- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
من قوله "الحمد لله رب العالمين.." (1)

جدول المحتويات
أحمد الله تعالى، وأستعينه، وأعتصم به، وأستهديه، وأُصلِّي وأُسلِّم على عبده ورسوله محمدٍ، وعلى آله وصحبه.
اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا يا رب العالمين.
وبعد:
فحيَّاكم الله في هذا الدرس الأصوليِّ في هذه الدورة العلمية، جزى الله القائمين عليها خير الجزاء.
وهذا الدرس المُقرَّر فيه هو كتاب "بُلغة الوصول إلى علم الأصول"، من تأليف الإمام عز الدين ابن نصر الله الكنانيِّ العسقلانيِّ المصريِّ الحنبليِّ، المُتوفَّى سنة 876 هجريًّا.
التعريف بالمُؤلِّف والكتاب
قبل الشروع في قراءة الكتاب، نُقدِّم بمُقدِّمتين:
- أولاهما: في التعريف بالمُؤلِّف رحمه الله
- والثانية في التعريف بالكتاب المُقرَّر
التعريف بالمُؤلِّف
فالمُؤلِّف هو أحمد بن إبراهيم بن نصر الله الكنانيُّ العسقلانيُّ القاهريُّ، عز الدين، أبو البركات، الحنبليُّ المذهب، القاهريُّ ولادةً ونشأةً ووفاةً، فهو من أهل مصرَ، وإنما قالوا العسقلانيَّ باعتبار أصوله؛ فإن أجداده كانوا من أهل عسقلانَ في فلسطينَ.
وُلِدَ رحمه الله سنة 800 هجريًّا، وتُوفِّي سنة 876 هجريًّا، له كُتبٌ كثيرةٌ، لكن نَذكُر بعضًا منها؛ منها: كتاب "تصحيح المُحرَّر"، و"المُحرَّر" كتابٌ في الفقه مشهورٌ، مَن يعرف الكتاب لمن؟
نعم، "المُحرَّر في الفقه"، أحسنتَ، "المُحرَّر" لمجد الدين ابن تيميةَ؛ لأن كتاب "المُحرَّر" كان عُمدةً عند الحنابلة اعتمدوه مدةً طويلةً، وتركوا كتاب "الهداية" لأبي الخطاب بعد أن أُلِّف "المُحرَّر"، وظلوا على "المُحرَّر" إلى أن جاءت كُتب علاء الدين المرداويِّ الحنبليِّ، الإمام المشهور.
و"تصحيح المُحرَّر" للمُؤلِّف عز الدين ابن نصر الله نقل عنه تلميذه -الذي ذكرناه الآن وهو علاء الدين المرداويُّ- في مواضعَ عِدَّةٍ من كتاب "الإنصاف".
وللمُؤلِّف كُتبٌ في الأصول أيضًا؛ منها: كتاب "نظم المنهاج"، و"منهاج الوصول إلى علم الأصول" للقاضي ناصر الدين البيضاويِّ رحمه الله، وله كتاب نظم "جمع الجوامع"، من تأليف الإمام تاج الدين السُّبكيِّ رحمه الله تعالى، وله نظم "مُختصَر المُنتهَى في أصول الفقه"، و"مُختصَر المُنتهَى" من تأليف الإمام جمال الدين ابن الحاجب رحمه الله تعالى.
والمُؤلِّف أيضًا بيَّض شرح جَدِّه لأُمِّه علاء الدين الكنانيِّ، شرحه على "مُختصَر الروضة" للطوفيِّ؛ وذلك أن جَدَّه كتب على "البلبل" الذي هو "مُختصَر الروضة" شرحًا، لكنه مات وهو في المُسوَّدة، فجاء سِبْطُه هذا وبيَّض شرح جَدِّه، وزاد فيه في مواضعَ.
من شيوخ المُؤلِّف: مُحبُّ الدين ابن نصر الله البغداديُّ المصريُّ الحنبليُّ، المُتوفَّى سنة 844 هجريًّا، ومن شيوخه أيضًا: الحافظ ابن حجرٍ العسقلانيُّ رحمه الله، المُتوفَّى سنة 852 هجريًّا، ومن شيوخه أيضًا: الحافظ وليُّ الدين العراقيُّ؛ فهو شيخُه وشيخُ شيخِه ابن حجرٍ، ومن شيوخه أيضًا: بدر الدين العينيُّ، شارح "البخاريِّ"، الفقيه الحنفيُّ المعروف؛ رحم الله الجميع.
ومن تلاميذ المُصنِّف: مَن ذكرناه آنفًا، وهو علاء الدين المرداويُّ، صاحب "الإنصاف" و"التنقيح المُشبِع" والكتب المعروفة في المذهب، المُتوفَّى سنة 885 هجريًّا. ومن تلاميذ المؤلف أيضًا: الإمام السخاويُّ، شمس الدين السخاويُّ، المُتوفَّى سنة 902 هجريًّا، ومن تلاميذه: جمال الدين بن عبدالهادي، المعروف بابن المِبْرَد، سيوطيُّ الحنابلة، المُتوفَّى سنة 909 هجريًّا. ومن تلاميذ المؤلف أيضًا: جلال الدين السيوطيُّ، الإمام المعروف المتوفَّى سنة 911 هجريًّا؛ رحم الله الجميع.
تعريف بكتاب "بُلغة الوصول إلى علم الوصول"
هذا الكتاب سمَّاه مُؤلِّفُه في المُقدِّمة، وهذه هي المُقدِّمة الثانية، تعريفٌ بالكتاب، تعريفٌ مُختصرٌ. واسم الكتاب "بُلغة الوصول إلى علم الأصول"، كما ذَكَرَ هو بنفسه في مُقدِّمة الكتاب، والمؤلِّف اختصره من كتابٍ معروفٍ عند الحنابلة بـ "مُختصَر الروضة" أو "البلبل في أصول الفقه"، للإمام نجم الدين الطوفيِّ، المُتوفَّى سنة 716 هجريًّا، والطوفيُّ أخذ كتابه من "روضة الناظر وجنة المناظر"، للإمام شيخ المذهب مُوفَّق الدين ابن قُدامة، المُتوفَّى سنة 620 هجريًّا، رحمه الله، وكتاب "روضة الناظر" -كما لا يخفاكم- استفاد مُؤلِّفه كثيرًا منه -بل أكثر ما فيه- من كتاب "المُستصفَى" لأبي حامد الغزالي، المُتوفَّى سنة 505 هجريًّا، رحمه الله.
