لهذا الداء وأنواعه وأساليب ترويجه وأخطاره وأحكامه، فتُضمَّن المناهج الدراسية شيئًا من ذلك.
دور الإعلام ووسائل التواصل في مواجهة المُخدِّرات
كذلك الأجهزة الإعلامية لها دورٌ كبيرٌ في التوعية والتحذير والتوجيه والتحصين؛ من خلال البرامج التي تُبَثُّ، من خلال المقابلات التي تُنشر، والاستضافات للمهتمين والخبراء العارفين، سواءٌ أكانوا أطباء أو مسؤولين، أو حتى من المُتعاطين المُتعافين الذين يحكون تجاربهم، ويُحذِّرون غيرهم من الوقوع في هذه الشراكات التي يُلقيها المُروِّجون والمُفسدون الذين يريدون إفساد شباب الأمة وشباب الوطن.
كذلك من مهمة المجتمع حقيقةً في التوعية والتحصين: الحرص على بثِّ هذا الوعي من خلال وسائل التواصل الحديثة، الآن وسائل التواصل صارت هي الموجِّهة أكثر مما يُوجِّه الآباء والأمهات، صار الشباب والفتيات يتلقَّون التوجيهات من خلال هذه البرامج أكثر مما يتلقَّون من آبائهم وأمهاتهم مع الأسف؛ لأن هذا الجهاز هو بين يدي الشاب والشابة أربعًا وعشرين ساعة، ويُقلِّب في المواقع وفي وسائل التواصل المختلفة والمتنوعة والمتجددة.
فلا بدَّ أن تكون هناك مبادراتٌ بإيجاد مقاطعَ ومنشوراتٍ، وأيضًا نصائحُ وتوعيةٌ من خلال هذه الوسائل؛ لأنها مما يصل إلى كل أحدٍ. فبدل أن يكون هذا الشاب أو الفتاة إنما يُقلِّب في مواقع ربما يجد فيها ما يدعو إلى تعاطي المُخدِّرات وإلى ترويجها باعتبارها وسيلةً للسعادة أو للشهوة أو للذة، أو للبعد عن المشكلات أو للغياب عن الأزمات النفسية، ونحو ذلك من الأوهام التي تنتهي بوقوع هذا الشاب المسكين الجاهل المُغرَّر به في براثن هذه الجريمة.
فكما أننا نُحصِّن ونمنع ونُحذِّر، فعلى المجتمع عمومًا أن يقوم بدوره في بثِّ الوعي، من خلال بثِّ برامجَ وموادَّ توعويةٍ في هذه المواقع وهذه الوسائل؛ هذا أيضًا من دور المجتمع حقيقةً في التحصين والتوعية والتوجيه، وأن يسعى المجتمع في منع أيِّ وسيلةٍ تُروِّج أو حتى تُسهِّل من الأخطار.
بعضهم قد لا يقول لك إن هذه أشياء فيها من الفوائد كذا، لكن ربما يعرضها بأسلوبٍ يُقلِّل من خطرها. وهذه أيضًا ينبغي أن تُمنع وأن يُحذَّر منها، بل يجب أن نُوضِّح خطرها على الحقيقة، حتى لا يكون فيه تغريرٌ بالبسطاء من الأبناء والبنات الذين ربما يكون عندهم من الفضول ما يجعلهم يُجرِّبون هذه الأمور، فيقعون في شِراكها، ثم بعد ذلك لا يستطيعون أن يرجعوا.
على المجتمع -كما قلت- أن يُوجِد هذه المواد التوعوية التي تُوعِّي الناس عمومًا بالخطر؛ حتى لا يفقدوا حياتهم، ويفقدوا دراستهم ووظائفهم وأموالهم وأعراضهم بسبب الإهمال والغفلة.
وقبل ذلك وبعده ومعه، على الوالدين وعلينا جميعًا بالدعاء، ندعو الله دائمًا وأبدًا أن الله يحفظ أبناءنا وبناتنا، وأن يحفظ شبابنا وشباب الوطن وشباب البلاد وشباب الإسلام والمسلمين عمومًا، من هذا الخطر الذي وراءه أعداءٌ، وراءه دولٌ، وراءه ناسٌ لا يريدون الخير بمجتمعات الإسلام والمسلمين، يريدون أن يُدمِّروها من خلال تدمير أبنائهم.
علينا أن ندعو الله أن يحفظنا في أنفسنا وفي أولادنا وفي بلادنا وفي بلاد المسلمين.
نُكثر من الدعاء، فإن الله هو الحافظ وهو الواقي سبحانه، فمع التوعية والتوجيه، لا بدَّ أن ندعو الله ، فبالدعاء يحصل ما يدعو به الإنسان، فالله يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، هذا وعدٌ من الله.
المهم أن ندعو بإخلاصٍ، بصدقٍ، نتوجه إلى الله. وكم من إنسانٍ دعا الله بصدقٍ فحصل له ما دعا، حصلت له دعوته، وقد يدعو ولا تحصل له دعوته نفسها، لكن يحصل له شيءٌ غيرها، فلا نيأس، ولا نقول: دعونا الله ولم يستجب لنا.. يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فقالوا: كيف يعجل يا رسول الله؟ قال: يقول دعوتُ دعوتُ فلم أرَ يَسْتَجِيبُ لي، فيدع الدعاء [4].
فعلينا أن ندعو الله دائمًا ولا نيأس، وأن نستشعر هذا الخطر، وأن نُوعِّي دائمًا غيرنا من أبنائنا وبناتنا وأقاربنا وزملائنا وأصدقائنا وجيراننا وعموم أبناء وطننا الإسلامي والمسلمين؛ لأجل أن نستشعر هذا الأمر وأن نبتعد عنه.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعينٍ واجعلنا للمتقين إمامًا.
اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا.
اللهم احفظنا في أنفسنا، واحفظنا في ديننا، واحفظنا في أموالنا، واحفظنا في أولادنا، واحفظنا في أعراضنا.
اللهم احفظ بلادنا وبلاد المسلمين من خطر هذه المُخدِّرات، ومن جميع الأخطار.
اللهم احفظنا واحفظ بلاد المسلمين من سوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموت راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم من أرادنا وأراد بلادنا وولاة أمرنا وبلاد المسلمين بسوءٍ، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره.
اللهم من أراد أبناءنا وبناتنا وشباب المسلمين بسوء، فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، واكفِناه بما شئت يا رب العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين، إنك على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلَّم.