تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ عطية بن محمد سالم
فضيلة الشيخ عطية بن محمد سالم

وقفات مع نهاية سورة الفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المُرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

الوقوف مع نهاية سورة الفتح

أيها الإخوة، يرغب بعض الإخوان في تتمة الكلام على آخر سورة الفتح قبل المجيء إلى ما تحتويه سورة الحجرات.

والواقع أن نهاية سورة الفتح تستحق فعلًا الوقوف عندها وإيراد ما اشتملتْ عليه.

صدق الرؤيا ووعد الله بتمام الرسالة

جاءت خاتمة السورة الكريمة إثباتًا لما أخبر به النبي من أنه رأى إتيانه إلى البيت مُعتمرًا، ووقع ما وقع في صُلح الحُديبية، وتساءل الناس، وتمَّ الصُّلح، وجاءت سورة الفتح، وفي نهايتها الإخبار الصَّريح من الله : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَدَقَهُ الرؤيا، لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27].

ثم يأتي إلى نهاية هذه السورة: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ۝ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:28- 29].

إذن صَدَقَ اللهُ رسولَه الرؤيا، ووقع ما وقع قبل تحقيق ذلك، وَوَعْدٌ بتحقيقه مُؤكَّدٌ باللام: لَتَدْخُلُنَّ ونون التوكيد.

ثم يأتي الإخبار من لوازم ذلك بأن الله سبحانه الذي صَدَقَ رسولَه الرؤيا بالحقِّ هو الذي أرسل رسولَه، وما دام هو سبحانه الذي أرسل رسولَه لا بد أن يُتِمَّ الرسالة.

وبماذا أرسله؟

بالهُدى ودين الحقِّ.

وهل الهُدَى مُتغايرٌ مع دين الحقِّ أو أن دين الحقِّ تفسيرٌ للهُدى؟

تقدم الكلام على: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وأن القرآن كله بيانٌ وشرحٌ للهداية والصراط المستقيم، أو كما يقول البعض: أرسله بالهُدى في الدين والدنيا، ودين الحقِّ فيما يُرْضِي الله ؛ لأن الهُدى إنما هو الدلالة على الطريق: وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16]، فالهداية تكون للإرشاد.

إذن مَن أخذ به هُدِيَ ولو في أمور الدنيا، ودين الحقِّ يشمل هداية الدنيا، ويشمل سعادة الآخرة.

ثم هذا الوعد: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح:28]، "الدين" اسم جنسٍ، أي: على الأديان كلها: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة:193]، الدين كله لله.

إذن هذا وعدٌ من الله، ووعد الله صادقٌ.

ثم يأتي بعد هذا: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ۝ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:28- 29].

طيب، أيش علاقة هذا؟

لقد تقدم لنا أنه عند كتابة الصُّلح، وأَمْلَى رسول الله على عليٍّ : اكْتُبْ: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسول الله سُهيلَ بن عمرو، قال: لا، لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، اكتب اسمك واسم أبيك [1]، يعني: رفضوا أن يُسجِّلوا في صحيفة الصُّلح: محمدٌ رسول الله، وأن يشهدوا بذلك، فكأنه يقول: (بكيفكم)، ما علينا منكم: وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ۝ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فهذا ردٌّ على المشركين في رفضهم الشهادة برسالة محمدٍ : وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ۝ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ .

وصف الصحابة

ثم بعد أن بَيَّنَ وأعلن شهادة المولى سبحانه برسالة محمدٍ وسَّع الدائرة لتشمل أصحابه معه: وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29]، مَن الذين معه؟

أصحابه الذين اصطفاهم الله له، كما يقول العلماء: كما أن الله اصطفى الرسل من الأمم، يصطفي لهم صحابتهم، حوارييهم، أنصارهم، ما أقول: يُرسلهم ويتركهم، لا، لا بد أن يختار لهم من الرُّفَقَاء مَن يكونون في مستوى لائقٍ بصُحبة رسل الله؛ ولهذا كانوا هم خير الأُمة.

وَالَّذِينَ مَعَهُ أيش بهم؟

يأتي هذا الوصف، وتأمَّلوا -يا إخوان- لِتَرَوا أن الله سبحانه قَدَّر مقادير الأمور قبل وجودها بما لا يعلمه إلا الله: وَالَّذِينَ مَعَهُ يعني: سبحان الله! أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح:29].

أصحاب محمدٍ يأتي مَثَلُهم في التوراة!

التوراة نزلتْ على مَن؟

موسى ، يعني: موسى  يُخبر أصحابه وبني إسرائيل بأصحاب محمدٍ لما يأتوا ماذا سيكونون عليه؟

فالمسألة ليست جديدةً، المسألة من قديمٍ، وعلمتْ بها الأمم، وأخبرتْ بها الرسل.

