- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
إخلاص العبادة لله عز وجل

جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
ثم أما بعد:
إخلاص العبادة لله وحده
في هذا المجلس المبارك نتحدث عن أعظم أمرٍ في كتاب الله أُمر به الأنبياء وأُمر به أتباع الأنبياء، وهذا الأمر العظيم: هو إخلاص العبادة لله ، قال الله لرسوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11].
وهذا الأمر العظيم الذي أُمر به رسول الله أُمر به جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الغاية التي خلق الله الثَّقَلين من أجلها؛ كما قال الله : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].
فالله سبحانه وتعالى خلق الجن والإنس ليُحقِّقوا هذا الأمر العظيم، وهو إخلاص العبادة لله ، مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ [الزمر:2]، و"الدين": ما يَتديَّن به العبد لله تبارك وتعالى، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]؛ ولهذا قال الرسول : الأنبياء إخوةٌ لِعَلَّاتٍ؛ أمهاتهم شتَّى، ودينهم واحدٌ [1]، فدينهم: هو الخضوع لله ، والانقياد لله ، وإخلاص العبادة لله .
ولهذا لا بد أن يعرف المسلم ما هذه العبادة التي أمره الله تعالى وتبارك بإخلاصها له سبحانه وتعالى.
معاني العبادة
فإن العبادة تُطلق على معنيين:
- المعنى الأول: ما يتعلق بالعابد.
- والأمر الثاني: ما يتعلق بالمُتَعبَّد به.
المعنى الأول: الخضوع لله والاستسلام لأمره
فما يتعلق بالعابد: هو أن يَذل وأن ينقاد وأن يستسلم لله سبحانه وتعالى، محبةً وتعظيمًا، وخوفًا ورجاءً، يستسلم قلبه لله تبارك وتعالى؛ ولهذا فَدِينُ الأنبياء جميعًا هو "الإسلام"، بمعنى: الاستسلام لله ، فكل أمرٍ أُمروا به فهم يستسلمون لله، فيكون هذا عبادةً لله تبارك وتعالى، فإذا نُسخ هذا الأمر بأمرٍ آخر؛ استسلموا للأمر الآخر، فالدين واحدٌ لا يتغير من حيث التذلل والخضوع لله ، فالدين واحدٌ.
ولهذا لما كانت القبلة إلى بيت المقدس كان التوجه لها عبادةً لله ، فلما نُسخت القبلة وجاء الأمر بالتوجه إلى الكعبة؛ صار التوجه إلى الكعبة عبادةً لله ، فكِلا الحالين هما عبادةٌ لله ، وهذا يُفسر لنا ما معنى أن دينهم واحدٌ وشرائعهم شتَّى؛ فدينهم واحدٌ من حيث الاستسلام لله ، وإخلاص الدين له، وإخلاص العبادة لله ، وإذا تغيرت الشرائع فهم يدورون مع أمر الله حيث دار.
فهذا هو المعنى الأول للعبادة: أن يتذلل العبد وأن يخضع لله ، لماذا؟ لأنه يستحق ذلك سبحانه وتعالى؛ فهو الخالق للعبد، وهو الرازق للعبد، وهو المدبِّر للعبد، وهو المُنعِم على العبد.
وهو صاحب الكمالات التي ليس فوقها كمالاتٌ، فهو سبحانه العظيم الحكيم الكريم العزيز الرحمن الرحيم، فهو صاحب الكمالات التي ليس فوقها كمالاتٌ، وهو صاحب الإنعام الذي ليس فوقه إنعامٌ على العبد، وهو المُوجِد له.
فكل هذا يستدعي من العبد أن يُعظِّم الله حق التعظيم، وأن يحب الله غاية الحب، وأن يتوكل على الله ، وأن يعتمد عليه سبحانه وتعالى، وأن يرجوه غاية الرجاء، وأن يخاف منه غاية الخوف، فمصير العبد كله بيد الله .
هذه العبادة من حيث ما يتعلق بالعابد.
المعنى الثاني: كل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة
وأما من حيث ما يَتعبَّد العبد به: فكل دين الله هو الذي يُتعَبَّد به لله، كل شريعة الله هي التي يُتعَبَّد بها لله ؛ ولهذا يصح أن يقال: إن العبادة: "اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة".
والمراد بالباطنة: ما يَتعلق بالقلب، والمراد بالظاهرة: ما يتعلق باللسان والجوارح؛ ولهذا قال ابن القيم عليه رحمة الله: مدار العبودية على خمسة عشر ركنًا [2].
"مدار العبودية"، ومراده: مدار ما يَتعبد به المُتعبِّد، فإن العبادة منقسمةٌ على القلب، وعلى الجوارح، وعلى اللسان، فهي منقسمةٌ على ثلاثةٍ: إما أن تكون العبادة باللسان، وإما أن تكون بالجوارح، وإما أن تكون بالقلب، وهذه الثلاثة الأشياء.
تقسيم أفعال العباد إلى الأحكام التكليفية الخمسة
فإن ما يقوم به العبد عملًا أو تركًا له خمسة أحكامٍ:
- فإما أن يكون ما يقوم به العبد واجبًا.
- وإما أن يكون مستحبًّا.
- وإما أن يكون نُهي عن محرمٍ، فهو يجتنبه طاعةً لله .
- وإما أن يكون مكروهًا، فهو يتركه طاعة لله .
- وإما أن يكون مباحًا، فهو يأتيه؛ لأنه علم حُكمه من الله أنه أباحه، فهو لم يتجرأ عليه إلا لأنه علم أن الله أباحه.
