- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
وقفات مع السيرة النبوية

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
الدرس الأول: مختارات من هجرة النبي
فالدرس الأول في السيرة النبوية، ومعنا اليوم: مختاراتٌ من هجرة النبي .
وقد أخَّرت هذا الموضوع؛ نظرًا لأن الهجرة النبوية تمت في هذا الشهر، في شهر ربيعٍ الأول؛ فكان من المناسب الحديث عن الهجرة النبوية في هذا الشهر.
قصة الهجرة النبوية
بعد أن أمر النبي أصحابه بالهجرة -يعني من مكة إلى المدينة- ولم يَبقَ في مكة من القادرين على الهجرة إلا رسول الله وأبو بكرٍ الصديق وعلي بن أبي طالبٍ؛ عند ذلك كَبُر على المشركين هذا الأمر، ورأوا أن خروج رسول الله إلى المدينة يُعَدُّ خطرًا كبيرًا على أمنهم، فاجتمع زعماؤهم في دار الندوة، وهي عبارةٌ عن مجلسٍ يجتمعون فيه معروفٍ في الجاهلية، واتَّخذوا بعد المشاورة أسوأ وأخطر قرارٍ اتفقوا عليه، وهو الإقدام على قتل رسول الله .
مؤامرة قريش للتخلص من النبي
قال محمد بن إسحاق رحمه الله: ولما رأت قريشٌ أن رسول الله قد صارت له شيعةٌ وأصحابٌ -يعني في المدينة- وأصحابٌ من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم؛ عرفوا أنه قد نزل دارًا فيها مَنَعَةٌ وحمايةٌ له، وأصابوا منهم منعةً؛ فحَذِروا (خافوا) من خروج رسول الله إليهم، وعَرَفوا أنه قد أَجمَعَ لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة -وهي دار قُصَي بن كلابٍ- التي كانت قريشٌ لا تقضي أمرًا إلا فيها، وصاروا يتشاورون فيها: ماذا يصنعون في أمر رسول الله حين خافوا منه؟ [1].
ثم ذَكَر -فيما رواه عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما- ما تم بينهم من المشاورة والمداولة؛ حيث رأى بعضهم أن يحبسوه في الحديد حتى يموت، ورأى بعضهم أن يُخرجوه من بلادهم، ورأى بعضهم أن يقتلوه، وأن يتولى قتله شبابٌ من قريشٍ، سائر فروع القبيلة؛ حتى يتفرق دمه في القبائل، وكان هذا رأي أبي جهلٍ، وقد استقرَّ رأيهم على ذلك، وقد ذكر الله سبحانه هذه الآراء الثلاثة بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، وقوله تعالى: لِيُثْبِتُوكَ، يعني: ليحبسوك.
وأخرج الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال في قول الله : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ [الأنفال:30]، قال: تشاورت قريشٌ ليلةً بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح؛ فأثبِتوه بالوَثَاق، يعني: الحبس، يريدون النبي ، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرِجوه، فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات عليٌّ على فراش رسول الله" [2] ، يعني: بأمر رسول الله ، كما سيأتي.
خروج النبي إلى الغار
وخرج رسول الله حتى لحق بالغار -يعني غار ثورٍ المعروف الذي هنا- وبات المشركون يحرسون عليًّا، يحسبون أنه النبي ، يعني: من خِلَال الباب ينظرون، وقد كان من عُرف العرب في الجاهلية -وهم كفارٌ- لا يتسوَّرون البيوت، يعني: بقُوا خلف الباب ينتظرون حتى الصباح، يَرون أن تسوُّر البيوت عارٌ وعيبٌ كبيرٌ!
فلما أصبحوا وخرج رسول الله حتى لحق بالغار -يعني بعدما مرَّ على أبي بكرٍ كما سيأتي- وبات المشركون يحرسون عليًّا، يحسبونه النبي ، فلما أصبحوا؛ ثاروا عليه، فلما رأوا عليًّا؛ رَدَّ الله مكرهم -يعني فاتهم الرسول - فقالوا: أين صاحبك هذا؟ يعني الرسول، قال: لا أدري، فاقتصُّوا أثره، أثر الأقدام، فلما بلغوا الجبل -يعني جبل ثورٍ- اختلطَ عليهم، فصعدوا في الجبل، لم يتركوا حتى الجبال، فمروا بالغار، فرأوا نسج العنكبوت على بابه.
