تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. خالد بن محمد عبدالقادر
فضيلة الشيخ أ.د. خالد بن محمد عبدالقادر

ما يتعلق بمقاصد الصوم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

أما بعد:

فحياكم الله وبيَّاكم إخواني في هذا اللقاء الذي يتعلق بمقاصد الصوم، هي أيامٌ قلائل ثم نستقبل هذا الشهر الكريم، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبلغنا إياه، نحن وإياكم، ونحن على صحةٍ وعافيةٍ.

مقدمة في تعريف المقاصد

ما يتعلق بمقاصد الصوم.

قبل أن نشرع في بيان مقاصد الصوم، لعلنا نأتي بمقدمةٍ في تعريف المقاصد، أحسب أن كلمة "المقاصد" كثيرًا ما تتطرق إلى أسماعنا؛ نقول: مقاصد الشريعة، مقاصد الصلاة، مقاصد الصوم، ونحوها، وهو مصطلحٌ شرعيٌّ، أضحى متداولًا في كتب الفقه، وفي كتب الأصول.

والمقصود بـ"المقصد الشرعي": هي العلة أو الحكمة التي من أجلها شرع الله تعالى هذه الفريضة، أو نهى عن هذا الأمر، بمعنى: هناك حكمةٌ وعلةٌ من أجلها شرع الله تعالى هذه الشرائع، سواءٌ كانت الشرائع أوامر أو نواهي، فلا بد أن تكون ثمة حكمةٌ وعلةٌ لهذا الأمر.

فلذلك تسمى "المقاصد"، وربما تسمى أيضًا بـ"المصالح والمفاسد"، بمعنى: المصالح التي حرصت الشريعة على تحصيلها للمكلفين، والمفاسد أيضًا التي حرصت الشريعة على إبعادها وعلى درئها عن المكلفين، فالمقاصد المقصود بها: المصالح والمفاسد التي شُرعت من أجلها الشرائع.

شمول المقاصد لكل تشريع

ورُبَّ قائلٍ يقول: وهل كل شريعةٍ أو كل أمرٍ لا بد وأن يكون ثمة مقصدٌ شرعيٌّ له؟

نقول: نعم، هذا ... ولا بد منه؛ لأن هذا فرعٌ عن الإيمان، إذا قلنا: الإيمان معرفة مقاصد الشريعة، وحكم الشريعة، وعلل الشريعة، ومعرفة المصالح والمفاسد، هذا فرعٌ عن مسألةٍ اعتقاديةٍ إيمانيةٍ، وهو أن الله تعالى عليمٌ خبيرٌ حكيمٌ؛ ومن مقتضيات الحكمة: ألا يشرِّع أمرًا إلا ولا بد وأن تكون له حكمةٌ.

وهذا الأمر يُسلَّم حتى في تعاملاتنا مع البشر، ولله المثل الأعلى، فإنك إذا ذهبت إلى طبيبٍ حكيمٍ خبيرٍ، ثم صرف لك دواءً لا تعرف كُنْهَ هذا الدواء، لكن لأنك تعرف أن هذا الطبيب حكيمٌ وعليمٌ بفنه وخبيرٌ بفنه؛ فإنك تأخذ هذا الدواء وأنت على يقينٍ أن فيه مصلحةً لك.

وكذلك إذا نهاك عن شيءٍ قال: لا تأكل ذاك الشيء، أو لا تقرب ذاك الشيء، ونحوه؛ التزمت أمره، مع أنك لا تعرف كنهه، لكن لما سلَّمت لهذا الحكيم ولهذا الطبيب، سلمت له بأنه حكيمٌ وخبيرٌ في مجاله؛ فإنك تنزل عند أوامره، وتنزل كذلك عند نواهيه، ولا نضرب لله تعالى الأمثال، إنما أوردنا ذلك تقريبًا للأذهان، ولله  المثل الأعلى.

حكمة الله في الأوامر والنواهي

فكذلك كل أمرٍ يأمر الله تعالى به، لا بد وأن تكون ثمة مصلحةٌ من وراء هذا الأمر، وكل نهيٍ ينهانا الله تعالى ورسوله عنه، لا بد وأن يكون وراء هذا النهي مفسدةٌ تريد الشريعة درأها عنا.