فصارت: خمسة أحكامٍ متعلقةٍ باللسان، وخمسة أحكامٍ متعلقةٍ بالقلب، وخمسة أحكامٍ متعلقةٍ بالجوارح؛ فصار مدار العبودية على هذه الخمسة عشر.
ولهذا فإن هذه العبودية لا تكون فعلًا ولا تركًا إلا لله ، تُخلصها لله ، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11]، والشيء الخالص: هو الصافي من الشوائب، الذي تفعله تريد به وجه الله، تفعله لله ، لا تفعله لأحدٍ من الخلق.
الشرك ضد التوحيد
ولهذا فإن الشرك ضد التوحيد، الشرك: أن تُشرك مخلوقًا مع الله، ضد الإخلاص، الإخلاص: هو أن تُصفِّي العمل لله ، فتجعله لله وحده، فهذا هو التوحيد؛ أن تُفرِدَه بالعبادة، فإذا أدخلت معه غيره فهذا هو الإشراك، وهذا الإشراك هو ضد التوحيد؛ ولهذا لا يقبل الله منك العمل إلا أن يكون خالصًا.
وكل الأنبياء دعوا إلى إخلاص العبادة لله واجتناب الشرك؛ كما قال الله : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا، ماذا يقول هذا الرسول لمن أُرسل إليهم؟ جميعًا كل الرسل متفقون على هذا: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، يعني: أن العبادة حقٌ خالصٌ لله سبحانه وتعالى، لا يَشرَكه فيها أحدٌ.
معنى الطاغوت
ومأمورٌ أن تجتنب الطاغوت، والطاغوت هذا يشمل كل ما عُبِد من دون الله ، فكل ما عُبد من دون الله فإن الطغيان يتحقق فيه؛ إما من وجهين، أو من وجهٍ:
- فإن كان هذا المعبود من دون الله راضيًا أن يُعبد من دون الله ؛ فتحقُّق الطغيان فيه من وجهين.
- وإن كان هذا الذي عُبد لا يرضى بذلك، بل هو عبدٌ لله؛ كالملائكة والأنبياء ونحو ذلك، فإن الطغيان يرجع إلى العابد، فإن العابد طغى في تعامله معه، فتَجَاوَز به حده ورفعه إلى المنزلة التي ليست له، وهذه المنزلة: هي أنه يَصرف له العباد، وهذه المنزلة لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى.
ولهذا يوم القيامة يتبرَّأ هؤلاء الصُّلَحاء من الأنبياء، وأتباع الأنبياء والملائكة يتبرءون ممن عبدهم، يتبرأ عيسى من النصارى، ويتبرأ موسى من اليهود، ويتبرأ كل أحدٍ من أهل الصلاح والتقوى ممن عبده يوم القيامة؛ لأن هذا الذي عَبَدَه يخالف دينَه، فهو وإن زعم أنه يُحبه، وأنه يُعظِّمه؛ فهذا لا وزن له عند من عبده؛ لأن تعظيم الله هو المُتعيِّن، ولأن محبة الله هي المتعيِّنة؛ محبةَ عبادةٍ، وتعظيم عبادةٍ.
أمَّا أن يُحبَّه في الله ويُعظِّمه لأجل الله، فهذا راجعٌ إلى معنى التعبُّد لله سبحانه وتعالى؛ ولهذا حتى من حيث اللغة أُخذت العبادة من الطريق المُعَبَّد، والطريقُ المُعَبَّد: هو المُسهَّل الذي قد ذَلَّلته الأقدام للمشي، بحيث يكون الطريق سهلًا ليس فيه ممانعةٌ للذي يسير على هذا الطريق، هذا هو الطريق المُعَبَّد؛ ولذلك العبد ليس عنده ممانعةٌ لأمرٍ من أوامر الله ، وليس عنده اعتراضٌ على شرع الله ، فهو طريقٌ مُعَبَّدٌ، متعبدٌ لله .
فإذا خضع العبد لغير الله فصار غيرُ الله يُوجِّهه يمينًا وشمالًا؛ فإنه عبدٌ لمن يُوجهه، وعبدٌ لمن يُسيطر عليه، وعبدٌ لمن يستحوذ عليه؛ ولهذا فعُبَّاد الطواغيت هم تبعٌ للطواغيت، بمعنى: مستسلمون منقادون للطواغيت، وعُبَّاد الدنيا هم منقادون للدنيا.
ولهذا قال الرسول : تَعِسَ عبد الدرهم، تَعِسَ عبد الدينار، تَعِسَ عبد الخَمِيصة [3]، فهو عبدٌ لها؛ لأن أمرها مقدَّمٌ عنده على كل شيءٍ، فهو يخضع لها، وتُوجِّه مشاعره، وتُوجِّه سلوكه، وتُوجِّه حركة قلبه، فهو متوجِّهٌ لها توجُّهًا كليًّا، فصار عبدًا لها من هذه الحيثية.
ولهذا يوم القيامة يقول الله : من كان يعبد شيئًا فَلْيَتبعه، فيَتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، ويتبع من كان يعبد الأصنام الأصنام، ويتبع من كان يعبد الأوثان الأوثان، وتبقى هذه الأمة التي تعبد الرحمن ينتظرون أن يأتي ربنا سبحانه وتعالى [4].
فلهذا هذه العبادة لا بد فيها من الإخلاص، وهو شرطٌ أساسيٌّ فيها.
والإخلاص في كلا الأمرين في العبادة:
- الإخلاص فيما يتعلق بالعابد؛ من حيث الذل والانقياد والتعظيم والمحبة والتوكل والإنابة والخوف والرجاء، فلا بد أن تكون هذه الأعمال القلبية خالصةً لله سبحانه وتعالى.
