- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
وسطية دين الإسلام
جدول المحتويات
- كمال الشريعة.. ووجوب الالتزام بها
- خلود الشريعة وحفظها
- معنى وسطية الإسلام
- شهادة الأمة وعدالتها
- الوسطية بين الإفراط والتفريط
- شمول الشريعة لجميع مجالات الحياة
- اتِّساع النية بين العبادة والمُعامَلة
- رحمة الشريعة وتيسيرها
- الوسطية في الإنفاق: لا تبذير ولا تقتير
- وسطية العبادة.. ورفع الحرج في الشريعة
- الوسطية الحقة: لا غلوَّ في الدين ولا تهاون في الطاعة
- الخوف والرجاء جناحا المؤمن
- الغلو في الدين.. ومخاطر التطرف
- حين يقود الانفلات إلى فقدان الوسطية
- تنظيم الغرائز وضبط السلوك بين الحلال والحرام
- التمسُّك بشرع الله.. والبعد عن الزيادة أو التفريط
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمدًا طيِّبًا كثيرًا مُبارَكًا فيه، كما يُحبُّ ربنا ويرضى.
وصلاةُ الله وسلامُه الأتمَّانِ الأكملانِ على سيِّد الأوَّلين والآخِرين، وإمام المُتقين، وخير خلق الله أجمعين؛ نبيِّنا وإمامنا وسيدنا وقدوتنا محمدِ بن عبدالله، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله الطيبين، وأزواجه أُمهات المُؤمنين، وصحابته أجمعين، ومَن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة الأحبَّة، سلامُ الله عليكم ورحمته وبركاته.
حيَّاكم الله في هذا المساء المُبارَك -بإذن الله- في بيت الله الحرام.
أسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطيب المُبارَك، أن يجمعنا في جنات النعيم.
كمال الشريعة.. ووجوب الالتزام بها
حديثنا في هذا اليوم -أيها الإخوة- حديثٌ تمسُّ الحاجة إليه، في هذا الزمن الذي اختلَّت فيه الموازين، واضطربتْ فيه الأمور، وعدا كثيرٌ من الناس على شريعة الله ؛ إما بالزيادة فيها وإما بالنقص منها.
وشريعة الله هي ما ارتضاه لعباده، وأرسل به رسوله عليه الصلاة والسلام، وأنزل له كتابه المُبين؛ القرآن الكريم، أنزله الله رحمةً وهدًى للعالمين، ليس لمَن كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام فحسب، بل لكل الخلق جميعًا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام وفيما بعده إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها. والله بيَّن ذلك في كتابه الكريم، ومما جاء فيه: قولُه لرسوله عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، يعني: الذين كانوا في زمنه والذين يأتون من بعده.
وشريعة الله هي الدين الذي ارتضاه لعباده ، كما جاء في قوله تبارك وتعالى، في اليوم العظيم يوم عرفة في حجة الوداع التي حجَّها النبي عليه الصلاة والسلام وكانت في خاتمة حياته المُبارَكة، أنزل الله عليه قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، هذا الذي رضيه الله لنا، أفلا نرضاه لأنفسنا؟! بلى والله، إن هذا هو الواجب المُتعين على كلٍّ منا، وقد يحصل التفريط وقد يحصل التهاون وقد تحصل الأخطاء، ولكن الحق واضحٌ، ومن هداه الله لا بُدَّ أن يَفيئ إلى الصراط المستقيم؛ صراط الله الذي بيَّنه في كتابه وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام.
خلود الشريعة وحفظها
ولما كانت الشريعة التي أنزلها الله هي بهذه المَثابة خالدةً إلى يوم الدين، ليس بعدها شريعةٌ، وليس بعد محمدٍ عليه الصلاة والسلام رسولٌ، مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ.. يقول ربنا تبارك وتعالى: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40]، فالذي يقول بعد ذلك: إنه نبي بعد محمدٍ عليه الصلاة والسلام، فهذا كاذبٌ بلا ريبٍ بشهادة القرآن الكريم؛ لأن الله يقول عن رسوله عليه الصلاة والسلام: إنه خاتم النبيين، فكيف يأتي أحدٌ ويتزيَّد ويقول بأنه نبيٌّ؟!
الأمر الآخر -أيها الإخوة-: أن خلود هذه الشريعة وكونها الدين الذي رضيه الله لعباده إلى يوم القيامة يقتضي ثبات أصولها والمُحافَظة عليها؛ لكن مَن هو الذي سيُحافظ على هذه الشريعة؟
هو ربنا تبارك وتعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ.. يقول ربنا تبارك وتعالى: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فلا خوف على هذه الشريعة من أن تتغير أو أن يُنقَص منها، أو أن يُزاد فيها؛ لأنها محفوظةٌ بحفظ الله ، وحفظ الشريعة التي جاءت في كتاب الله وفي سُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام يقتضي أيضًا حفظ العلماء الذين يقومون بها؛ لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، والعلماء هم الذين يُبيِّنون شرع الله للناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام، والعلماء هم الذين يدفعون الشُّبَه، ويُبيِّنون الأخطاء، ويَدلُّون الناس على صراط الله المُستقيم.