العنكبوت لمَّا دخل الرسول وأبو بكرٍ ؛ نسجت في ليلةٍ واحدةٍ باب العنكبوت كله؛ تسخيرًا من الله ، فلما رأوا نسج العنكبوت؛ قال أحدهم: هذا العنكبوت قد نَسَج قبل ميلاد محمدٍ، يعني: لا تبحثوا في الغار، فبات فيه ثلاث ليالٍ [3].
وبهذا التدبير الإلهي أحبط الله مؤامرتهم، وأبطل مكرهم، كما بيَّن ذلك بقوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30].
ترتيب أمور الهجرة
وأخرج الإمام البخاري بإسناده عن عائشة رضي الله عنها -وهذا فيه تفصيلٌ لخروج النبي - قالت: "فبينما نحن جلوسٌ في بيت أبي بكرٍ، في نَحْر الظَّهِيرة، والمشركون في الصيف -يعني أهل مكة- لا يخرجون في الظهيرة، في الحر الشديد يبقون في بيوتهم؛ فلذلك الرسول خرج في هذا الوقت؛ حتى لا يراه المشركون، ونحن جلوسٌ في بيت أبي بكرٍ في نحر الظهيرة، فقال قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسول الله متقنِّعًا، يعني: متلثمًا في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكرٍ: فِداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ، يعني: أمرٌ مهمٌّ.
قالت: فجاء رسول الله فاستأذن فأُذِن له فدخل، فقال النبي لأبي بكرٍ: أَخرِج مَن عندك يعني: الأمر سِرِّيٌّ، قال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله! يعني: أسماء وعائشة -كما جاء في روايةٍ أخرى - قال: فإني قد أُذِن لي في الخروج، قال أبو بكرٍ: الصِحابة بأبي أنت يا رسول الله؟ يعني: أكون صاحبًا لك؟ قال رسول الله : نعم.
قال أبو بكرٍ: فخُذ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى راحلتَيَّ هاتين، قال رسول الله : بالثَّمَن -يعني يُريد أن يُكتب له أجر هذا المال الذي أنفقه في هذه الرحلة الشريفة- قالت عائشة: فجهَّزناهما أَحَثَّ الجَهَاز -أسرعه- وصنعنا لهما سُفرةً في جِرابٍ -الذي يوضع فيه الأكل- فقَطَعَت أسماء بنت أبي بكرٍ قطعةً من نطاقها -يعني التي تغطى به رأسها- فرَبَطَت به على فم الجراب؛ فبذلك سُمِّيتْ ذاتَ النِّطاق" [4].
وفيه: أن اليوم الذي جاء فيه رسول الله هو اليوم الذي أُذِن له بالخروج فيه من مكة، وجاء فيه: أن أبا بكرٍ بكى من الفرح بصحبة النبي ، تقول عائشة رضي الله عنها: "فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكرٍ يبكي يومئذٍ [5].
لقد جاء النبي إلى بيت أبي بكرٍ مستخفيًا، قد قَنَّع رأسه؛ حتى لا يراه المشركون، يعني: في وقت الظهيرة؛ لأن الناس لا يخرجون من بيوتهم من شدة الحر، فهو قد دخل في معركةٍ غير متكافئةٍ إطلاقًا، حيث يمثلها وحده من جانب، ويمثلها الكفار بعَددهم وعُددهم من الجانب الآخر، فهو مضطرٌّ إلى الاستخفاء، وتدبير الخطط التي تضمن خروجه من بين ظَهْرَانَيْهم بسلامٍ.
وأبو بكرٍ يبكي من الفرح بصحبة النبي ، في تلك الرحلة الجهادية المحفوفة بالمخاطر من أول يومٍ، من أول ما بدءوا فيها إلى نهايتها، إنه الإيمان القوي بالإسلام، وما دام وجود هذا الدين وقيامه مترتبًا على سلامة النبي وتمكُّنه من الدعوة؛ فلِمَ لا يستسهل أبو بكرٍ كل صعبٍ من أجل حماية النبي ؟! ولم لا يبكي فرحًا بصحبته والفوز بخدمته والدفاع عنه؟!
