تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
معالي الشيخ أ.د. عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس
معالي الشيخ أ.د. عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس

الصيام وأحكامه وحِكَمِه ومسائله المتعلقة به

الصيام وأحكامه وحِكَمِه ومسائله المتعلقة به

جدول المحتويات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدالله ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومَن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

أما بعد:

في هذا اليوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر شعبان من عام أربعين وأربعمئةٍ وألف من هجرة النبي  نستأنف الدروس العلمية في المسجد الحرام في تفسير كتاب الله ، وشرح حديث رسول الله ، سائلين الله جلَّ وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.

نحن في هذه الأيام على مقربةٍ من شهرٍ كريمٍ، وموسمٍ عظيمٍ؛ ألا وهو شهر رمضان المبارك.

نسأل الله أن يُبلغنا وإياكم هذا الشهر الكريم، وأن يَمُنَّ علينا وعليكم بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، وأن يُصلح أحوال المسلمين، ويحقن دماءهم، ويجعله شهر عِزٍّ ونصرٍ للإسلام والمسلمين.

ولهذا فإن من المناسب الحديث عن هذا الشهر الكريم، عن آيات الصيام وأحاديث الصيام، وشيءٍ من مسائل الصيام وأحكامه.

وقد أحسن الإخوة في إدارة التوجيه والإرشاد بالمسجد الحرام -التابع للرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي- بإقامة برنامجٍ يخصُّ هذا الشهر الكريم، بعنوان: "الصيام: مسائل وأحكام"، وهانحن اليوم نستفتح هذا البرنامج بالحديث عن الصيام وأحكامه وحِكَمِه ومسائله المتعلقة به.

كيف نستقبل شهر رمضان؟

أولًا: كيف نستقبل الشهر الكريم؟

شهر رمضان نعمةٌ من نِعَم الله على العباد، شهرٌ تُفَتَّح فيه أبواب الجنة، وتُغَلَّق فيه أبواب النار، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهرٌ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، وهي ليلة القدر، فيُستقبل هذا الشهر بأمورٍ:

الفرح والاستبشار بقدوم شهر رمضان

  • الأمر الأول: الفرح والاستبشار والاغتباط والابتهاج أن مَنَّ الله عليك أيها العبد فَنَسَأَ في أجلك حتى أدركتَ هذا الشهر الكريم، هذه نعمةٌ من نِعَم الله ، فكم من أناسٍ تَمَنَّوا بلوغ هذا الشهر الكريم وحال بينهم وبينه الموت، هادم اللذات، ومُفَرِّق الجماعات.
  • ثانيًا: الفرح: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

التوبة إلى الله تعالى

  • ثالثًا: يُستقبل الشهر الكريم بالتوبة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، التوبة من التَّقصير في حقوق الله، أو في حقوق عباد الله، فمَن قَصَّر في تحقيق التوحيد واتِّباع السُّنة ولزوم منهج السلف الصالح، وقَصَّر في الصلاة -مثلًا- أو في الزكاة، أو في الحجِّ، أو في أعمال الخير والبِرِّ، وارتكب بعض الذنوب والمعاصي، فهي فرصته، رمضان فرصةٌ للتوبة: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].
يا مَن عَدَى، ثم اعتدى، ثم اقترف ثم انتهى، ثم ارْعَوَى، ثم اعترف
أَبْشِرْ بقول الله في قرآنه إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] [1]

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:53- 54].

إنْ تَغْفِر اللهم تَغْفِر جَمًّا وأي عبدٍ لك ما أَلَمَّا [2]

 

مَن ذا الذي ما ساء قط ومَن له الحسنى فقط [3]

فيا مَن قَصَّر في الصلاة، بادر.

يا مَن قَصَّر في صِلَة الرحم، بادر.

يا مَن حمل قلبُه الحسدَ والحقدَ والغِلَّ والبغضاء والشَّحناء على أحدٍ من المسلمين، بادر.

بادروا بالأعمال فِتَنًا كَقِطَع الليل المُظْلِم [4]، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [الحديد:21]، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ [آل عمران:133]، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ [الأنفال:24]، وهكذا: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ [الشورى:47].
يا مَن وقعتَ في أعراض إخوانك المسلمين: كذبتَ، اغْتَبْتَ، سَعَيْتَ بالنَّميمة، بادر بأن تستحلَّهم، وأن تستبيحهم مما نِلْتَ منهم من قبل أن يأتي يومٌ لا درهم فيه ولا دينار ولا متاع، فيتبين الإفلاس الحقيقي.

فرمضان فرصةٌ للتوبة إلى الله من جميع الذنوب في حقِّ الله وحقوق عباد الله.

الاجتهاد في الخير والتَّسامح بين الناس

  • رابعًا: يُستقبل رمضان بالهمَّة العالية والمُسارعة والمُبادرة والتَّصافي والتَّسامح والعفو والصَّفح والغُفْران بين الناس.
    يُستقبل رمضان بالأُمة الواحدة التي تجمعها شعيرة الصيام، وتستقبل البيت الحرام، فلا خلافاتٍ، ولا مَذْهَبياتٍ، وإنما يجمع الناسَ العقيدةُ الصحيحةُ والكتابُ والسُّنة: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103].
    رمضان فرصةٌ لحقن دماء المسلمين، ووضع السلاح أمام المُتقاتلين، فَأُمَّة الإسلام أُمَّة الأمن، وأُمَّة السلام، وتعزيز الأمن بين المسلمين مطلبٌ ضروريٌّ لا تقوم الحياة إلا به، ومكافحة أي بوادر للعنف، أو للقتل، أو لإزهاق النفوس المعصومة، أو للتَّطرف والغلو والإرهاب، فإن أهل هذا النَّهْج مَدْحُورون.
    وإننا نحمد الله أن مَنَّ على بلادنا بتطبيق الحدود الشرعية على كل مُفْسِدٍ في الأرض، وعابثٍ بالأمن، ومُخالفٍ ومُفارقٍ للجماعة.

فَلْيَتَنَبَّه المسلمون، فرمضان فرصةٌ لتعزيز الوسطية والاعتدال، ونَبْذ الغلو والجفاء:

ولا تَغْلُ في شيءٍ من الأمر وَاقْتَصِدْ  كلا طرفي قصد الأمور ذَمِيم [5]

 

رمضان موسم عبادةٍ، لا موسم لَهْوٍ

ليس استقبال رمضان بالنزول إلى الأسواق وشراء ما لَذَّ وطاب، وإن كان هذا من الطيبات التي أحلَّها الله، لكن ينبغي أن نستقبله بالهمَّة والعزيمة والتوبة والإقبال على الله، والمُحافظة على صلاة الفريضة وصلاة التراويح، وحُسن الصيام بالإمساك عن المُفَطِّرات الحسية والمعنوية؛ الحسية مثل: الأكل والشرب والجِمَاع، والمعنوية مثل: حفظ اللسان عن الوقوع في الغيبة أو النَّميمة، فيجب على المسلم أن يحفظ صيامه.

إذا لم يكن في السمع مني تَصَاوُنٌ وفي بصري غَضٌّ، وفي مَنْطِقِي صَمْتُ
فَحَظِّي إذن من صومي الجوع والظَّمَا وإن قلتُ: إني صمتُ يومًا، فما صمتُ [6]

ولهذا فإنها دعوةٌ لوسائل الإعلام والقنوات الفضائية ومنصات التواصل الاجتماعي: أن تستقبل هذا الشهر بأن تبني ولا تهدم، وتجمع الأُمَّة ولا تُفرقها، ولا تكن فرصةً للشائعات المُغْرِضَة، والافتراءات الكاذبة، أو ما يصدُّ الناس عن دينهم من حرب الشهوات، وحرب الشُّبهات.

فَلْيَتَنَبَّه المسلمون لحقيقة استقبال الشهر الكريم:

إذا رمضان أتى مُقْبِلًا فأقبل فبالخير يُسْتَقْبَل
لعلك تُخْطِئه قابلًا وتأتي بِعُذْرٍ فلا يُقْبَل [7]
أتى رمضان مزرعة العباد لتطهير القلوب من الفساد
فَأَدِّ حقوقه قولًا وفعلًا وزادك فَاتَّخِذْهُ للمعاد
فمَن زرع الحبوب وما سقاها تَأَوَّه نادمًا يوم الحصاد [8]
يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب حتى عصى ربه في شهر شعبانِ
لقد أظلك شهر الصوم بعدهما فلا تُصيره أيضًا شهر عصيانِ
وَاتْلُ القُرَان وسبِّح فيه مُجتهدًا فإنه شهر تسبيحٍ وقرآنِ
كم كنتَ تعرف ممن صام في سلفٍ من بين أهلٍ وجيرانٍ وإخوانِ
أفناهم الموت واستبقاك بعدهم حيًّا فما أقرب القاصي من الدَّاني [9]

سلامٌ وأهلًا وسهلًا بشهر الصيام، يا حبيبًا زارنا في كل عام، فاغفر اللهم ذنوبًا سلفتْ، وتجاوز عن خطايانا العِظَام.

بعض أحكام الصيام

معنى الصيام في اللغة والاصطلاح

الصيام في اللغة: الإمساك، ومنه قول الله في قصة مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم:26] أي: إمساكًا عن الكلام.

ومنه قول الشاعر:

خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ تحت العَجَاج وأخرى تَعْلُكُ اللُّجُمَا [10]

يعني: مُمسكةً عن الصَّهيل، وخيلٌ ليست كذلك، أو مُمسكةً عن السير والجري والسباق، وخيلٌ ليست كذلك.

الصيام في الشرع -في الاصطلاح-: إمساكٌ بِنِيَّةٍ مخصوصةٍ عن أشياء مخصوصةٍ في زمنٍ مخصوصٍ.

"إمساك" يعني: عدم تناولٍ للمُفَطِّرات.

"إمساكٌ عن أشياء مخصوصةٍ" الأشياء المخصوصة المُفَطِّرات الحسية والمعنوية، ويأتي في مقدمة المُفَطِّرات: الأكل والشرب والجِمَاع، قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].

