تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. عبدالرحمن بن محمد القرني
فضيلة الشيخ أ.د. عبدالرحمن بن محمد القرني

من قوله: "فالواجب: ما ذُمَّ شرعًا تاركه مطلقًا.." (3)

الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد الله تعالى وأستعينه وأعتصم به وأستهديه، وأصلي وأسلم على عبده ورسوله محمدٍ وعلى آله وصحبه.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يا رب العالمين.

الأحكام الشرعية

وقفنا في كتاب "بُلْغَة الوُصول" إلى قول المؤلف رحمه الله: "فالواجب ما ذُمَّ شرعًا تاركه مطلقًا"، في صفحة (61).

الحكم الأول: الواجب

الطالب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

قال المصنف رحمه الله:

فالواجب: ما ذُمَّ شرعًا تاركه مطلقًا، ويرادِف الفرض على الأصح، وينقسم إلى: معيَّنٍ؛ كإعتاق عبدٍ معيَّنٍ، ومطلَقٍ؛ كعبدٍ، ومبهَمٍ؛ كإحدى خصال الكفَّارة.
وقال بعض المعتزلة: الجميع واجبٌ وهو لفظيٌّ، وبعضهم ما يَفعل، وبعضهم واحدٌ معيَّنٌ، ويقوم غيره مقامه، وينقسم إلى فرض عينٍ، وفرض كفايةٍ -وهو ما يَسقط بفعل بعضِ مَن وجب عليه- بخلاف فرض العين.
ووقت الواجب: إما بقدر فعله -وهو المضيَّق؛ كصوم رمضان- أو أقل منه، والتكليفُ به خارجٌ على تكليف المُحَال، أو أكثر منه، وهو الموسَّع؛ كأوقات الصلاة، له فعله في أي أجزاء الوقت شاء، ولا يجوز تأخيره إلى آخره إلا بشرط العزم على فعله به، ولم يشرطه أبو الحسين، وأنكر أكثرُ الحنفية الموسَّعَ".

الشيخ: يقول المؤلف رحمه الله: فالواجب بفاء التفريع؛ لأن الكلام من قبل كان مجملًا، ذكر أن الأحكام خمسة، والآن شرع في تفصيلها فأتى بالفاء، قال: "فالواجب".

الواجب اصطلاحًا

 اصطلاحًا: "ما ذُمَّ شرعًا تاركُه مطلقًا".

هذا تعرف "الواجب" في اصطلاح العلماء، في اصطلاح الفقهاء والأصوليين: أنه ما ذَمَّ الشرعُ تاركَه مطلقًا، وأتى بكلمة "مطلقًا" في آخر التعريف؛ للاحتراز عن ترك الواجب الموسَّع في أول الوقت، وترك الواجب الكِفائي إذا غَيْرُه فَعَل، فإن الواجب الموسع الذي وقته يسع العبادة وزيادةً؛ كوقت صلاة الظهر مثلًا إذا أذَّن عليه المؤذن بصلاة الظهر، فهو مأمورٌ بصلاة الظهر، فما صلى في أول الوقت، فهل يُذم؟

يعني: لو قلنا في تعريف الواجب: ما ذُم شرعًا تاركُه، ووقفنا هنا؛ ربما يَرِد إيرادٌ: وهو أن تارك الواجب الموسع في أول الوقت لا يذم، مع أنه ترك واجبًا، فَأُتِيَ بكلمة "مطلقًا"، وكذلك الواجب الكِفائي؛ كالصلاة على الميت، إذا قام الناس يصلون وهو لم يُصَلِّ، زَيدٌ من الناس مثلًا لم يصل، فهل يُذم؟ لا يذم، يعني الفعل هذا ليس واجبًا؟ هو واجبٌ، لكن هذا فرض كفايةٍ؛ ولهذا أُتِي بكلمة "مطلقًا"؛ ليتناول جميع أنواع الواجب العيني والكفائي، والموسع والمضيق، والمخير.. إلى آخر أنواع الواجبات التي سوف تأتي معنا إن شاء الله تعالى.