وقوله في رواية ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "فبات عليٌّ على فراش رسول الله " [6]، كان ذلك بأمرٍ من رسول الله ، كما جاء في رواية ابن إسحاق.
فلما رأى رسول الله مكانهم -يعني وجودهم على باب الدار- قال لعليٍّ: نَمْ على فراشي، وتسجَّ ببُرْدِي هذا الحضرمي الأخضر -لأن المشركين يعرفون هذا البُرد أنه بُرد رسول الله - فَنَمْ فيه، فإنه لا يَخلُص إليك شيءٌ تكرهه منهم [7] وهذه من معجزات النبي : أن أخبر بأنه لن يناله شيءٌ.
ومع الثقة والطمأنينة التي حصلت لعليٍّ بوعد النبي فإن بَياته في ذلك المكان الخطر الذي كان هدفًا لعددٍ كبيرٍ من المشركين الذين تجمَّعوا وراء الباب؛ يُعَدُّ شجاعةً فَذَّةً، وجسارةً عظيمةً، ولعل هذه أول تجربةٍ كبيرةٍ لقوة قلبه ورباطة جأشه، وقد سجَّل له التاريخ بعد ذلك مواقف عاليةً في الشجاعة والإقدام.
وقول رسول الله حينما عرض عليه أبو بكرٍ إحدى الناقتين: بالثَّمَن، بيانٌ لاهتمام النبي بالعمل الصالح، فهو يريد أن تكون هجرته من ماله؛ ليكسب العمل الصالح، وهذا مَثَلٌ من أمثلة كون النبي هو القدوة العظمى لهذه الأمة، فينبغي للمسلم أن ينافس إخوانه المسلمين على العمل الصالح، وألا تستريح نفسه لكون غيره يَبذل عنه المال فيما إذا كان بذْلُ المال عملًا صالحًا.
معجزة خروج النبي من بين المشركين
قال ابن إسحاق: "فحدثني يزيد بن زيادٍ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظِي قال: لما اجتمعوا له وفيهم أبو جهل بن هشامٍ؛ قال -يعني: أبو جهلٍ- وهو على باب النبي : إن محمدًا يزعم أنكم إِن تابَعتموه على أمره؛ كنتم ملوك العرب والعجم؛ لأنه قالها قبل ذلك، ثم بُعِثتم مِن بعد موتكم، فجُعِلَتْ لكم جِنَانٌ كجِنَان الأُرْدُن -بلاد الشام هي بلاد الجنان، معروفةٌ عند العرب، ويذهبون في الصيف إلى الشام، يعرفونها- وإِنْ لم تفعلوا؛ كان له فيكم ذَبْحٌ، ثم بُعثتم بعد موتكم، ثم جُعِلَت لكم نارٌ تُحرَقون فيها.
قال: وخرج عليهم رسول الله فأخذ حَفْنةً من تُرابٍ في يده، ثم قال: نعم، أنا أقول ذلك، وأنت أحدهم -يعني أبا جهلٍ- وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه [8]، وهذه معجزةٌ ظاهرةٌ، خرج يمر من بينهم وما رأوه، مُعجزةٌ ظاهرةٌ تدلُّ على نبوَّته ، ومَثَلٌ واضحٌ لمعيَّة الله تعالى لأوليائه بالنصر والحماية.
إنفاق أبي بكر ماله في سبيل الله، وموقف أسماء مع جدها
قال ابن إسحاق: "فحدثني يحيى بن عبَّاد بن عبدالله بن الزبير أن أباه عبادًا حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكرٍ قالت: لما خرج رسول الله وخرج معه أبو بكرٍ؛ احتَمَل أبو بكرٍ ماله كله، أخذ ماله معه كله، ومعه خمسة آلاف أو ستة آلاف درهمٍ، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قُحافة، وهو كافرٌ لم يُسلم إلا بعد الفتح، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فَجَعَكم بماله مع نفسه، قالت: قلت: كلا يا أبت، إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
قالت: فأخذتُ أحجارًا فوضعتُها في كُوَّةٍ في البيت -الكوة: هي مثل النافذة لكنها غير مفتوحةٍ تُوضع فيها الأمتعة- ثم أخذت بيده في كوةٍ في البيت، كأن أبي يضع فيها ماله، ثم وضعتُ عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، قال: لا بأس، إن كان ترك لكم هذا؛ فقد أحسن، وفي هذا بلاغٌ لكم، قالت: والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أُسكِّن الشيخ بذلك" [9].