وقلنا: إن هذا فرعٌ عن الإيمان والاعتقاد بأن الله تعالى عليمٌ خبيرٌ، وكذلك هذا أيضًا يَطِّرد في كل ما يتعلق بأفعال الله من الخلق والإماتة والإحياء والتدبير وإنزال الغيث وإصابة الناس بالأمراض وإصابة الدول والأراضي بالقحط، كل ذلك لا بد وأن تكون لله فيه حكمةٌ يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.

فنقول: هذا من أكبر الإيمان والاعتقاد بالله : أن تؤمن بأن الله عليمٌ خبيرٌ، وهذا العلم وهذه الحكمة وهذه الخبرة تجعلك تؤمن بأن الله تعالى لا يأمر بأمرٍ إلا وثمة مصلحةٌ وراءه، ولا ينهى عن شيءٍ إلا وثمة مفسدةٌ وراءه.

مقاصد رمضان

هذه مقدمةٌ أوردناها، يعرفها طلاب العلم، ويدرسونها تحت ما يسمى بـ "مقاصد الشريعة"، إنما أوردناها؛ حتى تكون كمقدمةٍ ومدخلٍ لمعرفة مقاصد رمضان.

إذا قلنا: مقاصد رمضان، فالمقصود به: المصالح المترتبة على هذه الفريضة التي فرضها الله تعالى علينا، وهي مصالح كثيرةٌ، بعضها مذكورٌ، وبعضها ربما يُستنبط؛ بمعنى: تجارب الناس تدل عليه، ولعل الإخوة السامعين منهم من وقف على شيءٍ من هذه المقاصد فيشاركنا فيها.

المقصد الأعظم: تحقيق التقوى

أولى هذه المقاصد وأعظمها على الإطلاق: ما نص الله تعالى عليه في كتابه الكريم، وهذا الذي يسمى عند الأصوليين بـ"مسالك العلة"؛ لذلك إذا قرأت القرآن وتتبعت السنة؛ وجدت أن كثيرًا من الأحكام التي تأتي في الكتاب والسنة هي معللةٌ، ومنها الصوم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمُنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

فقالوا: "لعل" ها هنا صحيحٌ هي للترجي في أصل اللغة في لغة العرب، قالوا: إلا في القرآن الكريم، فإذا جاءت في القرآن "لعل" و"سوف" ونحوهما، إذا جاءت في القرآن الكريم؛ فإنها بمعنى: التعليم، بمعنى: الحكمة، وساوَوْهَا بكلمة "كي"؛ بمعنى: أن الله تعالى فرض هذا الصوم؛ حتى يكون مدخلًا لتقواه، وحتى يكون مآل هذا الصيام وصوم رمضان: أن يزيد في تقوانا لله .

قلنا: إن "لعل" في أصل اللغة: هي للترجي، للتردد، لكنها إذا جاءت في القرآن الكريم، فهي للتحقيق؛ بمعنى: أن كل من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ فإنه -ولا ريب وعدًا من الله - لا بد وأن يتأثر إيمانه زيادةً، فتزيد تقوى الله في قلبه.

لو لم يرد هذا الأمر، أو هذه العلة، في سياق كلام الله ؛ لكانت المشاهدة دليلًا على ذلك، أليس كذلك؟!

لذلك كثيرٌ من الناس إذا جاء رمضان، حتى من العصاة، كثيرٌ من العصاة إذا دخل رمضان؛ أخبت لربه واستحى من ربه، وربما ابتعد عما كان يقترفه في كل الشهور من الآثام والمعاصي؛ تقديرًا واحترامًا لهذا الشهر الكريم، ونحن لا نذم ذلك، هذا أمرٌ طيبٌ، إنما الذم يكون على أنه جعل هذا في شهرٍ واحدٍ، دون بقية الشهور، وبعضهم بمجرد أن ينتهي رمضان؛ يعود إلى عادته القديمة، لكن التزامه وصلاحه واستقامته، ومحافظته على الصلاة، وبُعده عن المنكرات، هذا لا شك أمرٌ يُحمد عليه.