هل الواجب يرادف الفرض؟

قال: "ويرادف الفرض على الأصح".

  1. "ويرادف" أي: الواجب، لفظة "الواجب" يرادفها لفظٌ آخر في الاصطلاح وهو كلمة "فرض"، فسِيَّان بين أن تقول: الصلاة واجبةٌ، وأن تقول: الصلاة فرضٌ، صوم رمضان واجبٌ، أو تقول: صوم رمضان فرضٌ، سواءٌ، كلاهما صحيحٌ في الاستعمال، هذا عند جمهور العلماء.
  2. القول الثاني: أن الفرض آكد من الواجب؛ فهما متباينان، وهو أيضًا قولٌ في المذهب الحنبلي، إلا أنه قولٌ مرجوحٌ، يعني روايةٌ عن أحمد، إلا أنه قولٌ أو روايةٌ مرجوحةٌ عن الإمام.

ثم اختلف العلماء في تفسير "الآكدية" حين قلنا: الفرض آكد من الواجب، يعني: أكثر تأكيدًا في الشرع.

فما معنى هذه "الآكدية"؟

  • قال بعضهم: يعني أن "الفرض" لا يُتسامح في عمده وسهوه؛ مثل أركان الصلاة؛ كالركوع والسجود.
    وأما "الواجب" فقيل: هو الذي يُتسامح في تركه سهوًا لا عمدًا؛ كواجبات الصلاة؛ كالتشهد الأول، أو تكبيرات الانتقال (تكبيرات الركوع والسجود).
  • وبعضهم يقول: إن "الآكدية" من جهة طريق ثبوت الحكم؛ فالفرض ثبت وجوبه بدليلٍ قطعيٍّ؛ كالقراءة في الصلاة، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20].
    وأما الواجب: فهو ما ثبت وجوبه بدليلٍ ظنيٍّ؛ كخبر الآحاد، أو كالقياس؛ مثل قراءة الفاتحة في الصلاة.

وهذا الأخير هو تفسير الحنفية وتفريقهم بين "الفرض" و"الواجب".

وبقي التنبيه على شيءٍ: وهو أن الواجب قد يُطلَق في لسان الشرع وفي كلام السلف ويريدون به: المندوب، المستحب، أو السنة المؤكَّدة، ومنه قول النبي : الغُسل يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلمٍ، وأن يَستنَّ وأن يمس طيبًا إن وَجَد [1].

فهنا في الحديث أَوَجَب ثلاثة أشياء، ما هي؟

الغُسل والسواك والطيب، وهل هي واجبةٌ؟ نعم، كلها سنةٌ، أما الطيب والسواك فواضحٌ، وأما الغسل فعلى الصحيح وهو قول جماهير العلماء، وكان كثيرٌ من السلف؛ كالشافعي وغيره يقول: الواجب واجبان: حتمٌ، وما ليس على الحتم، فيقصدون "ما ليس على الحتم" هو ما نسميه اليوم: "السنة"، أو "السنة المؤكَّدة".

وقال أبو عَوَانة الإسفراييني رحمه الله في كتابه "المسند المستخرج على صحيح مسلمٍ"، قال: "باب إيجاب غَسل اليدين عند القيام من النوم، وأنه ليس على الحَتْم"، يقول: يجب عليك إذا استيقظت من نوم الليل أن تغسل كفيك، وليس على الحتم، يعني: ليس متحتَّمًا أن تفعله؛ فلك أن تتركه، فسمى السنة واجبًا.

أقسام الواجب

ثم قال: "وينقسم إلى معينٍ"... إلى آخره.