وهكذا يَبذل أبو بكرٍ ماله في سبيل الله تعالى كما بذل نفسه، وذلك ليُنفق من هذا المال في تلك الرحلة الميمونة.
خبر سُرَاقة بن مالكٍ المُدْلِجيِّ مع رسول الله
هذا فارسٌ من فرسان العرب وشُجعانهم، سراقة المدلجي، أخرج الإمام البخاري من حديث سُراقة بن مالك بن جُعشُمٍ المُدلِجي أنه قال: "جاءنا رُسُل كفار قريشٍ -لما فَقدوا الرسول ؛ أرسَلوا إلى القبائل القريبة- جاءنا رسل كفار قريشٍ يجعلون في رسول الله وأبي بكرٍ ديةً، كل واحدٍ منهما لمن قتله أو أسره مئتين من الإبل، مئةً ديةً للرسول ، ومئةً ديةً لأبي بكرٍ، ثم ذكر أنه لحق بالنبي ، وأن النبي دعا عليه، فساخت يدا فرسه في الأرض"، دخلت في الأرض، ما استطاع أن يخرجه، وفي روايةٍ ثانيةٍ: أنه خرج، ثم دعا عليه [10].
ثم ساخت مرةً أخرى، إلى أن قال: فناديتهم بالأمان، عرف أنهم ممنوعون منه، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم أن سيَظهر أمر رسول الله -أيقن أنه رسول، وأن أمره سيظهر- فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتُه أخبارَ ما يريد الناسُ بهم، وعرَضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يَرْزآني -لم يأخذا مني شيئًا ولم يسألاني- إلا أنه قال له: أخفِ عنَّا -يعني: إذا رجعت؛ أخفِ أننا في هذا الطريق- قال: فسألتُه أن يكتب لي كتابَ أمنٍ -يعني: يقينُك فيه يقينٌ عالٍ، أن النبي سيظهر، وسيكون رجلًا عظيمًا- فسألتُه أن يكتب لي كتاب أمنٍ -يعني: حتى آتيه بالكتاب إذا ظهر- فأمر عامر بن فُهَيرة فكتب -يعني مولى أبي بكرٍ- فكتب في رقعةٍ من أَدَمٍ -من الجلد- ثم مضى رسول الله " [11].
وهذا الحديث يشتمل على معجزةٍ عظيمةٍ وآيةٍ باهرةٍ، حيث دعا رسول الله على ذلك الفارس، فحصل له ما حصل، وهذه حلقةٌ من حلقات المعركة التي أثارها كفار قريشٍ ضد النبي ، فخسِروا فيها، ونجح في الخلاص منهم، وممن سخَّروه لتعويق هجرته، ولو أدركوا من البداية أنهم يحاربون الله تعالى؛ لوفَّروا على أنفسهم الجهد والمال، وإن هذا الانكسار والتغيُّر الذي حصل لفارسٍ من أقوى وأشجع فرسان العرب دليلٌ واضحٌ على أن معركة أعداء الإسلام مع الله تعالى بالدرجة الأولى؛ لأنه سبحانه مع أوليائه بنصره وحماياته، ولن يخذلهم إذا صدقوا معه.
وذكر الحافظ ابن حجرٍ روايةً عن الحسن البصري: "أن رسول الله قال لسراقه -يعني في تلك الليلة التي هم مطاردون فيها- قال لسراقة: كيف بك -يا سراقة- إذا لبستَ سِوارَي كِسرى؟!، وهذه معجزةٌ عظيمةٌ، يعني: ستقوم دولة الإسلام، وستدخل بلاد الفرس في مملكة المسلمين، وسيأخذون سواريه وأمتعته، وذكر أنه لما قال: فلمَّا أُتيَ بسِوارَ كسرى، يعني: عمر بعد وفاة أبي بكرٍ، وفي خلافة عمر، فُتحت المدائن بعد معركة القادسية العظمى، وجاءوا بسِوارَي كِسرى وأمتعته، أُتي عمر وهو في المدينة بسواري كسرى، دعا سراقة، يعني: لا يزال يذكر قول الرسول : كيف بك يا سراقة إِذا لبستَ سِوَارِي كِسرى "فألبَسَه السوارين، وقال له: ارفع يديك، وقل الحمد لله الذي سلَبَهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سُراقة الأعرابي" [12]، سبحان الله!
