- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
وصيةٌ لطالب العلم
جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمَّان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه، ومن سار على سبيله ونهجه واستنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين.
أما بعد:
ففي بداية هذه الدروس، بعد انقطاعها، نسأل الله بعزته وجلاله وعظمته أن يرزقنا الإخلاص لوجهه، وابتغاء ما عنده سبحانه، ونسأله تعالى أن يجعل العلم مباركًا نافعًا شافعًا يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88-89].
إخلاص النية في طلب العلم
وحريٌّ بطالب العلم أن يُجدِّد النية، وأن يُصلح الطوية، وأن يتوجه إلى الله ظاهرًا وباطنًا سرًّا وعلنًا؛ حتى يصيب الأجر العظيم والثواب العميم في دنياه وأُخراه، ولا يمل طالب العلم إذا ذُكِّر بالله وبحق الله، فالإخلاص هو أساس هذا العلم، وأساس عبادةٍ يتقرب بها العبد إلى الله جلَّ وعلا، فإذا أراد الله بعبده خيرًا نصب وجهه له ، فلا أحسن دينًا ممن أسلم وجهه لله، وأخلص لله في قوله وعمله، وسره وعلنه. ومن تاجر مع الله فتجارته رابحةٌ، وغنيمته رائحةٌ، ولا شكَّ أنه في أعلى الرُّتب، وسينال ما طلب، والله جلَّ وعلا لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
والإخلاص يكون مع طالب العلم في كل لحظةٍ من لحظات العلم، وقد يخرج الإنسان إلى حلقةٍ من حلقات العلم وهو يريد وجه الله، فيرجع إلى بيته مغفورَ الذنب كيوم ولدته أمه، وهذا كله من فضل الله على أهل العلم وطلبة العلم؛ ولذلك بيَّن النبي أن: مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة [1].
فهذه الطرق والسبل التي تنتهي إلى رحمة الله، ما انتهت بالعبد إلى رحمة الله إلا لأن الله يحبها ويحب أهلها، وما أحب الله عبدًا من عباده بشيءٍ أعظم ولا أجلَّ ولا أقدس من الإخلاص لوجهه ؛ أساس الدين وعماده وروحه ولبه وجوهره وعليه مدار الأعمال قبولًا وردًّا.
فطالب العلم حريٌّ به في كل مجلسٍ أن يقرع قلبه وأن يقرع فؤاده: ماذا يريد بهذا المجلس؟ وماذا يريد بهذا الكلام؟ وماذا يريد بهذا العلم؟ ويطهِّر قلبه لله من النفاق، والرياء، ومحبة الثناء والسمعة والتباهي، ونحو ذلك مما يُفسد القلوب ويجعلها غير مخلصةٍ لله علّام القلوب.
فنسأل الله أن يغسل من قلوبنا أدرانها، وأن يشفيها من أسقامها، وأن يَمُنَّ عليها بالإخلاص لوجهه.
الجد والاجتهاد في ضبط العلم وإتقانه
وأوصي أيضًا باستشعار المسؤولية في طلب العلم، فما من طالب علمٍ يجلس مجلسًا إلا وسيسأله الله بين يديه، وسيحاسبه عن آيات الكتاب وأحاديث رسول الله ، والحكم والأحكام التي سمعها: هل ضبطها؟ وهل قام بحقها وحقوقها من المراجعة والحفظ والإتقان؛ حتى ينقل للأمة علمًا صحيحًا صوابًا سالمًا من الخطأ والخلل والزلل، أم أنه مُقصِّرٌ في ذلك؟
فهذه مسؤوليةٌ، فما جلس أهل العلم المخلصون فيما مضى، ولا فيما حضر، ولا فيما سيأتي؛ لم يجلسوا لإضاعة الأوقات بالجلوس، ولم يجلسوا من أجل أن يُستنفد الوقت في المجالس، ولكن جلسوا لكي يضبطوا هذا العلم ويُبلغوه للأمة. أن يستشعر طالب العلم أن هذه الآيات التي تُتلى والأحاديث التي تُذكر والأحكام التي تُبيَّن؛ أنها حُججٌ من الله عليه، ينبغي أن يضبطها، وأن يحمد الله إذ بلَّغه يومًا من الأيام بل ساعةً من الساعات يسمع فيها علمًا يُقرِّب إلى الله .