- والإخلاص من حيث المُتعبَّد به؛ من حيث الشريعة، فلا يُصلِّي إلا لله، ولا يُزكِّي إلا لله، ولا يحج إلا لله، ولا يعمل إلا لله، ولا يجاهد إلا لله سبحانه وتعالى.
وهذا هو أساس الدين الذي بُعث به الأنبياء؛ ولهذا فإن الرسول كان يدعو الناس إلى هذا الأساس، وأعظم كلمةٍ تدل على هذا الأساس: هي كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله"، فإن هذه الكلمة تُبيِّن أن العبادة لا تكون إلا لله، لا بد أن تكون العبادة خالصةً لله؛ ولهذا لما دعا رسول الله المشركين إلى هذا الإخلاص؛ اعترضوا وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن هناك آلهةً من دون الله .
ومعنى من دون الله: أنها أصغر من الله، ليست مثل الله؛ لأنهم يعرفون أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المدبِّر، وهو المالك، لكنهم يجعلون هؤلاء وُسَطاء عند الله وشفعاء، ويُعطونهم شيئًا من العبادة: خوفًا ورجاء وتذللًا ومحبةً وتعظيمًا، ولهذا كان هذا الأمر قد انغرس في نفوسهم، فرفضوا الإخلاص، وقالوا: هناك آلهةٌ مع الله لا نتركها.
بداية انحراف البشرية عن التوحيد
وهذا الأمر هو انحرافٌ طرأ على البشرية، فإن الله سبحانه وتعالى لما خلق آدم ؛ خلقه موحِّدًا عابدًا لله سبحانه وتعالى، وفَطَر ذريته على التوحيد، لكن الشياطين اجتالتهم عن هذه الحنيفية السمحة، عن إخلاص العبادة لله ، فأمرتهم أن يعبدوا غير الله، وأن يُحلِّلوا وأن يُحرِّموا من دون الله .
ولهذا كما ثبت عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أن ذرية آدم كانت على التوحيد عشرة قرونٍ [5]، فإن آدم رجلٌ موحِّد نبيٌّ مكلَّمٌ، وليس كما يزعم أهل الحفريات وأهل مقارنة الأديان الذين يقولون: إن العبادة تطورت من عبادة الطَّوْطَم [6]، إلى عبادة الأصنام، إلى عبادة الآباء، إلى التوحيد، فهذا كذبٌ محضٌ، ومُعارِضٌ لنص القرآن.
فإن آدم نبيٌّ مكلَّمٌ، وهو موحِّدٌ لله ، وإنَّ ذُرِّيَّته بقيت على التوحيد عشرة قرونٍ، ثم مات مجموعةٌ من الصُّلَحاء من ذرية آدم من العلماء الكبار من أهل التوحيد، فحزن الناس عليهم.
فلما رأى الشيطان حزن الناس على هؤلاء؛ أخذهم في الانحراف بالتدريج، فأمرهم أن يُصوِّروا هؤلاء الذين ماتوا وهم على التوحيد، ويَنصِبوا هذه الصور إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها، والعلَّة التي بيَّنها لهم في البداية، قال: إذا رأيتم هؤلاء؛ تذكرتم ما كانوا يفعلون من الدين ففعلتم كما يفعلون.
إذنْ البداية كأنه يَحُض على التوحيد، يقول: صَوِّروا هذه الصور ثم اجعلوها في مجالسكم، ثم تتذكرون بهذه الصور ما كانوا يقومون به من العبادة لله ؛ فتجتهدون في العبادة، فأطاعوه إلى ذلك، وهذه بداية الانحراف، أطاعوه إلى هذا الأمر، فصَوَّروهم ونصبوا هذه الصور إلى مجالسهم، لم تُعبَد في البداية، لكن بعد فترةٍ، وبعد أن ذهب أهل العلم الذين يعلمون لماذا نُصبت هذه الصور. يعني: بعد أن ذهب الجيل الذي كان يعرف أن هذه الصور إنما نُصبت؛ لتُذكِّر بالعبادة.
ولهذا كما جاء في الحديث الصحيح: حتى إذا هَلَك أولئك وتَنَسَّخَ العلمُ؛ عُبِدَت [7]؛ لأنه جاء لهم مرةً ثانيةً وقال: أتدرون لماذا نصبوهم؟ إنهم يتوسلون بهم إلى الله، ويتقربون بهم إلى الله ، فهم وسيلةٌ إلى الله، ويتبركون بهم، فعند ذلك عُبدت هذه الصور، وصارت أصنامًا وأوثانًا تُعبد من دون الله .
ثم أرسل الله نوحًا -أول الرسل- ليُبيِّن للناس أن هذا الشرك مضادٌّ لدين الله ، وأنه لا بد من البراءة من هذه الأصنام، ومن إخلاص العبادة لله ، فاعترض عليه قومه ولم يُصدِّقوه.
وغالبًا كل أمةٍ يأتيها رسولٌ أو نبيٌّ يطعنون فيه بثلاثة أشياء:
- الأول: أنه بشرٌ، ويريدون أن يرسل الله غير البشر؛ ملائكةً، أو شيئًا من هذا.
- الثاني: أن هذا البشر -الذي هو مثلهم- يطعنون فيه بأنه ساحرٌ.
- أو مجنونٌ، إما أن به جنونًا، أو أن به سحرًا.
ولهذا مكث فيهم نوحٌ سنين طويلةً ولم يُسلِم منهم إلا القليل، ثم دعا اللهَ فانتصر له، وجاء الطوفان وغَمر هذه الأصنام تحت الأرض، فبقي الشرك مستمرًّا والأنبياء في دعوتهم مستمرِّين [8].
