- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
- الشيخ:
- فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر فضيلة الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن العباد البدر
كيف نحقق الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام في مناسك الحج؟

جدول المحتويات
- من منافع الحجِّ: التربية على التَّأسِّي بالنبي ﷺ
- حرص الصحابة على التَّأسي بالنبي ﷺ
- كيف يتعلم المسلم مناسك الحجِّ خطوةً بخطوةٍ؟
- التَّأسي بالنبي ﷺ أصلٌ من أصول الدين
- التَّلبية فيها التوحيد والاستجابة
- الاقتداء بالنبي ﷺ في الإحرام من الميقات
- هدي النبي ﷺ في لباس الإحرام ودروسه التربوية
- الالتزام بمحظورات الإحرام وأثره في التربية على طاعة النبي ﷺ
- الاقتداء بالنبي ﷺ في الطَّواف وأعماله
- التَّأسي بالنبي ﷺ في استلام الحَجَر
- التَّلبية في الحجِّ بين الاتِّباع واستشعار المعنى
- رمي الجِمَار درسٌ عظيمٌ في التَّأسِّي
- وسطية الدين في أعمال الحجِّ بين الغلو والجفاء
- يوم إتمام الدين والتَّحذير من الابتداع
- أثر الحجِّ المبرور في تقويم النَّفس وتحقيق الطاعة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا، وأصلح لنا إلهنا شأننا كله، ولا تَكِلْنَا إلى أنفسنا طرفة عينٍ.
أما بعد:
فإن حجَّ بيت الله الحرام طاعةٌ من أَجَلِّ الطاعات، وقُرْبَةٌ من أعظم القُرَب، وللعباد فيها منافع كثيرةٌ، وعوائد حميدةٌ، والله يقول: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ [الحج:27- 28]، فهو مليءٌ بالمنافع والعِبَر.
من منافع الحجِّ: التربية على التَّأسِّي بالنبي ﷺ
إن من منافع الحجِّ العظيمة: ما فيه من تربيةٍ للمسلمين على التَّأسِّي بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام، والاقتداء بهديه القويم؛ ولهذا من مهمات الحجِّ التي إنما يكون تمامه وصلاحه بها: لزوم هديه ، التَّقيُّد بِسُنَّته عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال -كما في "صحيح مسلم"-: لتأخذوا مناسككم [1] أي: عني.
فمناسك الحجِّ خطوةً خطوةً، عملًا عملًا، شعيرةً شعيرةً، كلها تُؤْخَذ بالتَّأسِّي والاقتداء بهدي النبي الكريم .
وآيات الحجِّ من سورة البقرة بُدِأَتْ بقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، هذا التَّمام الذي أمر الله به في أول آيات الحجِّ كيف يستقيم للمرء بدون السُّنة وبدون هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام؟
حرص الصحابة على التَّأسي بالنبي ﷺ
لما حجَّ عليه الصلاة والسلام حجَّة الوداع، وكان في مسجد الميقات -ميقات ذي الحُلَيْفَة- بقي يومًا، صلَّى عليه الصلاة والسلام في ذي الحُلَيفة العصر، وبقي إلى الغد، وأحرم من الغد من بعد الظهر.
كان ينتظر مجيء الناس واجتماعهم؛ لحرصهم على صُحْبَته والتَّأسِّي به ؛ ولهذا جابرٌ يقول: "فقدم المدينة بَشَرٌ كثيرٌ كلهم يلتمس أن يَأْتَمَّ به ويعمل مثل عمله" [2].
هذا الحرص الذي كان منهم ينبغي أن يكون من كل مسلمٍ، وإذا كانوا ائتَمُّوا به عليه الصلاة والسلام بِصُحْبَتهم له في حجة الوداع بالرؤية والمُشاهدة، فإن مَن بعدهم يَأْتَمُّ به بالنَّقْل والرواية، وحَجَّته عليه الصلاة والسلام نُقِلَتْ، وأعماله نُقِلَتْ، وأقواله في الحجِّ نُقِلَتْ، فالحاجُّ ينبغي عليه أن يحرص أتمَّ الحرص على هذا التَّأسِّي بالنبي عليه الصلاة والسلام.