وكم تغرَّب السلف عن الأوطان، وفارقوا الأهل والإخوان والخلان؛ من أجل أن يسمعوا حديثًا عن رسول الله !
هم التابعون قد أتعبوا أنفسهم لراحتها في الدنيا والآخرة، وذلُّوا لكي يصيبوا عزَّ الدنيا والآخرة، فكان الرجل منهم يخرج عن أهله وحبه وزوجه، في خوفٍ وسفرٍ وفاقةٍ مع الفاقة والفقر والحاجة؛ من أجل أن يَبلُغ صحابيًّا من أصحاب رسول الله لكي يُخبره أنه سمع رسول الله يقول، أو رأى رسول الله يفعل.
هذا الذي تكبَّد التابعون العناء والمشقة والبلاء، والتابعون لهم بإحسانٍ على مرِّ العصور والدهور، ها هو بين يديك يُنثَر في هذه الكتب التي دُوِّنت والصحائف التي نُشِرت؛ لكي يسألك الله عن ضبطها وإتقانها يا طالب العلم، فيستشعر كل طالب علمٍ هذه الأمانة والمسؤولية.
فإذا رزق الله طالب العلم هاتين الخصلتين، إخلاصًا لله وجدًّا واجتهادًا وتفانيًا في ضبط العلم وإتقانه؛ فتح الله في وجهه أبواب الخير، ويسَّر له الطاعة والبر، والله ما استنفدت عمرك في هذا العلم إلا كفاك الله هَمَّ الدنيا والآخرة، وما بذلت لهذا العلم صادقًا مع الله إلا ردَّ الله عليك ما بذلت بأضعاف أضعافٍ، فإن عشت في ذلةٍ جعلها الله لك عزةً، وإن أصابتك فاقةٌ جعلها الله لك غنًى، وجاءتك الدنيا ذليلةً صاغرةً حقيرةً تحت قدميك، ولكن بالإخلاص ثم ضبط العلم.
فأعلى الناس مرتبةً عند الله في هذا العلم بعد الأنبياء والرسل: مَن قام بضبط هذا العلم على أتمِّ الوجوه وأكملها؛ ولذلك ضرب الصحابة رضوان الله عليهم المثل الأعلى في ذلك. ومن هنا قال أبو شريح: أُحدِّثك حديثًا -كما في "الصحيحين"- سَمِعْتُه من رسول الله "سَمِعَتْه أذناي، وأَبْصَرَتْه عيناي، ووعاه قلبي" [2]، فانظر: سماعٌ بالأذن، وإبصارٌ بالعين، ووعيٌ بالقلب.. كله كان لحديث رسول الله .
فطالب العلم يستشعر أن منزلته عاليةٌ ومكانته ساميةٌ بقدر ضبطه لهذا العلم. ومن هنا لمَّا كان السلف الصالح، رحمهم الله، من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسانٍ قد استشعروا هذه المسؤولية والأمانة، وضبطوا هذا العلم؛ كان العلم خالصًا، كما أن أهله أخلصوا لله وجَدُّوا واجتهدوا؛ فأخرج الله علومهم نقيةً سويةً راضيةً مرضيةً، فهي علومٌ ليس فيها غشٌّ ولا لبسٌ، حفظوا عن رسول الله وعن أصحابه، ثم بلَّغوا بكل أمانةٍ وبكل ضبطٍ وإتقانٍ.
ومن هنا: على طالب العلم أن يُهيِّئ نفسه لهذه المنزلة الكريمة، وأن يُهيِّئ نفسه لهذا المقام العظيم، وهو ضبط العلم وإتقانه خالصًا لوجه الله .
والله؛ ليس هناك نعمةٌ في هذه الدنيا من أولها إلى آخرها أعظم ولا أتمّ ولا أكمل -بعد نعمة الهداية للإسلام والتوحيد والإخلاص لله - من العلم، الذي هو ميراث الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. ما ورَّثوا الدنيا، ولا ورَّثوا الزهو والخُيَلاء، والشهوات والملهيات، والفتن؛ وإنما ورَّثوا العلم، ورَّثوا الوحي الذي كان الرسول والنبي صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق فيه عن الهوى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3-4].
