- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
معالم الخيرية في أُمة الوسطية

جدول المحتويات
- خيرية الأمة واصطفاؤها بالشهادة على الناس
- الخيرية بالصفات لا بالانتساب
- الوسطية في الأُمة: عدلٌ وفضلٌ بين الإفراط والتفريط
- الوسطية سلوكٌ ومنهج حياةٍ
- الجهل والإفراط وجهان لغياب الوسطية
- الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر سياجُ الخيرية ووحدة الأمة
- مراتب تغيير المُنكَر
- الوسطية في تعامُل النبيِّ مع الأعرابي الذي بال في المسجد
- التحذير من الغلوِّ والتشدُّد ومظاهره
- درس الوسطية من قصة الثلاثة الذين غَلَوْا في العبادة
- داء التعصب.. وميزان الاعتدال في الحوار
- التفريط والجفاء: الوجه الآخر لمُخالَفة الوسطية
- الوسطية ليست مُجامَلةً على حساب الدين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على خير خلقه؛ نبيِّنا محمدٍ سيد الأوَّلين والآخِرين، والمبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيِّبين الطاهرين، وعلى أزواجه أُمهات المُؤمنين، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين، والتابعين ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا.
ونسألك اللهم علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعملًا صالحًا مُتقبَّلًا، وتجارةً لا تبور.
ونعوذ بك اللهم من عِلمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن عينٍ لا تدمع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها.
اللهم رب جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تَحكُم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدنا لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مُستقيمٍ.
خيرية الأمة واصطفاؤها بالشهادة على الناس
موضوع هذا اليوم لعلَّه يكون حول قول الله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، مع قوله عزَّ شأنُه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143].
قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] هذا تزكيةٌ من الله لهذه الأُمة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110]، وإن كان الخطاب في أصله للصحابة رضوان الله عليهم، لمحمدٍ والصحابة معه، ولكن المعلوم أن المقصود هو كل أُمة محمدٍ ، يعني: أمة الإجابة.
الخيرية بالصفات لا بالانتساب
فالله يقول: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وذَكَرَ الصفات: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] مع قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143].
من الدقائق: كلام أهل العلم في هذا، وهم يتكلمون عن الخير والخيرية، ويتكلمون عن الوسط والوسطية أن بعضها يُفسِّر بعضها؛ فالوسط هم الخِيار، والوسط هو الخير، ولا يكون الخير إلا وَسَطًا، ولا يكون الوسط إلا خيرًا.
وأيضًا: وصف الخيرية لهذه الأمة لم تكن خيرَ أُمةٍ أُخرِجَتْ للناس بسبب عُنصريةٍ قَبَلِيَّةٍ، ولا بسبب موقعها الجغرافي -مثلًا- أنها في مكة، أو في بلاد العرب، أو أنهم عربٌ، أو أنهم قبائلُ قريشٍ، أو أنهم كذا.. أبدًا.
الخيرية بسبب صفاتٍ، مَن حقَّقها فهو من الأمة، ومَن حقَّقها اكتسب الخيرية؛ ولهذا حينما يقول الله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110] ليس عُنصريةً لأهل الإسلام، وإنما هي صفاتٌ: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
فمَن حقَّق هذه الصفات دخل في الخيرية، أيًّا مما كان؛ من شرق الدنيا، أو من غربها، أو من شمالها، أو من جنوبها، أو من وسطها، أو من أي مكانٍ، ومن تخلَّف عنها نقص عليه من الخيرية بمقدار ما أنقص، وهذا هو الإسلام، وهذا هو الدين، الدين مَن أخذ به عَزَّ، ومَن أَعرَض عنه ذَلَّ.
وكما قُلنا في لقاءاتٍ سابقةٍ: هذا الدين في ذاته عزيزٌ، ومحفوظٌ، وقويٌّ، ومُنتشرٌ، وهو نور الله، ولا يمكن أن يستطيع أحدٌ أن يُطفئ نور الله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة:32]، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف:8].
وأيضًا: وعد الله أن يُظهِر هذا الدين على الدين كله؛ ولهذا لا يُمكِن أن يَظهَر عليه دينٌ، فالدين بذاته قويٌّ وعزيزٌ وظاهِرٌ، ولكن النقص والضعف والقوة لمن أخذ بالإسلام أو قصَّر عنه؛ ولهذا يقول عزَّ شأنُه: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ [محمد:38].
الدين -وقد حفظه الله - ليس مُتوقِّفًا على أحدٍ؛ لا على هذا العالِم، ولا على هذا البلد، ولا على هذا الجنس، ولا على العنصر العربي، ولا العنصر التركي، ولا العنصر الفارسي، ولا العنصر الإفريقي، أبدًا. مَن أخذ به عَزَّ، مِن أي جنسٍ، ومن أي بقعةٍ في الدنيا.