هذا شروعٌ في تقسيمات الواجب، والواجب له أقسامٌ باعتباراتٍ متعددةٍ؛ وهي أربعة اعتباراتٍ، أربع حيثياتٍ لتقسيم الواجب، ذكر المصنف رحمه الله من هذه الأربع ثلاثًا:

أولًا: أقسام الواجب باعتبار الفعل

فبدأ بالأول: وهو تقسيم الواجب باعتبار الفعل، يعني: باعتبار الفعل المأمور به، نفس الفعل المأمور به المطلوب، فقال: "وينقسم إلى معيَّنٍ ومطلَقٍ ومبهَمٍ"، ثلاثة أقسامٍ، أو ثلاثة أنواعٍ:

  1. "وينقسم إلى معينٍ؛ كإعتاق عبدٍ معينٍ"، يعني: عنده مجموعةٌ من العبيد، فقال: لله عليَّ أن أُعتِق زيدًا -يعني من عبيده- إن حصل كذا وكذا، يقول: والله مثلًا إن حضر زيدٌ، لله عليَّ إن حضر، أو إن حضر عمرٌو من السفر أن أعتق العبد الذي اسمه زيدٌ، فحضر من السفر عمرٌو؛ فإنه يجب عليه أن يُوفِي بنذره.
    طيب عنده عبيدٌ، عنده عشرةٌ من العبيد، يُعتق سعدًا أو سالمًا أو زيدًا بعينه، هذا معنى الواجب المعيَّن، وكثيرٌ من الواجبات واجباتٌ معينَّةٌ؛ فالصلوات الخمس واجبٌ معينٌ، غيرها لا يقوم مقامها، وصوم رمضان واجبٌ معينٌ، والحج والزكاة.. إلى آخره، كثيرٌ من الواجبات هي واجباتٌ معينَّةٌ، فلا يقوم غيرها مقامها، وهذا هو معنى "الواجب المعين"، يعني يجب بعينه، بنفسه، وغيره لا يقوم مقامه، هذا معنى "الواجب المعين".
  2. قال: "ومطلَقٍ؛ كعبدٍ"، يعني: كعبدٍ من العبيد، عنده مجموعةٌ من العبيد فقال: إن حضر عمرٌو؛ فلله عليَّ أن أُعتق عبدًا، وعنده -ما شاء الله!- مثلًا مئةٌ من العبيد، فإنه يُعتِق أي واحدٍ منهم.
  3. قال: "ومبهمٍ"، هذا الثالث، "ومبهَمٍ"، ومعنى "مبهمٍ"، يعني: غير معينٍ، والفرق بينه وبين الذي قبله: أن الثالث هذا يكون مبهمًا -يعني: غير معينٍ- في خصالٍ محصورةٍ، في أفرادٍ محصورةٍ، مثل: كفارة اليمين فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89].
    فالخصال محصورةٌ، ثلاثةٌ، والواجب واحدٌ منها وليس جميعها، فهذا هو الواجب الذي سماه هنا مبهمًا، وله اسمٌ آخر مشهورٌ، من يعرف؟ ها يا شباب، ها يا إخوان، تفضل.

طالب:...

الشيخ: نعم، أحسنت! الواجب المخيَّر، يسمى: "الواجب المخيَّر".

إذنْ الثالث: الواجب المبهم في أقسامٍ محصورةٍ، الذي نسميه أيضًا "الواجب المخير" وهو يكون في خصالٍ معدودةٍ معروفةٍ، أما الذي قبله فيكون في أفرادٍ غير محصورةٍ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67]، فالواجب عليهم أول الأمر: كان الواجب عليهم أن يذبحوا أي بقرةً، طيب، الخصال هل هي محصورةٌ؟ لا، غير محصورةٍ، البقر كثيرٌ جدًّا.

قال: "وقال بعض المعتزلة: الجميع واجبٌ".