ثم يذكر المَثَل الثاني: وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، ليس فقط التوراة، بل في الإنجيل أيضًا: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29].

طيب، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ... [الفتح:29] هذا ختامٌ وانتهى، لكن المسلم أو العاقل أو طالب العلم يقف.

الفارق بين المَثَلين وعلاقتهما باليهود والنصارى

هذان مَثَلان ضُرِبَا لأصحاب رسول الله في الكتب المُنزلة من قبل مجيئهم، والفرق بين المَثَلين ظاهرٌ.

فرقٌ بين المَثَل الأول: رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ، والمَثَل الثاني: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ... يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ.

فهذا في شخصياتهم، وهذا في زرع النَّبَت.

يمكن أن يقول إنسانٌ: كلها صفاتٌ لأصحاب رسول الله ، ولكن لِمَ اختصَّ وصفهم في التوراة عند اليهود بـرُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ؟ ولِمَ خُصَّ مَثَل: الزرع، والالتفاف، والعمل، والإنماء بأصحاب عيسى في الإنجيل؟

لو نقلنا المثالين وغايرنا بينهما هل يُطابق؟

لا، إعجاز القرآن في أن يكون كل مثالٍ لهم في موضعه.

وأيش الفرق بينهما؟

إذا جئنا إلى أهل التوراة نجد أن اليهود في منهج حياتهم إلى ماذا انتهى أمرهم؟

إلى الماديات، بحيث إنهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [النساء:46]، يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79]، يعني: وصلوا في التَّحريف والتَّضليل والجَرْي وراء المادة إلى أقصى نهايةٍ.

حرَّم الله عليهم الصيد يوم السبت، فاحتالوا عليه وألقوا الشِّباك يوم الجمعة، وأخذوها يوم الأحد.

إذن كما يقول الفلاسفة: الإنسان من حيث هو، نحن نقول: من دمٍ ولحمٍ، لكن الدم واللحم هذان عنصرا الهيكل، والحقيقة أنه من جسمٍ وروحٍ، والجسم غذاؤه من مَنْبَت التراب، مادي، ويرجع إلى الأرض، والروح من أمر ربك.

فالمُعادلة بين القسمين هي الاستقامة، وتغليب جانبٍ على جانبٍ هو الانحراف.

فاليهود غلبتْ عليهم الماديات في خدمة الجسم، وأفلسوا في غذاء الروح؛ فصاروا ماديين.

والنصارى بالعكس؛ حصل عندهم ردُّ فعلٍ؛ أرادوا أن يُخَفِّفوا من الماديات، لكن بالغوا في الروحانيات، وابتدعوا رهبانيةً ما كتبها الله عليهم.

فهؤلاء جنحوا إلى اليسار، وهؤلاء جنحوا إلى اليمين، وكلٌّ أَفْرَطَ وفَرَّط.

الإسلام وازن بين المادية والروحانية

الإسلام جاء بالمُوازنة والمُعادلة بين الأمرين؛ فأعطى الجسم حقَّه من السعي والعمل والكسب، والاستمتاع بما أحلَّ الله: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا [الملك:15]، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [الأعراف:32]، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43].

ويأتي الأمران معًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة:9- 10].

فأنت في سوقك تعمل لدنياك وبدنك، فإذا سمعتَ: "الله أكبر، حيَّ على الصلاة" سعيتَ إلى ذكر الله، وأدَّيتَ حقَّ الله، وأطعمتَ وغَذَّيتَ الروح، فإذا انتهيتَ انْتَشِرْ في الأرض، وَابْتَغِ من فضل الله، ولا تَنْسَ ذكر الله.

إذن هي مُعادلةٌ: لم تَطْغَ حاجيات البدن على الروح، ولم تَطْغَ روحانية الروح على البدن.

ولهذا أفلست اليهودية، وأفلست النصرانية، ونجح الإسلام، ولا يزال يسير بجناحي التَّعادل إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليها.

فهنا لما كانت هذه الأُمة خير أُمَّةٍ أُخرجتْ للناس يصفها الله للأُمَّتين بما ينبغي أن ترجع إليه.

فأنتم يا أهل التوراة، يا مَن غلبتْ عليكم الماديات، سيأتي محمدٌ الذي عرفتُموه، ويأتي معه أصحابه، وهم القُدوة والمثال الأعلى، بأيِّ صفةٍ؟ أي: لتكونوا عليها: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29]، صفتان مُتباعدتان: شدةٌ ورحمةٌ، ولكن مع اختلاف الجهة؛ شدةٌ على العدو، ورحمةٌ بينهم.