المُؤلِّف حذف بعض المسائل من الأصل، وهي قليلةٌ، وزاد في بعض المواضع، وأعرض عمَّا في الأصل في مواضعَ قليلةٍ، هذا خلاصة منهج المُؤلِّف في كتابه، حذف بعض المسائل اليسيرة، وزاد زياداتٍ يسيرةً على ما في أصله، وخالف الطوفيَّ في مسائلَ قليلةٍ أيضًا، ووافقه في الأكثر.
وفي بعض المواضع أعرض عمَّا في الأصل، ولخَّص من كتابٍ آخرَ، كما في "الاستحسان" ترك أصله، الذي هو "البلبل"، ولخَّص ما في "مُختصَر ابن الحاجب"، وزاد -كما قلنا- مباحثَ ليست في أصله؛ مثل: مبحث العلم. وأما عن "الذِّكر الحُكمي"، فإنه أخذه أيضًا من "مُختصَر المُنتهى" لابن الحاجب.
نبدأ إن شاء الله في قراءة الكتاب في صفحة 53، بدأ المُصنِّف الكتاب بقوله رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين..
طيب، مَن يقرأ؟
القارئ: والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المُرسَلين، نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين.
قال المُصنِّف رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، قال الشيخ الإمام العالم العلَّامة، مُفتي المسلمين، قاضي القضاة بالديار المصرية، الشيخ مُحبُّ الدين البغداديُّ الحنبليُّ رحمه الله تعالى:
مُقدِّمة الكتاب
الشيخ: قوله هنا: "قال الشيخ الإمام العالم العلَّامة.."، هذا ليس من كلام المُصنِّف، وإنما هذا من تصرُّف الناسخ؛ لأن بعض النُّسَّاخ يُقدِّم بمُقدِّمةٍ ليَذْكُر فيها مُؤلِّف الكتاب، وأهل تحقيق التراث يختلفون وتختلف مناهجهم في إثبات مُقدِّمة الناسخ: هل تُثبَت في الأصل أو تُكتَب في الهامش؟ منهجان معروفان لمن يتصدَّى لتحقيق كُتب التراث.
وقوله هنا، تلاحظون ماذا قال؟ قال: "الشيخ الإمام العلَّامة، مُفتي المسلمين، قاضي القضاة بالديار المصرية، الشيخ مُحبُّ الدين البغداديُّ الحنبليُّ"، هل هذا هو المُؤلِّف؟
لا، المُؤلِّف هو عزُّ الدين العسقلانيُّ الكنانيُّ، لكن هذا الوهم وقع للناسخ، كما وقع لغيره. والسبب: طبعًا هذا المذكور هو شيخ المُؤلِّف، وكلاهما من أهل مصرَ، وكلاهما حنبليُّ المذهب، وكلاهما يُقال له: ابن نصر الله؛ فلهذا وقع اللبس؛ فظنُّوا أنه مُحبُّ الدين البغدادي، ظنَّ أنه هو مُؤلِّف الكتاب، فكتبه هنا في الأول، وليس هو مُؤلِّفه.
قال: "الحمد لله رب العالمين.."، من هنا يبدأ كلام المُصنِّف رحمه الله.
قال: "وصلاته وسلامه على أشرف المُرسَلين محمدٍ خاتم النبيِّين، وآله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فهذا مُختصَرٌ في أصول الفقه، ينتفع به المُبتدِي، ويتذكَّر به المُنتهِي". المُبتدِي: طالب العلم المُبتدِئ الخالي من المعلومات، ينتفع بهذا المُختصَر. أما المنتهي: طالب العلم الكبير، فإنه ينتفع به من جهةٍ أخرى، وهو من جهة التذكُّر؛ فلهذا ما قال: وينتفع به المُبتدِئ، قال: ويتذكَّر به المُنتهِي.
وفي هذا إشارةٌ إلى أن طالب العلم ينبغي أن يُداوِم على قراءة كُتب الفن، صغيرها وكبيرها، مُستمرًّا على هذه الصفة؛ لأنه يَحصُل له النسيان، فيحاول أن يتذكَّر عن طريق الرجوع إلى كُتب أهل العلم؛ فلهذا قيل: لا يزال العالم عالمًا ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنه عَلِمَ، فقد جَهِلَ؛ إذ لا يُمكِن أن يصل الإنسان إلى حالة يستغني فيها عن كُتب أهل العلم، لا بُدَّ أن يبقى طالبَ علمٍ إلى وفاته، من المحبرة إلى المقبرة، من المهد إلى اللحد.
قال: "لخَّصْتُه من مُختصَر الإمام العلَّامة نجم الدين الطوفيِّ رحمه الله". وقد سبق أن قُلنا: إنه لخَّصه، لكن زاد فيه أشياءَ، ونقص أشياءَ، وتصرَّف تصرُّفًا في بعض المواضع.
قال: وسمَّيْتُه: "بُلغة الوصول إلى علم الأصول"، والبُلغة: ما يتبلَّغ به المسافر ونحوه.
قال: "والله تعالى المسؤول من فضله أن ينفع به، كما نفع بأصله"، يقصد بأصله: المُختصَر "مُختصَر الروضة"، "البلبل في أصول الفقه" للطوفيِّ.
قال: "وهو حسبي ونعم الوكيل"، ثم شرع في تعريف أصول الفقه، كما هي عادة المُصنِّفين في هذا العلم، فقال رحمه الله..
تعريف أصول الفقه
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: أحسنتَ.
قال رحمه الله: "أصول الفقه عَلَمٌ"، يعني: هو عَلَمٌ على هذا الفن المُدوَّن المخصوص في مثل هذا الكتاب ونحوه.
"منقولٌ من مُركَّبٍ إضافيٍّ"، فإن أصله مُركَّبٌ من كلمتين تركيبَ إضافةٍ؛ لأن كلمة "أصول" مضافٌ، وكلمة "الفقه" مضافٌ إليه، أصول الفقه.