يقصد بـ"الجميع": يعني جميع الخصال، في نحو خصال كفارة اليمين؛ إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، أو تحرر رقبةٍ، فالمعتزلة يقولون: جميع الخصال واجبٌ، ويتأدى بواحدةٍ، وكما قلنا: الكتاب مبنيٌّ على الاختصار، فمذهب المعتزلة ما هو؟ جميع الخصال واجبٌ، ويتأدى الواجب بفعل خصلةٍ واحدةٍ، أما غيرهم، وهم الجمهور، فيقولون: الجميع ليس واجبًا، وإنما الواجب خصلةٌ واحدةٌ غير معينةٍ.

طيب، هل لهذا الخلاف ثمرة؟

قال المؤلف: "وهو لفظيٌّ"، يعني: وهو خلافٌ لفظيٌّ في مجرد العبارة فقط، أما الأثر الفقهي فلا أثر له، هكذا قيل.

"وبعضهم: ما يُفعل"، يعني المذهب الثالث في هذه المسألة، وهي مسألة الواجب المخير.

القول الأول -كما قلنا- قول الجمهور: أن الواجب خصلةٌ واحدةٌ غير معينةٍ.

والثاني: مذهب المعتزلة: أن الجميع واجبٌ، ويكفيه أن يفعل واحدةً.

والمذهب الثالث: الواجب ما يفعله المكلف، يعني: أن الواجب ما يختاره المكلف.

وبعضهم وهو القول الرابع: واحدٌ معينٌ، ويقوم غيره مقامه، يعني المذهب الرابع: أن الواجب واحدٌ معينٌ عند الله، فإن وافقه المكلف واختاره؛ وافق ما عند الله، وإن اختار غير هذا المعلوم عند الله؛ فإنه يكفيه ويقوم مقامه، وكل هذه الأقوال -كما قلنا- هي مذاهب بعيدةٌ ومتكلفةٌ، والخلاف في هذه المسألة لفظيٌّ على المشهور، وإلا فبعض العلماء قال: إنه خلافٌ عمليٌّ.

ثانيًا: أقسام الواجب باعتبار الفاعل

ثم قال: "وينقسم إلى"...

هذا شروعٌ في تقسيم الواجب باعتبارٍ ثانٍ غير الأول، وهو اعتبار الفاعل -يعني الشخص المأمور- فينقسم الواجب من حيث فاعله إلى قسمين: فرض عينٍ، وفرض كفايةٍ.

  • وفرض العين: مثل الصلاة والصوم والحج وغير ذلك، فإن هذه الواجبات واجبةٌ على أعيان المكلفين، يعني تجب الصلاة على عين المسلم، عليه نفسه، غيره لا يقوم مقامه، فلا يصلي أحدٌ عن أحدٍ، ولا يصوم أحدٌ عن أحدٍ، ما دامت الشروط موجودً متوفرةً.
  • قال: "وفرض كفايةٍ"، ثم عرَّفه بقوله: "وهو ما يَسقط بفعلِ بعضِ مَن وَجَب عليه"، هذا تعريفه اصطلاحًا.
    فرض الكفاية: "ما يَسقط" يعني: فعلٌ يسقط "بفعل بعض من وجب عليه" بعض المكلفين، إذا قام بعض المكلفين بهذا العمل الواجب؛ سقطت المؤاخذة الشرعية عن بقية المكلفين.