فإذا أحس طالب العلم أن مكانة أهل العلم بالضبط والإتقان هيَّأ نفسه لذلك، ثم إن الله أنعم على هذه الأمة أنه حفظ لها دينها، حفظها من التغيير والتبديل؛ فكم من أممٍ ممن قبلنا يعتصر قلب الواحد أن يجد كلامًا لنبيٍّ قد اتَّبعه قد خلا من الزيادة والنقص! ونحن نجد كلام الله كأنه أُنزل هذه الساعة، أنزله الله وحفظه، وإذا به يُتلى دون وجود نقصٍ، أو زيادةٍ، أو تحريفٍ أو تبديلٍ، وهذا كله من فضل الله على أمة محمدٍ ، وكذلك أيضًا حفظ الله لهم سُنة رسولهم صلوات الله وسلامه عليه.
فاليهود والنصارى غيَّروا وبدَّلوا وحرَّفوا وزادوا ونقصوا، ولكن هذه الأمة حُفظ لها حتى سيرة رسولها صلوات الله وسلامه عليه، حُفظت كاملةً: من أقواله وأفعاله وشمائله، حتى خِلقته التي كان عليها صلوات الله وسلامه عليه حُفظت لهذه الأمة.. فأي فضلٍ وأي نعمةٍ؟! ما بقي إلا أن الإنسان يحمد الله ويشكره على هذا الفضل، ويجمع بين الشكر بقلبه وقالبه، وشكر القالب هو إتقان هذا العلم.
وتزداد هذه الأمانة والمسؤولية في ضبط العلم كلما تأخَّر الزمان وتتابع المَلَوان؛ لكي تبتعد الأمة عن زمان نبيها صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه إذا طال الزمان وبَعُد؛ كثُر الادِّعاء للعلم، وكثُر القيل والقال، وأصبح كثيرٌ من الناس -إلا من رحم الله- أتباعًا لكل زاعقٍ وناعقٍ، لا يُفرِّقون بين الحق والباطل، ولربما تجد الرجل صاحب هوًى، العالم عنده هو الذي يقول بما يوافق هواه وما سوى ذلك فليس بعالمٍ. وهذا كله مما يزيد طالب العلم حُرقةً على هذا الدين، وغَيرةً على هذا الدين.
أعظم نصرٍ لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فالذين ينصرون الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه: هم الذين يحفظون الوحي، ويتقنونه، ويضبطونه، ويُبلِّغونه للأمة بكل أمانةٍ، بعيدًا عن تحريف المُحرِّفين وغلو الغالين ونقص المُجحِفين، سالمًا غضًّا طريًّا كأنما نزل، هؤلاء هم الذين دعا لهم رسول الله بالرحمة والنضارة، فكما قال : نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها [3].
هذه الأمانة التي تنتظرها الأمة من طلبة العلم وأهل العلم، وما من أحدٍ ينتسب إلى هذا العلم فيتزيَّن بزينة التقوى، التي من أعظم دلائلها الأمانة؛ إلا بارك الله له في علمه، وبارك الله له في قوله، وبارك الله له في فتاواه، وبارك الله له في جميع ما يكون له في هذا العلم.
العلم هو الأمانة؛ ولذلك فطالب العلم يستشعر المسؤولية في ضبط العلم، ثم يستشعر أنه في زمان الحاجة أشدُّ ما تكون إلى ضبط هذا العلم؛ فبأي شيءٍ غُيرت السُّنن؟ بأي شيءٍ أصبحت البدعة سُنةً والسُّنة بدعةً؟ بأي شيءٍ أصبح الحق باطلًا والباطل حقًّا؟
ذلك كله إما بجهل الجاهلين، وإما بتزييف المُحرِّفين..
- فإما أن يكون ذلك بسبب عالمٍ ضلَّ في نفسه -والعياذ بالله- فأضلَّ، فكتم الحق ونطق بالباطل، والعياذ بالله.