فإذن؛ خيرية هذه الأمة ليست مُنتسِبةً أو مُرتبِطةً بأي نوعٍ من التعنصُر، أو الجنس، أو الجنسية، أو العِرقية، أو الطائفية، أو الحزبية، أبدًا. هو هذا الدين بكُلِّه وكماله، وبهذه الصفات: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
الوسطية في الأُمة: عدلٌ وفضلٌ بين الإفراط والتفريط
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] هذا أيضًا ثناءٌ، وهذا أيضًا جُعِلَ من الله: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] بمعنى: أن الوسطية في هذه الأُمة ليست بتصرُّفها أو اجتهادها، لا، فالله يقول جعلها: جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] لماذا؟ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]؛ لأننا نتكلم عن الوسط والوسطية، وإن كان الكلام فيها كثيرًا، لكن نحاول أن نشير إلى بعض المعاني قد تحتاج إلى نوعٍ من التنبيه، وإلى نوعٍ من التركيز:
أولًا: لفظ الوسطية، مُهمٌّ أن نعرف الوسط، الناس تفهم أن وسط يعني: "بين بين"، لا، ليس هذا الوسط المقصود، أو حتى في لغة العرب، وإن كان يأتي بمعنى: "بين"، لكن ليس هذا المقصود؛ فالوسط المقصود والمُثنَى عليه والممدوح هو: الوسط بمعنى الخِيار، وبمعنى العدل، وبمعنى التوازن، وبمعنى الاستقامة، وبمعنى الاعتدال، وبمعنى الأفضل.
يعني: لمَّا نقول: وأنت وسطٌ، يعني: أفضل: قَالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم:28] يعني: أعدلهم وأرجحهم عقلًا، وأَسَدَّهم رأيًا.
فحينما يقول الله : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] يعني: فيها كل الصفات الممدوحة؛ ولهذا الوسط من كل شيءٍ: هو خِيارُه وأَعْدَلُه، وما يجمع العدل والفضل والخيرية والإنصاف، وفيه معنى البينية طبعًا؛ لأنها بين الإفراط والتفريط، فالوسط: هو ما بين الإفراط والتفريط. وسنتكلم عن الإفراط والتفريط، وعن الغلو وعن الجفاء، بقدر ما يسمح الوقت.
الوسطية سلوكٌ ومنهج حياةٍ
الذي نريد أن نؤكِّد عليه -وهذا هو المهم- حينما نقول: وسطٌ ووسطيةٌ والأمة وسطٌ؛ هو يا إخواني: ينبغي أن نفهم أن الوسطية أسلوب حياةٍ، وهذا أمر يحتاج إلى مزيد إيضاحٍ، بل يحتاج إلى وقفاتٍ، بمعنى: حينما تريد أن تَحكُم على إنسانٍ أنه فعلًا وسطٌ، أو وسطيٌّ، أو أنه من الأُمة الوسط؛ انظر إلى سلوكه، فالوسط سلوكٌ؛ ولهذا قلنا: إنه خِيارٌ، وعدلٌ، وفضلٌ، وتوازنٌ، واعتدالٌ.
وحينما نقول: إنه أسلوب حياةٍ، يعني: حتى سلوكك في بيتك، سلوكك مع جيرانك، سلوكك مع زملائك في العمل، سلوكك في السفر، سلوكك في الحضر، سلوكك مع الغرباء؛ يعكس وسطيتك، هل أنت وسطٌ؟ بمعنى: عاقلٌ، رزينٌ، مُتأنٍّ، مُتفهِّمٌ، غيرُ مُتعجِّلٍ، لا تستعجل في إصدار الأحكام ولا في اتخاذ المواقف؛ هذا هو الوسط.
ولهذا الوسط حالةٌ من السلوك محمودةٌ، في كلمةٍ لعليٍّ ، وأقف عندها طويلًا؛ لأنها جميلةٌ جدًّا. ومُهمٌّ جدًّا -يا إخواني- أن تفهموا الوسطية؛ لأن فيها كلامًا كثيرًا، وقد يكون أكثر ما يتحدث عنه أهل السُّنة والجماعة عن القضايا الدينية، وعن قضايا الغلو في الدين، والإفراط والتفريط والتشدد، هذا سيأتي إليه؛ لكن الوسطية أوسع من ذلك.
الجهل والإفراط وجهان لغياب الوسطية
عليٌّ ، ماذا قال؟ يقول: "لا يكون الجاهل إلا مُفْرِطًا أو مُفَرِّطًا" [1] ما معناها؟ مَن هو الجاهل؟ مهمٌّ أن تفهموا مَن هو الجاهل؛ فليس الجاهل العاميُّ الذي ما يفهم، أو الذي لا يقرأ ولا يَكتُب، لا؛ بل الجاهل هو الذي لا يَحكُم تصرُّفاته؛ ولهذا فالإنسان أحيانًا يكون جاهلًا، ثم يرجع سويًّا، فلا تكون أثناء الجهالة إلا غير وسطٍ؛ ولهذا أنت في دعاء الخروج من المنزل تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَل عليَّ [2] أعوذ بك أن أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عليَّ، أَجْهَلُ بمعنى: تَصدُر منِّي تصرُّفاتٌ غير سويةٍ، تستعيذ بالله أنك تُقابِل إنسانًا أو تقابل غريبًا ما تعرفه، ولا احتككتَ بأحدٍ، فأصدرتَ تصرُّفاتٍ غيرَ سويةٍ، هذه جهالةٌ.
ومن لُطف الله بنا أنه قال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، كَتَبَ رَبُّكُمْ [الأنعام:54]، وهذا من رحمته.
وأيضًا في سورة النساء: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:17]، ما معنى: يعمل السوء بجهالةٍ؟ لماذا؟ لأن السوء سوءٌ، والذنب ذنبٌ، يعني: الذنب غَلَطٌ، والسوء غَلَطٌ.