نزول رسول الله على أمِّ مَعْبدٍ
"عن أخي معبدٍ، حُبيش بن خالدٍ الخزاعي، صاحب رسول الله ، قال: لما خرج في الهجرة ومعه أبو بكرٍ وابن فُهيرة عامرٌ مولى أبي بكرٍ، وابن أُرَيقِطٍ يدلهم الطريق -وابن أريقطٍ لم يكن مسلمًا لكن كان ماهرًا في معرفة الطرق، فأخذوه ليدلهم، مرُّوا بقُدَيدٍ، هذا المكان الذي يوجد شمال مكة- مر بِقُدَيدٍ على أم مَعبدٍ، عاتكة بنت خالد الخزاعية، وكانت بَرْزَةً جلدةً، يعني تخرج للرجال وقويةً، تحتمي بفناء القبة، وتسقي وتطعم من يمر بها.
فطلبوا لبنًا -يعني الرسول وأبو بكرٍ طلبوا لبنًا أو لحمًا أو تمرًا يشترونه منها- فلم يجدوا عندها شيئًا، وقالت: والله لو كان عندنا شيءٌ ما أعوزناكم القِرَى -يعني: لأكرمناكم- فنظروا إلى شاةٍ في كِسر الخيمة -جهة طرف الخيمة- خلَّفها الجهد عن الغنم -يعني: مُجْهَدةٌ ليس فيها لبنٌ، وضعيفةٌ جدًّا، هزيلةٌ- فسألها : هل بها من لبنٍ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال : أتأذنين لي أن أحلبها؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حليبًا فاحلبها.
فدعا بالشاة فاعتقلها -يعني كبار السن الذين يَعرفون، كانوا يضعون يد الشاة بين الرجل والفخذ، هذا الاعتقال؛ حتى يستطيع أن يحلبها- فاعتقلها ومسح ضرعها، وسمَّى اللهَ تعالى، فتفاجَّت -يعني فرَّجَت رجليها- من كثرة الحليب، ودَرَّت، ودعا بإناءٍ يُربِضُ الرَّهْط -يعني يُشبِع الجماعة، إناءٍ كبيرٍ- فحلب فيها ثجًّا -يعني حلبًا قويًّا- وسقى القوم حتى رَوُوا ثم شرب آخرَهم، ثم حَلَبَ فيه مرةً أخرى -يعني هذا شيءٌ عظيمٌ، ولا الناقة تحلب هذا- ثم حلب فيه مرةً أخرى عَلَلًا بعد نَهَل -يعني ثانيًا بعد الأول- ثم غادره عندها -والقصة لها طويلةٌ- فلما جاء أبو مَعبدٍ، نظر ثم قال: من أين لكم اللبن؟! قالت: مر بنا رجلٌ مباركٌ، ووصفته وصفًا طويلًا، فقال: هذا صاحب قريشٍ، لو رأيتُه؛ لآمنت به".. إلى آخره [13].
خبر الراعي مع رسول الله
أخرج أبو عبدالله الحاكم من حديث قيس بن نعمان، قال: لما انطلق النبي وأبو بكرٍ مستخفِيِين مرَّا بعبدٍ يرعى غنمًا، فاستَقَيَاه من اللبن -يعني: بعد أم معبدٍ، بعدما ذهبوا إلى المدينة- فقال: ما عندي شاةٌ تُحلب، غير أن ها هنا عناقًا -هي أنثى المعز- حَمَلَتْ أولَ الشتاء، وقد أَخْدَجَتْ -يعني: أسقطَتْ ما في بطنها- فليس فيها لبنٌ، وما بقي لها لبنٌ، قال: ادع بها، فدعا بها الراعي فاعتقلها النبي ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت اللبن، قال: وجاء أبو بكرٍ بمِجَنٍّ -هذا إناءٌ كبيرٌ- فحلب وسقى أبا بكرٍ، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب، يعني: آخر القوم، كان يشرب آخر القوم.