- وإما أن يكون من جاهلٍ يدَّعي العلم وهو ليس من أهل العلم، وهذا هو الذي تشقى به الأمة: أن يوجد من يدَّعي العلم ولا علم عنده، فيُفتي ويُحِل ما حرَّم الله ويُحرِّم ما أحلَّ الله، ويتزيَّا بزيِّ العلماء، ويتظاهر بظاهر مَن عنده علمٌ، ويصول ويجول في مسائل لو عُرضت على أئمة العلم ودواوين العلم لرأيت الرجل يجثو على ركبتيه؛ خوفًا من الله أن ينطق فيها بكلمةٍ، وهذا يصول فيها ويجول دون وازعٍ، ودون رادعٍ، ودون خوفٍ!
إذا نظر طالب العلم إلى هذا تصيبه الغَيرة على سُنة النبي ، تصيبه الغيرة على الحق، ثم إن الأمة تشقى حينما يصبح هؤلاء هم الذين يُبيِّنون، وهم الذين يُحلِّلون ما حرَّم الله ويُحرِّمون ما أحلَّ الله، وهذا في كل زمانٍ، وليس خاصًّا بزماننا، ولكن الله يرحم الأمة حينما يُقيِّض لها من يُخلِص في طلبه للعلم.
إذا أخلصت في طلبك للعلم، لا تنفع نفسك وحدك بل تنفع الأمة. إذا أخلصت في طلبك للعلم، أخرجك الله هاديًا مهديًّا، فلا هداية ولا اهتداء إلا بالإخلاص. ثم إذا ضبطت العلم لم يكن ضبطك للعلم لنفسك فحسب، فخيره لنفسك، ثم ينشر الله هذا الخير حتى يبلغ الآفاق. كم من علماء جثوا في طلبهم للعلم بين أيدي العلماء، فتعبوا ونصبوا وجدُّوا واجتهدوا وما كان يخطر لهم على بالٍ أن علمهم يبلغ ما بلغ، ولكن الله بلغه!
على كل طالب علمٍ أن يعلم أن هذه الأمور: الإخلاص، وضبط العلم، خيرها وبركتها؛ لا يقتصر عليه، فالساعة التي تجلس فيها لكي تتعلم اعلم أنها للأمة قبل أن تكون لك. نعم، الواجب عليك أن تعلم من أجل أن تُنقذ نفسك من الجهل، ومن أجل أن تعمل بهذا العلم فتُرضي الله ، ثم تُبلغ الأمة، لكن انظر إلى ما هو أعظم من حاجة الأمة إليك.
وعليه؛ فإن المسؤولية تزداد خاصة إذا كثُر الأدعياء للعلم، وكثُر الادِّعاء للأمور التي ليست هي بحقٍّ بل هي عين الباطل والهوى، وهذا -كما ذكرنا- في كل زمانٍ ومكانٍ، ولكن إذا تباعد الزمان عن زمان النبي ، فالأمر أشد وأعظم، كما صحَّ عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من قوله: لا يأتي عليكم زمانٌ إلا الذي بعده شرٌّ منه، حتى تلقوا ربكم [4].
نسأل الله بعزته وجلاله أن يُعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
العمل بالعلم وتطبيق نصوص الكتاب والسُّنة
والوصية الأخيرة التي أوصي بها طالب العلم، بل أوصي بها الجميع ونفسي، بعد تقوى الله : أن يحرص طالب العلم -حتى يبارك الله له في علمه- أن يشوب عِلمه بالعمل، خاصةً في الأعمال، والشوب هنا: الخلط، والمراد: أن يجمع فيختلط العلم بين النظرية وبين التطبيق والعمل.
فعالمٌ بعِلمه لم يَعْمَلَنْ *** مُعذَّبٌ من قَبْلِ عُبَّادِ الوَثَنْ[5].