"فله بكل اعتبارٍ حَدٌّ"، أي: فلهذا العِلم بكل اعتبارٍ ممَّا سَبَقَ حَدٌّ، أي: تعريفه، والاعتبارات التي سبقت اثنان: أنه عَلَمٌ، وأنه مُركَّبٌ إضافيٌّ وليس عَلَمًا، والثاني قبل الأول بقوله: "عَلَمٌ منقولٌ من مُركَّبٍ"، فكان مُركَّبًا ثم صار عَلَمًا، لكن المُؤلِّف رحمه الله بدأ بتعريفه عَلَمًا ولقبًا واسمًا على هذا الفن المعروف، مُراعيًا للترتيب في كلامه، والأمر يسير في هذا.
قال: "فحَدُّه لقبًا"، هذه فاء التفريع، بعد أن أَجْمَلَ الكلام فَرَّعَ، فقال: "فحَدُّه لقبًا": عِلْمٌ بقواعدَ مُوصلةٍ إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية. أصول الفقه: هو العلم بالقواعد، أو هو القواعد نفسها، والأمر يسير في هذا، هذه القواعد تُوصِل صاحبها، الذي أتقنها وحفظها وفهمها، إلى استنباط الحكم الشرعي من الدليل التفصيلي.
ومثال هذه القواعد حين نقول: "الأمر يقتضي الوجوب"، "الأمر المُطلَق يقتضي الوجوب"، هذه قاعدةٌ أصوليةٌ، "النهي المُطلَق يقتضي التحريم"، هذه قاعدةٌ أصوليةٌ، "النهي يقتضي الفساد"، "العامُّ حُجةٌ فيما بقي بعد التخصيص".. إلى غير ذلك من قواعد أصول الفقه.
غير أن المُلاحَظ في كتب أصول الفقه، مع أنهم يذكرون أنه علم بقواعدَ؛ إلا أنهم يذكرون هذه القواعد على هيئة مسائلَ، والقواعد تُستنبط منها؛ لأن عندنا قاعدةً أصوليةً، وعندنا مسألةً أصوليةً، فمن يعرف الفرق بينهما؟ الفرق بين القاعدة الأصولية والمسألة الأصولية؟
طيب، بالمثال سوف يتضح المقال: إذا جاء عالمٌ من العلماء يكتب كتابًا في أصول الفقه، فقال: مسألةٌ: اختلفوا في الأمر المُطلَق، ماذا يقتضي؟ أمر الشارع، ثم جاء وحرَّر محل النزاع، ثم ذَكَرَ مذاهب علماء الأصول؛ فمنهم من قال: يقتضي الوجوب، ومنهم من قال: الندب، ومنهم من قال: الإباحة، ومنهم من قال: مُشترَكٌ؛ يُعدِّد المذهب، ثم يستدلُّ لكل مذهبٍ، ثم يناقش الأدلة، ثم يرجِّح ويذكُر ضوابط القاعدة، ويكتب في هذا كله، لنَقُلْ مثلًا عشر صفحاتٍ، هذه العشر صفحاتٍ قاعدةٌ أصوليةٌ أم مسألةٌ؟ مسألةٌ أصوليةٌ؛ لأنها مسألةٌ من هذا العلم، من صميم علم أصول الفقه.
أما القاعدة: هي الجملة الخبرية المُختصَرة، التي تؤخَذ من المذهب الراجح في المسألة الأصولية، يعني: بعد أن كتب العشر صفحاتٍ هذه، وذكر الأدلة، وناقش ورجَّح مذهب الجمهور، وهو أن الأمر يقتضي الوجوب، فيأتي ويقول: "الأمر المُطلَق يقتضي الوجوب"، هذا نصف سطرٍ، ليس عشر صفحاتٍ، هذا كان نصف سطرٍ، ماذا يسمى هذا؟ "الأمر المُطلَق يقتضي الوجوب"، هذه قاعدةٌ أصوليةٌ.
فالقاعدة: هي التي يستعملها المُجتهد في الاستنباط، وليس المسألة. المُجتهد حتى يستنبط الحُكم من الدليل يعتمد على ماذا، على القاعدة أم المسألة؟ على القاعدة، هذا الفرق بينهما.
من أهم ثمرات علم أصول الفقه
نأتي الآن إلى ثمرة هذا العِلم، الذي تضمَّنه التعريف؛ لأن هذا التعريف تعريفٌ لعِلم أصول الفقه، بالنظر إلى ثمرته وفائدته؛ ولهذا لو قيل لكَ: ما ثمرة هذا العلم؟ لقلتَ: القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
لاحظوا نفس العبارات، استعملت نفس عبارات التعريف، فدلَّ على أن هذا التعريف تعريفٌ لعِلم الأصول، بالنظر إلى ثمرته.
فمن أهم ثمرات علم أصول الفقه: هو أنه يُمكِّن دارسَه من معرفة استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية، كيف هذا؟ الدليل التفصيلي، يعني: الدليل الشرعي الذي يتناول حُكمًا واحدًا، كالحجِّ، أو الصوم، أو الصلاة، هذا لا يمكن لكل واحدٍ من الأُمة أن يعرف منه الحُكم مباشرةً؛ لأن أدلة الشرع لو كانت تُوصِّل إلى أحكام الشرع مُباشرةً، لصار الناس كلهم علماء، ولما قال الله: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فهم لا يعلمون مع أن نصوص الكتاب والسُّنة مُتاحةٌ للجميع، أعني: أنه يستطيع أن ينظر فيها كل أحدٍ، يستطيع -يعني لو أراد- أن ينظر.
لكن هل كل واحدٍ يستطيع أن يعرف الحكم من الدليل؟ لا، لا يعرفه إلا العالمون بأصول الفقه؛ فلهذا انقسم الناس قسمين: علماء وعوام، مُجتهدون ومُقلِّدون، فمثلًا: إذا قيل لك: المُطلَّقة البائن هل تستحق النفقة؟ طلَّقها زوجُها فبَتَّ طلاقَها، طلقَّها الثالثة، والعِدة لا زالت، هي لا زالت في العِدة؛ فهل تستحق النفقة؟ فتقول: لا يجب على الزوج المُطلِّق أن يُنفِق على زوجته المُطلَّقة طلاقًا بائنًا زمن العِدة.
طيب، وما الدليل؟ تقول: الدليل قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ [الطلاق:6] طبعًا أصل المسألة نعيد ما هي؟ المُطلَّقة طلاقًا بائنًا، وهي حائلٌ؛ ليس في بطنها جنينٌ، هل تستحق النفقة من الزوج المُطلِّق زمن العِدة؟ فتقول: لا، ما الدليل؟ فتقول: الدليل قوله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:6] وَإِنْ كُنَّ: الضمير يرجع للمُطلَّقة طلاقًا بائنًا، يعني: وإن كانت المُطلَّقات البوائن أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهن.