فقال الراعي: بالله من أنت؟ فوالله ما رأيت مثلك قط، قال: أَوَتُراك تكتم عليَّ حتى أخبرك؟ قال: نعم، قال: فإني محمدٌ رسول الله قال: أنت الذي تزعم قريشٌ أنه صابئٌ؟ -كانوا يسمون الذي خرج من دينه إلى دينٍ آخر صابئًا- قال: إنهم ليقولون ذلك قال: فأشهد أنك نبيٌّ، وأشهد أن ما جئت به حقٌّ، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبيٌّ، وأنا متَّبِعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت؛ فائتنا، فائتنا يعني: تعال إلى المدينة، لا نستطيع أن نصحبك في رحلتنا هذه [14]، هذا أيضًا فيه معجزةٌ ظاهرةٌ لرسول الله ، حيث مسح ضرع عَنَاقٍ لا لبن فيها، ودعا الله فدرَّت بالحليب.
وفي هذه الأخبار وأخبارٍ سابقةٍ نجد أمثلةً من تواضع النبي ، حيث كان يحلب الشياه بنفسه، ويُقدِّم أصحابه بالسَّقِي ويكون آخرهم.
من مقاصد الهجرة
وبعد عرض أحداث الهجرة إلى المدينة المنورة؛ أُشير إلى شيءٍ من مقاصد الهجرة، وإلى بيان شيءٍ من الحكمة في اهتمام النبي الكبير بأمر أصحابه بالهجرة من مكة المُكرَّمة إلى المدينة المنورة، فإن من مقاصد الهجرة: إقامة مجتمعٍ يطبِّق الإسلام كاملًا، فالمسلمون في مكة قبل فتح مكة يستطيعون تطبيق الإسلام في مجال الشعائر التعبدية والجوانب الأخلاقية، ولكنهم لا يستطيعون تطبيق المطالب الأخرى للإسلام؛ مثل: الحكم بما أنزل الله تعالى، وإقامة الدولة الإسلامية التي تُدافع عن المسلمين، وتجاهدهم في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الإسلام؛ وذلك لأنهم كانوا يعيشون تحت سلطات الكفر التي تعادي الإسلام.
وإذا تكررت هذه الحال في أي عصرٍ من العصور؛ فلا بد من عمل الترتيبات اللازمة للوصول إلى تطبيق الإسلام كاملًا؛ لأن تطبيق الإسلام بدون قيام الدولة التي تحكم بالإسلام يُعَدُّ تطبيقًا ناقصًا، وذلك يندرجُ تحت قول رسول الله : لتُنقَضَنَّ عُرَى الإسلام عُروةً عُروةً، فكلما انتقَضَت عُروةٌ؛ تشبَّث الناس -يعني تمسَّك الناس- بالتي تليها، وأوَّلهن نقضًا: الحُكم، وآخرهن: الصلاة [15]، فالحكم بما أنزل الله عروةٌ من عُرى الإسلام، وقد ذُكر ذلك مع الصلاة التي هي عمود الإسلام.
ونكتفي بهذا القدر من الهجرة النبوية.
الدرس الثاني: مختاراتٌ من أحاديث رسول الله
وننتقل بإذن الله تعالى إلى الموضوع الثاني، وهو: مختاراتٌ من أحاديث رسول الله .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
حديثٌ من جوامع الكلم
من أحاديث التربية والتعليم، ومن الأحاديث التي تُعَدُّ من جوامع الكَلِم، و"جوامع الكلم" يعني: الكلمات القليلة التي تشتمل على معانٍ كثيرةٍ: ما أخرجه الشيخان -يعني البخاري ومسلم- من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله : المؤمن للمؤمن كالبنيان، يَشُد بعضه بعضًا، وشبَّك بين أصابعه [16]، حديثٌ عظيمٌ.
وفيه مسائل:
- الأولى: البُنيان إذا تفرَّقت موادُّه؛ لا يُعدُّ شيئًا؛ لأن كل مادةٍ لا فائدة منها وحدها، فالحديد لا يُستفاد منه، والطوب وحده لا يستفاد منه، إذا تجمعت؛ تَكَوَّن منها قصرٌ شامخٌ، هذا مثلٌ عظيمٌ.