وبعض الأصوليين يريد أن يحترز في العبارة جدًّا -وكما لا يخفاكم أن الأصوليين لهم عنايةٌ كبيرةٌ بتدقيق الألفاظ- فيقول: "هو ما إذا فَعَله بعضٌ؛ سقط الإثم عن الباقين"، فيُجَهِّل كلمة "بعض"، أو يُعرِّفها بكلمة: "ما فعله البعض"، ما يفعله "البعض" فيسقط الإثم عن الباقين، لماذا؟ قال: لأنه أحيانًا يسقط الواجب الكِفائي بفعلِ غيرِ المكلفين، فالشهيد لا يجوز تغسيله، فإنْ قُتل جنبًا؛ يجب تغسيله، وتغسيله فرض كفايةٍ، وحنظلة بن أبي عامرٍ قُتل يوم أُحُدٍ وهو جنبٌ، فوجب تغسيله، فهل غسَّله الصحابة؟ ما غسلوه، والواجب الكفائي إذا فعله بعض المكلفين؛ سقط الإثم عن الباقين، فمن هم الذين غسلوه؟ الملائكة، غسَّلوه بين السماء والأرض [2]، ومع ذلك سقط الإثم عن المكلفين، والملائكة ليسوا مكلفين بتغسيل الموتى وغير ذلك، إنما أَمَرَهم الله في هذه الصورة؛ كرامةً ومنقبةً لهذا الصحابي الجليل .

وعلى كلٍّ فالأمر يسيرٌ، المهم أنه تُصُوِّرَ معنى "الواجب الكفائي". 

قال: "بخلاف فرض العين"، ففرض الكفاية مخالفٌ لفرض العين؛ فإن فرض العين إذا فعله بعض المكلفين؛ لا يَسقط الإثم عن البقية، فاختلفا؛ فلهذا صار كلٌّ منهما قسمًا من أقسام الواجب بهذا الاعتبار.

ثالثًا: أقسام الواجب باعتبار وقته

ثم قال: "ووقت الواجب إما بقدر فعله"... إلى آخره.

هذا شروعٌ في بيان أقسام الواجب بالنظر إلى وقته؛ فإن لكل واجبٍ وقتًا محددًا من الشرع، أو غير محددٍ، فهناك وقتٌ للواجب.

فقال: "إما بقدر فعله"، هذا شروعٌ في بيان أقسام الواجب باعتبار وقته المحدد؛ لأن بعض الواجبات لها وقتٌ مطلقٌ؛ مثل: قضاء الكفارات والنذور، وكفارة اليمين مثلًا أو غيرها، أو قضاء ما وجب عليه من رمضان، قيل: ليس لها وقتٌ محددٌ، والله أعلم.

الواجب المضيَّق

قال: "إما بقدرِ فِعله، وهو المضيَّق؛ كصوم رمضان".

هذا القسم الأول الواجب المضيَّق، وهو الذي لا يتسع لغير الفعل، يعني: لا يتسع لفعلٍ آخر من جنس هذا الواجب، فصوم رمضان له وقتٌ محددٌ لا يتسع لغير رمضان، فمن وجب عليه صيامٌ آخر؛ كصيام المُظاهِر مثلًا، فقال: أصوم رمضان، وفي نفس الوقت يكون كفارةً فأجمع صومين في نفس الوقت، يصلح هذا؟ لا يصلح؛ لأن رمضان واجبٌ مضيَّقٌ لا يتسع لفعلٍ آخر من جنس هذا الفعل، يعني: صوم وصوم، لكنه يتسع لغيره، لفعلٍ آخر من غير جنسه؛ كالصلاة مع الصوم، فهذا ممكنٌ، أو الزكاة مع الصوم، هذا معنى الواجب المضيق، وهذا سماه الحنفية "المِعيار"، و"الواجب المضيق" تسمية المالكية والشافعية والحنابلة، أما الحنفية فيسمونه "المِعيار".

قال: "أو أقل منه"، يعني: الوقت يكون أقل من الفعل؛ بحيث إن الفعل لو أراد أن يُفعل؛ لاستغرق الوقت وزيادة، وهذا مجرد تصوُّرٍ في الذهن فقط.