دخول الأصنام إلى مكة وقبائل العرب
وبعد أن جاء إبراهيم إلى هذا البلد المبارك بأمرٍ من الله ، وبعد أن أسكن ابنه إسماعيل ، الذي هو نبيٌّ رسولٌ مكرمٌ أيضًا، فإن إبراهيم دعا الناس إلى توحيد الله ، فعاش الناس الذين في مكة وحولها على هذه الدعوة المباركة -وهي دعوة إخلاص العبادة لله - فترةً من الزمن.
ثم أعاد الشيطان عليهم الكرَّة، ووسوس إلى رجلٍ زعيمٍ لمكة، وهو عمرو بن لُحَيٍّ الخُزاعي، ودَلَّه على موضع الأصنام التي طمرها الطوفان في ساحل البحر جهة جدة، فدلَّه على مكانها، واستخرجها عمروٌ بن لُحَيٍّ، وزيَّن له أن يدعو الناس ويدعو قبائل العرب إلى عبادة هذه الأصنام فاستجابوا له.
ولهذا حتى الأسماء التي كانت معروفةً في زمن نوحٍ أعاد هذه التسمية.
من الذي أخبره بأسمائها؟! لا شك أنه الشيطان، من الذي أخبره بـ (وَدٍّ وسُوَاعٍ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ)؟!
ووُزِّعت هذه الأصنام على القبائل من العرب: صنمٌ لهُذيلٍ، وصنمٌ لغيرهم من القبائل، فوزِّعت هذه الأصنام بين العرب، وبنفس الأسماء التي كانت في قوم نوحٍ : (وَدٌّ وسُوَاعٌ ويَغُوثُ ويَعُوقُ ونَسْرٌ).
ولم يقتصر العرب على هذه الأصنام، بل زادوا عليها؛ زادوا مَنَاة، زادوا اللات، زادوا العُزَّى، زادوا هُبَل، زادوا ذا الخَلَصَة، فكثُرت الأصنام إلى درجة أن الذي لا يكون عنده صنمٌ يعبده من العرب، إذا سافر في مكانٍ وليس عنده صنمٌ؛ يأخذ أربعة أحجارٍ من الوادي، ثم هذه الأحجار الأربعة ثلاثةٌ منها يضعها أثافي للقِدر يَطبخ الغداء عليها أو العشاء، معروفةٌ الأثافي (مَركب)، يأخذ أحجارًا ثلاثةً ويضع القدر عليها، ثم ينظر إلى أفضل هذه الأحجار، إما أن يكون مروةً أو حجرًا أملس جميلًا، ثم يتوجه له بالعبادة، فيضع عليه طعامًا، يُقدِّم عليه طعامًا، يُقرب له شيئًا، أو يحلب عليه شاةً، من الحليب، ثم يطبخ غداءه أو عشاءه، فإذا انتهى؛ ترك هذا الرب [9].
فمعنى هذا: عبادةٌ وقتيَّةٌ، فعنده أنه إذا توجه بقلبه إلى معبودٍ صغيرٍ؛ فإن هذا المعبود يتوسط له عند الله ، وهذا أمرٌ عجيبٌ! ولهذا كثرت الأصنام عند العرب كثرةً عجيبةً! حتى إن الرسول لما فتح مكة؛ وجد في الكعبة ثلاثمئةٍ وستين صنمًا؛ من كثرة الأصنام عندهم، وكل واحدٍ منهم يَتخذ له صنمًا، حتى إن بعضهم يأتي بخشبٍ جميلٍ ويُصوِّره على صورة شخصٍ فيعتبره إلهًا له.
ويَذكرون أن أحد الأنصار -قبل أن يمن الله عليه بالإسلام- كان عنده صنمٌ، فهو يُطيِّبه ويُجمِّله ويجعله بناحية البيت، فإذا سافر؛ تمسَّح به لأجل البركة، وإذا أراد أن يغزو أو كذا؛ تمسَّح به، وإذا جاءته مصيبةٌ؛ جاءه يسترضيه، من جنس الأحجار التي في الوادي، فلما أسلم بعض فتيان الأنصار؛ جاءوا إلى هذا الرجل فأخذوا صنمه وهو لا يدري، فرموه في بئرٍ تُرمى فيها النجاسات، بئرٍ مهجورةٍ لا يشرب منها أحدٌ، فلما جاء؛ لم يجد المعبود الذي كان يعبده، فغضب غضبًا شديدًا، من الذي أخذ معبودنا؟! فصار يبحث عن معبوده حتى وجده في البئر مع النجاسات، فأخذه من النجاسات وغَسَّله وطيَّبه وقال: والله لو أعرف من صنع بك هذا؛ لأفعلن به وأفعلن.
فتركه هؤلاء الفتيان حتى ذهب من البيت، فأخذوا هذا الصنم وذهبوا به إلى كلبٍ ميتٍ وربطوه في هذا الكلب الميت، فلما جاء؛ فإذا الرب الذي يعبده غير موجودٍ، فغضب غضبًا شديدًا، من هذا الذي يتسلَّط على معبودي؟! فلما جاء؛ فإذا هو مربوطٌ مع كلبٍ ميتٍ، فهنا تحركت عنده الفطرة وقال: هكذا يُفعل بك وأنا أريد منك الفائدة؟! أنا أريد منك أن تتوسط لي عند الله؟! ألا تتوسط أنت عند الله أن يكف عنك شر هؤلاء الأشرار؟! ولهذا وضع السيف عنده، وقال: إن كان فيك خيرٌ فانتصر لنفسك، إذا جاءك السُّرَّاق يريدون أخذك؛ فهذا السيف عندك! وهذه بداية الشك فيه فائدة هذه العبادة.