العاقل ما يرتكب السوء، ما من أحدٍ يأتي برجليه ويرتكب غلطًا أبدًا وهو في حالة عقلٍ كاملٍ، لا يُمكِن. إنما الإنسان يرتكب الأخطاء نتيجةَ تأخُّرِ العقل، أو غَلَبَةِ عاطفةٍ، أو غَلَبَةِ حُمْقٍ، أو غَلَبَةِ غضبٍ، أو غَلَبَةِ كذا، يغطِّي، يغلب الغلط، يغلب الحُمق، يغلب الغضب، يغلب.. فيغلط الإنسان؛ ولهذا أعوذ بك أن أَجْهَلَ، أو أُبتلَى بجاهلٍ بعد أن يجهل عليَّ.
إذن؛ قولُ عليٍّ : "لا يكون الجاهل إلا مُفْرِطًا أو مُفَرِّطًا"، فأنت حينما تغلط في بيتك، أو ترفع صوتك على زوجتك، أو على ولدك، أو على أُمك، أو على ... أنت أبدًا لم تكن في تلك الحالة سويًّا أبدًا.
ولهذا أوصى النبي الرجل الذي قال: أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب [3] لماذا؟ لأنه يبدو أن النبي عَلِمَ أن ذلك الرجل كان غَضُوبًا، يعني: كثير الغضب، فقال: لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني.. ثلاث مرات.
فالغضب لا شكَّ أنه طبعًا يُعمي، والغضب أيضًا حينما قال النبي : لا تغضب، يعني: لأنه قادرٌ على ألَّا يغضب، لماذا؟ لأن النبي والدين والأحكام لا تُكلِّفنا ما لا نُطيق وما لا نستطيع. لا يُمكِن للنبي أن يقول: لا تغضب، وهو لا يتمكَّن ألَّا يغضب، لا، يستطيع ألَّا يغضب.
فالتكاليف الشرعية في حدود قُدرتنا، فأنت تستطيع ألَّا تغضب؛ ولهذا لمَّا تذهب للطبيب وأنت عندك سُكَّريٌّ، أو عندك مرض، وقال لك: لا تغضب؛ لا تقُلْ: يا دكتور، هل فيه أحدٌ ما يغضب؟! لا، تستطيع ألَّا تغضب، كيف؟
أولًا: بالتدريب، والحرص على ما ذَكَرَ الله في قوله: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران:134].
والأمر الثاني: بالمُبادَرات، بترك الأجواء الغضبية، يعني: من الشجاعة أنك إذا رأيتَ الجو -كما يقال- قد اكْفَهَرَّ، سواءً في بيتك مع زوجتك، أو مع إخوانك، أو مع أصدقائك، أو مع زملائك في العمل، واشتد هذا؛ اخرُجْ فورًا، وتأكَّدْ أن الخروج ليس هزيمةً، والانسحاب قوةٌ تمامًا؛ لأنك لو بقيتَ قد تغضب، وتغلط غلطًا فاحشًا، ثم يأتي من يتدخَّل، يُصلح بينكم، وأحيانًا ... إن لم تَسِلِ الدماء، نسأل الله السلامة. إنما إذا انسحبت تكون أنت المُتحكِّم؛ ولهذا أمر النبيُّ لمن غضب أن يَخرُج.
وأن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. يا إخواني، مُجرَّد أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ تنصرف من الحالة الغضبية، بمعنى: أثناء الغضب أنت مُركِّزٌ على الأجواء، لكن عندما تقول: أعوذ بالله؛ انصرفتَ ولو جزئيًّا، وإذا نَفَثْتَ على يسارِك ازداد البُعد، ثم إذا خرجتَ أو توضأتَ، أو غسلتَ وجهك، خلاص يذهب فورًا. وهذا معروفٌ تمامًا، أنتم تعرفون هذا من أنفسكم، ومن إخوانكم، حال ما ينسحب الواحد أو يترك، يهدأ فورًا في ثوانٍ.
فالآن لمَّا قال: لا تغضب، معنى أنه قادرٌ على ألَّا يغضب، ويكون بالتدريب، المقصود: أن الإنسان لا يأتي السوء إلا بجهالةٍ، ولا يأتي الذنب إلا بجهالةٍ، يعني: في حال نقصٍ من العقل.
ومن لُطف الله بنا كأنه يعطينا نوعًا من العُذر: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [الأنعام:54]، يعني: كأنَّ ربَّنا يَعْلَمُ فيقول: أنا أعلم أنكم لا تتعمَّدون، وأنتم في حالٍ سويةٍ، وفي حالِ تمامِ عقولكم أن تُذنبوا، أو أن تعملوا سوءًا، أنتم تعملون في حال الجهالة؛ ولهذا فإن مَن تابَ؛ تابَ اللهُ عليه.
المقصود: أن حال الجهالة أنت تستطيع أن تتخلص منها؛ ولهذا نقول لكم: الوسطية أسلوبُ حياةٍ، بمعنى: أنت مع التدريب أسلوبُ حياتِك يكون وسطيًّا، ليس فيه جهالةٌ، أيضًا الحالة الوسطية حتى في التفكير، وفي التنظيم، وفي العلاقات، تكون وسطًا، بحيث إن الإنسان حينما يكون في علاقاته مع إخوانه، وحتى في ترتيباته، سواءً العلمية أو البيتية أو التجارية، لا يكون عنده غُلوٌّ، ولا عنده جفاءٌ، لا عنده إفراطٌ، ولا عنده تفريطٌ.
الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر سياجُ الخيرية ووحدة الأمة
إذن؛ هذا هو الوسط، وسنعود إليه، لكن آتي إلى الخيرية: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] وذَكَرَ الله ثلاثةَ أمورٍ: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
طبعًا، لا شكَّ أنَّ الإيمان بالله هو الأصل، لكنه قدَّم الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر؛ لأنه هو السياج الحامي للإيمان.