"بِنِيَّةٍ مخصوصةٍ" النية هي التي تُميز صيام الفريضة من كونه عبادةً عن كونه عادةً.

الآن الذي يصوم مثلما يصوم الناس ما يكسب الأجر بقدر ما يعقد النية أنه يُمْسِك عن المُفَطِّرات ابتغاء وجه الله ، واسْتِنَانًا بِسُنَّة رسول الله ، وابتغاء الأجر من الله.

ثم إن النية تُبيِّن الفريضة من النافلة، وتُحدِّد الصيام ونوعه.

وهل تكفي نيةٌ واحدةٌ عن الشهر كله، أو في كل يومٍ يحتاج إلى نيةٍ؟

قولان لأهل العلم، والصحيح أنه تكفي نيةٌ واحدةٌ، ينوي الإنسان أنه يصوم رمضان ثلاثين يومًا أو تسعةً وعشرين يومًا، فيكفيه هذا، وهو عند السحور يعقد النية بقلبه، ولا حاجة إلى أن يتلفظ، لا حاجة إلى أن يقول: نويتُ أن أصوم هذا اليوم الاثنين لوجه الله تبارك وتعالى. فإن مجرد الإمساك واستحضار النية بقلبه يكفي، إن شاء الله.

حكم صيام شهر رمضان وأدلته

ما حكم صيام شهر رمضان؟

حكمه: ركنٌ من أركان الإسلام، قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت [11].

فصيام رمضان الركن الرابع من أركان الإسلام، فرضٌ، واجبٌ، معلومٌ من الدين بالضرورة.

ما دليله؟ ما الأصل في مشروعيته؟

دليله: القرآن والسُّنة والإجماع.

القرآن: قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ [البقرة:183- 184]، وقال سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].

هذه أدلة الوجوب: لام الأمر: فَلْيَصُمْهُ، وفي أول الآيات: كُتِبَ يعني: فُرِضَ.

والله في آيات الصيام ابتدأها بالنداء -نداء أهل الإيمان- فإن هذا النداء أقرب إلى أن يستجيبوا لهذه الفريضة، شَرَّفهم بنداء الإيمان: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ.

قال ابن مسعودٍ رضي الله عنهما: "إذا سمعتَ الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَصْغِ لها سمعك؛ فإنها خيرٌ تُؤْمَر به، أو شرٌّ تُنْهَى عنه" [12].

إذن من أوجه استنباط وجوب الصيام في آيات الصيام:

  • أولًا: النداء، شرف الإيمان.
  • كُتِبَ فُرِضَ.
  • عَلَيْكُمُ "على" تعني: الوجوب.
  • وتقديم العامل دليلٌ على التأكيد: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ أبلغ من: يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ الصيامُ عليكم، مثل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، هذا دليلٌ على زيادة التأكيد.
  • كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني: لستُم بِدَعًا من الأُمم، الصيام شُرِعَ حتى للأمم الماضية: لليهود والنصارى، كُتِبَ عليكم كما كُتِبَ على الذين من قبلكم.
    وفي هذا دليلٌ على أن هذه الشريعة ماضيةٌ -شريعة الصيام- على الأمم من قبل أُمَّة محمدٍ .

هذا الأصل في مشروعيته.

الحكمة من مشروعية الصيام

ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، ما المراد بها؟

هذه الحكمة من مشروعية الصيام: لَعَلَّكُمْ العِلَّة، الحكمة: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، فالصيام سببٌ للتقوى، طريقٌ للتقوى، وتقوى الله هي وصيته للأولين والآخرين من عباده: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].

الإجماع: وقد أجمع المسلمون على وجوب الصيام، فمَن أنكر وجوبه كفر؛ لأنه يُكَذِّب بالقرآن، ويُكَذِّب بالأحاديث، ويُخالف إجماع المسلمين: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115].

ومن الحكمة في مشروعية الصيام مع التقوى: أن فيه تزكيةً للنفوس، وتطهيرًا لها، وتنقيةً لها من الأخلاط والأخلاق الرذيلة.

ثالثًا: الصوم يُضَيِّق مجاري الشيطان في البدن؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والأكل والشرب يزيده، أما إذا صام فإن ذلك يُقلِّل من شهوته.

وفي الصيام تزهيدٌ في الدنيا، وترغيبٌ في الآخرة.

وفي الصيام باعثٌ على العطف على الفقراء والمساكين الذين كل دهرهم صيام، ليس عندهم ما يَسُدُّ رَمَقَهم.

فيا أيها الغني، ويا أيها المُتْرَف، إن لك إخوانًا من الفقراء والمساكين، فالصيام جاء لِتَحُسَّ بالجوع مثلهم، وتَحُسَّ بآلامهم.

وقت ابتداء الصيام وانتهائه

في التعريف قلنا: "إمساكٌ بنيةٍ مخصوصةٍ عن أشياء مخصوصةٍ في زمنٍ مخصوصٍ"، وهذا الزمن من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].

إذن متى يبتدئ وجوب الصيام؟

من طلوع الفجر، إذا أذَّن المُؤذِّن للفجر الثاني، كما في حديث عبدالله ابن أم مكتوم: إن بلالًا يُؤذِّن بليلٍ، فَكُلُوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم [13].

الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ: البياض، ليس الخيط المعروف، البياض المُعْتَرِض في الأُفُق.

هذا قبل أن يعرف الناس اليوم الكهرباء والأنوار.

وينتهي بغروب الشمس، إذا أذَّن المُؤذِّن للمغرب تُفْطِر.

وبعض الناس يُزيِّن لهم الشيطان؛ فيقعون في الشذوذ عن جماعة المسلمين بدعوى الاحتياط.

يقول لك: لا، أنا أُمْسِك قبل الفجر بربع ساعةٍ أو ثلث ساعةٍ؛ لأني أخشى أن الفجر قد دخل قبل ذلك.

لا، يا أخي، الصوم يوم يصوم الناس، والإمساك يوم يُمْسِك الناس، والفطر يوم يُفْطِر الناس، وهو محدودٌ بالأذان.

وبعض الناس عند المغرب ما يُفْطِر، ينتظر، يقول: أخشى أن الشمس ما غربتْ.

هذا كله من الشيطان، فليحذرها المسلم: أحب عبادي إليَّ أعجلهم فِطْرًا [14]، إذا قال: "الله أكبر" نُفْطِر، وهذه هي السُّنة.

ومن الأدلة على وجوب الصيام: قول الله : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ إلى قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ هذا في بيان الوقت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187].

يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ أي: يتَّضح نور النهار أو بياض النهار من سواد الليل.

وسائل ثبوت دخول شهر رمضان

متى يبدأ وجوب الصيام؟

يعني: كيف نعرف أن الشهر دخل؟

نعرفه بأحد ثلاث وسائل:

  • الوسيلة الأولى: رؤية الهلال، قال الله : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وقال النبي : صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته [15]، فمَن رأى الهلال بنفسه وجب عليه أن يصوم، كما ينبغي له أن يُبلِّغ المحكمة الشرعية.
    ولهذا المحكمة العليا قبل شهر رمضان بيومٍ تدعو الناس إلى تَرَائي الهلال، ومَن رآه يتَّصل بالمحكمة أو بأقرب مركزٍ، ثم متى ثبت لدى المحكمة العليا أبلغتْ وليَّ الأمر، وولي الأمر يُصدر البيان: أنه جاءنا من المحكمة العليا ما يلي: أنه ثبت لدى المحكمة العليا رؤية هلال شهر رمضان، ولو برؤية رجلٍ واحدٍ.

ودليله: حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: تَرَاءَى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ رسول الله أني رأيتُه؛ فصام، وأمر الناس بصيامه [16].

وأيضًا حديث الأعرابي الذي جاء إلى النبي وقال: يا رسول الله، رأيتُ الهلال. فأمر بلالًا أن يُؤَذِّن للناس بأن يصوموا [17].

فإذا رُئِيَ الهلال برؤية رجلٍ واحدٍ فإنه يصوم لرؤيته المسلمون، أما خروج الشهر فلا بد من اثنين، لماذا؟

لأن ثبوت الشهر بيقينٍ، ولا نخرج من اليقين إلا بيقينٍ مثله، ولا يكون ذلك إلا برؤية شاهدين، أو رجلين عَدْلَين.

  • الطريقة الثانية التي يثبت من خلالها الشهر: الشهادة على الرؤية: أنا ما رأيتُه، لكن قال لي أحمد -وهو ثقةٌ عندي-: إنني رأيتُه، فأنا أشهد.
    ويشهد -مثلًا- رجلٌ أو رجلان على هذه الرؤية، أو يُخْبَر بها، ويُخْبِر بها الثِّقةُ العدلُ، فيُصام برؤية هذا العدل.
    إذن الأول: الرؤية، والثاني: الشهادة على الرؤية؛ أن يشهد رجلٌ من المسلمين أو رجلان، والرجل يكفي في الدخول؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما الذي أخرجه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبان والحاكم.
  • الطريقة الثالثة في ثبوت الشهر: إكمال العِدَّة، قال الله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ [البقرة:185]، وقال النبي : الشهر هكذا وهكذا [18] يعني: تسعةً وعشرين يومًا، أو ثلاثين يومًا، فلا تصوموا حتى تَرَوا الهلال، ولا تُفْطِروا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين [19]، وهذا نصُّ حديث أبي هريرة : فإن غُمِّيَ عليكم الشهر فَعُدُّوا ثلاثين [20].

شروط الصيام

ما شروط الصيام؟

شروط الصيام خمسةٌ:

  • أولًا: الإسلام، فلا يصح الصيام من كافرٍ.
  • اثنين: البلوغ، بلوغ خمس عشرة سنةً، أو البلوغ بإحدى علامات البلوغ المعروفة.
  • الثالث: العقل، فالمجنون لا يُطالب بالصيام.

البلوغ، ما حكم الصيام من الصغير؟

طيب، الصيام من الصغير لا يجب عليه، لكنه يُعَوَّد عليه، وكان السلف رحمهم الله يُعَوِّدون أبناءهم الصيام.
وكذلك قلنا: العقل؛ لأن المجنون ما عنده نيةٌ، ونحن قلنا: إن الصيام لا بد فيه من نيةٍ.