فلما رأى هؤلاء الفتيان هذا الشك عند الرجل؛ جاءوا إليه وقالوا له: اتق الله في نفسك، تترك خالق السماوات والأرض، والعرب الذين كانوا يُشركون يعرفون أن الله خالق السماوات والأرض، يعرفون هذا جيدًا، ما عندهم إشكالٌ فيه، لكنهم يجعلون هؤلاء وسائط، فقالوا: تترك خالق السماوات والأرض المالك المتصرف وتعبد هذا الخشب الذي أنت قطعت أخشابه من الوادي؟! [10]، يعني قبل أن تَقطع هذه الخشبة ما كانت ربًّا، ما كانت معبودًا.
فهذا يدل على أن الناس تعلقوا بأسماءٍ سمَّوها، ليس آلهةً حقيقيةً، ولا يمكن أن يكون مع الله إلهٌ، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، لا يمكن أن يكون الإله الحق إلا واحدًا.
أولوية الدعوة إلى التوحيد قبل سائر الأعمال
ولهذا كان الرسول أول ما يَبدأ من يدعوهم؛ يدعوهم إلى هذا الأصل، فإن استسلموا له نجحوا، وإن لم يستسلموا، مهما فعلوا من الأعمال؛ فلن تُقبل منهم.
أرسل الرسول معاذ بن جبلٍ إلى أهل اليمن، وكان أهل اليمن فيهم قومٌ من أهل الكتاب، فقال له: إنك سوف تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يعبدوا الله [11]، بمعنى: أن يُفردوا الله بالعبادة؛ لأنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون غيره، لكن لما قال: إلى أن يعبدوا الله، يعني: أن يُفردوا الله بالعبادة؛ بدليل الروايات الأخرى للحديث، فإن الروايات الأخرى للحديث جاء فيها: إلى أن يوحِّدوا الله [12]، وفي بعض الروايات: إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله [13].
وهو لم يقل لمعاذٍ كل هذه الألفاظ، لم يقل لمعاذٍ : إلى أن يُوحِّدوا الله، وإلى أن يعبدوا الله، لا، لكن الصحابة عربٌ خُلَّص، يعرفون المعنى الصحيح، فيَرْوُونه بالمعنى؛ فدل على أن المعنى واحدٌ، وأن هذه الرسالة التي أَرسَل بها معاذًا واحدةٌ: وهي إخلاص العبادة لله .
وكان العرب يُدركون هذا المطلب من الرسول إدراكًا قويًّا، استمعوا إلى قصة أبي سفيان، فإن أبا سفيان كان زعيم المشركين، وهو زعيمهم بغزوة أُحُدٍ، وهو الذي يُؤلِّب على الرسول ، فلما جاء صلح الحديبية، وصار بين المشركين وبين الرسول صلحٌ؛ اختلط الناس بعضهم في بعضٍ، فصار المسلمون يُقابلون المشركين، والمشركون يقابلون المسلمين ويسمعون منهم، وهؤلاء يسمعون، وهم قد سمعوا ذلك من الرسول ، فأرسل الرسول كتابًا إلى عظيم الروم هِرَقْل يدعوه فيه إلى إخلاص العبادة لله ، وهي الكلمة السواء: أن يعبدوا الله، وألا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله .
وكان هرقل يجد صفة الرسول في التوراة والإنجيل، فإن النصارى يتعبَّدون بالتوراة، فهم يقرءون التوراة، ويسمونها "العهد القديم"، ويقرءون الإنجيل ويسمونه "العهد الجديد".
فهو يجد صفات الرسول عندهم، وكان يظن أنه سوف يُبعث من بني إسرائيل، ولم يَرِد بذهنه أنه سوف يُبعث من العرب؛ ولهذا لما جاءه الكتاب؛ سأل: هل يوجد تجارٌ من تجار العرب في البلد؟ فقيل: نعم، فصادف أن هذه المجموعة التي جاءت للتجارة إلى الشام فيهم زعيم مكة أبو سفيان، هو زعيم القافلة، فجيء بهم إليه، فصار يتكلم معهم عن طريق المترجم، وسألهم: من أقرب الناس إليه نسبًا؟ فأشاروا إلى أبي سفيان، صار أبو سفيان هو الذي يتكلم، وهرقل يسأله عن هذا الرسول، وأيُّ شيءٍ يدعو إليه؟ سأله أسئلةً كثيرةً لها دلالاتٌ عظيمةٌ في دلائل النبوة.
لكن مما يتعلق بموضوعنا هذا أنه سأله: إلام يدعوكم؟ يعني: هذا النبي إلى أي شيءٍ يدعوكم؟ فقال: يدعونا إلى عبادة الله وحده، وأن نترك ما يقول آباؤنا، يعني: نترك الشرك ونُخلص العبادة لله ، يدعونا إلى عبادة الله وحده، وأن نترك ما يعبد -أو ما يقول- آباؤنا، ويدعونا إلى الصدق وإلى العفاف وإلى أداء الأمانة وإلى الوفاء بالعهد، فعرف هذا الكافر أن هذا هو النبي وأيقن، وقال: سوف يملك موضعَ قدمي هاتين، هو لا يعلم الغيب، لكنه يجد هذا في الكتب السابقة، قال: يملك موضع قدمي هاتين [14].
فدل على أن أعظم دعوةٍ: هي الدعوة لهذا التوحيد، وأنه مهما عمل العبد من العبادات؛ فإنها لا تُقبل ما لم يُصحِّح التوحيد؛ ولهذا لما أرسل معاذًا إلى اليمن؛ قال: تدعوهم إلى عبادة الله، فإن هم استجابوا لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات [15]، يعني: وإن لم يستجيبوا؛ فلا تُعلِمهم، لا تقل لهم: إن عليكم صلاةً؛ لأنها لا تُقبل منهم وهي ليست عليهم، هي شرطها الإسلام: أن تستسلم لله ، وأن تُخلص الدين لله ، فإن الذي لا يُصحِّح توحيده؛ لا تُقبل منه العبادة.