إذن هذه أَمْثَلُ الصفات، ليست هي شدةً على الدوام على الصديق والعدو، ولا هي لينٌ وضعفٌ مع الجميع: الصديق والعدو، لا، كل شيءٍ في موضعه.

وقد ظهرتْ تلك الشدة، وظهرتْ تلك الرحمة، حتى إنهم لَيُؤْثِرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصةٌ، والنصوص كثيرةٌ في هذا: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ... إلى آخره [المجادلة:22].

فهنا وصفٌ ذاتيٌّ يكتمل به الإنسان: رحيمٌ في موضع الرحمة، شديدٌ قويٌّ في موضع الشدة، ولا يَخْتَلُّ ميزانه.

تراهم في سلوكهم رُكَّعًا سُجَّدًا [الفتح:29]، ليس مثل أولئك اليهود الذين ما صَلَّوا حتى نَتَقَ اللهُ الجبلَ فوقهم كأنه ظُلَّةٌ، ويسجدون على جانبٍ من الجبين، وينظرون بالعين الأخرى للجبل: هل يسقط عليهم أم لا؟ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [البقرة:63]، لكن هذه الأُمة تراهم من أنفسهم بإيمانهم وبرغبتهم في طاعة لله رُكَّعًا سُجَّدًا، ما قال: "راكعين، ساجدين"، استخدم صيغة المُبالغة: رُكَّعًا سُجَّدًا، وصيغة "فُعَّل" من المُبالغة، يعني: كثيري الركوع، وكثيري السجود، خمس مراتٍ في اليوم والليلة، ومجموع الصلوات بها سبع عشرة ركعةً، وكل ركعةٍ فيها سجدتان، وفيها ركوعٌ، غير النَّوافل، لأيِّ شيءٍ؟

يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29]، لا لدنيا -كما ذهبتم أنتم- ولا .....، ولا لشيءٍ، لا، ابتغاء فضل الله، وابتغاء رضوان الله.

أنتم أيها اليهود تحتالون على ما حرَّم الله في المعاصي، وهؤلاء يجتهدون في ابتغاء رضوان الله.

إذن هذا المثال الذي ضُرِبَ لأصحاب محمدٍ  في التوراة أنسب ما يكون درسًا وعبرةً لليهود.

نماذج من نور الإيمان في وجوه الصحابة والتابعين

ثم أيضًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]، ليست السِّيمَاء تلك الكلحة التي تكون في الجبهة، لا، بل للإسلام نورٌ في قلب المؤمن يَشِعُّ على وجهه، وترى الإنسان تعرف إيمانه وصلاحه، وترى فُجُوره وفسقه بمجرد ما تنظر إلى عينيه ووجهه.

قصة مصعب بن عُمير مع أهل المدينة

قد جاء التاريخ: لما جاء مبعوثُ رسول الله للمدينة مصعب بن عُمير قبل أن يُهاجر رسول الله ، جاء لِيُعَلِّم أهل المدينة الإسلام، فجاء إلى صاحبٍ له بالعوالي، فقال: "قُمْ بنا إلى بني عبدالأشهل"، فذهبا، فسمع سيدُ الحيِّ بهما، فأرسل رجلًا فقال: "قُمْ واذهب إلى هذين الصَّابئين وانهرهما، لا يُفْسِدان نساءنا وسُفهاءنا"؛ لأنه مُشركٌ.

فلما جاء قال: "قُومَا إن كان لكما في حياتكما حاجةٌ"، فقال مصعب : "أوغير ذلك"، قال: "وما هو؟" قال: "أقرأ عليك مما عندي فتسمع، فإن طاب لك قَبِلْتَه، وإن لم يَطِبْ لك قُمْنَا وكَفَفْنَا عنك"، قال: "أَنْصَفْتَ".

مُنْصِفٌ أم لا؟ والعاقل يُنْصِف من نفسه.

فَرَكَزَ حَرْبَتَه وجلس، فقرأ عليه مصعب من كتاب الله، فقال: "ما أحسنَ هذا! ماذا يفعل مَن يريد أن يدخل في دينكم؟" قال: "اغتسل وانطق الشهادتين"، فاغتسل ونطق الشهادتين، ثم قال: "اسمعا، إن ورائي سيد الحيِّ، وإني مُرسله إليكما، فَلَئِن أسلم لأنتما أعزُّ نفرٍ في المدينة".

فَرَاحَ بعدما كان يحمل الحربة ويَهُزُّها ومُتحمِّسٌ، صار يَجُرُّها من وراء ظهره.

فلما قدم على سيد الحيِّ، قال له صاحبٌ عنده: "والله، لقد جاء رسولك بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به"، ما مَضَتْ إلا ساعات، وكان وجهه مُتغيِّرًا، فما الذي غيَّره؟

نور الإسلام شَعَّ في وجهه.