لذلك بعض الدعاة أحيانًا ربما يوبخ هؤلاء، لا توبخهم، يقول له: يا فلان، أنت لا تأتي إلا وقت رمضان تصلي؟! دعه، ربما كان هذا سببًا لهدايته كثيرًا، وربما لا يعرف الجماعة إلا في رمضان، فيجد بعضَ المتعنتين ممن يوبخه، يقول له: يا فلان، رب رمضان هو رب بقية الشهور، لا، خطأٌ هذا، لا شك محافظته على الصلاة ومحافظته على الجماعة في رمضان، وبعده عن المنكرات، هذه علامةٌ على تقوى الله ، وعلى إيمانٍ في قلبه، الذي يُنكَر عليه: إذا رجع بعد رمضان إلى ما كان، هناك لا بأس أن تنبهه، وتقول له: يا فلان، رب رمضان هو رب بقية الشهور.

فأعظم هذه المقاصد: هي تقوى الله ؛ بمعنى: أن التقوى التي تقع في قلب المرء... في هذا، أيضًا ما ورد عنه في "الصحيحين" قال: كل عمل ابن آدم له، وهذا حديثٌ عظيمٌ، ومن أصح الأحاديث التي وردت عنه ، والذي يرويه البخاري ومسلمٌ، قال: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضِعفٍ قال الله ​​​​​​​: إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم، أي: الرائحة التي تكون في فم الصائم من أثر خلو معدته من الطعام، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك [1].

إذنْ تقوى الله هذه التي نص الله تعالى عليها؛ لذا إذا وعدك الكريم، إذا وعدك العظيم، إذا وعدك الخبير، بأن الصيام سيكون مدعاةً لك إلى تقوى الله ، وأن هذه التقوى ستزيد في قلبك، فاستعد -بارك الله تعالى فيك- لهذا الشهر الكريم.

كسر النفس بالجوع والعطش

كذلك قالوا من مقاصد الصوم: إن الصوم هو الامساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من جماع ونحوه، فقالوا: في هذا الجوع والعطش الذي أمر الله تعالى به كسرٌ للنفس، فقالوا: فإن الشبع والري ومباشرة النساء، تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة، هذه من أعظم مقاصدها، فإذا جاع المرء، وأخلى معدته من الطعام والشراب، ومقاربة النساء؛ فإن هذا من أعظم المقاصد.

صفاء القلب وانشراحه بالعبادة

قال: ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر؛ فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتُعمِيه، وتَحول بين العبد وبين الذكر والفكر، وتستدعي الغفلة، وخلوُّ الباطن من الطعام والشراب ينور القلب، ويوجب رقته، ويزيل قسوته، ويخليه للذكر والفكر.

ولا أدري، كثيرٌ ممن أعرفهم وأنا من هؤلاء في رمضان، في حال خلو المعدة من الطعام والشراب يشعر المرء بنشاطٍ أعظم للعبادة وللصلاة ولقراءة القرآن، هذا أمرٌ يعرفه كثيرٌ من الناس ممن جربوا هذا الأمر.

تذكير الغني بنعمة الله عليه

كذلك قالوا: من مقاصده: أن الغنيَّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح، إي والله وصَدَقَ! وهذا الكتاب: كتاب "لطائف المعارف" لابن رجبٍ الحنبلي [2].

صحيحٌ أن الجوع والعطش مدعاةٌ حتى للفقراء، بمعنى: من يجد قوت قومه، فإنَّ قَرْصَة الجوع وشدة الظمأ في كثيرٍ من الأحيان تجعلك تتفكر في حال إخوانك المسلمين ممن مُنعوا وحُرموا هذا الطعام والشراب، سواءٌ في المجاعات في كثيرٍ من الدول التي نسمع بها، ومنها دولٌ مسلمةٌ، لا يجد الواحد منهم طعام يومٍ واحدٍ، وربما تمضي الأيام..