مسألة تكليف المُحَال

قال: "والتكليف به خارجٌ على تكليف المُحَالِ"، يعني: التكليف بهذا النوع من الواجبات مُخرَّجٌ على مسألة التكليف المُحَالِ، فمن جوَّزه -جوز التكليف المحال- جوَّز هذا النوع من الواجب، ومن لم يجوِّزه لا يجوزه هنا، وكما قلت لكم آنفًا: هذا مجرد تصوُّرٍ، وأما شريعة الله فليس فيها هذا، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، ومِن وُسْعِها: أن يكون الوقت يسع الفعل، وليس أقل منه، والذين قالوا من الأصوليين بجواز تكليف المحال، إنما جوَّزوه عقلًا لا شرعًا، أما شرعًا فلا يوجد أحدٌ من العلماء يقول بجواز تكليف المحال.

الواجب الموسَّع

قال: "أو أكثر منه"، يعني الوقت زائدٌ على الفعل، فالوقت يسع الفعل وزيادةً؛ كصلاة الظهر مثلًا، يسع أربع ركعاتٍ وزيادةً، فهذا هو الواجب الموسَّع، ويسميه الحنفية "الظرف"، تسمية "الواجب الموسَّع" هذه تسمية المالكية والشافعية والحنابلة، أما الحنفية يسمونه "ظرفًا".

حكم الواجب الموسَّع

قال: "كأوقات الصلوات، له فعله في أي أجزاء الوقت شاء، ولا يجوز تأخيره إلى آخره إلا بشرط العزم".

يعني: هذا هو حكم الواجب الموسع، ما هو؟ أنه يجوز أن يَفعل الفعل المأمور به في أول الوقت، أو في وسط الوقت، أو في آخر الوقت، إنما الذي يجب عليه: ألا يخرج الوقت وهو لم يأت بالفعل، لا بد أن يأتي بالفعل في أثناء الوقت، إما في أوله أو وسطه أو آخره، كل ذلك جائزٌ، لكن إذا أخَّره عن أول وقته، فإنه يجب عليه أن يعزم على الفعل، والعزيمة معناها: النية المؤكَّدة، يعني: تصميم القلب على الفعل، يعني سوف أفعل إن شاء الله، لا يعزم على الترك، لا يجوز هذا.

قال: "ولم يشترطه أبو الحسين".

أبو الحسين البصري المعتزلي المتوفى سنة (436 هـ)، يعني: قال: العزم ليس واجبًا، وشذ بهذا هو ومن معه عن قول جماهير العلماء، فإن عامة العلماء قالوا بوجوب العزم على الفعل.

ثم قال: "وأنكر أكثر الحنفية الموسَّع"، يعني: "أكثر الحنفية" هكذا قال المصنف، وإلا هو أحد القولين عند الحنفية، قالوا: الوجوب يختص بآخر الوقت، وليس بأول الوقت وثانيه؛ ومن ثَمَّ لا يوجد واجبٌ موسَّعٌ، طيب لمَ؟ قالوا: لأنه إذا أذَّن عليه الظهر، فعند دخول الوقت؛ له أن يصلي، وله أن يترك الصلاة.

طيب، ما هو الشيء الذي يجوز فعله ويجوز تركه في العبادات؟ المستحب، يقول الحنفية: لما جاء أول الوقت؛ للمسلم أن يفعل، وله أن يترك، والفعل خيرٌ، الفعل أفضل؛ لأن الصلاة على وقتها أفضل، كما جاء في الأخبار [3]، قالوا: هذا هو حد المندوب، هذا هو تعريف المندوب، إذا جاء ثاني الوقت كذلك؛ له أن يفعل، وله أن يترك، مع أن الفعل أفضل: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [البقرة:148]، ما يدري ما يعرض له بعد ذلك من عارضٍ يمنعه من الفعل، وهذا هو حد المندوب؛ لأن المندوب: ما يجوز تركه ويجوز فعله، وفعله خيرٌ من تركه. 

فإذا جاء آخر الوقت فهل نقول: له أن يفعل وله أن يترك؟ لا، هنا يتغير الحكم، يجب عليه الفعل فقط، وليس له أن يترك، طيب، ما هو الشيء الذي يجب عليك أن تفعله ولا يجوز لك أن تتركه؟ هو الواجب؛ إذنْ الوجوب يختص بآخر الوقت، هكذا قال الحنفية.