- الثانية: المؤمنون إذا تفرقوا لا يُعدون شيئًا، لا بد من اجتماعهم، وأن تكون كلمتهم واحدةً، فإذا اجتمعوا؛ أصبحوا كُتلةً واحدةً تَبني الحضارة العالية، وتقف في وجه الأعداء، هذا التشبيه البليغ يُبيِّن لنا عظمة المسلمين حينما يجتمعون، وتتكون بهم جماعة المسلمين.
من التوجيهات في الثبات على المبدأ
ما أخرجه الحافظ أبو عيسى الترمذي وحسَّنه رحمه الله من حديث حُذيفة بن اليمان قال: قال رسولُ الله : لا تكونوا إمَّعَةً، تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطِّنوا أنفسكم إِذا أحسن الناس أن تُحسِنوا، وإذا أساءوا فلا تَظلموا [17].
هذا الحديث فيه مسائل:
- أولًا: فيه توجيهٌ إلى ثبات الشخصية الإسلامية؛ بحيث يكون للمسلم استقلاله في النظر والتفكير على ضوء تعليمات الإسلام، يعني: يكون عندك شخصيةٌ قويةٌ مبنيةٌ على تعليمات الإسلام، في النهي عن أن يكون المسلم إمَّعةً مع الناس، إن أحسنوا أحسن، وإن أساءوا أساء، لا، إن أحسنوا فأحسِن، وإن أساءوا فأحسِن أيضًا.
- ضرب النبي مثلًا للإساءة بالظلم؛ لأن الظلم من أبرز أنواع الإساءة؛ ولأن بعض النفوس ميَّالةٌ إلى الظلم، إذا لم يردعها من ذلك وازعُ الدين؛ لأن بعض الناس تأخذهم الأنانية وحب الذات، فيظلمون الآخرين.
- بيان أن ما عليه غالبية الناس من المفاهيم ليس مُسوِّغًا لكونهم على الحق؛ يعني: وإن كان الناس كثيرين؛ فليس معنى أنهم كثيرون أنهم على الحق، بل على المسلم أن ينظر إلى الأمر من حيث موافقته للشريعة، أو مخالفته إياها، فإذا وافق الشريعة تَبِعَه، وإذا خالف الشريعة اجتنبه.
إقالة عثرات الكرام
إن من الأحاديث التي تُبيِّن سعة رحمة الله سبحانه، ولطفه بعباده: ما أخرجه الحافظ الطبراني من حديث عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله : أنا الشاهد على الله ألا يَعثُر عاقلٌ إلا رفعه الله حتى يجعل مصيره إلى الجنة [18].
وفيه مسائل:
- الأولى: العقل السليم يتَّفق دائمًا مع الشرع الحنيف، دائمًا العقل السليم يكون مع الشرع الحنيف.
- الثانية: الإنسان عادةً تتجاذبه نوازع العقل السليم ونوازع العاطفة، هناك العقل، وهناك العاطفة؛ العاطفة تكون بالميل لهوى النفس، والعقل يحكم العاطفة، والإنسان عادةً تتجاذبه نوازع العقل السليم ونوازع العاطفة التي تخضع للهوى المنحرف.
- الثالثة: إذا التزم المسلم بتحكيم عقله السليم، ثم عَثُر بعد ذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى يسدده ويرفعه من ذلك السقوط.
إذنْ الذين يعملون بعقولهم السليمة، ويَحكمون على الأمور بعقولهم السليمة إذا عثروا؛ يرفعهم الله ؛ ليستمروا على تحكيم العقل السليم.
جاءت توجيهات النبي بمعاملة كرام الناس بالتسامح والعفو، حيث يقول: أقيلوا الكِرامَ عثَرَاتِهم [19]، يعني: الكِرام قلَّما يَعثُرون، فإذا عَثَروا؛ فأَقِيلوهم، تسامحوا معهم؛ لأنه ليس من عادتهم أن يعثروا.