طيب، الكلام ليس في الحامل، الكلام في مَن؟ في الحائل التي ليس في بطنها جنينٌ، فمِن أين عرفنا الحكم والآية ما ذكرتْ هذه المسألة؟ فتقول: بواسطة القاعدة الأصولية، وهي تعليق الحكم بشرطٍ يقتضي انتفاءَه عند انتفائِه، تعليق الحكم بشرطٍ يقتضي انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، هذه قاعدةٌ أصوليةٌ.
كما تقول مثلًا: أَكرِم زيدًا إذا نجح، فماذا تفهم منه؟ إذا لم ينجح لا تُكرِمْه، كذلك في الآية الكريمة: وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا [الطلاق:6] فيُفهم منه: إن لم يكنَّ حوامل، فلا يجب أن تنفقوا عليهن. فهل العاميُّ يستطيع أن يعرف هذا الحكم من الآية الكريمة؟ ما يستطيع، إنما يفهم هذا المُجتهد الذي عرف أصول الفقه.
فهذا معنى قوله: "عِلْمٌ بقواعدَ مُوصلةٍ"، هذه القواعد تُوصِل إلى معرفة استنباط الأحكام من الدليل التفصيلي؛ لأن الدليل التفصيلي لا يُوصِل إلى الحكم بنفسه، وإنما يُوصِل إلى الحكم بواسطةٍ، ما هي هذه الواسطة؟ هي القواعد الأصولية.
إذًا؛ القاعدة الأصولية وسيطٌ بين الدليل وبين الحُكم، فعندنا دليلٌ كالآية أو الحديث، وعندنا حُكمٌ وهو الثمرة والنتيجة والغاية، وعندنا واسطةٌ تربط بينهما وهي القاعدة الأصولية، ومن هنا تظهر أهمية دراسة علم أصول الفقه.
قال: "وحَدُّه مضافًا بحدِّ كلٍّ مِن مُفرَدَيْه"، هذا شروعٌ في تعريف أصول الفقه، باعتبار كونه مُركَّبًا من كلمتين: "أصول" مُضافٌ، و"الفقه" مُضافٌ إليه، والمُركَّب لا يُعرَف إلا بعد معرفة أجزائه التي تَركَّب منها.
فقال: "فالأصول" -الذي هو المُضاف-: الأدلة. المُصنِّف رحمه الله في مقام الاختصار؛ فلهذا عرَّف الأصول اصطلاحًا مُباشرةً، كلمة "أصول" -التي هي المضاف- عرَّفها اصطلاحًا، ولم يُعرِّفها لغةً. وغيرُه يقول: الأصول لغةً: ما يُبنَى عليها غيرُها، واصطلاحًا: هي الأدلة. والأمر يسير كما قلنا، المُؤلِّف في مقام الاختصار، فلا يُتوقَّع أن يأتي بكل شيءٍ.
إذًا؛ "الأصول" -التي هي مُضافٌ-: جمع أصلٍ، وهو في اللغة: ما يُبنَى عليه غيرُه، ولهذا يُقال عن أساس الدار: أصل الدار، وعن جذور الشجرة أو ساقها يُقال: أصل الشجرة؛ لأنه يُبنَى عليها غيرُها، وهي الأغصان والثمار.
وفي الاصطلاح: الأدلة؛ لأن الأصل اصطلاحًا: هو الدليل، تقول: الأصل في المسألة: الكتاب والسُّنة والإجماع، ما معنى الأصل في المسألة؟ أي دليلها، دليلها الكتاب والسُّنة والإجماع.
تعريف الفقه
قال: والفقه -الذي هو المضاف إليه- لغةً: الفهم، يعني: مُطلقًا، يعني: أي فهمٍ كان، سواءٌ كان يحتاج لإعمال الذهن والتدقيق والتأمل والنظر، أو كان يحصل مُباشرةً في الذهن، يعني: الفهم مُطلَقًا. هذا تعريفٌ اختاره الأكثرون، وإلا فالعلماء يختلفون في مثل هذه المعاني التي ذكرناها.
قال: "واصطلاحًا"، الفقه في اصطلاح العلماء: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال، هذا تعريف الفقه في الاصطلاح.
شرح التعريف
ثم شرع المُؤلِّف رحمه الله في شرح التعريف بذِكر مُحترَزاته، فقال: "بالأحكام" الكلمة الثانية، يعني: كأنه يقول: الكلمة الأولى جنسٌ في التعريف، كلمة "العِلم" جنسٌ في التعريف، جنسٌ بعيدٌ؛ لأنه يتناول العلم بأي شيءٍ، لكن الكلمة الثانية "بالأحكام" هي أولُ فصلٍ في التعريف، يعني: أولُ قيدٍ في التعريف.
"فاحتُرِز بالأحكام عن الذوات"؛ لأن العلم بذوات الأشياء، سواءٌ كانوا آدميين، أو من البهائم، أو جماداتٍ، أو غير ذلك؛ لا يُسمَّى فقهًا في الاصطلاح. يعني: مَن عرَّف الشجر والحجر والنهر والأرض والسماء، هل يُقال: فَقِهَ، فَقِهَ هذه الأشياء، لا يُسمَّى فقهًا في الاصطلاح؛ لأن الفقه هو العلم بالأحكام لا بالذوات.
مثالٌ آخرُ حتى يتضح هذا: لو قلتُ لكَ: يجوز المسح على الخُفِّ، هذا عِلمٌ بحُكمٍ، أليس كذلك؟ فقهٌ أو لا؟ هذا فقهٌ. طيب، نفس الخُفِّ هذا؛ أن يَعرِف الخُفُّ ما هو، هل هو فقهٌ؟ لا، ليس فقهًا في الاصطلاح؛ ولهذا قد يَعرِفه العاميُّ ولا يَعرِفه طالب العِلم، يقول: أرني، أنا والله ما أعرف الفرق بين الخُفِّ والجورب مثلًا، وهو طالب عِلمٍ، والعاميُّ قد يعرف الخُفَّ.