كيف يتعلم المسلم مناسك الحجِّ خطوةً بخطوةٍ؟
من التيسير الحاصل في هذا الباب: أن الأكابر من أهل العلم كتبوا في المناسك، فهناك كتبٌ مُطَوَّلةٌ، وهناك كتبٌ مُختصرةٌ، والذي يحتاجه الحاجُّ ليس المُطَوَّل، وإنما يحتاج مَنْسَكًا مُختصرًا لمَن يطمئن لعلمه وفقهه وبصيرته بدين الله وسُنة نبيه ، ويكون معه يقرؤه وحده أو مع رُفَقَائه.
ومما أُرشد إليه في هذا المقام: ألا تكون قراءة الكتاب كله في وقتٍ واحدٍ، وإنما يقرأ الكتاب حسب العمل: إذا وصل إلى الميقات ينظر ماذا يُطْلَب منه في الميقات؟ وإذا جاء يوم عرفة ينظر ما المطلوب في عرفة؟ ومُزدلفة ما المطلوب؟ ويوم النَّحر ما المطلوب؟ وهكذا كلما وصل إلى عملٍ من أعمال الحجِّ يقرأ ويتفقه، والذي لا يفهمه مما يقرأه يبحث عن أحدٍ من أهل العلم ويسأل ويتفقه في دينه وفي حَجِّه؛ حتى يكون في حَجِّه مُؤْتَمًّا بالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
التَّأسي بالنبي ﷺ أصلٌ من أصول الدين
التَّأسِّي بالنبي عليه الصلاة والسلام هذا أصلٌ في الدين كله، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، وقال جلَّ وعلا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، وقال جلَّ وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1]، لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إذا بلغك الحديث عنه عليه الصلاة والسلام لا تُصادمه برأيٍ أو بعقلٍ، بل الْزَم غَرْزَه، واسْلُكْ نهجه عليه الصلاة والسلام.
التَّلبية فيها التوحيد والاستجابة
هذا التَّأسِّي بالنبي عليه الصلاة والسلام يمضي مع الحاجِّ في حَجِّه كله، والحجُّ أصلًا قائمٌ على التَّلبية -لبيك- والتَّلبية شعارُ الحجِّ، والتَّلبية نفسها استجابةٌ وامتثالٌ واقتداءٌ؛ ولهذا التَّلبية فيها التوحيد والاستجابة.
التَّلبية فيها التوحيد؛ لأن فيها النَّفي والإثبات ركنا التوحيد، وفيها الاستجابة، فكلمة "لبيك" هذه هي كلمة استجابةٍ، فلما تقول: "لبيك" تُعلن استجابتك للنبي عليه الصلاة والسلام جملةً وتفصيلًا، بمعنى: أنك مُطيعٌ له، ومُنقادٌ لهديه، ومُلتزمٌ بِسُنَّته ، دُعِيتَ للحجِّ فقلتَ: "لبيك" يعني: أنا مُستجيبٌ على الصفة التي شرع الله ، والتي بَيَّنها النبي وقال: لتأخذوا عني مناسككم.
الاقتداء بالنبي ﷺ في الإحرام من الميقات
هذا التَّأسِّي يبدأ مع الحاجِّ من أول أعمال حَجِّه.
الآن لما تنظر إلى التزام الحُجَّاج بالميقات، وأن يكون إحرامهم من الميقات، فلا يُحْرِم بعد الميقات، ولا قبل الميقات.
لماذا الإحرام بالميقات؟
لأن النبي وقَّت هذه المواقيت وقال: هنَّ لهنَّ ولمَن أتى عليهنَّ من غير أهلهنَّ ممن أراد الحجَّ والعمرة [3]؛ ولهذا تجد الحُجَّاج يقتدون ويَأْتَسُون ويلزمون ذلك، فيكون إحرامهم من الميقات كما أرشد عليه الصلاة والسلام.