عليه أن يعلم أن بركة هذا العلم أن يعمل به، أن يحرص أن لا يسمع بسُنةٍ ولا يسمع بأثرٍ عن رسول الله في ظاهرٍ أو باطنٍ أو قولٍ أو عملٍ؛ إلا طبَّقه، وإن استطاع ألا يحك رأسه إلا بسُنةٍ عن رسول الله فليفعل، فإذا بلغ العبد هذه المنزلة أنه يعيش حياته كلما أراد أن يُقدِّم قدمًا أو يُؤخِّر أخرى، بل حتى لو أراد أن يرفع رأسه؛ سأل نفسه: ما هي سُنة رسول الله في ذلك؟ ثم يُطبِّقها ويحرص عليها، فالعمل بالعلم بركته، وإذا أراد العبد أن ينظر مقدار ما بارك الله له في علمه فلينظر إلى تطبيقه لهذا العلم.
ولم يكن العلماء وطلبة العلم من السلف الصالح رحمهم الله، والتابعون لهم بإحسانٍ، في مرتبة القيام بالواجبات والفرائض فحسب؛ بل إنهم كانوا يتنافسون في الفضائل والمندوبات والمُستحبات.
فتجد طالب العلم منذ أن يبدأ طلبه للعلم صوَّامًا قوَّامًا حريصًا على السُّنة في ظاهره وباطنه، لا تفوته سُنةٌ في صباحه ولا مسائه، وتجد طالب العلم حريصًا على أذكار الصباح يحفظها، يأتي بالأحاديث الواردة عن رسول الله فيها فيحفظها، ثم كذلك في أذكار المساء، وأذكار القيام والقعود؛ حتى يذكر الله على كل أحيانه.. يعلم بالسُّنة ويعمل بها ليس في الواجبات فحسب، لا يُطبِّق السُّنة فقط في صفة صلاته للفريضة، أو نحو ذلك من الفرائض؛ بل ينتقل إلى الكمالات، فتجده حريصًا على صيام الإثنين والخميس، حريصًا على صيام ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، حريصًا على صيام الأيام البيض، حريصًا على تطبيق السُّنة في فضائل الأعمال؛ لأن الذي يُطبِّق السُّنة في فضائل الأعمال حريٌّ به أن يُطبِّقها في الفرائض، ومن هنا يأخذ طالب العلم مكانه الذي يليق به.
طالب العلم ليس هو الذي قد ضاع وِرده في الليل فيضيع ليله ما بين الزيارات واستقبال الضيوف، ثم ينام تعبانًا حتى إن بعضهم -نسأل الله السلامة والعافية- بلغ بالبعض أنه ينام ولا يُوتِر، والوتر سُنةٌ، ولكن قيل -تُحكى عن الإمام أحمد وتُحكى عن غيره من أئمة السلف- قيل له: طالب علمٍ لم يُوتِر؟ قال: "ذاك رجلُ سوءٍ"[6].
ما قصده أنه مُجرمٌ أو أن الوتر واجبٌ، لا؛ إنما هذه عباراتٌ عند السلف يقصدون بها اللازم، أي: إن الإنسان يُوفَّق للوتر إذا كان صادقًا في طلبه للعلم وحرصه على الخير. فإذا أصبح طالب علمٍ في مقام الكمالات ويُضيع وتره، فمعنى ذلك: أنه قد حُرم التوفيق؛ ولذلك فيه سوءٌ، والتوفيق لا يُحرَمه العبد إلا بسبب ذنبٍ.
ومن هنا قال سفيان رحمه الله: "أذنبت ذنبًا فحُرِمت قيام الليل ستةَ أشهرٍ"[7].
وهذا يُوصَى به طالب العلم: أن يحرص أن يكون على أفضل وأكمل ما يكون عليه طالب العلم. فإذا أصبح طالب العلم حريصًا على السُّنن، محافظًا على الأذكار، محافظًا على هدي رسول الله في ظاهره وباطنه وقوله وعمله، في أثناء طلبه للعلم، وقبل أن يخرج إلى الناس؛ فإنه ما إن تتراكم عليه مشاغل العلم ويُبتلى بتعليم الناس وتوجيههم إلا والسُّنن منقادةٌ له، وإذا بها بين يديه، وسهُل عليه أن يحافظ على وِرده من قيام الليل، وسهُل عليه أن يحافظ على أذكار الصباح والمساء؛ لأنها أصبحت معه شيئًا لا يمكن أن ينفك أبدًا، من الآن تعوِّد نفسك وتروِّض نفسك.