إذًا؛ هذا معنى العِلم بالذوات، العِلم بالذوات لا يُسمَّى فقهًا في الاصطلاح، نعم قد يُسمَّى فقهًا في اللغة، فلا بأس؛ لكن كلامنا في تعريف الفقه اصطلاحًا.
قال: "وبالشرعية عن العقلية"، يعني: واحترز بهذا التعريف بكلمة "الشرعية" -القيد الثاني في التعريف- عن العلم بالأحكام العقلية، فلا يُسمَّى فقهًا في الاصطلاح، فمن عَرَفَ أن الجزء أصغر من الكل، والكل أكبر من الجزء، وأن الواحدَ نصفُ سُدسِ الاثني عشر، وأن الضدين لا يجتمعان وقد يرتفعان، وأن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان.. إلى آخر الأحكام العقلية، كالتسلسل والدَّوْر ونحو ذلك؛ كل هذه الأحكام أحكامٌ عقليةٌ، يعني: يشترك فيها كل العقلاء، فهل يُسمَّى العلم بها فقهًا في الاصطلاح؟ الجواب: لا، لا يُسمَّى.
قال: "وبالفرعية -القيد الثالث للتعريف-: احترازٌ عن الأصولية"، احترز بكلمة الفرعية في قوله: "الأحكام الشرعية الفرعية" عن العلم بالأحكام الشرعية الأصلية. والمُراد بالأصولية هنا: أصول الفقه، وأصول الدين، يعني: هو احترازٌ عن الاثنين عن علم الأصلين: أصول الدين/ العقيدة، وأصول الفقه؛ لأن الكلام هنا في تعريف الفقه، لا في تعريف أصول الفقه، فلا بد أن يحترز عن علم الأصول، كما يحترز عن غيره.
قال: "والتقدير: الفرعية الحاصلة عن أدلتها"، يعني يقول: إن في الكلام حذفًا، وتقدير الكلام: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية الحاصلة عن أدلتها، فالمحذوف هذا هو الذي تعلَّق به حرف الجر، وهو "عن"، يعني: "حاصلة عن أدلةٍ"، هذه الأحكام حاصلةٌ عن أدلةٍ.
قال: "والتفصيلية احترازٌ عن أدلةٍ إجماليةٍ"، أيضًا الكلام -كما قلنا- هو في مقام الاختصار، فالمحذوف في المُختصَرات يكون كثيرًا، يعني: هو كأنه يقول: "التفصيلية احترازٌ عن الأحكام الحاصلة عن أدلةٍ إجماليةٍ"، هذا تقدير الكلام.
قال: "نحو ثَبَتَ بالمُقتضِي، وامتنع بالنافي"، يعني: ثَبَتَ الحكم الشرعيُّ بالمُقتضِي، أي: المُستوجِب له، وانتفى الحكم بالنافي، النافي له. فإذا قلتَ مثلًا: زيدٌ إذا قتلَ مُسلمًا، فإنه يجب قتله، إذا قتله عمدًا عُدوانًا يجب قتله؛ فتقول: لِمَ يجب قتله؟ فتقول: لقيام المُقتضِي لقتله، ما هو المُقتضِي لقتله؟ نعم، هو أنه قتل عمدًا عُدوانًا، مع التكافؤ بين القاتل والمقتول، فهذا مسلمٌ وهذا مسلمٌ.
طيب، زيدٌ قتلَ مُشرِكًا حربيًّا، أو غير حربيٍّ، يعني: قتلَ مُشرِكًا؛ فتقول: لا يجب قتله. لاحظوا في المثال الثاني نفينا، وفي المثال الأول أثبتنا القتل، فتقول: لِمَ لا يجب قتله؟ فنقول: لقيام النافي، ما هو النافي للحُكم؟ أنه لا يجب قتله، أنه لا يجوز قتله؟ نعم، لا يُقتَل مُسلمٌ بكافرٍ [1]، يعني: لعدم التكافؤ بين القاتل والمقتول؛ فهذا مُسلمٌ وذاك مُشركٌ: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ [الحشر:20].
لكن نُنبِّه على شيءٍ، وهو أن المُصنِّف رحمه الله في هذا الاحتراز تابَعَ فيه صاحبَ الأصل، وهو نجم الدين الطوفيُّ، والطوفيُّ هو بنفسه اعترف بأن هذا وَهْمٌ منه عند الاختصار، اعترف بهذا في "شرح المُختصَر"؛ لأن الطوفيَّ شرح مُختصَره، فالمُؤلِّف رحمه الله ربما ذُهِلَ عن الشرح، وراعى عبارات المتن، فلخَّصها كما هي. والطوفيُّ يقول: "سبب الوهم أن قولنا: ثبت بالمُقتضِي وانتفى بالنافي: الأمر للوجوب، الإجماع حجةٌ، القياس حجةٌ، العامُّ حجةٌ فيما بقي بعد التخصيص.. هذه القواعد الإجمالية الأصولية لم تخرج بكلمة التفصيلية، وإنما خرجت بكلمة الفرعية".
لاحظوا ما سبق، ماذا قال؟ "وبالفرعية احترازٌ عن الأصولية"، يعني: أصول الفقه، وأصول الدين، فوقع له وَهْمٌ، خصوصًا أن القواعد الأصولية هي في نفسها أحكامٌ شرعيةٌ؛ ولهذا يُطلَب لها الدليل، ويُعترَض عليها بالدليل؛ ولأن قواعدَ كل فنٍّ تؤخَذ من أدلته التفصيلية، ما مِن فنٍّ من الفنون إلا وفيه قواعدُ، وقواعده تؤخَذ من أدلةٍ تفصيليةٍ.
قال: "وبالاستدلال احترازٌ عن علم الله ورسوله ، وقيل: احترازٌ عن المُقلِّد"، هذا آخر قيدٍ في تعريف الفقه، وهو قوله: "بالاستدلال..."، فيقول المُؤلِّف رحمه الله: إن كلمة "بالاستدلال" أتي بها للاحتراز عن ماذا؟ حتى يكون التعريف جامعًا مانعًا لا بُدَّ من الاحترازات، فقال: "احتُرِزَ عن علم الله" بهذه الأحكام، يعني: بوجوب الصلاة، وتحريم الربا، واستحباب السواك، وكراهة النذر، وإباحة اتخاذ الخادم.. إلى آخره، كل أحكام الفقه هذه علم الله بها علمٌ لم يقع بالاستدلال؛ لأن الاستدلال يلزم منه سبق عدم العلم.