فإذا قامت الأُمة بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حافظت على خيريتها؛ ولهذا قال: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:104]، قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، ثم قال: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا [آل عمران:105]، يعني: كأنَّ التفريط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يؤدي إلى الفُرقة، يعني: كأنَّ ترك الأمور على الغارب يؤدي بالناس إلى الفُرقة والشِّقاق والخلاف، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا [آل عمران:105].
مراتب تغيير المُنكَر
المقصود: أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، هذا أساسٌ في استقامة الأمة، وفي تحقيق خيريتها، وفي وسطيتها. ولعلَّنا نُشير في قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر إلى قوله : مَن رأى منكم مُنكَرًا؛ فَلْيُغيِّرْه بيدِه، فإن لم يستطع فبلسانِه، فإن لم يستطع فبقلبِه؛ وذلك أضعف الإيمان [4]
مَن رأى منكم مُنكَرًا؛ فَلْيُغيِّرْه بيدِه، إذن؛ المَرتبة الأولى: التغيير باليد، وهذا له أهله؛ مَن أهله؟ أنت في بيتك، أنت المسؤول عن تغيير المُنكَر في بيتك، الناس تتحدث عن المُنكَرات في الأسواق، وهذا طيبٌ، لكن ما تحدَّثَتْ عن المُنكَرات في بيوتنا، فتُغيِّر المُنكَر في بيتك. وفي عملك، إذا كنت المدير أو المسؤول أو عندك نوعُ صلاحيةٍ، أو عندك نوعُ ولايةٍ؛ فأنت المسؤول عن التغيير باليد. الأسواق، لا، مُنكَرات الأسواق هذه قد تكون إذا كانت لك صلاحيةٌ، أو كنتَ عُمدةً، أو مسؤولَ السوق، أو.. إلى آخره، أو جَعَلَكَ الإمامُ على الحِسبة، هذه مسؤوليتُك، لكن في السوق مسؤوليتُك باللسان، تُغيِّر بلسانك.
الذي أريد أن أقف عنده: هو قوله : فإن لم يستطع فبلسانِه، الناس تفهم أن الإنكار باللسان هو مُجرَّد إنكارٍ، لا؛ فالنبي سمَّاه تغييرًا، وهذا مُهمٌّ جدًّا جدًّا، فَلْيُغيِّرْه بيدِه، فإن لم يستطع فبلسانِه يعني: فليُغيِّره بلسانه، ولم يَقُلْ: فليُنكِره بلسانه، فالناس تقول: إنكارٌ، وهو صحيحٌ إنكارٌ طبعًا، لكن النبي جعله أكثرَ من إنكارٍ، جعله تغييرًا، لماذا تغيير؟
لأنه أولًا: لا يُمكِن أن تزول المُنكَرات من الدنيا بالكُلِّيَّة، هذا لا يُمكِن، بل سُنَّة الله أنَّ الكفار أكثر من المُسلمين، إذا كان إحصائيًّا نقول: إن المُسلمين مليارٌ وخمسُمئةِ مليونٍ، والسُّكان كلهم سبعةُ ملايينَ، كم يطلع البقية؟ كلهم غير مُسلمين، يعني: كلهم على درجاتِ المُنكَر مِن الكُفر وما فوقه وما دونه، بمعنى: أنه تصوَّر ذهاب المُنكَرات من الدنيا بالكُلِّيَّة، هذا لا يُمكِن؛ ولهذا يقول: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103].. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106].. وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].
إذن؛ الإنكار باللسان تغيير، ما معنى تغييرٍ؟ يعني: حينما نُغيِّر بلساننا ونُنبِّه الناس؛ نُشعِرهم أنَّ هذا غلطٌ، وأنّه ارتكب خطأً. بينما لو سكتنا، فإن جيلًا أو جيلين سينسى، يظن أن هذا صحيحٌ، بمعنى: لا يأمرون بمعروفٍ ولا يُنكِرون مُنكَرًا إذا سكت الناس، بينما إذا استمر الإنكار؛ عَرَفَ الناسُ أنَّ هذا غلطٌ.
يعني: أن يرتكبه ويعلم أنه غلطٌ؛ فهذا خيرٌ من أن يرتكبه وهو لا يدري أو يظنّه صوابًا، نسأل الله السلامة. فحينما تُنكِر عليه، ويرتكب هو غلطًا؛ عليك أن تبرأ، وهو أيضًا يشعر أنّه ارتكب خطأً. بينما إذا سكت الناس فترةً؛ ستأتي أجيالٌ تظنُّ أنَّ هذا صحيحٌ، وأنهم وجدوا آباءهم على هذا، ومِن هنا كان الإنكار باللسان تغييرًا.
فإن لم يستطع فبقلبه، بمعنى: الناس تفهم أنَّ هذا غلطٌ، التغيير بالقلب إذا لم يُمكِن هذا في حقك أنت، ما معنى هذا؟ معنى هذا: حينما تُغيِّر بقلبك، أنك تَكرَه المُنكَر، ويشمئز قلبك، ويُقطَّب جبينك، وتشعر أنّ الدنيا قد ضاقت بك؛ لكرهك للمُنكَرات، ولغيرتك على محارم الله، ولخوفك من الله، ولحُبِّك لهذا الدين؛ هذا هو التغيير. وحينما لا يُنكر قلبك مُنكَرًا ولا تتمعض ولا تغار لله؛ فهذا هو الموت.