فالدين محفوظٌ في أصوله، محفوظٌ بحفظ حَمَلته إلى يوم القيامة بإذن الله، لكن البشر -أيها الإخوة- قد تدفعهم النوازع القريبة أو البعيدة التي ربما كان لبعضها مبعثٌ حسنٌ ونِيَّةٌ حسنةٌ، لكنها قد تُخالِف شرع الله ، هذا الدين ليس متروكًا لأهواء البشر، كل واحدٍ يتصرف كما شاء، وكل واحدٍ يعبد الله على هواه وعلى مزاجه، لا؛ فالله خلقنا لعبادته، وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وبيَّن لنا كيف نَعبُده؛ حتى نكون مُطيعين لله ، مُحقِّقين ما خُلقنا من أجله.
فيجب أن نعبد الله، وأن نتقيه باتِّباع ما شرعه لنا؛ لأن العبادة هي حق الله على عبيده؛ لكن من أين نعرف هذا الحق؟
مما جاء في كتابه وفي سُنَّة نبيِّه عليه الصلاة والسلام.
معنى وسطية الإسلام
ولهذا -أيها الإخوة- عنوان حديثنا هو: عن وسطية هذا الدين، وسطية الإسلام.
الإسلام هو الدين الوسط، هو الدين الحق، وهذه الأمة التي تحمل هذا الدين هي الأمة الوسط، كما ذكر ربنا تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].
ما معنى هذه الوسطية، أيها الإخوة؟
الوسطية هذه تعني: العدالة، تعني: الاستقامة؛ لأن العدل هو المُستقيم، والاستقامة هنا: هي اتِّباع شرع الله كما أنزله الله ، من غير أن يكون للأهواء والتحريفات والضلالات على شرع الله سلطانٌ.
لماذا كانت هذه الأمة هي الأمة العدل، هي الأمة المُستقيمة؟ لماذا؟
لأن الله جعلها شاهدةً على بقية الأمم، وهذا من تكريمِ الله لهذه الأمة، الأمة هذه سُبقتْ بأممٍ كثيرةٍ عبرَ التاريخ، هذه الأمة هي خاتمة الأمم، ولكن الله جعل هذه الأمة شاهدةً بما شَرَعَ لها، وبما أنزل عليها على بقية الأمم، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، هذا من تكريم الله لهذه الأمة.
شهادة الأمة وعدالتها
نحن نعلم في مجال الحقوق والتقاضي أنه لا بُدَّ لإثبات الحقوق في بعض الأحيان من وجود شهودٍ يشهدون بالحق، لكن هذه الشهادة لا بُدَّ أن تكون مُؤَدَّاةً من العُدول، الشاهد إذا لم يكن عَدْلًا تُرَدُّ شهادته. فالله جعل هذه الأمة شاهدةً على الأمم؛ لأنها هي أمة العدل، أمة الحق، الأمة التي جاءت وسطًا بين الضلالات السابقة والتفريط السابق في شرع الله ، وهذه هي السِّمَة التي تُميِّز شريعة الله ، هذه التي أنزلها على محمدٍ عليه الصلاة والسلام، والتي تَعبُد بها أُمته من لَدُن بَعثتِه إلى نهاية هذا العالم.
الوسطية بين الإفراط والتفريط
هذه الشريعة -أيها الإخوة- تميَّزت بهذا الاعتدال وبهذه الاستقامة بمراعاة جميع الأحوال والظروف؛ ولذلك حُقَّ لها أن تكون هي الشريعة الخالدة الباقية.
هنالك أممٌ سبقتْنا زادتْ على ما شَرَعَه الله عليها؛ فالنصارى -مثلًا، ولا نريد أن نسترسل في ذكر هذه الأمم- زادوا على ما شَرَعَه الله لهم على لسان عيسى ، بأنهم ابتدعوا رهبانيةً، والرهبانية: هي الانقطاع والانعزال عن الدنيا والزهد فيها والانزواء في الصوامع وأماكن العبادة والتبتل، من أين لهم هذا؟!
هم جاؤوا به من عند أنفسهم، بزعمهم أنهم يتقربون إلى الله بهذا الأمر، ونَكَسوا عمَّا شرعه الله ، فالله عاب عليهم فقال: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا.. يعني: أنها ليست في شرع الله، مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ.. الله ما كتبها عليهم، لكنهم زعموا أنهم يفعلون هذا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ.. قال: ومع ذلك بأنهم ألزموا أنفسهم بهذا وابتدعوه فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27]، زادوا على شرع الله أمورًا مُخالِفةً وزعموا أنهم يُطيعون الله بذلك، ولكنهم أيضًا لم يَفُوا بوعدهم هذا.