فلما جاء قال: "ماذا فعلتَ؟" قال: "قلتُ لهما ما أمرتني به"، يعني: ما لي دخلٌ، يُحَمِّسه، قال: "ما أغنيتَ عني شيئًا"، فقام إليهما، ونفس الطريقة، ونفس الجواب، ونفس الجلسة، ونفس النتيجة، وأعلن إسلامه، ورجع إلى الحي: "يا بني عبدالأشهل، ما ترونني فيكم؟" قالوا: "سيدنا، وصاحب رأينا، والمُبارك فينا"، قال: "فإن كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرامٌ حتى تُؤمنوا بالله وبرسوله"، ولم يَبِتْ واحدٌ منهم إلا مسلمًا [2].

يهمُّنا أيش؟

لقد رجع صاحبك بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به.

أيش الذي غيَّر وجهه؟ سلخ وجهه ولبس وجهًا ثانيًا؟ لا، هو.

قصة عدَّاس مع النبي 

عدَّاس هو رجلٌ من نينوى، كان نصرانيًّا، وكان في الطائف.

لما رجع النبي من ثقيف -من الطائف- وفعلوا ما فعلوا، ودخل هو وزيد بن حارثة إلى بستان عتبة، أشفق عليه عتبة، فقال: "يا عدَّاس، تَعَالَ، خُذْ قُطْفَ العنب هذا واذهب به إلى هذين الرجلين" شفقةً، فأخذ القطف وجاءه وقال: "تفضَّلا"، فبدأ بقوله: بسم الله وأكل، فقال عَدَّاس: "ما هذا القول؟! إن هذا القول لا يعرفه أحدٌ من هذا الوادي"، كلمة "بسم الله" على الطعام ما يعرفها أحدٌ، قال: من أين أنت يا غلام؟ قال: "من نينوى"، قال: بلد الرجل الصالح يونس قال: "نعم، وكيف تعرفه وأنت هنا في جزيرة العرب؟!" قال: هو نبيٌّ، وأنا نبيٌّ، فهو أخي في النبوة، فأهوى عَدَّاس يُقَبِّل رسول الله ، ويشهد أنه رسول الله.

لما رجع عدَّاس إلى سيده، قال له أخوه: والله، لقد رجع إليك غلامك بوجهٍ غير الذي ذهب به، لقد أفسد عليك غلامك [3].

أيش الذي غيَّر وجه عدَّاس؟

إنه الإيمان؛ ولذا يقول المُفسرون باتفاقٍ: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ [النور:35]، قالوا: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ يعني: مُنَوِّرها، وهذه المشكاة، السراج في الطاقة، في كذا، مثال الإيمان في قلب المؤمن، فالإيمان في القلب كالزيت في السراج، والقلب في الصدر كالسراج في الطاقة؛ لأن السراج حين تضعه في الخلاء لا يُنِير، يعني: يتبدد النور، لكن تَحُفُّه يُعطيك نورًا زائدًا.

فقالوا: هذا هو نور الإيمان؛ ولذا هنا: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]، يُضْفِي الله على المؤمن في وجهه وسِيمَاه نورًا، جمالًا، حُسْنًا تطمئن إليه النفس، ولو كان قبيح الخِلْقَة، ذلك مثلهم في التوراة.

مثل المؤمنين في الإنجيل

نأتي للمثل الثاني: النصارى تركوا العمل، والتزموا الدِّير والرهبنة، راهبات ورُهْبَان، أين الإنتاج؟ أين العمل؟ لا يوجد، فيأتيهم المثل: كَزَرْعٍ [الفتح:29]، الزرع يخرج من نفسه أم يحتاج إلى زارعٍ؟ يحتاج إلى مَن يحرث الأرض ويرعاها ويأتي ببذرها وبمائها حتى ينبت الزرع.

الله هو الزارع فعلًا، ولكن أنت تَحْرُث: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ۝ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:63- 64]، أنت ترمي الحبَّة بيدك، ولا تعرف هل ذهبتْ إلى اليمين أو اليسار؟ والحبَّة لها (زُرَّاع) يَنْبُت إلى أعلى، ولها عِرْقٌ ينزل إلى أسفل، فهل كنتَ أنت في الليل تُعدِّلها هناك؟!

مَن الذي عدَّلها؟ ويأخذ كلٌّ طريقه، إنه المولى سبحانه.

نَبَتَ (الزُّرَّاع) الصغير مثل الشعرة ونَمَا وكبر، والعِرْق ذهب في الأرض، العِرْق الذي هو ألين من شعرة الرأس يخرق الأرض ويمشي فيها!

اذهب أنت بأصبعك هل تقدر أن تخرق الأرض؟ ما تقدر.