استعن بالله ولا تعجز
والنقطة الأخيرة: أن تذكر وصية النبي : ولا تعجزن: استعن بالله ولا تعجز [8] هذا الذي يصيب بعض طلبة العلم من الخور والضعف.. والله ما أقدر، والله حاولت، والله ما أستطيع، هذا الخور الذي فتَّ في عَضُد طالب العلم وطلبة العلم في هذا الزمان، حتى حُرم طالب العلم من كثيرٍ من الخير وكثير من خصال البر؛ ليس بحُجةٍ، وليس بمَحجةٍ، ليس بحُجةٍ يتعلل الإنسان، ولا بمَحجةٍ، ولا طريقٍ يسلكه من يريد مرضاة الله .
كيف ستقود الأمم غدًا؟ كيف ستخرج للأمة هاديًا مهديًّا؟ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1-3].
أولًا: اهتدوا في أنفسهم، ثم بعد ذلك هدوا الناس، آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العصر: 3] هذا اهتداءٌ في النفس، ثم بعدها: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 3]، أن يبدأ طالب العلم أول ما يبدأ بنفسه فيُوطِّنها عن هذه السُّنن، أي شيءٍ تتعلمه من هدي رسول الله وسُنةٍ، تُطبِّقه وتعمل به وتلتزم به، حتى إذا بلغت ما شاء الله أن تبلغ فخرجت للناس، خرجت وأنت محافظٌ على هذه السُّنن، وعندها لن يراك أحدٌ من طلبة العلم إلا تذكَّر السُّنة برؤيته إياك.
والله سبحانه عدلٌ، يظن بعض طلبة العلم أن العلم وتعليم الناس بالذكاء والحفظ وتنميق العبارات وتزيين الكلمات، وأنه ما دام متفوقًا في دراسته ذكيًّا في تحصيله؛ أنه سيخرج في الغد القريب لكي يرقى المنابر، ويجلس ويدوِّن بالمحابر، ويفعل ويفعل، ولكن هيهات هيهات! فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف شاء.
ووالله، ثم والله؛ لو جاء أبلغ الناس في كلامه، وأحسنهم وأجملهم في عباراته وخطبه ومواعظه تأثيرًا، لو كان بلغ الغاية في التأثير، ونزع الله البركة من قوله؛ لن ينفعه ذلك بشيءٍ. هذا دين الله، يوفِّق الله العبد لقيادة الناس بما بينه وبين الله، لا بحسبٍ ولا بنسبٍ ولا بلسانٍ، إلا إذا كان اللسان صادقًا، ولن يَصدُق لسان العبد إلا إذا صدق قلبه، ولن يَصدُق قلب العبد إلا إذا أخلص لله .
فمن الآن يعلم كل أحدٍ أنه إذا خرج غدًا وتكلَّم عن السُّنة وهو لم يُطبِّقها؛ لن يبارك الله له في كلامه، ولن يبارك الله له في قوله. عليك أن تبدأ من الآن بتطبيق العلم، وأن تلتزم بالعلم؛ لأن الله عدلٌ لا يُسوِّي بين مَن عَمِلَ بعِلمه وبين مَن لم يَعمل.
وإذا أردت أن ترى توفيق الله للعبد، فانظر مقدار التزامه بطاعة ربه، واستقامة قالبه وقلبه في سبيله ودربه إذا كان لله خاصة في سره ونجواه؛ فإن الله سيوفِّقه في ظاهره.
فنسأل الله بعزته وجلاله أن يرزقنا الإخلاص لوجهه، وابتغاء ما عنده، وأن يعافينا من النفاق والرياء والسمعة.
ونسأله بعزته وجلاله أن يجعل كل ما نقوله ونعمله ونتكلم به وندعو إليه في علمنا وعملنا خالصًا لوجهه الكريم، مقبولًا بفضله العميم، وأن يغفر ما كان في جميع ذلك من النقص والخلل والزلل، وأن يجبر كسرنا؛ فإنه لا يجبر الكسر أحدٌ سواه .