شمول الشريعة لجميع مجالات الحياة
لكن الأمة هذه رحمها الله وبيَّن لها، هذه الشريعة جاءت لإصلاح الدنيا وإصلاح الآخرة، ليست للدنيا فقط، وليست للآخرة فقط؛ بل جاءت لكل ذلك. الدنيا هي الطريق إلى الآخرة، هي السبيل إلى الوصول إلى الآخرة، فهل يمكن أن يَمُرَّ الإنسان أو المُكلَّف من الإنس أو الجان إلى الآخرة من دون أن يَعبُر من الدنيا؟ لا بُدَّ.
فالدنيا مزرعةُ الآخرة، يعني: الذي تزرعه في الدنيا تحصده في الآخرة؛ لكن هذه الزراعة التي في الدنيا، جعل ربنا لنا فيها فَرَجًا ومَخْرَجًا، ليست كلها عباداتٍ خاصةً مُتعلِّقةً بحق الله، وإن كان كل شيءٍ في هذا الوجود لحقِّ الله، لكن ليست كلها صلاةً وركوعًا وسجودًا.
أمورٌ كثيرةٌ راعت حقوق البدن: الإنسان الذي يعمل ويتعبَّد يحتاج إلى أن يُريح بَدَنَه، وراعت حقوق الأهل، وراعت حقوق الجيران والضيوف، وراعت رغبات الإنسان في أن يستمتع بملذَّات الحياة، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ.. من حرمها؟! التحليل والتحريم لله قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32] في الدنيا، لهم ولغيرهم من خلق الله، المُؤمِن والكافر والمُطيع والعاصي، كلهم يستمتعون بما أباحه الله وبما أوجده في هذا الكون من النِّعم، في الدنيا هذه الطيبات ليست خاصةً بالمُؤمنين، هم شركاءُ مع غيرهم، لكن في القيامة، في الآخرة، خالصةٌ يوم القيامة لعباد الله المُؤمنين، ليس للكافرين ولا للمُعانِدين ولا لأعداء الدين فيها نصيبٌ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
اتِّساع النية بين العبادة والمُعامَلة
ولله الحقُّ الأعظم على الإنسان في هذه الحياة في طاعته وعبادته وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، العبادات التي كُلِّفنا بها: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والبعد عن الشرك والإخلاص لله في العبادة، أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3]، وأن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وغيرها مما أوجبه الله علينا، وغيرها مما نهانا عنه؛ هذه عباداتٌ لله .
لكن هناك حقوقٌ كثيرةٌ تتعلق بغير هذه العبادات الخاصة، هي في الجملة إقامةٌ لشرع الله وإطاعةٌ له؛ لأن الذي يَعمُر الحياة الدنيا بطاعة الله هذا مأجورٌ، الإنسان يُؤجَر على أكله وشربه، يُؤجَر عليه عند الله إذا ابتغى بذلك وجه الله، مع أن الأكل والشرب من المُباحات، ليس واجبًا عليك أن تأكل وتشرب، لكن إذا أكلتَ وشربتَ وأنت تقصد معنًى حَسنًا يُحبه الله ؛ كانت لك هذه عبادةً، الإنسان يأكل ويشرب ليتقوى بدنه، لماذا يتقوى بدنه؟ ليعبد ربه ؛ يُقيم الصلاة ويُؤتي الزكاة، ويحج، ويصوم. أما الذي يضعف، ولا يستطيع أن يتحرك، ولا يستطيع أن يقوم؛ فهذا لا يستطيع أن يُؤدِّي العبادة على وجهها.
الإنسان يريد أن يتقوى ليكسب عيشه ويكتسب الرزق، يريد أن يتقوى لينفق على أسرته، يريد أن يتقوى لينفع مجتمعه، إلى آخر ما هنالك من أبواب المنافع الدنيوية، هذه كلها إذا فعلها الإنسان، حتى النوم والاستيقاظ، الإنسان إذا نام، النوم شيءٌ فطريٌّ طبعيٌّ في الناس جميعًا أنهم ينامون، لكن إذا ابتغى الإنسان بنومته هذه ما عند الله معنًى حسنًا: نام ليقوم لصلاته نشيطًا؛ كَتَبَ الله له الأجر بذلك.
معاذ بن جبل رضي الله عنه واحتساب النية
وهذا ما ذكره الصحابي الجليل معاذُ بن جبلٍ رضي الله تعالى عنه، معاذٌ كان من علماء الصحابة، وبشهادة النبي عليه الصلاة والسلام هو أعلم الصحابة بالحلال والحرام، معاذٌ مع أنه كان شابًّا صغير السن وبَعَثَه النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليمن مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، بعثهما يُعلِّمان الناس، ويحكمان بينهم، ويقضيان بالعدل، ويُقيمان شرع الله في تلك الديار.