جاء في الأثر: أن رجلًا أراد أن يُحْرِم قبل ذي الحُلَيْفَة اجتهادًا، أراد أن يُحْرِم من هذا المسجد، يعني: استشعر فضل المسجد ومكانته وعظيم منزلته؛ فأراد أن تكون نيته بالحجِّ من المسجد، فسأل الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى -إمام دار الهجرة- عن هذا الذي يريد أن يصنع، فقال له مالكٌ: "أخشى عليك الفتنة"، قال الرجل: وأيُّ فتنةٍ هذه؟! وإنما هي أميالٌ أُريدها. يعني: مسافةً قليلةً بين الميقات والمسجد النبوي، والمسجد له فضيلةٌ، أيُّ فتنةٍ؟! ما الفتنة التي في هذا؟ وأيُّ فتنةٍ؟! وإنما هي أميالٌ أُريدها.
قال له مالكٌ رحمه الله: "وأيُّ فتنةٍ أعظم من أن ترى أنك سبقتَ إلى فضيلةٍ قَصُرَ عنها رسول الله ؟!".
لو كان هذا الذي تراه هو الأَخْيَرُ وهو الأفضل ما سبقتَ إلى هذا، لسبقك إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولسبقك إليه صدر الأُمة وخيارهم.
قال: "أن ترى أنك سبقتَ إلى فضيلةٍ قَصُرَ عنها رسول الله ، إني سمعتُ الله يقول: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]".
هدي النبي ﷺ في لباس الإحرام ودروسه التربوية
ثم لبس الإحرام على الصفة التي أرشد وفعل عليه الصلاة والسلام؛ اقتداءً تامًّا وتأسيًا به : إزارًا ورداء.
إزارٌ يُلَفُّ به جزء البدن الأسفل، ورداء يكون على أعلى البدن، على الكتفين.
يمتثل الحاجُّ هذا الهدي، ويلتزم هذه الطريقة، وتجد الحُجَّاج على اختلاف بلدانهم، واختلاف ألبستهم، وكلٌّ له لباسه الذي يراه أجمل اللباس، كلهم يتخلُّون عن ألبستهم، وفي الميقات يلبسون هذا الإزار والرداء، اللباس المُتواضع اليسير؛ تأسِّيًا بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
وأيضًا ما يُجْعَل على الرأس، وتجد في كل بلدٍ ما يخصُّه مما يُجْعَل على الرأس، ويراه أجمل ما يكون ويعتني به.
فيمضي إلى مكة حاسرًا عن رأسه حتى يقضي حَجَّه وهو على هذه الصفة المُتواضعة في هيئته ولباسه؛ مُتأسِّيًا بالنبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وهذه كلها تُربِّي، فالآن لما التزم الحاجُّ هذا اللباس لماذا التزمه؟
لأنه هَدْيٌ؛ لأنه سُنةٌ؛ لأنه عمل النبي عليه الصلاة والسلام.
إذن هَدْيُه في اللباس ليس فقط يُستجاب له فيه في الحجِّ، ولا يُستجاب له في غير الحجِّ.
يعني: يستفيد الحاجُّ من لبسه الإزار والرداء تأسِّيًا بالنبي : أن ينتبه في أمر لباسه.
يعني مثلًا: هذا الذي يلبس الإزار والرداء في حَجِّه مُتأسِّيًا هل في غير الحجِّ يصحُّ منه أن يلبس الحرير وهو يعلم أن النصوص واضحةٌ في تحريمه؟
يقول لنفسه: كيف تلبس هذا الذي هو حرامٌ في السُّنَّة وأنت في الحجِّ مُستجيبٌ في مسألة اللباس؟!
قُلْ مثلَ ذلك أيضًا في الإسبال، ففي "صحيح مسلم" قال: ثلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يُزَكِّيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ ... وذكر منهم المُسْبِل إزاره [4].
فالحاجُّ يستفيد من حَجِّه تهذيبًا لنفسه في تحقيق الاستجابة للنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
الالتزام بمحظورات الإحرام وأثره في التربية على طاعة النبي ﷺ
لما يعلم الحاجُّ أن هناك محظوراتٍ في الحجِّ: لا يأخذ من شعره، ولا يُقلِّم أظفاره، ولا يمسّ طِيبًا، ولا يُغطي رأسه، ولا يلبس مَخِيطًا ... إلى آخره، تجده مُلتزمًا بها تمامًا، مُحافظًا عليها، فيجب عليه أن يستفيد من هذا الالتزام في تجنُّب هذه الأمور بأن يتجنب كل ما نُهِيَ عنه من المُحرمات والآثام، يتجنب ذلك، فالحجُّ يُرَبِّيه على الاستجابة التَّامة للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه في كل ما يأمر به.