  • الرابع من الشروط: القُدرة على الصيام بأن يكون قادرًا، سليمًا، ليس مريضًا، قال الله : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184].
  • الشرط الخامس: الحَضَر، أن يكون حاضرًا، مُقِيمًا، وليس مُسافرًا.
    أما المسافر فله الرخصة في أن يُفْطِر، ولا بأس في ذلك، لا سيما إذا كان -حفظكم الله- الصيام يَشُقُّ عليه، حتى لو سافر بالطائرة والصيام يَشُقُّ عليه فله الفطر: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.

هذا في معنى قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184]، هل هذه الآية مُحْكَمَةٌ أو منسوخةٌ؟

الفِدْيَة لمَن عجز عن الصيام

اختلف أهل العلم في قوله سبحانه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ فالجمهور على أنها مُحْكَمَةٌ، وهي في حقِّ المريض، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "هي في حقِّ المريض والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام" [21].

وقُرئ: يُطِيقُونَهُ، وقُرئ: {يُطَوَّقُونه} بالفتح، وقُرئ بكسرها، وهي قراءاتٌ معروفةٌ.

إذن المُقيم والمُسافر، والصحيح والمريض، والطاهر والحائض؛ وهذا للمرأة كذلك تزيد شرطًا: وهو عدم الحيض؛ لأنه إذا جاءها الحيض فإنها تُفْطِر، والنُّفَساء كذلك لا تصوم، هذه من الرُّخَص التي رخَّصها الله .

وكذلك الذي يُغْمَى عليه، يعني: عقله يحضر ويغيب، أيضًا لا يلزمه.

المريض الذي يُرْجَى بُرْؤُه بعد رمضان، يُتوقَّع أنه يُشْفَى بإذن الله، هذا يصوم: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ بعد رمضان.

والذي ما يتمكن، كأن يكون مرضه دائمًا -عافانا الله وإياكم- الأمراض الخطيرة التي لا يُرْجَى بُرْؤُها بعد رمضان؛ هذا يَعْدِل للإطعام: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ، يُخْرِج عن كل يومٍ إطعام مسكينٍ مُدًّا من البُرِّ أو نصف صاعٍ من غيره، أو وجبة سحورٍ أو فطورٍ، يَعْزِم مسكينًا.

يعني: كيلو ونصف عن كل يومٍ في الشهر، فالكيس الذي فيه 45 كيلو يُخْرَج في أول الشهر عن المريض، أو في وسطه، أو في آخره، لكن خروجه في أول الشهر أحوط وبراءة للذمة.

هذه بعض المسائل في الصيام.

إن الله يُحب أن تُؤْتَى رُخَصُه

طيب، الصيام فيه القضاء يحكي الأداء، يعني: يصوم الذي ما يتمكن بعد رمضان، والمسافر والمريض يُنْظَر في مدى المشقة، ولكن بعض الناس يَشُقُّ على نفسه؛ بعض الناس عنده مرضٌ -مثلًا: الفشل الكُلوي- ويشقُّ على نفسه، والحمد لله الدين يُسْرٌ: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، أو شيخٌ كبيرٌ عمره 80 أو 90 وتجده يصوم.

لا، يا أخي، الحمد لله، إن الله يُحب أن تُؤْتَى رُخَصُه، كما يكره أن تُؤْتَى معصيته، فعليكم بِرُخَص الله التي رَخَّص لكم.

فلا تشقَّ على نفسك أيها المسلم، فالدين دين اليُسر.

في أي الآيات جاءت آيات اليُسر؟

جاءت في آيات الصيام: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي [البقرة:186]، وقبلها: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

تدرج فرض الصيام من التَّخيير إلى الوجوب

بَدْء الصيام ونهايته: عرفنا أنه يبدأ من طلوع الفجر.

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله: هذه رخصةٌ من الله تعالى للمسلمين في قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187].

أول ما فُرِضَ الصيام فُرِضَ على التَّخيير، ثم جاء الوجوب.

التَّخيير بين الإطعام والصيام: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:184]، في أول مشروعية الصيام كان بالتَّخيير: إما أن تصوم، وإما أن تُطْعِم، ثم جاء الأمر بالصيام.

تخفيف التَّشريع في الصيام وبيان رُخْصة الليل

من المُفَطِّرات أيضًا في أول مشروعية الصيام: كان المسلم إذا صام فإنه إذا أذَّن عليه العشاء يُمْنَع من جِمَاع أهله، إذا نام أو حضرت العشاء يُمْنَع من الجِمَاع، ويكون الجِمَاع مُفَطِّرًا، في أول مشروعية الصيام.

ثم نزل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ إلى الفجر، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، قال: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة:187]، يحقُّ لك الأكل والشرب والجِمَاع إلى أذان الفجر، فهذه رُخْصَةٌ.

ولهذا لما شُرِعَ هذا في أول مشروعية الصيام شَقَّ على المسلمين؛ لأن العشاء قريبٌ من المغرب، وقد ينعس أو ينام، ثم ما يحق له أن يأتي أهله، فنزلتْ هذه الآية، ففرح المسلمون بها فرحًا شديدًا.