خرج الحَبُّ رفيعًا، أخضر، صغيرًا، وبعد ذلك طالت الحبَّة وكبرتْ، فعود الذُّرة صار كبيرًا، أطول منك.

في الوسط خرج العود، وخرج الكُوز، وهو مُغلَّفٌ، وبه حَبٌّ، ولاحقًا صار كوز ذرةٍ كبيرًا، وهي حبةٌ واحدةٌ!

الزارع هو الله سبحانه.

كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ الشَّطْء: هو النَّبْت الذي ينبت من جذر العود، من جانبه وحواليه.

الزرع الضَّعيف يخرج منه عودٌ واحدٌ، ذابلٌ، مريضٌ.

الأرض الخصبة تجد العود الواحد فيها حوله أعوادٌ عديدةٌ، وما تلبث تلك الأعواد الصغيرة حتى تكبر وتُساير العود الكبير، وتكون مجموعةً يُسمُّونها: (كُودية) كبيرة، سواء من الذُّرة، أو البرسيم، أو الأرز، أو القمح، أو ... أو ... إلى آخره.

هذا الشَّطْء فَآزَرَهُ [الفتح:29]، المُؤازرة: المُعاونة والمُساعدة.

في أيش يُساعده مع أنه يمتصُّ الغذاء منه؟

حينما تأتي الرياح والزرع مُلْتَبِسٌ، مُشْتَبِكٌ مع بعضه؛ يحمي بعضه بعضًا، لكن حينما يكون مُنفردًا وتأتي الرياح تُحَطِّمه، ولا يبقى منه شيءٌ.

وهكذا أصحاب محمدٍ نَبَتَ فيهم عودٌ واحدٌ هو شخصية رسول الله ، ونَبَتَ بجانبه شَطْؤُه، بدأ أبو بكرٍ فعثمان فعمَّار ففلان فحمزة فـ... فـ...: فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ [الفتح:29]، جمع ساقٍ، على أعواده.

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ [الفتح:29] لا يُدْرِك هذه الصورة إلا الفلاح الجيد؛ لأنه يعرف جمال الزرع حينما يكون غَضًّا، نَضِرًا، مُلْتَفًّا، بخلاف ما إذا كان مُهْمَلًا، ضعيفًا، لا يوجد فيه سِمَادٌ، مُصْفَرًّا، أو ذاهبًا، أو أكلته الدودة، هذا يكسر الخاطر، لكن الزرع حينما يلتفُّ ويستوي على سُوقه، ويكون في منظرٍ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ، لماذا لا يُعجب الناس؟

لأنه ليس كل الناس يعرف الزرع.

يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] هذه -أيها الإخوة- التي افتقدها العالم الإسلامي؛ لأن التفاف المسلمين بعضهم حول بعضٍ كان يُشَكِّل وحدةً وقوةً في الأُمة، بَيَّن كيانها كالبُنْيَان المرصوص، والبُنيان المرصوص ليس فيه تَخَلْخُلٌ لِمِعْوَلٍ يهدم، وليست فيه فجواتٌ لحشرةٍ تُعَشِّش، بل بُنيانٌ مرصوصٌ لا غُبار عليه، ولا هوان، ولا وَهَن.

وهكذا كانت الأُمة الإسلامية بالتفاف بعضهم حول بعضٍ، بتعاون بعضهم مع بعضٍ، باعتبارهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمَّى.

امرأةٌ في أقصى الدنيا تقول: "وا مُعْتَصماه"، يُسَيِّر لها الجيوش لِيُنْقذها، ونحن عندنا دولٌ وأُممٌ تُذْبَح وتُقْتَل، وأعراضٌ تُنْتَهك، وأموالٌ تُسْلَب، وصُراخٌ يذهب في الهواء، وليس هناك مَن يستطيع أن يُجيب، لماذا؟

ذهبتْ تلك القوة، وذهب ذاك الالتفاف، وذهب ذاك الاجتماع، وذهب ذاك العامل الذي كان يغيظ الكفَّار.

ولهذا يرى المُتأمِّلون أو المُدَقِّقون أو المُحَلِّلون الإسلاميون أن أول مُصيبةٍ وأول مِعْوَلٍ أوقعه الكفار في الأُمة الإسلامية هو عامل التَّفكك قبل كل شيءٍ، فأدخلوا عناصر تفكك الأُمة، وجعلوها فِرَقًا، وأوقعوا الفُرقة، وبأيِّ شيءٍ؟

نِحَلٌ ومذاهب اجتماعية واقتصادية وفكرية، وماذا؟

والمُصيبة الكبرى: أماتوا الأخوة الإسلامية، وأبرزوا القوميات والجنسيات: عربية، عجمية، شيطانية، أيًّا كانت.