ونسأله تعالى أن يجعل العلم نافعًا شافعًا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتاه بقلبٍ سليمٍ.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الإخلاص لوجهه، وابتغاء ما عنده، وأن يجعل هذا العلم نافعًا شافعًا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليمٍ.
وأوصي طلبة العلم ونفسي بتقوى الله ، ومراجعة الدروس، وليست العبرة بكثرة الدورات والدروس؛ إنما العبرة بضبط العلم، أن يراجع طالب العلم نفسه، وأن يعلم أن الله سائله عن جميع ما تقدَّم، يعاود، لا يكون طالب العلم كما ينبغي إلا إذا استطاع أن يتذكَّر كل مسألةٍ أي وقتٍ يشاء.
ليست القضية أن تقرأ وتفهم، وليست القضية أن تحفظ حفظًا مؤقتًا؛ وإنما القضية أن تحفظ هذا العلم بحيث لو سُئلت عنه في أي وقتٍ من ليلك ونهارك تُجيب، عندها فعلًا تكون طالب علمٍ، وهذا يستلزم أن ترجع للدروس القديمة، وأن تُلخِّصها، وأن تعلم أنه ليست العبرة بكثرة العلم، وإنما العبرة بالبركة في العلم وضبط العلم.
وهذه أمانةٌ ومسؤوليةٌ لكل طالب علمٍ، أن يتقي الله في مسؤوليته عن هذا العلم، وأن يضحي في ضبطه وإتقانه وتلخيص هذه الدروس وكتابة المسائل، والعناية بالدليل، ووجه الدلالة، والعناية بضبط المسألة وكتابة الإشكالات بطريقةٍ مُرتَّبةٍ، ولا شكَّ أن هذا ما كان عليه السلف الصالح رحمهم الله حتى بارك الله في علومهم.
وكم من طلاب علمٍ زانت بهم مجالس العلم، وزان بهم العلم بما وفَّقهم الله فيه من الإخلاص، وظهور بركة الإخلاص في أقوالهم وأعمالهم وضبطهم، فتجد طالب العلم فعلًا طالب علمٍ بحقٍّ؛ ولذلك يبلغ بطالب العلم في بعض الأحيان أنه يريد وقتًا أوسع ليراجع، لكن طالب العلم الذي لا يضبط تجده يبحث عن وقتٍ أوسع ليتلقَّى، فيقول: فأين الدروس؟ والله دورةٌ واحدةٌ ما تكفي، نريد دورتين، ثلاثةً، أربعةً، ثم ماذا في الدورة؟
يأخذ الكتاب قبل العصر ويصلي العصر، ويحضر الدرس ثم يقوم من الدرس، صحيحٌ أنه فهم، لكن لن تستطيع أن تراجع معه مسألةً تامةً كاملةً، وهذا خللٌ عظيمٌ في طلبة العلم.
وكم من علماء ومشائخ أبهج الله قلوبهم، وسرَّ الله قلوبهم بطلاب علمٍ حفظوا العلم، والكارثة والمصيبة ألا يحفظ طالب العلم عن شيخه!
لا بُدَّ من ضبط العلم، ولا بُدَّ من أن يجتهد الإنسان في مجاهدة هذه النفس المتخاذلة، في ضبط هذا العلم؛ لأن العمر يفنى والخلق يبلى، العمر يفنى؛ ما يبقى لا عالمٌ ولا شيخٌ ولا أستاذٌ ولا مُدرسٌ، العمر يفنى، وإذا لم تتدارك هذه المسائل الآن؛ فمتى ستتداركها؟!
كم من علماء حضر في مجالسهم من الكم ما لا يُحصى كثرةً، لكن من الذي حفظ علومهم؟!
وقد ذهب الرعيل الأول من العلماء، فأين الذين خلفوهم؟
وكم كان يجلس في مجالسهم بعضهم بالألوف، الآن من الذي تستطيع أن تقول إنه تلميذ فلانٍ بحقٍّ؟
هذا الذي نعاني منه ويعاني منه أهل العلم، الحذر من الاستكثار من العلم دون ضبطٍ، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للأسود: "أي بُني، أكلُّ ما سألتني عنه حفظته؟ قال: يا أماه يا أماه، وبدأ يشتكي، فقالت: يا بُني، لم تستكثر من حُجج الله عليك؟"[9].