هذه الآية هي التي تُحدِّد بداية الصوم ونهايته.

الحثُّ على السحور وبيان فضله

تدل بداية الصيام على أهمية السحور، فالسحور مشروعٌ، وهو سُنةٌ ومُستحبٌّ، قال عليه الصلاة والسلام: تَسَحَّروا؛ فإن في السَّحور بركةً [22].

السَّحور -بالفتح-: الطعام، والسُّحور -بالضم-: عملية تناول الطعام.

ولهذا ينبغي على المسلم أن يحرص على السحور، واليوم بعض الناس -مع الأسف- ما يُدْرِك هذه السُّنة، وبعضهم يتعشَّى.

لا، تَسَحَّر ولو على تمرةٍ، ولو على كأس ماء، أو كأس لبن، ولا تترك السحور، ففي السحور بركةٌ.

وفعلًا الذي يَتَسَحَّر يصبر على الجوع والعطش، والذي تجده كل يومٍ ما تَسَحَّر قد تُصيبه مشقةٌ بفوات بركة السحور.

الجنابة والطَّهارة قبل الفجر وأثرهما على الصيام

ما الحكم لو استيقظ الإنسان وعليه جنابةٌ؟

ما الحكم إذا أذَّن عليه الفجر وعليه جنابةٌ؟

لا مانع، لا يمنع من الصيام وصحة الصيام.

أو طهرت الحائض قبل الفجر أو النُّفساء، الحمد لله تغتسل وتصوم.

وبعض الناس -كما قلنا- يَتَسَحَّرون مُبَكِّرين وينامون، وهذا فيه خطأٌ من عدة أوجهٍ: أنهم يصومون قبل وقت الصيام، وأنهم يتركون الصلاة -صلاة الفجر- ويُؤخِّرونها عن وقتها، ويتركونها مع الجماعة.

فَلْيَتَنَبَّه المسلم لهذا، وليحرص على اتِّباع سُنة النبي .

سُنة تعجيل الإفطار وفضله

تعجيل الإفطار مُستحبٌّ، إذا أذَّن بَادِرْ بالأكل، فالسُّنة أن تُفْطِر على رُطَبٍ، والرُّطَب: تمرٌ وبلحٌ، هذا هو الرُّطَب، يُسمونه: البِسْر، أو البلح، أو الرُّطَب.

فإن لم يتيسر الرُّطَب فتمرٌ، وإن لم يتيسر التمر يُفْطِر ولو على ماءٍ، المهم أنه يُفْطِر.

فعن سهل بن سعدٍ : أن النبي قال: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر [23]، إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلهم فِطْرًا [24].

انظروا إلى رحمة الله وكرمه؛ يُحب من عباده أنهم يفرحون: للصائم فرحتان؛ فرحةٌ عند فِطْره، وفرحةٌ عند لقاء ربه [25]، فالله يُحب أنك تأكل، وأنك تتناول الفطور، فهذا أمرٌ من السُّنة.

تنبيهات حول الإفطار وآداب المساجد

بعض الناس في الفطور -مثلًا- يُفْطِر في البيت، ويُفْطِر ويَتَعَشَّى في وقتٍ واحدٍ، وهذا خلاف الشرع، وخلاف الصحة، فالأفضل أنك تُفْطِر على تمرٍ وماءٍ وما تيسر، وما نَشُقُّ على الناس، فلو أكل -مثلًا- "سَمْبُوسَة"، أو أكل لُقَيْمَات، أو شرب الشُّرْبَة، لا بأس، لكن الأفضل لصحته أنه لا يأكل إلا بعد الصلاة، ما يَتَعَشَّى.

ولهذا بعض الناس يَمُدُّون السُّفَر التي فيها الأرز و"المُفَطَّحات" عند المغرب!

طيب، هؤلاء متى سيُصَلُّون المغرب؟!

وقد يكون هذا في بيوتهم، وقد يَشُقُّون، حتى في المساجد، وفي الحرمين!

والحَرَمَان -الحمد لله- فيهما نظامٌ في الفطور.

ولهذا نحن ندعو المسلمين إلى رعاية آداب الحَرَم، والتعاون مع القائمين على المسجد الحرام بنظافة الحرم وصيانته، وحفظ النعمة، وعدم رمي النَّوى في المطاف، أو في المَسْعَى.

فَلْيَتَّقِ الله المسلمون الصائمون في مُراعاة الأدب في الحَرَم، وفي بيوت الله تبارك وتعالى.

سُنَّة الدعاء عند الإفطار

يُسَنُّ أن يدعو إذا أفطر: "اللهم إني لك صُمْتُ، وعلى رزقك أفطرتُ"، وكان النبي يقول: ذهب الظَّمَأ، وَابْتَلَّت العروق، وثبت الأجر، إن شاء الله [26]، وقال عليه الصلاة والسلام: إن للصائم عند فِطْره لدعوةً ما تُرَدُّ [27].

ارفع يدك وأنت تُفْطِر بعد تناول التمر، ولا تشتغل بالحديث والقِيل والقال مع الناس، هذه فرصٌ ذهبيةٌ، وساعات إجابة، تدعو لنفسك وللمسلمين.