إذن؛ هذه الدرجات: التغيير باليد هذا إزالةٌ، والتغيير باللسان إشعارُ الناس أنَّ هذا غلطٌ، والتغيير بالقلب إشعارُ النفس وتستمر أنّك تكره، بينما إذا استمرأت المُنكَر؛ ولهذا فإن الجلوس مع المُخطئين جلوسًا فيه أريحيةٌ.. ، لا يعنى ذلك أنّك تجمعهم وتُنكر، لكن تبقى كارهًا كُرهًا حقيقيًّا للمُنكَر.
فلماذا قال الله : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ... [المائدة:78] لُعِنَ يعني: الله أَوْجَبَ عليهم اللعنة، وهي: الطرد من الرحمة، لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78، 79] فيراه على المُنكَر، فلا يأمر، وهو لا يكترث. لاحظ هذه الدرجات؛ ولهذا قال في الرواية الأخرى: وليس وراء ذلك من الإيمان حبةُ خردلٍ [5]، نسأل الله السلامة.
إذن؛ هذا فيما يتعلق بخيرية هذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].
الوسطية في تعامُل النبيِّ مع الأعرابي الذي بال في المسجد
نعود إلى موضوعنا: الوسطية، الوسط -كما قلنا- هو سلوكٌ ومنهجٌ، سواءً في السلوك العملي، أو في السلوك التفكيري، والتنظيمي.. إلخ. كذلك أيضًا حينما نتكلم، وقلتُ: أنا وعدتُ أن أتكلم عن الغلوِّ وعن الجفاء.
لو أتينا -مثلًا- لقصة الأعرابيِّ الذي بال في المسجد، فهذه تجسِّد فعلًا السلوك الوسطيَّ تمامًا، وفقهها كثيرٌ جدًّا، العلماء وقفوا عندها، في فقهها عجبٌ.
كما تعلمون، فإن أعرابيًّا جاء فبَالَ في المسجد، فَهَمَّ الصحابةُ أن يُوقِعوا به، فقال : دعوه، لا تُزْرِمُوه يعني: لا تقطعوا عليه بَوْلَه. تصوَّرْ إنسانًا يَبُول في المسجد، الآن لو تَرَوْن واحدًا يبول في الحَرَم، أنا أتوقَّع تُعطوه من الجَلد والضرب، خاصةً إذا كان أعرابيًّا جاهلًا ... يعني: طريقة إنكارٍ، وطريقة تعليمٍ، وأيضًا احترام الآدمية، لا تُزْرِمُوه: لا تقطعوا بَوْلَه؛ لأنهم إذا قطعوا بَوْلَه يضرُّه صحيًّا، فقال لهم : لا تُزْرِموه، فلما انتهى أتى بسَجْلٍ من ماء، يعني: دَلْوًا من ماءٍ، فصَبَّ عليه، وانتهى. ثم ناداه، قال : إن هذه المساجد لا تَصْلُح لشيءٍ من هذا البَوْل ولا القَذَر؛ إنما هي لذِكْرِ الله والصلاة وقراءة القرآن [6].
ماذا قال الأعرابيُّ؟ قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا"! أيضًا وجَّهه النبي بِرَدٍّ مُهذَّبٍ، قال: يا هذا، لقد حَجَّرْتَ واسعًا [7]، ورحمة الله واسعةٌ!
يعني: كما أنه منع الصحابة أن ينالوا منه؛ كذلك نبَّهه إلى أن يَلْطُف بالصحابة.
هذا هو الموقف، يعني: مما تراه، أو يقع أمامك في بيتك، أو في سوقك، أو في أي مكان؛ تجتهد؛ ولهذا قلنا: الوسطية سلوكٌ، فاجتهد، وعوِّدْ نفسك أنك في أي تصرُّفٍ أمامَك يجري تكون مُتحكِّمًا في نفسِك، مُتحكِّمًا في اتخاذ الموقف قدرَ الإمكان، فالإنسان بشرٌ، ما أقول إن أحدًا معصومٌ، وأنه لا يغلط، لكن أيضًا أنتم تلاحظون الفروق بين الناس، بعض الناس هادئٌ ورزينٌ، ولا يُستَفز كما يُقال، يعني: مهما جرت الأحداث أمامه تجده مُتماسِكًا، تجده يتخذ مواقفَ عجيبةً وحكيمةً، أنت تَغْبِطُه وتودُّ أن تكون مِثلَه، كلنا نودُّ أن نكون مِثلَه، لكنها تأتي بالتدريب.
التحذير من الغلوِّ والتشدُّد ومظاهره
وخاصةً في القضايا الدينية، وهذا مهمٌّ جدًّا في قوله : لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقارِبوا، [8].
الإشكال أحيانًا في بعض إخواننا من ذوي الصلاح واللطف، لا شكَّ أن فيهم خيريةً، وأن فيهم حُبًّا للخير، وأن فيهم أيضًا التزامًا ظاهرًا.. إلخ؛ لكنهم يحتاجون في بعض الأحيان إلى مُلاحَظة تصرُّفاتهم؛ ولهذا لا معنى أن نتكلم عن شيءٍ عن الغلو؛ لأن الغلو هو المُبالَغة، يكون الغلو فيه حدُّ المُجاوَزة، لكن فيه نوعٌ من الزيادة، وقد يُسمِّيه بعضهم مُبالَغةً في الالتزام في الدين، يعني: الناس تقول عنه: تشدُّدًا، هو نوعٌ من التشدد.