الاقتداء بالنبي ﷺ في الطَّواف وأعماله
كذلك في أعمال الحجِّ لما يصل إلى مكة أول ما يبدأ بالطواف: إما القدوم -هذا للقارن والمُفْرد- أو طواف العمرة، هذا للمُتمتع.
في الطواف نفسه يفعل مثل النبي عددًا وصفةً، ألستَ ترى الطَّائفين كل واحدٍ منهم حريصٌ على أن يضبط السبعة الأشواط؟ ما يطوف خمسةً أو أربعةً ويكتفي بها، ولا يزيد إلى عشرةٍ، تجد الكلَّ يلتزم بهذا العدد.
ويلتزم أيضًا بالصفة التي جاءتْ عن النبي عليه الصلاة والسلام في كل ما يتعلق بالطواف: عدد الأشواط، صفة الطَّواف، ما يُقال في الطَّواف، ما يُفْعَل عند الكعبة، كل هذه يتقيد فيها الحاجُّ بما جاء عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
جاء في الصحيحين عن عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجلٍ قدم بعمرةٍ فطاف بالبيت، ولم يَطُفْ بين الصفا والمروة، أيأتي امرأته -يعني: قبل السعي-؟ فقال: قدم رسول الله فطاف بالبيت سبعًا، وصلَّى خلف المقام ركعتين، وبين الصفا والمروة سبعًا، وقد كان لكم في رسول الله أُسْوَةٌ حسنةٌ [5].
قال الحافظ ابن حجر: أجابهم ابن عمر رضي الله عنهما بالإشارة إلى وجوب اتِّباع النبي لا سيما في أمر المناسك؛ لقوله : لتأخذوا عني مناسككم.
التَّأسي بالنبي ﷺ في استلام الحَجَر
الآن لما يريد الإنسان أن يُقَبِّل الحَجَر الأسود ويستلم الركن اليماني، هذا التَّقبيل والاستلام إنما يفعله بِهَدْيٍ وسُنَّةٍ مأثورةٍ عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يفعله اقتداءً وتأسِّيًا بالنبي في ذلك؛ ولهذا في خلافة عمر لما قبَّل عمر الحجر وحوله أناسٌ من الأعراب وغيرهم، وبعضهم على قِلَّةٍ في العلم، فقال عمر -وأراد بذلك أن يُعلِّم الناس-: "إني أعلم أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ رسول الله يُقَبِّلك ما قَبَّلْتُكَ" [6].
هذه الكلمة علَّم فيها التوحيد والاتِّباع: "حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفع" هذا التوحيد، "لولا أني رأيتُ رسول الله يُقَبِّلك ما قَبَّلتُكَ" هذا الاتباع، والدين قائمٌ على ماذا؟
توحيدٌ واتِّباعٌ، وجمعهما في هذه الكلمة، مثلما جُمِعَ في قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، وَأَتِمُّوا هذا الاتِّباع، ولِلَّهِ هذا التوحيد، والدين قائمٌ على توحيد الله بإخلاص الدين له، واتِّباع الرسول الكريم والاقتداء بهديه.
جاء في "المسند" عن يَعْلَى بن أُمية قال: "طُفْتُ مع عمر بن الخطاب، فاستلم الركن"، قال يَعْلَى: "فكنتُ مما يَلِي البيت" كنتُ قريبًا من البيت، "فلما بلغتُ الركن الغربي الذي يَلِي الأسود" الذي بعد الحَجَر الأسود، الذي من جهة الحِجْر، "فلما بلغتُ الركن الغربي الذي يَلِي الأسود جَرَرْتُ بيده" يعني: عمر "ليستلم" يستلم الركن الذي بعد الحَجَر، "فقال: ما شأنك؟" يقول له عمر : "ما شأنك؟ قلتُ: ألا تستلم؟ قال: ألم تَطُفْ مع رسول الله ؟ فقلتُ: بلى. قال: أفرأيتَه يستلم هذين الركنين الغربيين؟" هل رأيتَه يفعل ذلك؟ "قال: قلتُ: لا. قال: أفليس لك فيه أُسْوَةٌ حسنةٌ؟ قال: قلتُ: بلى. قال: فَانْفُذْ عنك" [7] يعني: دعنا عن فعل شيءٍ لم يفعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
التَّلبية في الحجِّ بين الاتِّباع واستشعار المعنى
الالتزام بالتَّلبية في الحجِّ والتَّنقلات، والتَّلبية تُعَدُّ شعار الحجِّ، مثلما أن شعار الصلاة التَّكبير، تنتقل من ركنٍ إلى ركنٍ في الصلاة بالتَّكبير، تقول: الله أكبر، وتركع، وتقول: الله أكبر، وتسجد، وتقول: الله أكبر، وترفع، وهكذا شعار الصلاة التَّكبير.