وبدؤوا بالقومية التركية وعزلوها عن العالم العربي، ثم جاؤوا إلى غيرها وغيرها، وأصبح كل جنسٍ بما لديهم فرحون!

وجاء العدو كالتمساح يلتهمهم لقمةً، لقمةً، في البداية عجز عنهم، وغلبوه بقوتهم والتفافهم، لكن بعد أن أدخل سوس التَّفرقة من تحت عنصر السياسة -ساس يَسُوس- استطاع أن يصل إلى مُراده.

إذن يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ لا ولن ترجع إلى الأُمة الإسلامية، لا تقل: عربية، ولا عجمية، الإسلامية؛ لأن الإسلام في أوله يجمع الجنسيات المختلفة: صهيب الرومي، بلال الحبشي، سلمان الفارسي، عمار القحطاني، كل الأجناس الموجودة في ذلك التاريخ أُذِيبَتْ فوارقها، وَانْمَاعَتْ حُجُبها، وَانْصَهَرَتْ في بَوتَقَة الإسلام.

سلمان يقول:

أبي الإسلام، لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم [4]

أنا أبي الإسلام، نسبي إلى الإسلام.

فارس التي كانت تَهُزُّ العالم وتفخر بعنصريتها ودمها يُلغيها ويقول: الإسلام أولى بي.

لما اختلف المُهاجرون والأنصار في غزوة الخندق حينما قسَّمهم إلى رايتين، وقسَّمهم إلى عشراتٍ، اختلفوا في سلمان، فقال المُهاجرون: سلمان منَّا؛ لأنه هاجر من فارس إلى الجزيرة. وقال الأنصار: لا، سلمان منَّا؛ لأنه كان بالمدينة قبل أن يأتي رسول الله . فيفصل بينهما ، لا لكم، ولا لهم: سلمان منَّا أهل البيت [5].

منَّا مَن؟

آل بيت محمدٍ !

سبحان الله!

بأيِّ شيءٍ؟ قرشي؟ تميمي؟ خُزاعي؟

لا هذا، ولا ذاك، ليس في دمه قطرة دم عربيٍّ واحدةٌ، ولكن في قلبه الإسلام.

إذن ما لم ترجع الأُمة الإسلامية إلى وحدتها، وإلى كتاب ربها وسُنة نبيها ، ففي قيامها أو وجودها نظر.

ونحن الآن في بعض البلدان في كل ساعةٍ وأخرى نسمع ضجيجًا، ونرى نزاعًا، وما أدري أيش؟! لماذا؟

نزاعٌ بين كذا وكذا.

لو أن الكلمة مُوحدةٌ لكتاب الله وسُنة رسول الله ما حصل نزاعٌ، ولا حصل خلافٌ، لكن كل ساعةٍ: أُلغيتْ وزارةٌ، وحُلَّتْ كذا، وأُلْغِيَ قانون، وأُلْغِيَ كذا، ودستور، وانتخابات، ودماء تُسْفَك، وأموال تُسْحَب، لأيش؟

كله على خمر الزعامة والسلطة.

لكن الإسلام ما يوجد فيه هذا، الإسلام له غايةٌ.

أبو بكرٍ رضي الله تعالى عنه حينما جاء المُؤلفةُ قلوبهم وقالوا: اكتب لنا ما كان لنا زمن رسول الله . كتب لهم، فقالوا: لا بد أن يشهد على ذلك عمر. قال: اذهبوا إليه واجعلوه يشهد لكم.

فلما جاؤوا إلى عمر وقالوا: اشهد على كتاب أبي بكر. قال: أيش؟ المُؤلفة قلوبهم؟ اذهبوا. قالوا: اشهد. قال: لا يوجد شيءٌ. فذهبوا إلى أبي بكرٍ وقالوا -وانظر إلى الإثارة-: الخليفة أنت أم عمر؟ يعني: كلمتُك ليست لها قيمةٌ! إنها مصلحةٌ شخصيةٌ، الخليفة أنت أم عمر؟ ماذا قال؟ هل قال: أنا، ولا أحد يُنازعني، أنا الخليفة، أنا كذا؟ لا، أبدًا، قال: هو إن شاء.

الخليفة أنا أم هو؟ لا، هو إن شاء الخلافة يأخذها.

ما يوجد حرصٌ على زعامةٍ؛ لأنها مسؤوليةٌ، ليست غنيمةً، لا، والله هي غرامةٌ ومسؤوليةٌ تحمَّلها في نفسه.