وكان معاذٌ في ناحيةٍ وأبو موسى رضي الله عنهما في ناحيةٍ أخرى من هذه البلاد، أعادها الله إلى أهلها، ونشر بين رُبُوعها الأمن والإيمان والسلام، هذان كانا يلتقيان في نهاية الأسبوع، وكان أبو موسى يسأل معاذًا رضي الله عنهما: كيف تقضي وقتك في الليل؟ في النهار مع الناس، في الليل كيف تقضي وقتك؟ قال: «أنام وأقوم»، هذا شيءٌ كل الناس يفعلونه، لكن المعنى الذي أضافه هذا الفقيه العظيم صاحب رسول الله إلى هذا المعنى قال: "ولكني أحتسب.."، يعني: على الله، أطلب الأجر "بنومتي وبقومتي"، إذا قمتُ وتوضأتُ وصليتُ أحتسبُ الأجر بهذا، وإذا نمتُ أحتسبُ الأجر بهذه النومة؛ لأنها هي التي تُعينني على القيام وعلى أداء حقِّ الله .
هذا المعنى يتعلق بأمرٍ دنيويٍّ، لكن الإنسان المُسلم يستطيع أن يجعله عبادةً لله .
رحمة الشريعة وتيسيرها
الشريعة ما ألزمتنا بأن نُصلِّي الوقت كله، لكنها جعلت الصلاة في أوقاتٍ مُحدَّدةٍ من اليوم والليل، وباقي الوقت لك.
ما ألزمتنا هذه الشريعة بأن نَحُجَّ في كل الأوقات، في كل السنوات؛ بل الحجُّ مرةً واحدةً في العمر، والزكاة مرةً واحدةً في السنة، أو عند الحصاد في الزروع: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141].
لكن هناك مساحةٌ كبيرةٌ تركتها الشريعة لحاجات الناس، وهذا مَظهرٌ يدل على كمال هذه الشريعة؛ لأن الشريعة لو لم تَرْعَ هذه الأمور؛ لما أَمكَن لها أن تكون خالدةً باقيةً.
طيب، كيف يتعبَّد الناس؟ كيف يُطيعون الله بما لا يَشُقُّ عليهم؟
الشريعة جاءت بتكاليفَ، بأمورٍ لا تَشُقُّ على الناس، يعني: لا تُقعِدهم، لا يَسقُط الإنسان من التعب والإعياء بسبب الصلاة، ولا بسبب الصوم، وإذا كان يخشى على نفسه، أو وقع في مرضٍ، أو سفرٍ في الصوم؛ أباح الله له الفطر، ويقضي من أيامٍ أُخَرَ.
الوسطية في الإنفاق: لا تبذير ولا تقتير
وهكذا الشريعة راعت هذه الحقوق، بيَّنتْ للناس المنهج الوسط في التعامل، في التصرف في شؤون الحياة، الإنسان قد يكتسب مالًا، ولكن ربما بَذَّرَ فيه وأسرف في إنفاقه، فأضاعه، وربما شَدَّ يده عليه، فمنع الحقوق الواجبة فيه بالبخل؛ لكن الشريعة بيَّنتْ لنا المنهج الوسط؛ منهج العدل، المنهج المستقيم الذي به تقوم الحياة وتستمر.
الله يقول: وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:26-27]، ويقول: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ.. معنى الغَلِّ: كنايةً عن إمساك الإنسان وبُخله وتقطيره، كأنه ربط يده في عُنقه، وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، هذا خطأٌ، وهذا خطأٌ.
إذن؛ المنهج الوسط الذي يرعى الحقوق، ويُراعي حاجات النفوس، الإنسان عنده مالٌ، يُحب ماله، الشريعة ما قالت أنفقوا أموالكم، يُنفق شيئًا يسيرًا لا يضُرُّ بمالِه ويبقى مالُه له، ثم بيَّنَتِ الأجر العظيم للمُنفِق، حتى هذا الذي تُنفِقه يَكتُب الله لك به أجرًا عظيمًا.
وسطية العبادة.. ورفع الحرج في الشريعة
في قراءة القرآن في الصلاة، أو في المسجد، يقرأ الإنسان، هذا شيءٌ جيدٌ، لكن كيف يقرأ في صلاته، يرفع صوته إلى أقصى غاية حتى يُشوِّش على من حوله الذين بجواره؟ الذي يقرأ والذي يذكر والذي يصلي تختلط عليه الأمور، وبسبب رفع هذا الصوت لا يستطيع أن يصلي ولا أن يخشع؟ أم أنه يصلي وهو يُسِرُّ في قراءته لا يكاد يسمعه أحدٌ؟ لا وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا [الإسراء:110].