فالمُجتهد لا يعلم مثلًا، ثم ينظر في الدليل، فيستدلُّ به ويَعرِف، ويقول: الآن عَرَفْتُ، أما علم الله فهو علمٌ أزليٌّ لا يسبقه جهلٌ، تعالى الله علوًّا كبيرًا.
طيب، علم الرسول بأحكام الشريعة، أحكام الفقه هذه يعلمها النبي ، فهل وقع عِلمه بأحكام الفقه بالاستدلال؟ الاستدلال معناه: النظر في الدليل لاستخراج الحُكم، يعني: التأمل في الدليل الشرعي لمعرفة الحُكم. طيب، هل هذه صفة النبي ؟ لا، النبي يَعرِف الأحكام عن طريق الوحي، فعِلمه بالأحكام ليس كعلم سائر الأمة، هكذا قال المُؤلِّف رحمه الله.
وقال بعضهم: إنه احترازٌ عن المُقلِّد، بمعنى: أن المُقلِّد إذا عَرَفَ أن الصلاة واجبةٌ، وأن الربا حرامٌ، وأن المُطلَّقة تَعتدُّ ثلاثَ حِيَضٍ، وأن البائن الحائل لا نفقةَ لها على زوجها.. إلى آخره؛ لو عَرَفَ ذلك المُقلِّد، هل يُسمَّى فقيهًا؟ لا يُسمَّى فقيهًا، لِمَ؟ فنقول: لأن عِلمه لم يقع بالاستدلال والنظر والتأمل في نصوص الكتاب والسُّنة، إنما أخذه من المُجتهد، المُجتهد الحي يسأله، والمُجتهد الميت ينظر في كتابه، هكذا عِلم المُقلِّد بالأحكام، وليس بالاستدلال، هكذا قال المُؤلِّف رحمه الله.
ولعلَّ الصواب أن يُقال: إن هذه الأمور الثلاثة: عِلم الله ، وعِلم النبي بالأحكام، وعِلم المُقلِّد بالأحكام؛ خرجت من قبلُ بكلمة "عن أدلتها"؛ لأن معنى كلمة "عن أدلتها" يعني: العلم بالأحكام الناشئة عن الدليل، يعني: الناشئة بواسطة الاستدلال بالدليل، وحينئذٍ تكون الكلمة الأخيرة وهي كلمة "بالاستدلال" تكون حشوًا؛ لأنها تكرارٌ لما سبق، والتعاريف تُصان عن الحشو، فينبغي حذفها، والله أعلم.
اعتراضٌ على التعريف
ثم قال المُؤلِّف رحمه الله: "وأُورِدَ"، بمعنى: اعترض، يعني: اعترضَ مُعترِضٌ على تعريف الفقه على أول كلمةٍ في التعريف، ما هي أول كلمةٍ في تعريف الفقه؟ العِلم.
طيب قبل أن نقرأ التعريف، أولًا: نُفسِّر ما معنى كلمة "العِلم".
العِلم في اصطلاح الأصوليين وغيرهم معناه: إدراك الشيء من غير احتمالٍ آخرَ، يعني: كما نقول بلغة العصر: إدراك الشيء بنسبة مئةٍ في المئة، يعني: قطعًا لا يُخالطه نقيضٌ ولا ضدٌّ، لا يخالطه احتمالٌ آخرُ؛ مثل: إذا قلتُ: السماء فوقنا والأرض تحتنا، هذا عِلمٌ أو ظنٌّ؟ هذا عِلمٌ يُسمونه اصطلاحًا: عِلمًا.
ومن ثَمَّ إذا بنينا على هذا أن العِلم معناه: معرفة الشيء قطعًا، فماذا يكون الفقه؟ العلم بالمسائل على سبيل القطع. وماذا قال هنا في الاعتراض؟ قال: الأحكام الشرعية مظنونةٌ لا معلومةٌ.
يعني: أنتَ حين تقول مثلًا: المُطلَّقة تَعتدُّ ثلاثَ حِيَضٍ، أنتَ أيها الحنبليُّ أو الحنفيُّ تقول: المُطلَّقة تَعتدُّ ثلاثَ حِيَضٍ؛ هل تقطع بهذا أن هذا هو دين الله؟ الجواب: لا؛ لاحتمال أن الواجب عليها هو أن تَعتدَّ ثلاثةَ أطهارٍ، كما يقوله المالكية والشافعية. وضح؟
وحين تقول: الوتر سُنةٌ، فإنك لا تقطع بهذا، بل تظنه ظنًّا غالبًا؛ لأن الحنفية مثلًا يقولون: واجبٌ، فيقول في الاعتراض: الأحكام الشرعية مظنونةٌ لا معلومةٌ، فكيف تُفسِّر الفقه بأنه العلم والقطع بمعرفة الأحكام، بينما نجد كثيرًا من مسائل الفقه ظنيةً؟!
معنى الظن
ومعنى الظن: الإدراك الراجح، يعني: إدراك الشيء إدراكًا راجحًا، مع وجود احتمالٍ آخرَ مرجوحٍ، كما لو قلتَ: السعي في الحجِّ ركنٌ، فإن هذا على سبيل الظن؛ لأن بعض الفقهاء يقولون: السعي واجبٌ يُجبَر بدمٍ. وضح الاعتراض الآن؟
كيف تقول: الفقه هو العِلم والقطع، بينما بعض الأحكام الفقهية هي ظنٌّ وليست علمًا وقطعًا ويقينًا؟!
ماذا أجاب المُصنِّف؟
قال: وأُجِيبَ: أن الحُكم معلومٌ، والظنُّ في طريقه.
طبعًا هذا الجواب اشتهر في بعض كتب الأصول على ما فيه، فهو ماذا يقول؟
الحكم الشرعي حصل عند صاحبه على سبيل العِلم والقطع واليقين، أما الظنُّ إنما حصل في الطريق الذي أوصل للعِلم بهذه المسألة؛ وذلك أن الدليل قد يكون أحاديًّا، وخبر الآحاد يُفيد الظنَّ، ثم يُنظَر فيه فيصل إلى حُكمٍ وهو قطعيٌّ، فالظنُّ حصل في الطريق، والنتيجة كانت قطعيةً.