فربما كان هذا الجوع مدعاةً إلى أن تتفكر في نعمة الله عليك، وما أنعمه الله تعالى عليك من هذا الطعام المَرِيِّ، والشراب الهنيِّ، فتشرب وتأكل وأنت مرتاح البال، فإذا حُرمت ذلك يومًا كاملًا، وقرصك الجوع، وأصابك الظمأ؛ كان ذلك مدعاةً إلى أن تتفكر في حال إخوانك المسلمين.

الصوم وسيلة لكسر الشهوة والشيطان

قالوا أيضًا: من مقاصد الصوم: أن الصيام يضيِّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فكما ورد في الحديث الشريف: فإن الشيطان يجري من ابن آدم مَجرى الدم [3]، فتَسكُن بالصيام وساوس الشيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب؛ فإن الجوع والعطش وإخلاء المعدة من الطعام ربما يهدِّئ المرء عن ذلك.

قال: ولهذا جعل النبي الصوم وِجَاءً؛ لقطعه شهوة النكاح، قال : يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج، ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجَاءٌ [4].

هذا طبيب القلوب وطبيب الأبدان يقول ذلك، عليه الصلاة والسلام؛ فلذا قالوا: إن الإقلال من الطعام والشراب يكون مدعاةً لكسر شهوته، وهذا أكبر معينٍ للشاب الذي لا يستطيع النكاح، ولا يستطيع الزواج، من حيث إن الصوم وكثرة الصوم ستَحُد من شهوته، ومن حيث الطب هذا صحيحٌ، طبيًّا هذا أمرٌ صحيحٌ؛ لذلك هناك من الأطعمة ما هو معروفٌ عند الأطباء أن تناولها، أو كثرة تناولها، تزيد من شهوة المرء، أليس كذلك؟ هذا أمرٌ معروفٌ؛ لذلك كان العكس صحيحًا، بمعنى: إذا قلل الطعام، أو إذا واظب على الصوم؛ كان ذلك مدعاةً إلى كسر شهوته.

فرحة الصائم عند فطره ولقائه ربه

كذلك قالوا من مقاصده: أن صيام هذا الشهر والتزام صيامه، قد وعد النبي من التزم صيامه بأن يَفرح كل يومٍ، وهذه فرحةٌ صحيحةٌ حقًّا؛ فلذلك يقول النبي : للصائم فرحتان، فرحةٌ مؤجلةٌ -أسأل الله تعالى الكريم رب العرش العظيم أن يفرحنا وإياكم يوم لقائه- قال: فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحةٌ عند لقاء ربه [5]، وهذه الفرحة صحيحةٌ، لذلك الإنسان بعد صوم يومٍ شاقٍّ، إذا تناول كأس الماء؛ أطيب كأسٍ وأطيب ماءٍ يتذوقه هو الصائم، وأطيب لقمةٍ يتناولها كذلك حين يتناول طعام الإفطار؛ فلذلك قالوا: من مقاصده تلك الفرحة التي يفرحها المسلم كل يومٍ حين فطره، فإن النبي قد وعده بذلك.

اجتماع شرف الزمان والمكان

كذلك من مقاصد الصوم: أن هذا الشهر الكريم، وهذا المقصد ربما كان لمن حَظِيَ بشرف المكان لأهل مكة على وجه التحديد، فإن من المعروف عند أهل العلم: أنه إذا اجتمع شرف الزمان وشرف المكان؛ فهذا أقصى ما يتمناه المؤمن، فطوبى لمن سيدرك الصوم في مكة ثم يوفقه الله تعالى للصلاة والقيام في مسجد الله تعالى الحرام، فإن هذا -ولا شك- من أعظم المقاصد، فإذا اجتمع شرف المكان وشرف الزمان، وهو رمضان؛ فأنعم وأكرم بهما من شرفين!

غفران الذنوب من أعظم مصالح الصوم

كذلك من هذه المصالح العظيمة التي يتحصل عليها المسلم والمؤمن: غفران الذنوب.