أمورٌ كثيرةٌ تدل على هذه الوسطية؛ لأنها إضافةً إلى القيام بحقِّ الله، فيها قيامٌ بشأن الدنيا حتى تستقيمَ الأمور، كل تكاليف الشريعة مُتسمةٌ بهذا الأمر؛ وسطٌ بين الإفراط والتفريط.
الإفراط: أنك تزيد، تزيد، تزيد على نفسك حتى تسقط، تتعب.
والتفريط: التقصير والتهاون والتضييع.
تؤدي حقَّ الله على قدر استطاعتك فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا [التغابن:16].
الإنسان يُصلِّي الصلاة التي فرضها الله عليه قائمًا، القيام في الصلاة ركنٌ من أركان الصلاة، بالنسبة للقادر؛ لكن لو كان مريضًا أو مُقعَدًا هل تسقط عنه الصلاة؟
لا، لكن يصليها على حسب حاله، يصليها جالسًا، إذا ما استطاع يصليها وهو على جنبه نائمًا، إذا لم يستطع هذا ولا ذاك وعقله موجودٌ، ما زال عقله قائمًا، يُومِئ إيماءً ولو برموش عينيه للركوع والسجود.
المهم أن تكون في نيتك طاعة الله، وأن تعقد العزم في قلبك على ألَّا تُقصِّر في حقِّ الله على قدر استطاعتك، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، هذا أمرٌ ملحوظٌ.
كم تستغرق الصلوات من أوقاتنا؟ لو جئنا نحسب هذه الصلوات الخمس بالنسبة لساعات اليوم، اليوم كم ساعة والليل؟
أربعٌ وعشرون ساعةً.
كم تستغرق الصلاة منا من هذا الوقت؟
ساعةً أو أقل، لو حسبتها بالدقة.
فهذه لا تُقعِدنا ولا تمنعنا من مصالحنا، ولا تحُول بيننا وبين ما نُحب من الأمور التي أباحها الله ، هذا مَظهرٌ من مظاهر سُمو الشريعة وكمالها.
الوسطية الحقة: لا غلوَّ في الدين ولا تهاون في الطاعة
فمهما أردنا أن نُطيع الله بشيءٍ غير هذا، فنحن مُتجاوِزون لحدود الشرع. إذا أردنا أن نكون من الأمة الوسط، أمة العدل، أمة الاستقامة؛ لا بُدَّ أن نحافظ على هذا المعنى، وإلا فنحن خارجون عنه.
إذا جئنا بعباداتٍ من عند أنفسنا لم يتعبَّدْنا الله بها، فنحن على خطرٍ عظيمٍ؛ لأننا زِدنا على شرع الله ، وربما هذه الزيادة تكون سببًا في تقصيرنا في العبادات التي افترضها الله .
كذلك التساهل في هذه العبادات التي ألزمنا الله ، التهاون، التفريط، التضييع، الاتِّكال على وعد الله بالرحمة والمغفرة، الرحمة والمغفرة مع العمل، تعمل وتتَّهم نفسك بالتقصير، وتلجأ إلى الله أن يغفر لك ويرحمك، نعم، لكن أن تَقعُد فلا تعمل، تقول: الله غفور رحيم! تترك الصلاة وتقول: الله غفور رحيم! تترك رمضان كله أو بعضه وتقول: الله غفور رحيم! نعم، ولكن مع المغفرة والرحمة هنالك شيءٌ آخرُ: أنه شديد العقاب، لا بُدَّ أن تستحضر هذا وهذا.
الخوف والرجاء جناحا المؤمن
ولذلك يقول العلماء رحمهم الله: إن في ديننا من العبادات التي شُرِعَتْ لنا وأُلزمنا بها؛ عبادتان قلبيتان في غاية الأهمية: الخوف والرجاء، يعني: تعبد الله وأنت تخاف من عقابه، وتعبد الله وأنت ترجو ثوابه، في وقتٍ واحدٍ، لكن إذا أقمتَ أحد الجناحين وتركتَ الآخر؛ فسدت الحياة، ومثَّلوا لذلك بالطائر، كم جناحًا للطائر؟ جناحان. هل يستطيع الطائر أن يطير بجناحٍ واحدٍ؟ لا؛ لذلك يقولون الخوف والرجاء جناحان يطير بهما المؤمن إلى مرضاة الله.
فإذا أقمتَ الخوف من الله فقط، ونسيتَ فضله ورجاء ثوابه؛ فهذا أدَّى بك إلى اليأس والقنوط. وإذا أهملتَ هذا الجانب واتكلتَ على عفو الله وفضله بدون أن تخافه؛ كذلك أيضًا كنت كالطائر الذي كُسِر أحد جناحيه؛ فيسقط ولا يستطيع أن يطير.