وهذا الجواب قد يكون صوابًا في بعض المسائل، لكنه لا يطَّرد؛ لأن بعض مسائل الفقه هي مظنونةٌ، وليست معلومةً قطعًا. مسائلُ أيِّ عِلمٍ من العلوم، كالفقه والأصول والنحو وغير ذلك، هل كلها مقطوعٌ بها؟ لا، لو كان كلُّها مقطوعًا بها لما وقع الخلاف بين العلماء؛ لأن القطعيَّ ما يختلفون فيه، لكن بعضها قطعيٌّ وبعضها ظنيٌّ.
فالمسائل المُجمَع عليها في الفقه هي قطعيةٌ، والمسائل المُختلَف فيها اختلافًا سائغًا هي ظنيةٌ؛ ولهذا ما من إمامٍ من الأئمة إلا ويقول: قولي صوابٌ يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأٌ يحتمل الصواب. إذًا؛ هو لا يقطع بذلك، إنما يظن ظنًّا غالبًا راجحًا.
فالصواب في الجواب -والله أعلم- أن يُقال: إن معنى كلمة العِلم في أول التعريف هي بمعناها اللغوي، لا بمعناها الاصطلاحي عند الأصوليين؛ ولهذا لو أبدلتها بمعرفةٍ -مثلًا- لصحَّ التعريف. فمعنى العلم بالأحكام الشرعية، يعني سواءٌ أكان على سبيل القطع أو على سبيل الظن؛ فإن هذا سائغٌ في اللغة، يسوغ في اللغة لمن عَرَفَ الشيءَ قطعًا أن يُقال: عَلِمَ بالشيء، ولمن عَرَفَه ظنًّا أن يُقال: عَلِمَ الشيءَ، يَصِحُّ هذا. وهذا هو المَخْرَج -والله أعلم- من هذا الإشكال.
قال: "والمُراد بالأحكام.."، هذا الآن شروعٌ في اعتراضٍ مُقدَّرٍ، يعني: هو إيرادٌ آخرُ غير الإيراد السابق، وهو سببه الإشكال في "أل" في كلمة الأحكام، "أل" هذه التعريفية التي في الأحكام، ما نوعها؟ يعني: أنتَ الآن عرَّفْتَ الفقه الذي صاحبه يُسمَّى فقيهًا، أليس كذلك؟ فقلتَ: إن الفقه هو العِلم بالأحكام، فيقول قائلٌ: ماذا تريد بالأحكام؟ هل تريد جميع الأحكام أو بعض الأحكام؟ إن قلتَ: المُراد معرفة بعض الأحكام، فإن المُقلِّد يدخل؛ لأنه ما من مُقلِّدٍ إلا ويعرف بعض الأحكام، أليس العوامُّ يعرفون وجوب الصلاة وتحريم السرقة وغير ذلك؟!
إذًا؛ ما من مُقلِّدٍ إلا ويَعرِف بعض الأحكام، فيدخل في التعريف، فيُسمَّى المُقلِّد فقيهًا، وهل هذا صحيحٌ؟! هذا غير صحيحٍ.
طيب، إن قلتَ: إن "أل" في الأحكام استغراقيةٌ، فالفقه هو العِلم بجميع الأحكام، فلا يُسمَّى الرجل فقيهًا إلا إذا عَرَفَ كل الأحكام، كل أحكام الفقه من أولها إلى آخرها؛ لو كان كذلك لما بقي فقهٌ ولا فقيهٌ؛ لأنه ما من أحدٍ من الأُمة إلا ويعرف شيئًا ويجهل شيئًا، ومن ثَمَّ ما يُتصوَّر أن هناك فقهًا وفقيهًا، فما المَخْرَج من ذلك؟! وضح الإشكال؟
فقال: "والمُراد بالأحكام: إما بعضها فيطَّرد؛ إذ بالأدلة والأمارات.."، يعني: أنا قرأتُ الآن قراءةً أخرى غير التي بين أيديكم؛ لأن الظاهر من العبارة المكتوبة الآن أن فيها تحريفًا وسقطًا، فأقول -يعني ظنًّا-: إن صواب العبارة هكذا: "والمراد بالأحكام: إما بعضها فيطَّرد؛ إذ بالأدلة والأمارات، وإما جميعها فينعكس..." إلى آخره، بقيت العبارة صحيحةً.
يقول: إما أن نختار الأول، مثلًا نقول: العلم بالأحكام هو بعضها، وحينئذٍ يطَّرد التعريف، ومعنى يطَّرد التعريف: يكون مانعًا من دخول المُقلِّد.
طيب، كيف مانعٌ وتقول: العلم ببعض الأحكام؟!
فقال: نقصد العِلم ببعض الأحكام الشرعية بواسطة الأدلة والأمارات، يعني: ليس العلم بنفس الحُكم، بل عِلمٌ بالحكم مقرونًا بالاستدلال؛ فلو سُئل عن مأخذه في ذلك الحُكم الذي ذكره لعَرَفَ.
لو قيل له: من أين قلتَ: يحلُّ كذا؟ فقال: بدليلِ كذا وكذا؛ لأجل قاعدةِ كذا وكذا، هذا هو العِلم الذي نريده، يعني: ليس مُجرَّد أن يَعرِف الحِلَّ والحُرمة والوجوب والاستحباب والإباحة؛ بل يَعرِف الأحكام بالأدلة والأمارات، وحينئذٍ إذا قلنا: إن الفقيه هو مَن يَعرِف جُملةً من الأحكام بأدلتها وأماراتها ووجوه دلالة الأدلة عليها؛ فهل هذا ينطبق على المُقلِّد؟! المُقلِّد لو سُئل عن مأخذه لقال: لا أدري، هكذا قال وسمعتُ من الشيخ يقول: كذا وكذا، أما أنا ما أدري ما هو الدليل على هذا!
أظن وَضَحَ الشق الأول في الجواب.
قال: "وإما جميعها"، يعني: نختار أن "أل" استغراقيةٌ في كلمة الأحكام، يعني: العِلم بجميع الأحكام؛ فحينئذٍ ينعكس التعريف، بمعنى: أن التعريف يكون جامعًا لفقهاء الإسلام كلهم.
طيب، كيف يَعرِفه الجميع؟! فالعلماء كانوا يُسألون في بعض المسائل ويقول الواحد منهم: لا أدري، كما قال مالكٌ رحمه الله في مجلس الفتوى، ومالكٌ رحمه الله كان له مجلسان: مجلس تحديثٍ، ومجلس فتوى، ففي مجلس الفتوى سُئل مرةً من المرات عن أربعين مسألةً؛ فأجاب في أربعٍ، وقال في ستٍّ وثلاثين: لا أدري. رحمه الله!