لأيش الإنسان يبحث عن دوراتٍ وعن دروسٍ، وهو عاجزٌ عن مسائلَ أخذها بالأمس القريب أنه يستذكرها في حينه؟!
الله الله على طالب العلم، نستشعر المسؤولية أمام الله ، وأن يضبط وأن يعلم أن كل مسألةٍ يسمعها أن العالم قد أدَّى أمانته وبلغها له، وبهذا يُحفظ العلم ويضيع، يُحفظ العلم حينما يقرص الإنسان نفسه ويضغط على نفسه لكي يراجع كل ما سمعه؛ نصيحةً لله ولكتابه ولدينه ولشرعه ولسُنة رسول الله والدين والشرع.
نسأل الله بعزته وجلاله أن يُعيننا على أداء الأمانة وتبليغ الرسالة، والقيام بحقوق العلم وواجبه على الوجه الذي يُرضيه.
ونسأله بعزته وجلاله أن يجزي مشائخنا خير ما جزى شيخًا عن طلبته، وعالمًا في علمه.
نسأله بعزته وجلاله أن يجزي علماء الأمة عنَّا خير الجزاء وأوفاه وأعظمه وأسناه، اللهم نوِّر قبورهم، اللهم نوِّر قبورهم، اللهم عظِّم أجورهم، اللهم ارفع درجاتهم، اللهم كفِّر خطاياهم، اللهم اجعلهم في أعلى عليين، واجعلهم في منازل الصالحين، اللهم اجزهم عنَّا بأحسن الجزاء في الدنيا وفي الآخرة يا رب العالمين.
اللهم ارفع درجاتهم في المهديين، واخلفهم في أعقابهم في الغابرين.
اللهم بارك لنا فيما خلَّفوا لنا من علمٍ من علم الكتاب والسُّنة، وهداية الشريعة والملة، يا حي يا قيوم.
نسألك اللهم أن تجعل هذا حجةً لنا، لا حجةً علينا، اللهم ثبِّت به أقدامنا، وسدِّد به ألسنتنا، وصوِّب به آراءنا، وثبِّت به أجنَّة قلوبنا، يا حي يا قيوم.
اللهم اجعلنا ممن هُدي إلى الحق والصواب، وحسُنت له العاقبة والمآب، وأحسنت له العاقبة والمآب، يا سريع الحساب، يا عظيم يا وهاب.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ونسألك من العمل ما يرضيك عنا، جنِّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، واربط على قلوبنا برباط الصالحين، واحشرنا في أوليائك المتقين، يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعل سعينا مشكورًا، وذنبنا مغفورًا، وأجرنا موفورًا.
اللهم نوِّر بالعلم قلوبنا، واشرح به صدورنا، واجعله حُجةً لنا لا علينا.
اللهم اغفر لنا فيه الخلل والزلل، وما لا يرضيك من القول والعمل، إله الأولين والآخرين يا أرحم الراحمين.
اللهم ما كان من كسرٍ في علمنا وتعليمنا فاجبُره، وما كان من نقصٍ فكمِّله.
اللهم وما كان من عملٍ صالحٍ فتقبَّله خالصًا لوجهك الكريم، موجبًا لرضوانك العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ.
| ^1 | رواه مسلم: 2699. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 104، ومسلم: 1354. |
| ^3 | رواه الترمذي: 2658، وابن ماجه: 236، وأحمد في "المسند": 16738، والدارمي في "سننه": 234، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6766. |
| ^4 | رواه البخاري: 7068. |
| ^5 | الزبد في الفقه الشافعي (ص:4). |
| ^6 | مسائل الإمام أحمد، رواية ابنه أبي الفضل صالح (1/ 333)، والمغني، لابن قدامة (2/ 594). |
| ^7 | لطائف المعارف، لابن رجب (ص:88)، ت: عوض الله، وغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب (2/ 504). |
| ^8 | رواه مسلم: 2664. |
| ^9 | أخلاق العلماء، للآجري (ص:81)، واقتضاء العلم العمل، للخطيب البغدادي (ص:60). |