وحتى نَعْرِف التشدد، يَحسُن بنا أن نتكلم عن شيءٍ من مظاهره، من أجل أن تَحكُم على الإنسان أنه مُتشدِّدٌ، وليس الالتزام بالدين والفرائض والسُّنن تشدُّدًا، لا، الدين واضحٌ؛ إنما التشدد غالبًا في انعكاس السلوك نحو الآخرين، إنسان يكون مُتشدِّدًا في موقفه من الآخرين، تجده مُتجهِّمًا، تجد عنده نفورٌ، يعني: هذا الذي يمكن أن يُوصَف بالتشدد، وليس مَن قام يُصلِّي من الليل، أو قام يُطيل الصلاة أو يُطيل الركوع والسجود، ويلتزم بالسُّنة؛ يُعَدُّ مُتشدِّدًا، لا، أو أن يكون ثوبه قصيرًا أو لحيته طويلةً، هذا جزاه الله خيرًا، ليس تشدُّدًا.
التشدد ليس في التمسك بالدِّين، التشدد في المظاهر السلوكية: في الانقباض، والانعزال، وفي النفور من الناس، والغلظة؛ هذه مظاهر التشدد. طبعًا أحيانًا الغلظة تكون في غير محلها، وإلّا أحيانًا التشديد على أصحاب المعاصي إذا كان يُجدي؛ فهو مطلوبٌ أن تُغلِظ القول أحيانًا على من وَقَعَ في مُنكَرٍ، هذا قد يكون مطلوبًا.
أيضًا، إذا كنا نتكلم عن الغلو وعن التشدد، فلا ينبغي أن نَحكُم على أحدٍ بالغلو بمُجرَّد رؤيتنا، أو بمُجرَّد انطباعاتنا الشخصية، لا. ينبغي أن يكون حُكمنا فعلًا مأخوذًا من الكتاب والسُّنة، ولا نَحكُم بمُجرَّد موقفي أنا، أو موقفٍ رأيتَه فقط، أو أعجبك، أو ما أعجبك، حينما لم يُعجبك حكمتَ على أنه مُتشدِّدٌ، لا؛ فقد يكون مُحقًّا وصادقًا، فلا ينبغي أن تتعجل في التشدد؛ ولهذا قال : لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غلبه [9].
والتشدد له مظهران:
أولًا: نحو الآخرين -كما قلنا- تكون فيه غلظةٌ ونُفرةٌ وانكماشٌ.. إلخ.
والثاني: نحو نفسه، أحيانًا إذا تشدَّد قد ينقطع؛ ولذلك لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلّا غلبه؛ ولهذا فإن النبي حينما رأى حبلًا ممدودًا بين ساريتين في المسجد قال: ما هذا؟ قيل: هذا حبلٌ لزينبَ، قال: حُلُّوه، لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه" [10] يُصلِّي ثم يقف.
درس الوسطية من قصة الثلاثة الذين غَلَوْا في العبادة
ومن أوضح المعايير والموازين: في قصة الثلاثة أو الرَّهْط الذين جاؤوا إلى بيوت النبي يسألون عن عبادة النبي ، فلما أخبروهم كأنهم تَقَالُّوها، يعني: قالوا: هذا قليلٌ؛ لما رَأَوْا أن الرسول يصوم ويُصلِّي، وينام ويرقد، ويأكل ويشرب، قالوا: الرسول غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه؛ فأين نحن؟! فقال أحدهم: أمَّا أنا فأصوم ولا أُفطِر، وقال الآخر: أنا أُصلِّي ولا أنام، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، هذا مسلكٌ. فالنبي قام خطيبًا، فقال: ما بالُ أقوامٍ يقولون كذا وكذا، أَمَا إنِّي أخشاكم لله، وأتقاكم له [11]، يعني: أنا القدوة، وأنا القمة، طبعًا قال هذا ليس تفاخُرًا، وإنما لأنه القدوة.
كما قال : أنا سيدُ ولدِ آدمَ ولا فخر [12]، هو سيد ولدِ آدمَ، فقط يُخبِرنا أن هذه منزلته .
فكذلك حينما قال : أنا أخشاكم لله وأتقاكم له، ليس تزكيةً، وإن كان حقه يُزكَّى؛ وإنما فعلًا لا أحدَ يُجاريه، ولا يُمكِن أن يَبلُغ مَبْلَغَه عليه الصلاة والسلام.
قال: أنا أخشاكم لله وأتقاكم له، لكنِّي أُصلي وأنام، وأصوم وأُفطِر، وأتزوَّج النساء ثم ماذا؟ فمَن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مني" [13].
إذن؛ هذا غالبًا المُتشدِّد يعجز وينقطع، فهذا أيضًا من علامات الغلو، لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه، فسدِّدوا وقارِبوا [14]، سددوا يعني: خُذوا بالسداد، الأمر بالسداد: الرشاد والوسط والاستقامة، وقاربوا على قدر ما عندكم، على قدر ما تسمح ظروفكم ونشاطكم إلى آخره.
من آثار التشدد أو الغلو: الُمبالَغة في بعض الأمور العبادية تؤدي إلى الانقطاع، وأحيانًا قد يشتغل بالجزئيات ويترك الأصوليات، ويشتغل بالجدل، هذه كلها قد تكون من مظاهر التشدد، وأشدها -وهذا هو الخطير- هو التعصب؛ التعصب للرأي، وهذه مُشكِلةٌ جدًّا جدًّا، وهذه تحتاج إلى وقفةٍ طويلةٍ، التعصب بالرأي، وهذا أنا أرى أكثر ما بُلي به المسلمون في كل وقتٍ، وفي هذا الوقت بالذات، بُلُوا بالتعصب.