فحينئذٍ؛ كيف تقول: إن التعريف ينعكس فيكون جامعًا لكل الفقهاء؟! ما من فقيهٍ إلا ويدخل، كيف يعرف جميع الأحكام؟!
فقال: معرفة الأحكام نوعان، العلم بالأحكام الشرعية العملية نوعان: عِلمٌ بالقوة، وعِلمٌ بالفعل؛ يعني: باصطلاح الأصوليين والمناطقة: عِلمٌ بالفعل يعني: حاصلٌ؛ عِلمٌ حاصلٌ وَقَعَ له، لو سُئل لقال: نعم، أعرف حُكم هذه المسألة، وحُكمها كذا وكذا.
طيب، النوع الثاني من العلم: العلم بالقوة القريبة، ومعنى العلم بالقوة: بالإمكان، بمعنى: أنه لو نظر في الأدلة لعَرَفَ الحُكم؛ لأنه مُجتهدٌ يَعرِف قواعد العلم. فمالكٌ رحمه الله في الأربعين مسألةً يَعلمها كلها الأربعين، لكن أربعةً يَعلمها بالفعل؛ ولهذا أجاب عنها، وستٌّ وثلاثون يَعلمها بالقوة، ما معنى بالقوة؟ يعني: بالإمكان، كيف بالإمكان؟ يعني: لو رجع ونظر في الأدلة سوف يَعرِف الحُكم؛ لأنه مُجتهدٌ عنده الآلة التي تُمكِّنه من معرفة الأحكام. وضح الجواب؟
وحينئذٍ، ما من فقيهٍ إلا ويَعرِف الأحكام كلها، إما بالفعل وإما بالقوة القريبة.
طبعًا، هم يصفون القوة بالقريبة احترازًا عن المُقلِّد العاميِّ، لماذا؟ قالوا: لأن كل إنسانٍ عاقلٍ عنده قوةُ معرفةِ الأحكام، لكن بعضهم عنده قوةٌ قريبةٌ، وبعضهم عنده قوةٌ بعيدةٌ جدًّا؛ فالعاميُّ الذي لا يَعرِف حتى حروف الهجاء عنده قوةُ معرفةِ الأحكام؛ لأن الله خلق الناس ووضع فيهم ميزةَ أنه يعلم إذا عُلِّم؛ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ [البقرة:31].
لكن قوة المُقلِّد على معرفة الحُكم قريبةٌ أم بعيدةٌ؟ بعيدة؛ لأنه يحتاج إلى وسائطَ كثيرةٍ، فيبدأ يتعلم حروف الهجاء، ثم يحفظ المتون، ثم يأخذ مُختصَرات العلم، ثم المُطوَّلات، ويبقى سنين إلى أن يَعرِف الحكم، هذه قوة ماذا؟ هذه البعيدة معناها: يحتاج إلى وسائطَ كثيرةٍ. أما القوة القريبة فعنده الآلة، يعني: خلاص هو صار مُجتهدًا، درس العلوم، وعَرَفَ القواعد، فبأدنى نظرٍ في الدليل قد يَعرِف الحُكم.
قال: "وإما جميعها، وينعكس؛ إذ المُراد: تهيؤه للعلم بالجميع"، يعني: التهيؤ القريب، الاستعداد القريب، يعني: المُكنة العلمية، كما يقولون بلُغة العصر.
القارئ: قال رحمه الله:
تعريف العلم
الشيخ: يقول المُؤلِّف رحمه الله: "والعِلم.."، شَرَعَ في تعريف مُصطلَحٍ من المُصطلَحات التي هي كثيرة الدوران في هذا العلم، يعني: يذكرها الأصوليون كثيرًا؛ فاحتيج إلى أن يَعرِف الطالب هذا المُصطلَح الذي يَكثُر ذِكره في كتب الأصول، ومنه كلمة "عِلم"، وكلمة "ظن"، ونحو هذه المُصطلَحات التي سوف يأتي ذِكرها: الشك، والوهم، والاعتقاد الصحيح، والاعتقاد الفاسد.
فقال: "العِلم صفةٌ تُوجِب تمييزًا لا يحتمل النقيض"، صفةٌ يعني: هيئةٌ راسخةٌ مُكتسَبةٌ حاصلةٌ في نفس الإنسان، تُمكِّنه من التمييز بين المسائل، ومعرفة صواب الشيء وخطئه، ثبوته أو انتفائه، أو غير ذلك.
يعني: هذا العلم هو صفةٌ راسخةٌ في نفس الإنسان، تُمكِّنه من تمييز الأشياء، فيَعرِف صحيحها وسقيمها، ويَعرِف الشيء ويَعرِف ضدَّه، ويَعرِف ثبوت الأشياء أو انتفاءها، يعني: تتجلَّى له الأمور في مسائل العلم بواسطة هذه المُكنة العلمية.
قال: "وما عنه الذِّكر الحُكميُّ.."، شَرَعَ المُؤلِّف رحمه الله في بيان بقية المُصطلَحات، وإلا العلم الذي سبق ذِكره هو واحدٌ مما سوف يذكره فيما بعد، فأراد أن يستكمل القِسمة، وأن يُبيِّن أنواع الإدراكات، إدراك الأشياء، ومنها مسائل العلم لا تقع على مستوًى واحدٍ؛ بل هي مستوياتٌ مُتباينةٌ مُختلفةٌ، إلا أن العبارات هنا فيها شيءٌ من الصعوبة، وفيها شيءٌ من الإشكال، فلا بأسَ أن نشرحها كما ذكرها المُصنِّف رحمه الله، ثم نُبيِّن إن شاء الله ما هو الصواب في القسمة إن شاء الله تعالى.
فقال: "ما عنه الذِّكر الحُكميُّ.."، لعلنا نُرجئ إن شاء الله هذا: "ما عنه الذِّكر الحُكميُّ" إلى الدرس القادم، غدًا إن شاء الله في السادسة، بإذن الله تعالى.
وأسأل الله أن ينفع بكم الإسلام والمسلمين، والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأزواجه وأصحابه.
| ^1 | رواه الترمذي: 1413، وابن ماجه: 2659، وأحمد في "المُسند": 6690، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7752 |
|---|