ثم جاء عمر فقال: ماذا فعلتَ بهم يا عمر؟ قال: قطعتُ الكتاب. قال: لماذا؟ من حقِّه، قال: يا خليفة رسول الله، كان رسول الله يُعطيهم يتألفهم حينما كنا ضِعَافًا وبحاجةٍ إليهم، والآن أعزَّنا اللهُ بالإسلام، وصِرْنَا في قوةٍ، ولا حاجة لنا فيهم، إن يُسْلِمُوا فلهم إسلامهم، وإن يرتدُّوا فالسيف بأيدينا. أيش تقولوا؟ قالوا: رضينا.

يَهُمُّنا أيش؟

الخليفة أنت أم عمر؟

ماذا كان جوابه؟

قال: هو إن شاء.

الآن لو سقطتْ وزارةٌ، أو انحَلَّتْ وزارةٌ أو حزبٌ أو رئاسة حزبٍ، نرى الأشياء ...

على كلٍّ، ليس هذا مجال سياسةٍ، ولا مجال أحزابٍ، ولا دولٍ، ولا شيءٍ، يَهُمُّنا المبدأ الذي يجتمع عليه الصغير والكبير، والغني والفقير، والعربي والعجمي، وكل مَن يقول: لا إله إلا الله، محمدٌ رسول الله، أيش هو هذا المبدأ؟

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29].

إذن هذان الوصفان نحن أحوج ما نكون إلى أن نعود إليهما، وأن نُحْييهما في مجتمعاتنا.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29]، ويكفي هذا فضلٌ وشرفٌ لأصحاب رسول الله .

ولعل في هذا القدر كفايةً لتغطية آخر سورة الفتح، وبالله تعالى التوفيق.

سورة الحجرات

نعود إلى سورة الحجرات.

إذا جئنا إلى أول سورة الحجرات نجد الربط بين السورتين.

وتَقدَّم الكلام على مطلع السورة الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1].

أدب خفض الصوت عند النبي 

يأتي الأدب الثاني بالنِّداء أيضًا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2].

يتبعها تعقيبًا عليها: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:3].

الله يجعلنا وإياكم منهم، الله يُكرمنا وإياكم بمحبة رسول الله .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إذا كان الرسول يُكلمك: يا فلان، افعل كذا. طيب، حاضر، كلمة "طيب، حاضر" لا ترتفع بها فوق صوته الذي كلَّمك به، أنت تقول له: "طيب، حاضر"، لكن يكون بصوتٍ أخفض من الصوت الذي كلَّمك به.

ونحن الآن في الآداب العامة، حينما تجد والدًا يُكلم ولده، فتجد الولد يرفع صوته على أبيه، ولو كان ذلك بالمزح والضحك، هل تجد هذا أدبًا من الولد، أم تقول: تَعَدَّى لياقة الأدب معه، يرفع صوته على أبيه؟

وهنا: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ أدبٌ في شكلية الخطاب، ويجب أن يكون حديثكم معه بصوتٍ مُنخفضٍ؛ لأن ذلك نتيجة التوقير والتَّكريم والاحترام، أما رفع الصوت فهو إهدارٌ للكرامة.

طيب، هذا في الشكل، حتى لو كنت أمامه، وقال لك: "اقرأ سورة الفاتحة"، لا ينبغي أن ترفع صوتك بقراءتك إياها، ولكن تكون بأخفض مما خاطبك به.

النَّهي عن الجهر له كجهر بعضكم لبعضٍ

تأتي نقطةٌ ثانيةٌ، بعض الناس يقول: هي من الأولى. وبعض الناس يقول: لا، هذا أدبٌ جديدٌ: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.

الجهر: هو رفع الصوت، والجهر: هو التَّصريح، ضدّ السر.

إذن وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ ليست مُطلقةً، ولكن مُقيدة: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ.

القول -كما يقولون- هو أعمُّ الحديث.

ويقول العلماء: حينما يجلسون عند رسول الله ويتحدثون عنده، ويسمعون منه، ما نوعية الحديث؟ ما نوع الحديث الذي يجهرون به عند رسول الله ؟ يجلسون للمزح، يجلسون للتَّنْكِيت، يجلسون للأمور الخارجة عن اللياقة والآداب؟

العرب تقول: لكل مقامٍ مقالٌ.

أنت أيها الإنسان حديثك مع ولدك غير حديثك مع والدك، غير حديثك مع أخيك، غير حديثك مع أمك، غير حديثك مع زوجك، فكل واحدٍ له أسلوبه وموضوعه أم لا؟ له موضوعٌ مُعينٌ تتكلم فيه.

أنت حديثك مع أصدقائك وزملائك ..... غير حديثك مع أستاذك، ومع فصل الدراسة.

الشباب لما يجلسون مع بعضهم في سنٍّ واحدٍ، وواحدٌ يريد أن يتزوج أو خاطب، كل أحاديثهم تدور حول الزواج والخطوبة والحياة الزوجية.