داء التعصب.. وميزان الاعتدال في الحوار
حينما ترى مُداخَلات الناس في أدوات التواصل الاجتماعي، ترى التعصب في قمته، وإن كان كل واحدٍ يدَّعي أنه ليس مُتعصِّبًا.
مع الأسف، التعصب مَهْلكةٌ، التعصب ... يُقطِّع الأمة، ويُوقعِ بصاحبه؛ لأن التعصب بمعنى: هوًى، وبمعنى: تتمسك بالشيء لا لأنه حقٌّ، إنما لأنه إما يوافق هواك، أو يوافق طائفتك أو حزبك، أو أي جهة تنتمي إليها، هذا هو التعصب، وهذا خطيرٌ.
وكلٌّ يتبرأ من التعصب، لكن هل يسلم منه أو لا؟ هذا هو الذي يحتاج إلى أن الإنسان يختبر نفسه ويفتش نفسه. من أجل أن تعرف نفسك: هل أنت مُتعصِّبٌ أو غيرُ مُتعصِّبٍ؟ فقبل أن تَحكُم على نفسك انظر حينما يتجادل المُتجادِلان، الآن تشاهدون كثيرًا في الندوات التلفزيونية، أو حتى في المُداخَلات في ندوات التواصل فيما بينهم تغريداتٍ وتغريداتٍ، انظروا فعلًا كيف يتعصب الناس! لأنك إذا كنت فعلًا مُحايِدًا فسوف يتبيَّن لك المُتعصِّبون، لكن إذا كنت طرفًا فلن يتبيَّن لك. إذا كنت طرفًا لا تكاد تُميِّز هل أنت مُتعصِّبٌ أم لا، لكن لما تكون مُتفرِّجًا تدرك التعصب، فإذا كنتَ مُحايِدًا ورأيتَ التعصب إذا أردت حقيقةً أن تسلم، فالذي تراه عيوبًا في هؤلاء اجتنبه.
أنا أقول لكم أمرًا لعله يكون فيه مزيدُ إيضاحٍ، وهو ما يُسمَّى: قبول الآخر، أو قبول الرأي الآخر. ما معنى قبول الرأي الآخر؟ حينما تناقش زميلك أو تحاوره، إما أن تتوصلا إلى رأيٍ، والحمد لله، وإما أن تقتنع بكلامه وانتهى الموضوع، أو هو يقتنع بكلامك وانتهى الموضوع، وإما أن تتوصلا إلى رأيٍ وسطٍ، والحمد لله، لكن لا، الغالب أنكما لا تصلان إلى هذا، بمعنى: الغالب -مع الأسف- أنه لا أحد يُسلِّم للآخر، وهذا من حقكم أيضًا، من حقك أن تتمسك برأيك.
أنت لا شكَّ أنك تفرح بأن أقول لك: من حقك أن تتمسك برأيك، لكن هل أنت مُستعدٌّ لأن تُعطي زميلك أن يتمسك برأيه، هذا هو معيار التعصب. إذا كان عندك شجاعةٌ في أنك فعلًا كما أن لك الحق في أن تتمسك برأيك، بل من حقك أن تعتقد أنك أنت الذي على الحق؛ لكن هل تقطع بأن صاحبك ليس على الحق فيما يعتقده هو؟ أو هل تقطع بأن صاحبك لا يريد الحق؟ هذا هو محل البحث، وهذا هو معنى قبول الرأي الآخر، ما معنى قبول الرأي الآخر؟ بمعنى أن تعطي زميلك الحق أن يقول: لا، وله حقٌّ أن يقول: أنا غير مقتنع، وله الحق أن يقول: أنا مُتمسِّكٌ برأيي.
طيب، إذا أعطيتَه هذا الحق وتقول: يتمسك برأيه، التعصب ما هو؟ ألا يكون في صدرك حرجٌ عليه، هنا معيار التعصب، التعصب أن يكون في نفسك شيءٌ، وأن تكرهه وأن كذا، ويكون فيه حزازاتٌ، هذا هو التعصب.
أما أن تناقشه وتحاوره، ثم لا تتوصلا لشيءٍ؛ تبقيان إخوانًا، ويبقى أخاك، في مكانه، وفي منزلته، في ديانته، في علمه، في فضله. أما أن تتهمه في دينه، تتهمه في أنه لا يريد الحق، وأنه كذا وكذا، وأنه يخالف الكتاب والسُّنة، من قال لك إنه يخالف الكتاب والسُّنة؟ هو خالف رأيك أنتَ، وخالف فهمك أنتَ، ما خالف كتابًا ولا سُنَّةً. أنت تقول: قال الله وقال رسوله، وهو يقول: قال الله وقال رسوله. إذن؛ هذا هو التعصب.
التعصب: هو أن تعتقد أنك على الحق مئة في المئة، وأنك بنتيجة هذا النقاش أنك تكرهه وتُبغضه، وتظن أنك تُبغضه في الله، وأنت ما أبغضته في الله، أبغضته تعصُّبًا، وإلا ليس مُلزَمًا بأن يأخذ بقولك؛ ولهذا فالعلماء كلهم أقرُّوا الخلاف والاجتهاد، والرسول أقرَّ الصحابة حينما اختلفوا، كل له رأيٌ، وصحَّح كل أعمالهم. إذن؛ هذا هو التعصب.