هذه بعض أحكام الصيام.

مُفسدات الصيام

المُفْسِدات، باب مُفْسِدات الصيام، مُفَطِّرات الصيام.

للصيام مُفَطِّرات لا بد أن يعرفها المسلم:

الجِمَاع في نهار رمضان

  • أولًا: الجِمَاع: مَن جامع أهله في نهار رمضان فإن صيامه يفسد، وعليه القضاء، وعليه مع القضاء الكفَّارة المُغلظة: وهي عتق رقبةٍ، فإن لم يستطع يصوم شهرين مُتتابعين، تلك حدود الله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:229]، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1]، فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة:229] فلا تقربوها.

إنزال المني في نهار رمضان

  • المُفَطِّر الثاني أو المُفْسِد الثاني: إنزال المَنِيِّ، فمَن عمل على إنزال مَنِيِّه بسبب تقبيل زوجته أو لمسها، أو حتى بالاستمناء والعبث بالذَّكَر، أو بتكرار النظر؛ مَن عمد إلى ذلك فإن صيامه يفسد إذا نزل مَنِيُّه، وعليه القضاء فقط دون الكفَّارة؛ لأن الكفَّارة إنما تلزم بالجِمَاع.
    لكن الذي يحتلم ليس عليه شيءٌ، يعني: يغلبه الاحتلام، قام من النوم وهو مُحتلمٌ، ما يدري، فلا شيء عليه -إن شاء الله- النائم إذا احتلم فأنزل لا شيء عليه، ويُتِمُّ صيامه، وليس عليه قضاء.

الأكل والشُّرب عمدًا

  • الثالث: الأكل والشرب مُتعمدًا: الذي يتعمد الأكل والشرب فإنه يَفْسُد صيامه، أما مَن أكل أو شرب ناسيًا فلا شيء عليه: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، مَن نسي وهو صائمٌ فأكل أو شرب؛ فَلْيُتِمَّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه [28].

الإبر المُغذية

  • ومما يُفَطِّر الصائم ويُلْحَق بالأكل والشرب اليوم: بعض الأدوية المُغذية.
    فما حكم المُفَطِّرات عن طريق -مثلًا- وصول الطعام إلى الجوف من غير طريق الفم؟
    هناك إبرةٌ تُغذِّي تُسمى: "إبرة مُغذية"، تقوم مقام الغذاء والطعام والشراب، هذه تُفَطِّر.

حكم الإبر والتَّحاليل الطبية في الصيام

النوع الثاني من الإبر: أدويةٌ ليست مُغذيةً، تُسمى "إبرة الوريد"، وهذه دواء، والصحيح من أقوال أهل العلم: أنها لا تُفَطِّر.

أو التَّحليل، الذي يُحلل -مثلًا- أو يضرب إبرةً، قلنا: إن كانت مُغذيةً تُفَطِّر، وإن كانت دوائيةً لا تُفَطِّر، وهي ما يُعْرَف عند أهل العلم سابقًا بـ"السَّعُوط أو الوَجُور": إيصال الماء ونحوه إلى الجوف عن طريق الأنف، فهذا يُفَطِّر، أو أخذ المُغَذِّي، أو كان سحب الدم منه كثيرًا، فإنه يُؤثِّر على صيامه.

أما الذي يُحلِّل مثل: السكر، وَخْزَةٌ بالإصبع، فهذه الصحيح أنها لا تُفَطِّر.

حكم قطرة العين والأذن في الصيام

القطرة في العين، والقطرة في الأذن هل تُفَطِّر أو لا تُفَطِّر؟

قولان لأهل العلم، والصحيح الذي عليه المُحققون: أنها لا تُفَطِّر؛ لأننا اتَّفقنا أن الضابط: هو الذي يُغَذِّي، أو ما يقوم مقام الغذاء، مقام الطعام والشراب، وهنا القطرة فقط لضبط -مثلًا- سلامة العين.

وهل العين والأنف مدخلٌ ومَنْفَذٌ للجوف أو لا؟

حتى لو كانا مَنْفَذًا، فهل الذي نفذ طعامٌ أو دواء؟

هنا كلامٌ كثيرٌ لأهل العلم، والذي يترجح -والله أعلم- أنه لا يُفَطِّر إلا المُغَذِّي، ما وصل إلى المعدة وكان مُغَذِّيًا، قام مقام الأكل والشرب، أما غيره من الأدوية، وحتى القطرات فالصحيح أنها لا تُؤثِّر.

ومع هذا نقول: إذا استطعتَ أيها المريض أن تجعلها في المساء فهو أحوط لك، وأَبْعَد عن الشُّبْهَة.

الحجامة وسحب الدم في نهار الصيام

  • الحِجَامة: من المُفَطِّرات الحِجَامة، فمَن أفطر بالحجامة أو فَصَدَ أو سحب الدم ليتبرع، إذا كان كثيرًا فإنه يُفَطِّر، أما إذا كان قليلًا -وَخْزَةٌ بالإبرة- فلا يُؤثِّر -إن شاء الله- على الصيام.
    والرُّعاف أو الجرح، أو الذي يخلع سِنَّه ويخرج منه دمٌ يسيرٌ أيضًا لا يُؤثر، إن شاء الله.
  • ومن المُفَطِّرات: التَّقيؤ عمدًا، يُدْخِل إصبعه في فمه لِيَتَقَيَّأ، قال عليه الصلاة والسلام: مَن ذَرَعَه أو غلبه القيء أَفْطَر [29]، أما إذا كان بدون اختياره فلا يُؤثر.