ولهذا كان الرسول يُكرِّر هذا الأمر للصحابة دائمًا وأبدًا، لم يكتفِ بالبيان الأول الذي كان في مكة، لا، يربط الشرائع بالتوحيد، ويُكرِّر عليهم هذا الأمر، انظروا إلى قصة معاذ بن جبلٍ يقول: ركبت مع الرسول على حمارٍ، يعني رديفًا للرسول على حمارٍ، حمارٍ يركبونه، والحمار معروفٌ، والحمار أحيانًا يكون فيه من القوة ما يَحتمل رجلين.
فركب الرسول عليه وركب معاذٌ رديفًا للرسول ، وهذا يأخذ العلماء منه: تواضع الرسول ؛ فإنه لا يَستنكِف أن يركب حمارًا، ولا يستنكف أن يكون معه رديفٌ، فهو بشرٌ كغيره من البشر، ليس فيه تعاظُم الملوك ولا كبرياء الملوك، عبدٌ من العبيد لله .
ولهذا التفت إلى معاذٍ -ومعاذٌ موحِّدٌ، ويعرف التوحيد ويدعو إلى التوحيد- وقال له: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟، فقال معاذٌ: الله ورسوله أعلم، ولم يُجبه، يريد أن يسمع من الرسول ، ثم سكت، فكرر عليه السؤال ثلاث مراتٍ، فقال : حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا [16]، هذا أعظم حقٍّ، أعظم حقٍّ على العباد: أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].
ولعظم شأن هذا الأمر أيضًا يأتي جبريل بعد الهجرة، والقرآن مملوءٌ من الدعوة إلى التوحيد، والرسول قد فقه هذه الدعوة ونقلها للناس، ومع هذا يأتي بطريقةٍ جديدةٍ وبأسلوبٍ جديدٍ، فيأتي بصورة رجلٍ، ثم يقول للرسول : أخبرني عن الإسلام، فيُخبره الرسول [17]، وهذا لترسيخ هذه المفاهيم في أذهان المسلمين، فاختصر لهم الدين في درجاته الثلاث: في الإسلام، وفي الإيمان، وفي الإحسان.
وبدأ هذه الدرجات بأعظم أمرٍ في كتاب الله: وهو إخلاص العبادة لله ، التي تدل عليها أعظم كلمة: وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فإن "لا إله إلا الله"؛ لا معبود بحقٍّ إلا الله، ففيها إثباتُ العبادة لله، وفيها نفي العبادة عن غير الله ، بمعنى: أن يُفرَد، وهذا هو الإخلاص، أن يكون مخلِصًا؛ ولهذا فمعرفة معنى هذه الكلمة من أعظم الأمور التي يجب على العبد أن يفقهها، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19].
انحراف مفهوم التوحيد عند المتأخرين
ولما انحرف هذا المفهوم عند كثيرٍ من الناس (المتأخرين)؛ فما صاروا مثل العرب الأوائل؛ فإن العرب الأوائل يعرفون معنى "لا إله إلا الله"؛ ولهذا لما قال لهم: قولوا: "لا إله إلا الله"؛ رفضوا، لا يقولونها؛ لأنهم يعرفون ما الذي تدل عليه، وأنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله؛ يعنى: أنهم سوف يلتزمون بـ"لا إله إلا الله"، ولا ينقضون هذا الالتزام.
لكن لما انحرف هذا المعنى عند القرون المتأخرة؛ صاروا يُفسِّرون الكلمة بغير تفسيرها الصحيح الذي بيَّنه الرسول ، بل بينه الله في كتابه، فإن الحقائق الشرعية يُؤخذ تفسيرها من كتاب الله ومن سنة رسوله ، فإن الرسول قد بلَّغ البلاغ المبين، ووضح للناس كل ما يحتاجون إلى توضيحه، وبيَّن لهم معنى أعظم كلمةٍ في كتاب الله وفي سنة رسوله ، وهي "لا إله إلا الله".
لكن هذا المعنى بعد فترةٍ جاء من يُحرِّفه، فبدلًا من أن يقول: لا معبود بحقٍّ إلا الله، قال: لا خالق إلا الله، وبعضهم يقول: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا أمرٌ في غاية العجب! أعظم كلمةٍ ثم يخطئ الإنسان في تفسيرها! والذي يخطئ ليس بعاميٍّ، بل هم علماء كبارٌ يُؤلِّفون، وهذا بسبب علم الكلام، وبسبب الفلسفة، فتجد عالمًا كبيرًا يُفسِّر تفسيرًا، ويُفسِّر "لا إله إلا الله" بغير المعنى الذي فسرها به رسول الله .
فصار معنى "لا إله إلا الله" عندهم: أنه لا خالق إلا الله، ونَسُوا أو تناسَوا أن المشركين كانوا يقولون: لا خالق إلا الله، فلو كان معنى "لا إله إلا الله": لا خالق إلا الله؛ لكان المشركون من أهل التوحيد، وصار قتال الرسول لهم ظلمًا؛ ولهذا هم لا يرون التقرُّب -عن طريق التقرُّب للخلق- لا يرون هذا يُناقض "لا إله إلا الله".