لو جاء والد واحدٍ منهم: "يا ولد، تَعَالَ"، وهو واقفٌ عند رأسهم، هل يستمرون في الحديث عن الخطوبة والبنت والمرأة وكذا أم يُغيرون إلى الحديث عن الزرع والدراسة؟ سيقلبون الحديث فورًا، لماذا؟

لأنهم يَسْتَحُون أن يجهروا بذاك الحديث عند هذا الرجل.

إذن مجالس رسول الله  يجب أن تُنَزَّه عن تلك الأحاديث التي تجهرون بها فيما بينكم.

يعني: يكون الحديث على مستوًى عالٍ، لا على مستوى نازلٍ، حديث الشارع، لا.

ويستدلون بما وقع من أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه: أن امرأةً دخلتْ على رسول الله  تشتكي زوجها وما يتعلق بالفراش، وأبو بكرٍ عند الباب ما دخل، لكنه سمع، فصاح عليهم: ألا تسمعون لهذه كيف تجهر بهذا عند رسول الله ؟! كيف تسمحون لها بأن تتكلم في هذه الأمور عند رسول الله ؟! مع أنها مُضطرةٌ؛ لأنها تستفتي، تسأل، وإن الله لا يستحي من الحقِّ، ولكن هنا تجهر بهذا!

كان يمكن أن تذهب إلى عائشة أو أم سلمة أو إحدى أُمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وتقول لها: سَلِي لي رسول الله .

إذن وَلَا تَجْهَرُوا.

فالجزء الأول: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ في الشكلية، وفي النظام، وفي الصورة.

والجزء الثاني في الموضوعية؛ حديثكم مع رسول الله  يكون في أمور دينكم ودنياكم عن جديةٍ.

نماذج من أدب الصحابة مع النبي 

في حديث عمر رضي الله تعالى عنه لما قال: كنا جلوسًا عند النبي إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منَّا أحدٌ.

شيءٌ عجيبٌ!

وانظر إلى دقة عمر ، يعني: طلع من الأرض أم نزل من السماء! ما نعرفه، وليس هو مُسافرًا مُغْبَرًّا، هذا شيءٌ عجيبٌ!

فجلس إلى رسول الله ، وأسند رُكبتيه إلى رُكبتيه، ووضع يديه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني...

عن أيش يا أخي؟

عن الإسلام، فأخبره بالخمسة الأركان، فقال: صدقتَ. فعجبنا له يسأله ويُصَدِّقه!

أخبرني عن الإيمان، فأخبره بالستة، صدقتَ، أخبرني عن الإحسان، عن الساعة ... إلى آخره.

ثم انطلق، فقال : رُدُّوا عليَّ الرجل؛ كي يُعلِّمهم، فذهبوا يبحثون عنه فلم يجدوه، فقال: هذا جبريل أتاكم يُعلِّمكم أمر دينكم [6]، ويُعلِّمكم كيف تسألون؟ ويُعلِّمكم كيف تتأدَّبون؟

وكان الصديق رضي الله تعالى عنه إذا سمع بوفدٍ من وفود العرب قدم إلى المدينة -عام الوفود سنة تسعٍ- يُرسل إليهم واحدًا يقول لهم: إذا جئتُم عند الرسول  تجلسون كذا، وتقولون كذا، وتعملون كذا، فيُعلِّمهم.

وهذا الذي يُسمُّونه: (البروتوكول) أو التَّشريفات الملكية، أو ما أدري أيش؟ يُعلِّمهم كيف يُقابلون رسول الله ، وهذا الواجب علينا جميعًا.

وسنُكمل هذا -إن شاء الله- فيما بعد، ويكفينا هذان الأمران: لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ... ..... عاجلًا، وسنعود إليها مرةً أخرى.

ونُحذِّر الجميع الذين يقفون في المُواجهة، ويفتحون حناجرهم، ويرفعون أصواتهم، لا والله، ويتزاحمون ويتدافعون، لا والله، ليس ذلك من الأدب مع رسول الله ، وليس ذلك من توقير رسول الله .

وسيأتي -إن شاء الله- بيان الكيفية، وأثر نزول هذه الآية الكريمة مع بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ونُكمل المشوار معكم -إن شاء الله- غدًا، وبالله تعالى التوفيق.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمدٍ .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 رواه باختلافٍ يسيرٍ أحمد: 18910، والبيهقي في "السنن الصغير": 2953.
^2 ينظر: سيرة ابن هشام: 2/ 58.
^3 ينظر: سيرة ابن هشام: 2/ 49.
^4 ينظر: "ربيع الأبرار" للزمخشري: 4/ 187.
^5 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 6040، والحاكم في "مستدركه": 6722.
^6 رواه مسلم: 8 باختلافٍ يسيرٍ.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©