بعض الناس -ما شاء الله- في السحور يُكثر الأكل، ثم تكون معدته قد دخل فيها أكثر من طاقتها فَيَتَقَيَّأ، فهذا -إن شاء الله- صيامه لا يتأثر.

هل يُؤثر الكحل أو القطرة على الصيام؟

قال: ينبغي للصائم أن يتجنب الاكتحال ومُداواة العينين بالقطرات أو بغيرها؛ مُحافظةً على الصيام.

الصحيح أنها لا تُؤثِّر: القطرة أو الكحل.

المُبالغة في المضمضة والاستنشاق حال الصيام

لا يُبالغ في المضمضة والاستنشاق، قال عليه الصلاة والسلام في حديث لَقِيط بن صَبِرَة : وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا [30].

حكم استعمال السِّواك أثناء الصيام

السِّواك يُؤثِّر أو ما يُؤثِّر؟

الصحيح من أقوال أهل العلم: أنه لا يُؤثِّر، بل إنه مُستحبٌّ.

وذهب الحنابلة إلى أن وقته إلى الظهر فقط.

والصواب: أنه جائزٌ في كل الوقت، أول النهار وآخره، على الصحيح.

حكم ما يدخل الجوف بغير قصدٍ

لو طار إلى حلقه ذبابٌ، أو دخل غبارٌ أو بخورٌ لا يُؤثِّر على صيامه، إن شاء الله.

وجوب حفظ الصيام عن المُفَطِّرات الحسية والمعنوية

ينبغي للصائم أن يجتنب المُفَطِّرات الحسية والمعنوية، ويحذر هذه الجوالات اليوم التي تُضَيِّع الأوقات، ولا يقعد (يُغَرِّد)، هو صيام رمضان وأنت جالسٌ (تُغَرِّد)؟!

أو يأتي بـ(اللابتوب) والحاسوب ويقعد يُتابع مواقع التواصل!

أيُّ صيامٍ هذا؟! أين قراءة القرآن؟! أين ختم القرآن في كل ثلاثة أيامٍ؟! أين ضبط الوقت؟!

فَلْيَتَنَبَّه المسلمون لمثل هذا.

لعلنا نكتفي بهذا القدر، سائلين الله أن يَمُنَّ علينا وعليكم ببلوغ شهر رمضان، وأن يجعلنا وإياكم ممن يصومه ويقومه إيمانًا واحتسابًا، إنه جوادٌ كريمٌ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

^1 البيتان لأبي منصور البغدادي، ينظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي: 5/ 139.
^2 البيت ذكره ابن إسحاق في "سيرته" بلا نسبةٍ: ص97.
^3 البيت للقاسم بن علي الحريري، ينظر: "شرح مقامات الحريري" لأبي العباس الشريشي: 2/ 213.
^4 رواه مسلم: 118.
^5 البيت لأبي سليمان الخطابي، ينظر: "العزلة" للخطابي: ص97.
^6 البيتان لأبي بكر المحاربي، ينظر: "أخبار وتراجم أندلسية" لأبي طاهر السلفي: ص31.
^7 البيتان ذكرهما ابن رجب في "لطائف المعارف": ص266.
^8 الأبيات ذكرها ابن رجب في "لطائف المعارف": ص265.
^9 الأبيات ذكرها ابن رجب في "لطائف المعارف": ص266.
^10 البيت للنابغة الذبياني، ينظر: "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي: 1/ 202.
^11 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
^12 رواه ابن المبارك في "الزهد والرقائق": 36.
^13 رواه البخاري: 2656، ومسلم: 1092.
^14, ^24 رواه الترمذي: 700، وأحمد: 7241.
^15 رواه البخاري: 1909، ومسلم: 1081.
^16 رواه أبو داود: 2342، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2028.
^17 رواه أبو داود: 2340، والترمذي: 691.
^18 رواه البخاري: 1908، ومسلم: 1080.
^19 رواه مسلم: 1080 بنحوه.
^20 رواه مسلم: 1081.
^21 رواه الطبري في "تفسيره": 3/ 175 بنحوه.
^22 رواه البخاري: 1923، ومسلم: 1095.
^23 رواه البخاري: 1957، ومسلم: 1098.
^25 رواه البخاري: 7492، ومسلم: 1151.
^26 رواه أبو داود: 2357، وحسنه الألباني في "مشكاة المصابيح": 1993.
^27 رواه ابن ماجه: 1753، والحاكم في "المستدرك": 1547.
^28 رواه البخاري: 6669، ومسلم: 1155.
^29 رواه بنحوه أبو داود: 2380، والترمذي: 720، وابن ماجه: 1676.
^30 رواه أبو داود: 142، والترمذي: 788، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 405.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©