ذكرنا في مقدمة هذه الكلمة: أن هناك مصالح أخرويةً، ومصالح دنيويةً، وكلاهما مطلوبٌ، لكن أهل الدين وأهل الصلاح وأهل الزهد وأهل الورع -وأنا لست منهم والله- من يحرص كل الحرص على المصالح الأخروية، إذا جاءت المصالح الدنيوية؛ فأكرم وأنعم بها! لكن لا يكون همه إلا المصالح الأخروية، إذا جاءت المصالح الدنيوية؛ فأهلًا وسهلًا بها، إذا لم تأت؛ فالأمر لله.

ليلة القدر أعظم الفرص في رمضان

فأهل الدين وأهل الاستقامة وأهل الصلاح يحرصون كل الحرص على استغلال المصالح الدينية الأخروية؛ ومن أعظمها: أن هذا الشهر الكريم قد جعل الله تعالى فيه ليلةً هي أعظم الليالي، هي خير ليلةٍ، وهي ليلة القدر، فمن وفَّقه الله تعالى لقيام هذه الليلة؛ فإن الله تعالى سيغفر له ذنوبه: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه [6]، فهذه أيضًا من أعظم المصالح التي يمكن تحصيلها من هذا الشهر الكريم.

المقاصد الاجتماعية للصيام

وهناك مصالح اجتماعيةٌ، يعني: عنَّ لي أثناء تدبري في هذه المسألة التي كُلِّفتُ وشُرِّفت بأن ألقيها إلى إخواني من زواري ومن المعتمرين ومن طلاب العلم.

لو تأملت -يا حفظك الله- أن هذا الشهر الكريم هو الشهر الوحيد الذي يتوحد فيه موعد الإفطار، أو موعد المائدة، أو موعد الطعام، في العالم الإسلام كله وفي البيوت كلها، ثم إن الاجتماع على الطعام هذا أمرٌ يعرفه كل من يأنس إلى حضور الناس وحضور المجالس ونحوها، أن هناك أناسًا لا تطيب له اللقمة إلا إذا جلس معه أحدٌ، أليس كذلك؟ حتى إنه يُذكر أن العربي كان إذا أتي بطعامٍ؛ يأمر أولاده ... ويقول له: اذهب ابحث عن شخصٍ؛ ليأكل معي.

ففي هذا الشهر الكريم يتوحد فيه موعد الإفطار، وهي فرصةٌ ما أعظمها من فرصةٍ، أن تجتمع العوائل على مائدةٍ واحدةٍ يتآنسون ويتآلفون، ويخبرني البعض، ويحلف بالله، يقول: في بيتنا والله لا نجتمع على المائدة إلا في شهر رمضان؛ لاختلاف الأوقات ولاختلاف الأعمال، كل واحدٍ له عمله، فهذا يستيقظ مبكرًا فيضطر أن يفطر، وهذا يأتي متأخرًا، قال: لا نجتمع هذه الجَمْعة الهنية على هذه المائدة إلا في رمضان، قال: ومن اجتماعنا هذا ثلاثين يومًا أو تسعةً وعشرين يومًا تصفو النفوس، فلا ينتهي الشهر إلا وتجد أن نفوس هذه العائلة قد صفت؛ لأن -سبحان الله العظيم!- الاجتماع على الطعام له أثرٌ عظيمٌ في إدخال المودة والمحبة في قلوب الناس، هذا في حال العوائل والأهل، وكذلك في حال المغتربين في الدول الأخرى.

اجتماع المسلمين ووحدة الجاليات في رمضان

لذلك المغتربون هناك يقولون: إن شهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي تجتمع فيه الجاليات الإسلامية على طعامٍ واحدٍ، ويجتمع الأصدقاء، فربما كان هذا من أعظم مقاصد الصوم، هذا ما عَنَّ لي، بارك الله فيكم.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151.
^2 ينظر لطائف المعارف (ص 268-270).
^3 رواه البخاري: 2038، ومسلم: 2174.
^4 رواه البخاري: 5065، ومسلم: 1400.
^5 سبق تخريجه.
^6 رواه البخاري: 35، ومسلم: 760.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©