وهذا الذي هوَّن على الجهلة من الناس أنهم يعبدون الأضرحة، ويتقربون إليها، وينذرون إليها، ويذبحون عندها، ويبكون عندها، وتَرِقُّ قلوبهم عندها، وتتوجه قلوبهم لها، ويخضعون عندها خضوعًا عجيبًا! وإذا ألمَّت بهم المصائب؛ جاءوا إليها، ويظنون أن هؤلاء وسائط تُقرِّب إلى الله، وهو نفس ظن المشركين الأوائل، حَذْوَ القُذَّة بالقذة؛ ولهذا تجدهم جعلوا الآن مزاراتٍ، هذا قبر السيد البدوي، وهذا قبر الحسين، وهذا قبر العيدروس، وهذا قبر عبدالقادر الجيلاني، ونصبوها، وهذا من أعظم الجهل، فأين قبور العشرة المبشرين بالجنة؟! فأين قبور أهل بدرٍ؟! فأين قبور أهل بيعة الرضوان؟!
هذا الفعل الذي يفعله بعض الناس اليوم أتاهم الشيطان به من جهتين:
- الجهة الأولى: أنه حرف عليهم معنى "لا إله إلا الله".
- الجهة الثانية التي أتاهم منها: أنهم اتبعوا الأمم السابقة التي حذرنا الرسول من اتباعهم.
حيث قال: ألا لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يُحذِّر ما صنعوا [18]، ألا لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد؛ ولهذا هذه القبور لم تحدث في القرون الثلاثة المفضَّلة، خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم [19].
وهذه القبور الآن تجد من يبكي عندها أعظم من بكائه في بيت الله، أو في عرفة أو في مزدلفة، أو نحو ذلك، يبكي عند هذه القبور، ويريد من هذه القبور أن تشفع له عند الله، أو تتوسط له عند الله.
والعجيب في الأمر -وانتبهوا إلى هذا الأمر- أنهم إذا جاءوا عند القبر، يعني مثلًا إذا جاءوا عند قبر الحسين، لا يقول له الشخص: أنا فلان ابن فلانٍ يا حسين، لا، عنده أن حسينًا يعرف كل من أتى! يعني هذه الملايين التي تأتيه، حسينٌ يعرفها جميعًا! وحسينٌ براءٌ منهم، فإنه سيدٌ من سادات شباب أهل الجنة، حسينٌ مشهودٌ له بالجنة [20].
لكنهم طغوا فيه وعظموه بغير الحق، وإلا فكيف تأتي هذه الملايين عنده ويُنادونه: يا حسين؟! يقول أحدهم: أنا مريضٌ، والآخر يقول: أنا فقيرٌ، والآخر يقول: أولادي في الثانوية، يريد لهم نجاحًا، ولا يقول: أنا فلان ابن فلانٍ؛ فمعنى ذلك: أن الحسين يعرف أسماء هؤلاء!
الأمر الثاني: أنه لا يتكلم بلغة حسينٍ، فإن حسينًا عربيٌّ، لا يعرف الفارسية والأردية وغيرها من اللغات، وهؤلاء يتكلمون بلغاتهم التي جاءوا بها: أوردو، فارسي، عربي، إنجليزي؛ فمعنى ذلك: أن حسينًا صار يعرف جميع البشر، وصار يعرف جميع اللغات، ولا تختلط عليه الحاجات.
هذا الكلام هذا ليس شركًا في الإلهية فحسب، بل شركٌ في الربوبية، أعطَوه خاصيةً من خصائص الله : وهي علم الغيب المطلق، لا يُختلف عليه.
الناس الآن عندما يَدْعون الله ؛ لا أحد يُترجم لله ، كلٌّ يدعو بلغته، لكن يعلم يقينًا أن الله يعلمه، لا يحتاج أن يذكر اسمه لله ؛ لأنه يعلم يقينًا أن الله يَعلم اسمه، لكن هؤلاء الذين يأتون عند البدوي، أو عند حسينٍ، هل يعرفون هذه المعاني؟!
الأمر العجيب أنه يقول: لا إله إلا الله! فإذا قلت أنت له: أنت تقول: لا إله إلا الله، فسِّر لي ما معنى: لا إله إلا الله، قال: لا خالق إلا الله، أرأيتم كيف جاء الخلل؟!
فتقول: أنت تعبد الحسين وتعبد البدوي! قال: لا، هذا واسطةٌ، هذا شفيعٌ لي عند الله، الحسين لا يخلق، البدوي لا يخلق، فلا يراها تتعارض، لا يرى هذا يتعارض، لا يرى هذا يُعارض هذا.
لما حصل الانحراف في الفهم؛ حصل الانحراف في السلوك، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية؛ ولهذا عندما يدعو المسلم الناس؛ يدعوهم إلى أن يرجعوا إلى ما كان عليه الرسول وأصحابه؛ لئلا تختلط عليه هذه المفاهيم.
ولهذا الرسول ضَمِن العصمة لمن كان على مثل ما هو عليه وأصحابه ، لما قال في حديث الافتراق: كلها في النار إلا واحدةً، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي [21].
ولهذا عندما نقول للناس: إذا أردتم أن تعرفوا الدين الحق؛ فارجعوا إلى فهم الصحابة ؛ لأنهم تلقَّوا العلم الصحيح من الرسول ، فهذا الدين جاءنا عن طريقهم، ولهذا لما جاء الروافض وكَفَّروا جُلَّ الصحابة اعتُبر أن هذا مِن حقدهم على الدين؛ لأنهم يريدون قطع السند بيننا وبين الدين، إذا كانوا يقولون: الصحابة كلهم كفروا إلا بضعة عشر رجلًا، فكيف نأخذ السنة؟ عمن؟ وكيف نأخذ؟
ولهذا لما أرادوا أن يصنعوا دينًا؛ صنعوا له أسانيد، وأكثرها إلى أبي جعفرٍ المنصور، إلى جعفر الصادق، أو إلى الحسن، أو الحسين، أو أمير المؤمنين عليٍّ، لا ينقلون شيئًا عن الصحابة، لا يقولون: حدثنا بالسند معاذ بن جبلٍ، ولا عن أبي بكرٍ الصديق، ولا عن عمر الخطاب ، هؤلاء ما يأخذون الدين عن طريقهم؛ لأنهم يرونهم كفروا.