الغلو في الدين.. ومخاطر التطرف
نحن في هذا الزمن -أيها الإخوة- ظهرتْ عندنا مذاهبُ ودعواتٌ وفِرَقٌ، بعضها أو كثيرٌ منها يدَّعي أنه إنما خرج وإنما يعمل ابتغاء رضوان الله . ابتغاء رضوان الله مطلب عزيز يجب أن يبتغيه كل إنسانٍ مسلمٍ، لكن من الطريق الذي شرعه الله .
الذي يريد أن ينصر الإسلام وينصر أهل الإسلام، ينصرهم بالحق، طريقٍ واضحٍ، الدعوة إلى الله طريقها واضحٌ، يقول الله : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].
لكن إذا جئنا ندعو الناس بالعصا أو بالسيف، مَن لم يقبل ومَن لم يرتدع؛ ضربناه وقتلناه وألحقنا الضرر به، هذا ليس من دين الله. أنت مطلوبٌ منك أن تسعى لإقامة دين الله، مطلوبٌ منك أن تُعلِّم الناس، لكن ليس بهذا الأسلوب، حتى وإن قصدتَ الخير.
يعني: الآن في كثيرٍ من الأحيان وفي بعض البقاع وفي القرى، يكون الإنسان الكبير له سُلطةٌ أدبيةٌ على الصغار، ابن فلانٍ، وابن فلانٍ إذا رأى منهم أمرًا مُخِلًّا بالأدب يمكن أن يُذكِّرهم، يمكن أن يُعنِّفهم، هذا أمرٌ مقبولٌ مُتعارَفٌ عليه بين الناس.
رأى بعضهم لا يدخل إلى المسجد في وقت الصلاة، يمكن أن يقول لهم: لماذا لا تصلون؟ الصلاة خيرٌ، والصلاة بركةٌ، ولا أراكم مرةً أخرى خارج المسجد، لا بُدَّ أن تُصَلُّوا، كلامٌ طيبٌ، لكنه لو أخذ العصا الغليظة وضربَ هذا، وكسر عظام هذا، بقصد أن يُدخِلهم المسجد؛ فالمسألة تجاوزت الحد، تجاوزت مبدأ النصيحة، تجاوزت مبدأ الحرص على الهداية، هذا يُؤدِّي إلى التنفير، ويُؤدِّي إلى خلاف مقصود الشرع، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272].
والله يقول للنبي عليه الصلاة والسلام: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: بلِّغوا عني ولو آية [1]، بيان تعريف الناس لكن بالأسلوب المناسب، بالأسلوب الحسن.
فحُسن النية ليس دليلًا على صلاح العمل، لا، قد تكون نيتُك حسنةً وعملُك سيئًا غيرَ مقبولٍ، فكثيرٌ من هؤلاء ربما استبطنوا في دواخلهم الحرص على الإسلام والغيرة على حُرمات الدين، ولكنهم خرجوا مَخْرَجًا لا يلتئم مع شرع الله ، حكموا على من يُخالفهم بالكفر، واستباحوا دماءهم، واستباحوا أموالهم، واستباحوا أطفالهم ونساءهم، يقتلون الأطفال، يأتي هذا يُفجِّر نفسه تقرُّبًا إلى الله، تتقرب إلى الله بهذا العمل؟! بين مَن؟! هل بين الكفار أعداء الملة والدين؟! لا، بين المسلمين! وربما في المساجد؛ لأنهم يختلفون معهم، لأنهم لا يقولون بمثل قولهم!
وهذا من الضلال المبين، لا يشفع لهم حُسن نواياهم، أو حُسن نوايا بعضهم أنهم يريدون أن ينصروا دين الله، أبدًا، هذا ليس من شرع الله.
وقد وُجِدَتْ في عصور الإسلام الأولى بعض الفِرَقِ التي تحمل هذا الفكر الغالي المُنحرِف، الخوارج وُجِدُوا من عهد أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ ، وقاتلوه، ومَن هو عليُّ بن أبي طالبٍ؟! عليُّ بن أبي طالبٍ من أسبق الناس إلى الإسلام، وابنُ عمِّ الرسول عليه الصلاة والسلام، وزوج ابنته سيدة نساء العالمين، وأبو الحسن والحسين، وممن شَهِدَ الرسول له بالجنة، وممن شَهِدَ له الرسول بحُبِّ الله له؛ يأتونه ويقاتلونه؟! بل لا يكفي هذا، بل قام أحدهم وقَتَلَ أمير المؤمنين وهو يصلي، يؤم الناس، لماذا؟! يقول: يبتغي الجنة بهذا العمل، بقتل أمير المؤمنين! أيُّ ضلال هذا؟!