وشعار الحجِّ في التَّنقل من مَشْعَرٍ إلى مَشْعَرٍ التَّلبية، فالتَّلبية -صفةً ووقتًا- يقتدي فيها الحاجُّ بالنبي عليه الصلاة والسلام، مع استشعار المعنى؛ معنى التَّلبية وما تدل عليه.
جاء في "صحيح مسلم" عن عبدالرحمن بن يزيد: أن عبدالله -يعني: ابن مسعودٍ - لَبَّى حين أفاض من جَمْعٍ.
ما جَمْع؟
مُزْدَلِفة، "حين أفاض من جَمْعٍ" يعني: من مُزْدَلِفة، "أفاض من جَمْعٍ" أي: من مُزْدَلِفة إلى مِنًى لَبَّى.
انتبه الآن: في زمن ابن مسعودٍ الصحابي لَبَّى لما أفاض من جَمْعٍ، فقيل: أعرابيٌّ هذا؟!
هذا الذي يُلبِّي أعرابي؟! يعني: ما يفهم، أعرابيٌّ هذا؟! يعني: يُلبِّي في هذا المكان! هذا ما يفهم، أعرابيٌّ؟! قيل: أعرابيٌّ هذا؟!
فقال عبدالله : أَنَسِيَ الناس أم ضَلُّوا؟! سمعتُ الذي أُنزلتْ عليه سورة البقرة -يقصد النبي عليه الصلاة والسلام- يقول في هذا المكان: لبيك اللهم لبيك [8].
هذا يُستفاد منه: أن هذه التَّلبية -وهي عملٌ من أعمال الحجِّ لفظًا وصفةً ووقتًا- يلتزم فيها الحاجُّ هدي النبي في المواطن التي لَبَّى، وفي ألفاظ التَّلبية، وأيضًا في الفهم لمعناها؛ لأن التَّلبية ليست مجرد كلامٍ يُقال ويُتلفظ به، بل هي مُشتملةٌ على أشرف المعاني؛ ولهذا لما وصف جابرٌ -كما في "صحيح مسلم"- حَجَّة النبي عليه الصلاة والسلام قال: فَأَهَلَّ رسول الله بالتوحيد، قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك [9].
رمي الجِمَار درسٌ عظيمٌ في التَّأسِّي
عند رمي الجِمَار درسٌ عظيمٌ جدًّا في التَّأسِّي؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أن تُلْتَقَط له حصياتٌ سبعٌ، فَالتُقِطَ له سبعُ حصياتٍ مثل: حصى الخَذْف.
يعني: الحصاة التي ... وهذه نهى عنها النبي ، هي الحصاة التي يجعلها فوق إبهامه ويضربها بسبابته فتذهب بعيدًا، هل يمكن أن يضع شيئًا كبيرًا؟
هي حصاةٌ صغيرةٌ يمكن أن تكون في هذا المكان.
ثم وضع الحصيات السبع عليه الصلاة والسلام في يده، وأراها الناس، وقال: أمثال هؤلاء فَارْمُوا، وإياكم والغلوَّ في الدين، فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغلوُّ في الدين [10].
ما يأتي الإنسان ويجتهد ويقول: هذه صغيرةٌ، ما تكفي، أنا أريد حجرًا أو حذاءً. وأشياء يفعلها بعض الحُجَّاج جهلًا، هذا الغلو الذي نهى عنه .
وسطية الدين في أعمال الحجِّ بين الغلو والجفاء
اعلم أن كل عملٍ من أعمال الحجِّ -بل أعمال الدين- الناس فيه ثلاثة أقسامٍ:
- قسمٌ في مَسْلَك الغلو.