انتبهتم لهذا الأمر الخطير؟! كيف يريدون أن يُشكِّكوا الناس في هذا الدين، وأن هذا الدين ما يُؤخذ إلا عن طريق بضعة رجالٍ من أهل البيت!
ولهذا لما لم يجدوا أسانيد صحيحةً، ولا رواياتٍ صحيحةً؛ ركَّبوا أسانيد: حدثنا فلانٌ..، وهي كلها أسانيد مركبةٌ غير صحيحةٍ.
ولهذا فإن هذا الأمر في غاية الأهمية أن يهتم الناس بتصحيح أعظم أمرٍ في القرآن: وهو إخلاص العبادة لله ، لا بد أن يهتموا بهذا الاهتمام، وأن يأخذوه من مصدره، من الكتاب والسنة، مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]، أكمل الله الدين لنبيه محمدٍ قبل أن يموت، ما لم يكن دينًا في زمن الرسول فلن يكون دينًا بعده البتَّة.
وهذه الدعوة إلى التوحيد الخالص هي في غاية الأهمية، وعلى طلاب العلم والدعاة إلى الله أن يُبصِّروا الناس بهذا الأمر؛ فإن الناس ما راجت عليهم الانحرافات إلا لما جهلوا هذا الأمر.
انظروا، لما تكلم الرسول عن عمرو بن لُحَيٍّ الخزاعي، وقال: إنه رآه في نار جهنم يجر قُصْبه في النار -يجر أمعاءه- فذكر السبب وقال: لأنه أول من غيَّر دين إبراهيم [22].
وهذا التغيير يتمثل في أمرين:
- الأمر الأول: أنه دعا الناس إلى عبادة الأصنام.
- الأمر الثاني: أنه شرَّع للناس من دون الله، فحلَّل وحرَّم.
فهو أول من سيَّب السوائب، يعني يأتي ببعض الإبل، ويقول: هذه دَرُّها للطواغيت، يعني للأصنام، فلا تُحلب إلا عند الأصنام، وهذه ظهورها حرامٌ، وهذه بَحِيرةٌ [23]، وهذه وصيلةٌ [24]، فهو أول من غير الشرائع.
ولو كان الناس يعرفون أن إخلاص الدين لله يترتب عليه ألا يقبلوا شريعةً من البشر، اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]؛ هل تُروَّج القوانين الوضعية على الناس؟! هذه القوانين التي تُغيِّر أحكام الله ، يأمر الله برجم الزاني، ويقولون هم: لا، احبسوا الزاني، يأمر الله بقطع يد السارق، فيقولون: لا، غرِّموا السارق، ما الفرق بين هذا التغيير وتغيير عمرو بن لُحَيٍّ الخزاعي؟
نكتفي في هذا المجلس بما سمعتم، وسبحانك اللهم، وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
| ^1 | رواه البخاري: 3443. |
|---|---|
| ^2 | ينظر مدارج السالكين (1/ 165). |
| ^3 | رواه البخاري: 2887، بنحوه. |
| ^4 | رواه البخاري: 7437، ومسلم: 182. |
| ^5 | رواه الحاكم: 3694. |
| ^6 | الطوطم: اسم يطلقه جماعة من الناس على حيوانهم الخاص الذي يعبدونه. ينظر قصة الحضارة لويليام ديورانت (1/ 106). |
| ^7 | رواه البخاري: 4920. |
| ^8 | ينظر جامع البيان للطبري (23/ 303-305)، والعظمة لأبي الشيخ (5/ 1590-1591). |
| ^9 | ينظر كتاب الأصنام لان الكلبي (ص 13-18). |
| ^10 | ينظر الطبقات الكبرى لابن عساكر (4/ 373-374). |
| ^11 | رواه البخاري: 1458، ومسلم: 19. |
| ^12 | رواه البخاري: 7372. |
| ^13 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19. |
| ^14 | ينظر صحيح البخاري: 7، ومسلم: 1773. |
| ^15 | سبق تخريجه. |
| ^16 | رواه البخاري: 7373، ومسلم: 30. |
| ^17 | رواه مسلم: 8. |
| ^18 | رواه البخاري: 1390، ومسلم: 529، بنحوه. |
| ^19 | رواه البخاري: 6658، ومسلم: 2533. |
| ^20 | رواه الترمذي: 3768، والنسائي: 8113، وأحمد: 11636، وقال محققو المسند: إسناده صحيح. |
| ^21 | رواه الترمذي: 2641، والطبراني: 14646، والحاكم: 444، وحسنه الألباني. |
| ^22 | رواه ابن أبي عاصم في كتاب الأوائل: 166، وابن حبان: 2993، والحاكم: 9046، وصححه الألباني كما في صحيح موارد الظمآن (2/ 525)، ورواه البخاري: 4623، ومسلم: 2856، مختصرا. |
| ^23 | البحيرة: بنت السائبة، تُشق أذنها وتترك مع أمها لا يُنتفع بهما. مشارق الأنوار للقاض عياض (ب ح ر). |
| ^24 | «الوصيلة: هي الشاة إذا وَلدت ستة أبطن، أنثيين أنثيين، وولدت في السابعة ذكرا وأنثى، قالوا: وصلت أخاها، فأحلوا لبنها للرجال، وحرموه على النساء. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (و ص ل). |