هذه صورةٌ تتكرر، بل قد تكون في زمننا هذا أكثر انتشارًا وأعظم خطرًا؛ لشيوع وسائل الفتك الآن الكثيرة، هذه المُتفجِّرات وهذه الوسائل الآن القاتلة، هذا ليس من الدين، إذا أردتَ أن تنصر الإسلام، وأن تُطيع الله، فلا بُدَّ أن تكون هذه الطاعة على منهج الله، وعلى ما يرضاه الله .
أنتَ لستَ رب العالمين، لا يسألك الله عمَّن ضَلَّ، مَن ضَلَّ يسأله الله هو عن عمله، لكن يسألك عن تقصيرك في دعوته، في العمل على هدايته، أما كونه لا يقبل فهذا ليس من شأنك، لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272]، هذا كلام ربنا لِمَن؟ يقوله ربنا لِمَن؟ لرسوله عليه الصلاة والسلام، هل نحن أحسن من محمد بن عبدالله؟! هل نحن أكمل منه؟! صلى الله عليه وآله وسلم، بأبي هو وأمي، أكمل خلق الله، الإنسان الكامل، والمُؤيَّد بوحي الله وبمُعجزاته، هذا الرسول العظيم، وخاتم الأنبياء والمُرسَلين، وأول من يَدخُل الجنة محمد بن عبدالله، وصاحب الحوض، وصاحب الشفاعة، الله يقول له: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ [البقرة:272].
إذن؛ ماذا أعمل يا رب؟
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [الشورى:48]، لا بُدَّ من البلاغ، فالهداية بيد رب العالمين، أما أننا نريد من الناس أن يهتدوا وإلا فمصيرهم إلى هذا المصير الماحق، لا، هذا ليس من دين الله .
ثم الحكم على نوايا الناس، والحكم على بعض الظواهر بما قد يُوجَد فيه عذرٌ أو فيه تأويلٌ، يعني: إذا وجدنا إنسانًا خارج المسجد لا يُصلِّي، أُقيمتِ الصلاة وهو ما صلَّى، الأصل أنه لا بُدَّ أن يُصلِّي؛ هل نقتله؟ هل نُسارِع إلى عقوبته؟ لا بُدَّ أن نَعرِف، قد يكون غير مُتوضِّئٍ، ما وجد ماءً يتوضأ، قد يكون مُسافِرًا وجمع الصلاة هذه مع صلاةٍ قبلها، صلَّى العصر مع الظهر جمعها إليها، قد يكون له عذرٌ، نُعلِّمه ونسأله ونسعى في هدايته، لكن لا نسعى إلى عقوبته ابتداءً بمُجرَّد أن نرى هذه الظواهر.
ولهذا فإن الله بيَّن مَهمَّةَ العلماء الراسخين في دين الله، العلماء الراسخون هم الذين يَرِثُون عمل الأنبياء ورسالات الأنبياء، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران:7].
فبعض الجهلة وبعض أنصاف المُتعلِّمين وبعض المُتعجِّلين قد يُصدِر أحكامًا على بعض الناس المُسلمين، ربما تحتاج إلى اجتماع العلماء الراسخين حتى يتكلموا فيها، وحتى يُصدروا فيها عن رأيٍ مُعيَّنٍ، لكن هؤلاء ليس عندهم مانعٌ بمُجرَّد أن يَرَوْا شيئًا فيه شُبهةٌ، أو شيئًا يُخالف ما في نفوسهم؛ يُصدِروا أحكامًا قطعيةً لا تقبل النقاش، هذا هو الضلال المبين.
حين يقود الانفلات إلى فقدان الوسطية
لكن لا ننسى أيضًا أن من أسباب هذا الغلو وهذا التجاوز الذي لا يرضاه الله ، والذي لا تقبله شريعة الله: ما يوجد في بعض طوائف المسلمين من الانحلال والتفلُّت وتضييع الدين، وربما مُظاهَرة أعداء المُسلمين والتماهي معهم، هذه المظاهر قد تُحرِّك هؤلاء، فيقوم هذه القَومة المُندفِعة غير المُنضبِطة بضوابط الشرع؛ لأنهم رَأَوْا هذه المظاهر: رَأَوْا الناس لا يُصلُّون، في كثيرٍ من البلدان يسكرون ويزنون ويعصون ويتفلتون، هذه أيضًا من الأمور المُخالِفة لوسطية هذا الدين.
الله أباح لنا أن نأكل من الطيبات، أباح للإنسان أن يتزوج بالعفيفات المُؤمنات، نعم، لكن ما أباح له أن يظل كالحيوانات، كالعجماوات، يسيح مع الإناث، هذه الحيوانات التي ترونها في القطعان ذكورها وإناثها هذه تفعل أيَّ شيءٍ ولا تستحي.