مقياس الكرامة في الإسلام
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ، في حديثٍ طويلٍ: ومن بطَّأ به عمله؛ لم يُسْرِع به نَسَبُه [20].
فيه مسائل:
- الأولى: أن المراد بالعمل في الحديث: عمل الإنسان في الحياة الدنيا، فإذا كان العمل صالحًا؛ فإنه يُكتب لعامله في صحيفة حسناته، وعلى قدر كثافة هذا العمل ودوامه؛ فإنه يُرفع لصاحبه درجاتٌ في الجنة، تُرفع درجاته في الجنة بهذا العمل، والذي يُبطِّئ به عن بلوغ الدرجات العالية: هو ضعف عمله الصالح، فإذا كان عمله الصالح قليلًا؛ فإنه ليس هناك ما يَرفعه في درجات الجنة.
فلذلك ينبغي للمسلم أن يحاسب نفسه كل يومٍ، أن يكون عمله مستقيمًا صالحًا؛ حتى يرتفع في الجنة.
قوله: لم يُسْرِع به نَسَبُه المراد بالنَّسَب في هذا الحديث: النَّسب القبليُّ، يعني: أنه من قبيلة كذا، من قبيلة كذا، وهذا النسب لا يرفع من درجات الإنسان في الآخرة، يعني: هذا للتعارف بين الناس، ولكن لا يَرفع من عمله في الآخرة وإن اعتقد صاحبه في الدنيا بأنه نسبٌ شريفٌ، فإن من بطَّأ به عمله الصالح لا يرفعه نسبه وإن كان في عُرف الناس شريفًا.
- المسألة الثالثة: العمل الصالح المذكور في الحديث: هو التقوى، فالتقوى هي مقياس الكرامة في الإسلام، كما جاء في قول الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].
إذنْ لا يُنظَر للأنساب، والنسب الذي يُقرِّب من النبي هذا له فضلٌ، ولكن هذا الفضل للأتقياء، والمطلوب: هو التقوى، فإذا كان الذين هم من أقارب النبي ليسوا من المتقين؛ لا ينفعهم النسب، فهم إذا كانوا من المتقين؛ فهذا يرفعهم عند الله ، وكونهم من أقارب النبي هذه فضيلةٌ، لكنها تترتب على التقوى، إذا كانوا من المتقين؛ فهؤلاء يرفعهم نسبهم؛ بمعنى: أنهم يكون لهم فضلٌ، ولكن إذا لم يكونوا من المتقين؛ فلا ينفعهم نسبهم وإن كانوا من أقارب النبي .
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.
| ^1 | ينظر سيرة ابن هشام (1/ 480). |
|---|---|
| ^2 | رواه أحمد: 3251، والطبراني في المعجم الكبير: 12155. |
| ^3 | رواه أحمد: 3251، والطبراني في المعجم الكبير: 12155، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 27): رجاله رجال الصحيح. |
| ^4 | رواه البخاري: 3905. |
| ^5 | ينظر سيرة ابن هشام (1/ 485). |
| ^6 | سبق تخريجه. |
| ^7 | رواه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص 200-201). |
| ^8 | ينظر سيرة ابن هشام (1/ 483). |
| ^9 | ينظر سيرة ابن هشام (1/ 488). |
| ^10 | رواه البخاري: 3908. |
| ^11 | رواه البخاري: 3906. |
| ^12 | الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 35-36). |
| ^13 | السيرة لابن حبان (ص 127). |
| ^14 | رواه الحاكم: 4273، والهيثمي في كشف الأستار: 1743، وقال ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار (2/ 11): وهذا الإِسناد صحيح على شرط مسلم. |
| ^15 | رواه أحمد: 22160، وقال محققو المسند: إسناده جيد. |
| ^16 | رواه البخاري: 481، ومسلم: 2585. |
| ^17 | رواه الترمذي: 2007، وقال: حديث حسن غريب. |
| ^18 | رواه ابن أبي الدنيا في العقل وفضله: (ص 21)، والطبراني في المعجم الأوسط: 6083، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 282): إسناده حسن. |
| ^19 | رواه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق (ص 32)، والطبراني في المعجم الأوسط: 5774، والبيهقي في شعب الإيمان: 7982، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 282): رجاله ثقات. |
| ^20 | رواه مسلم: 2699. |