- وقسمٌ في مَسْلَك الجفاء.
- وقسمٌ وسطٌ.
وخيار الأمور أوساطها، لا تفريطها، ولا إفراطها، والدين وسطٌ بين الغلو والجفاء: لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171].
الغلو أهلك الأُمم التي قبلنا، وهو مُهْلِكٌ لهذه الأُمة، مَن غلا في الدين هلك.
وأيضًا الجفاء: تضييع السُّنن والتَّفريط، هذا أيضًا مَهْلَكَةٌ، والحقُّ قِوَامٌ بين ذلك.
يوم إتمام الدين والتَّحذير من الابتداع
أيضًا في الحجِّ قوله عليه الصلاة والسلام: الحجُّ عرفة [11]، والاهتداء بهديه من حيث الوقت والمكان والأفعال، وتعظيم ذلك اليوم والعناية به.
ويوم عرفة على وجه الخصوص من أعمال الحجِّ كلها له شأنٌ عظيمٌ يتعلق بمسألة الاتباع في الدين كله؛ لأن في عشية عرفة نزل على نبينا : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، والكامل لا يُزاد فيه.
ولهذا يخرج الحاجُّ بهذه الفائدة العظيمة: الدين كاملٌ، لا تجتهد، لا تأتي بآراء، لا تخترع أعمالًا، تجنب المُحْدَثات والبدع، قال عليه الصلاة والسلام: وإياكم ومُحْدَثات الأمور، فإن كل مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ [12].
يتجنب البدع، الدين كاملٌ: أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، والكامل لا يُزاد فيه، الزيادة في الكامل نقصٌ، لا يُزاد فيه.
حسب الإنسان أن يفعل المأمور، وأن يتقيد بالهدي؛ هدي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.
هذه الآية نزلتْ في عرفة، فتذكر وأنت في عرفة نعمة الله العظيمة بكمال هذا الدين، وخُذْ حظَّك ونصيبك ما استطعتَ من هذا الدين الكامل وأعماله العظيمة، وإياك أن تكون منك زيادات، سواء تزيدها بنفسك، أو تقبلها ممن زادها، والنبي عليه الصلاة والسلام لما حذَّر من المُحْدَثات قال: مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ [13]، وقال في الرواية الأخرى: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ [14]، يعني: لو عمل الإنسان عملًا ليس عليه أمر النبي ، ولو لم يكن هو الذي أحدثه، وإنما وجده مُحْدَثًا فَقَبِلَه أيضًا مردودٌ عليه؛ لأن الله لا يُعْبَد إلا بما شرع، لا يُعْبَد بالأهواء والضَّلالات والبدع.
أثر الحجِّ المبرور في تقويم النَّفس وتحقيق الطاعة
الحاصل أن الحاجَّ المُوفَّق ينبغي له أن يستفيد من مدرسة الحجِّ استفادةً عظيمةً تُحْدِث له تغيُّرًا في حياته، وهذه من علامات بِرِّ الحجِّ التي قال عنها عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة [15].
من علامات الحجِّ المبرور: أن يُحْدِث للحاجِّ تغيُّرًا، فإذا كان قبل الحجِّ عنده تفريطٌ في السُّنة، ورأى نفسه بعد الحجِّ عنده تعظيمٌ للسُّنة، فهذا من علامات القبول؛ قبول حَجِّه.
وإذا رأى نفسه قبل الحجِّ عنده تهاونٌ في بعض المُحرَّمات، فَتَهَذَّب في حَجِّه -تهذَّبتْ نفسه- ورجع إلى بلده وهو مُجانبٌ لتلك المُحرمات؛ فهذا من علامات القبول.
كذلك في الأفعال يُربِّيه حَجُّه على الالتزام بالأفعال والأقوال المأثورة عن نبينا عليه الصلاة والسلام، فإذا رأى نفسه بعد حَجِّه على عنايةٍ بالأفعال -ولا سيما المُحافظة على الصلاة المكتوبة والعناية بها- فهذا من علامات القبول، والله جلَّ وعلا يقول: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ انظر إلى التَّهذيب والتربية: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197].
وأسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يُيَسِّر لحُجَّاج بيت الله حَجَّهم، وأن يُتِمَّ لهم نُسُكَهم، وأن يشكر لهم سعيهم، وأن يتقبل منهم طاعتهم، وأن يجعله لهم أجمعين حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكورًا، وأن يُوفِّقنا أجمعين لِحُسْن التَّأسِّي والاقتداء بنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام، وأن يُوفِّقنا لِلُزُوم هديه، والتَّمسك بِسُنَّته، ومُجانبة البدع والأهواء ومُحْدَثات الأمور.
أسأل الله جلَّ وعلا لنا أجمعين أن يُصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يُصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يُصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، وأن يجعل الحياة زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموت راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دِقَّه وجِلَّه، أوله وآخره، علانيته وسِرَّه.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أَعْلَنَّا، وما أنت أعلم به منا، أنت المُقدِّم، وأنت المُؤخِّر، لا إله إلا أنت.
اللهم اغفر لنا، ولوالدينا، ووالديهم، وذُرياتهم، ولمشايخنا، ولولاة أمرنا، وللمسلمين، والمسلمات.
اللهم أَمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمَن خافك واتَّقاك واتَّبع رضاك، يا ربَّ العالمين.
اللهم وَفِّقْ ولي أمرنا لِهُدَاك، واجعل عمله في رضاك، وسَدِّده في أقواله وأعماله.
اللهم وَفِّقه وولي عهده لما فيه صلاح البلاد والعباد، ولما فيه عِزُّ الإسلام وصلاح المسلمين.
اللهم وَفِّق جميع ولاة أمر المسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعك، واتِّباع سُنة نبيك محمدٍ ، واجعلهم رحمةً ورأفةً على عبادك المؤمنين.
اللهم وَلِّ على المسلمين أينما كانوا خيارهم، واصرف عنهم شِرَارهم، يا ربَّ العالمين.
اللهم فَرِّجْ همَّ المهمومين من المسلمين، ونَفِّسْ كَرْب المكروبين، وَاقْضِ الدَّين عن المَدِينين، وَاشْفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.
اللهم أصلح ذات بيننا، وأَلِّفْ بين قلوبنا، واهدنا سُبُل السلام، وأخرجنا من الظُّلمات إلى النور، وأَعِذْنَا والمسلمين من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم أَنْجِ المُسْتَضْعَفين من المسلمين، وَاحْقِنْ دماءهم، يا ربَّ العالمين، واحفظهم بما تحفظ به عبادك الصالحين.
اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعْجِزُونك، اللهم إنَّا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شُرُورهم.
ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنَا عذاب النار.
اللهم يا مُقَلِّب القلوب، ثَبِّتْ قلوبنا على دينك.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبَلِّغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهَوِّن به علينا مصائب الدنيا.
اللهم مَتِّعْنَا بأسماعنا وأبصارنا وقُوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثَأْرَنا على مَن ظلمنا، وانصرنا على مَن عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر هَمِّنا، ولا مَبْلَغ علمنا، ولا تُسَلِّط علينا مَن لا يرحمنا.
اللهم يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا ربَّ العالمين، أصلح لنا أجمعين النية والذُّرية والعمل.
اللهم إنَّا نسألك لَذَّة النَّظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضَرَّاء مُضِرَّةٍ، ولا فتنةٍ مُضِلَّةٍ.
اللهم زَيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هُداةً مُهتدين.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
اللهم صَلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
| ^1 | رواه مسلم: 1297. |
|---|---|
| ^2, ^9 | رواه مسلم: 1218. |
| ^3 | رواه البخاري: 1524، ومسلم: 1181. |
| ^4 | رواه مسلم: 106. |
| ^5 | رواه البخاري: 395، ومسلم: 1234. |
| ^6 | رواه البخاري: 1597، ومسلم: 1270. |
| ^7 | رواه أحمد: 313، وصححه مُحققو "المسند". |
| ^8 | رواه مسلم: 1283. |
| ^10 | رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863. |
| ^11 | رواه أبو داود: 1949، والترمذي: 889، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2714. |
| ^12 | رواه أبو داود: 4607، وأحمد: 17144، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37. |
| ^13 | رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718. |
| ^14 | رواه مسلم: 1718. |
| ^15 | رواه البخاري: 1773، ومسلم: 1349. |