تنظيم الغرائز وضبط السلوك بين الحلال والحرام
فالشريعة كرَّمت ورفعت من قدْر أتباعها، وأباحتْ لهم ما تشتهيه نفوسهم بالطريق الحلال. فمن طبيعة الإنسان أن يميل الرجلُ إلى المرأةِ، وأن تميل المرأةُ إلى الرجلِ، لو تُرِكَ هذا الميل الفطري، فطريٌّ لا نزاع فيه، موجودٌ، مغروسٌ في نفوس البشر، لو تُرِكَ هذا من دون شرعٍ، ومن دون بيانٍ؛ لأصبح الناس كالبهائم، لكن الشريعة نظَّمت هذا، الزواج، الزواج الحلال هذا أباحه الله ، ما يكون حرامًا بغيره، يَعقِد الرجلُ على المرأةِ، ويدفع المهر، ويأخذها بشهودٍ، وبحضور وَلِّيها، وبمُوافَقتها هي، فيكون الأمر حلالًا؛ لأن ما سيترتب عليه من النتائج محفوظٌ، إذا وُلِدَ وَلَد هل يكون من اللُّقَطاء؟ من الضائعين؟ لا، معروفٌ أبوه، ومعروفةٌ أمه، حتى لو حاول أبوه أن يقول: لا، أنا غير متزوجٍ، أو: ليس لي أولادٌ، هذا الكلام لا ينفعه، هو تزوَّج فلانةً بشهودٍ، عندنا شهودٌ، لو قال بعد أن كَبِرَ الولد: هذا ليس ولدي، لا ينفعه هذا الكلام، هذا ولده، وُلِد في بيته، وعلى فراشه، ومن زوجته فلانةٍ.
هذه الشريعة راعت حاجات النفوس في قضاء الوَطَر، وفي الاستمتاع الحلال، وفي ابتغاء الولد، وفي السكينة والأُنس بالطريق الحلال، يعني: إذا منعت الزنا، ومنعت الخنى، ومنعت الأشياء المُحرَّمة؛ فتحت الأبواب للحلال.
البيع والشراء أحلَّه الله ، لكنه حرَّم الربا، وحرَّم الغرر، وحرَّم أكل أموال الناس بالباطل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء:29]، لكنه أباح البيع وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275].
هذه كلها تدلُّنا على أن كل شيءٍ يُبتغَى به وجه الله لا بُدَّ أن يكون من طريق الشرع، أما الأشياء الخارجة عن هذا، والمُخالِفة له -زيادةً عليه أو نقصًا منه- هذه ليست من شريعة الله، ولا يمكن أن يكون المُتلبِّس بها من الأمة الوسط، أمة الاستقامة، أمة العدل التي يحبها الله ، والأمة التي جعلها الله شاهدةً على الأمم في يوم القيامة.
لا بُدَّ -إذن- من اتِّباع شرع الله ؛ فعندما نقول: وسطية الإسلام يعني: أن نستقيم على شرع الله الذي أنزله إلينا، وراعى فيه حاجاتنا، وراعى فيه أمور حياتنا وآخرتنا، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا [القصص:77].
التمسُّك بشرع الله.. والبعد عن الزيادة أو التفريط
هذه كلها أمورٌ فيها مراعاةٌ لحاجات النفوس؛ حتى تستطيع أن تقوم بحق الله عليها، وحتى تستطيع أن تُؤدِّي الواجب الذي من أجله خُلقنا: وهو عبادة الله . أما الزيادة على ذلك فليست من شرع الله، والانتقاص والتحلُّل والتساهل وتضييع الدين، هذا أيضًا ليس من شرع الله .
وكثيرٌ من المسلمين الآن يفعلون الفواقر، ويقعون في الفواحش، وربما لو ذُكِّروا قالوا: الله غفورٌ رحيمٌ، ربنا يتجاوز ويعفو.
نعم، ربنا غفورٌ رحيمٌ لمن تاب وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82]، نعم، أما أن تُقيم على هذا التحلُّل من الدين والانسلاخ منه، وتَزعُم أنك من أهله؛ فلستَ من أهل الأمة الوسط التي جعلها الله هي أمة العدل، وأمة الاستقامة، والأمة الشاهدة على الأمم.
فلا بُدَّ -إذن- من المُحافَظة على هذا المعنى، حتى ولو رأينا الناس جميعًا وقعوا في مُخالَفته بالزيادة عليه، أو بالنقص منه، هذا دين الله، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام:153]، صراط الله المُستقيم، هذا هو الواضح.
من أين عرفناه؟
من كِتاب الله ومن سُنَّة محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.
أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتَّبع أحسنه، وأن يجعلنا من الأمة الوسط التي جعلها الله شاهدةً على الأمم.
وأسأله أن يجعلنا من أتباع نبيِّه محمدٍ عليه الصلاة والسلام، أن يجمعنا على سُنَّته ومِلَّته، وأن يجمعنا به في الآخرة، وأن يسقينا من حوضه، وأن يُدخلنا مُدخَلَه، إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 3461. |
|---|