التعصب: هو أنك لا تعطي زميلك الحق في الخلاف والحق في التمسك برأيه، وحينما تعطيه الحق أيضًا لا يكون في صدرك حرجٌ، ويبقى أخاك، ويبقى تحبه، ويبقى لا تشك في ديانته، وإياك أن تجرحه في دينه، أو تظن أنه لا يريد الحق، أو أنه لا يحب رسوله، ولا يحب الحديث، ولا يحب الكتاب، ولا يحب السُّنة، هذا غير صحيح. فكما تحب الدين هو يحبه، كما تحب الحق هو يحبه، كما أنك تجتهد في تحرِّي الحق، هو يجتهد في تحرِّي الحق، يجب أن يكون هذا هو الذي عندك نحو إخوانك.
التفريط والجفاء: الوجه الآخر لمُخالَفة الوسطية
نأتي إلى الجانب الآخر، وهو الجفاء، الجفاء الذي هو التفريط، وهذا يوجد في فهم المتساهلين؛ لأن الوسط هو بين، ودين الله بين الغالي فيه والجافي منه، الغالي وقد تكلمنا فيه، بقي الجافي.
التفريط: هو الإضاعة والتضييع والتقصير والتساهل، هذا التفريط؛ تساهلٌ في الدين، تساهلٌ في الصلوات، تساهلٌ في الأحكام، تساهلٌ في تربية أولادك، وفي الحجاب، هذا تفريطٌ، هذا الجفاء، وهذا مُشكِلةٌ.
يعني: كما نُشدِّد على المُتشدِّد، نُشدِّد على الجافي وعلى المُقصِّر. ومع الأسف، تجد إلى حدٍّ ما قد يكون موقفنا من الأخيار الفضلاء الذين فيهم تشدُّدٌ؛ أشدَّ من موقفنا من المُقصِّرين، مُتساهِلٌ في بيته، مُتساهِلٌ مع مَحارمه، مُتساهِلٌ مع بناته، مع أولاده مع.. قد يكون يتساهل في المُنكَرات، يتساهل في المعروف، ويتساهل في الصلوات؛ في أدائها في أوقاتها، مع المسلمين في جماعتهم.. إلى آخره، فهذا جفاءٌ، فلا هذا ولا هذا، وقد يكون سبب التساهل الجهل أو الكسل.
الوسطية ليست مُجامَلةً على حساب الدين
فالمقصود -قبل أن أُنهي الكلمة- ليس من الوسطية المُجامَلات، يعني: أحيانًا يظنُّ بعض الناس أن الوسط هو تساهَلٌ، لا، فالمجاملات مع الناس هذه ليست من الوسطية بشيءٍ؛ ولهذا أحب أن أختم بكلمتين، وهي: أن ليس من الوسطية أن تُجامِل الناس على حساب الدين، سواءً أمور العقائد، أو أمور الأحكام، أو أمور المُنكَرات، تتساهل فيها، ويقول لك: إنك وسطيٌّ، تُجامِل في دين الله ، لا، هذه ليست وسطيةً.
ومع الأسف، حاول بعض المُعاصِرين، أو بعض ما يُسمَّوْن بالمُفكِّرين أو المُثقَّفين، أحيانًا بعضهم ينعت الإنسان الوسطيَّ بالمُتساهِل، لا، أو أنه هو نفسه باعتباره مُثقَّفًا أو مُفكِّرًا -كما يقول- تجده يُشدِّد على أهله، وعلى أصحاب الفضلاء والأخيار من قومه، بينما يتسامح مع أعداء هذا الدين، أو يُجاملهم على دين الله .. معاذ الله أن يكون هذا هو الوسط، أو تقول: هذه هي الوسطية، فيشتد على الناس وعلى الصلحاء وعلى الأخيار، ثم بينما يتساهل مع أعداء الله ، ويزعم أن هذا الدين، أو أن هذه الوسطية في الدين.
على كل حالٍ؛ هذا هو الذي يُمكِن أن يُقال في هذا المقام، وأكتفي بهذا القدر.
وكان الكلام في هذا جميلًا وطويلًا، ومُهمًّا جدًّا، وأيضًا مُتشعِّبًا؛ لكن هذا هو الذي استطعتُ أن أَحصُره في هذا الوقت المُتاح، ولعلها تأتي فرصةٌ أخرى نَبسُط القول فيها، أو في بعض ما لم نتمكَّن من البسط فيه، والله أعلم.
وصلَّى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
| ^1 | النهاية في غريب الحديث والأثر: 3/ 435. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 5094، والترمذي، بنحوه: 3427، والنسائي في "السنن": 5486، وابن ماجه: 3884، وأحمد في "المسند": 26704؛ وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 4709. |
| ^3 | رواه البخاري: 6116. |
| ^4 | رواه مسلم: 49. |
| ^5 | رواه مسلم: 50. |
| ^6 | رواه البخاري، مُختصَرًا: 6025، ومسلم: 285. |
| ^7 | رواه البخاري: 6010. |
| ^8 | رواه البخاري: 39. |
| ^9 | سبق تخريجه. |
| ^10 | رواه البخاري: 1150، ومسلم: 784. |
| ^11, ^13 | رواه البخاري: 5063، ومسلم: 1401. |
| ^12 | رواه ابن ماجه: 4308، والطبراني في "المعجم الأوسط": 5082، والحاكم في "المستدرك": 4232، وأبو يعلى في "مسنده": 4305؛ وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3643. |
| ^14 | سبق تخريجه |