والصحيح: هو مذهب الجمهور؛ لأن الشارع مدَّ في الوقت للعبادة؛ للتيسير على الناس؛ لأن الناس يَعِرض لهم أشغالٌ؛ فقد يحتاجون إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها؛ كَشِدَّة الحر مثلًا، أو غير ذلك من المصالح.

بعضٌ من ثمرات الخلاف بين الجمهور والحنفية

من ثمرات الخلاف بين الجمهور والحنفية في هذه المسألة الأصولية:

نذكر مسألتين أو ثلاثًا:

  • وهي ما إذا حاضت المرأة بعد دخول أول الوقت، يعني أُذِّن لصلاة الظهر وهي لا زالت طاهرةً، فقالت: أصلي -إن شاء الله- بعد ساعةٍ، ثم حاضت، بعد الطهر من الحيض هل يجب عليها قضاء هذه الصلاة؟
    قال الحنفية: لا تقضي؛ لأن الوجوب في الواجب الموسَّع إنما يَختص بآخر الوقت، وهو حين جاء عليها آخر الوقت؛ كانت حائضًا، والحائض لا تجب عليها الصلاة.
    وقال الجمهور: يجب عليها أن تقضي تلك الصلاة؛ لأن كل وقت الواجب الموسع هو وقتٌ لأداء الفعل، فحين دخل عليها أول الوقت؛ وجب عليها، وجبت عليها الصلاة، واستقرت في ذمتها، ومن ثم تقضيها.
  • ومن المسائل الفقهية التي انْبَنَتْ على الخلاف: المسافر إذا دخل عليه وقت الصلاة وما صلى، قال: أصلي في الطريق، فسافر بعد أن دخل أول وقت الصلاة، طيب، في الطريق يصليها أربعًا أو اثنتين؟
    قال الحنفية: يصليها اثنتين؛ لأنه حين جاء آخر وقت الواجب الموسَّع؛ كان هو في حالة سفرٍ، والمسافر يَترخص بقصر الصلاة.
    وقال الجمهور: يجب أن يصليها أربعًا؛ لأنها حين وجبت عليه من أول الوقت؛ كان في حالة إقامةٍ؛ لأنها وجبت عليه -أي دخل أول الوقت- وهو في حالة إقامةٍ فاستقرت في ذمته، فيصليها صلاة مقيمٍ، هكذا قيل.

حكم من مات في أثناء الوقت الموسَّع قبل فعل الواجب

الطالب:

وإذا مات في أثناء وقت الموسَّع قبل فِعله وضِيق وقته؛ لم يأثم؛ لأنه فَعَل مباحًا، وهو التأخير الجائز، وما لا يتم الواجب إلا به إن كان شرطًا شرعيًّا؛ وجب، وإلا فلا، خلافًا للأكثر؛ إذ لو وجب؛ لوجبت نيته، ولزم تعقُّل الموجِب له، وعصى تاركُه بتقديرِ إمكانِ انفكاكه.
وإذا اشتبهت أخته بأجنبيةٍ، أو ميتةٌ بمذكَّاةٍ؛ حرمتا أصالةً واشتباهًا، وقيل: تباح الأجنبية والمذكاة ويجب الكف عنهما، وهو تناقضٌ، والزيادة على الواجب -إن لم تتميز- واجبةٌ عند القاضي، نَدْبٌ عند أبي الخَطَّاب، وهو الصواب؛ لجواز تركه.

الشيخ: قال: "وإذا مات" -أي المكلف- "في أثناء وقت الموسَّع قبل فعله وضيق وقته؛ لم يأثم"، أُذِّن عليه لصلاة العصر مثلًا، فلم يفعل الصلاة في أول الوقت، وهو عازمٌ على فعلها، ثم توفاه الله تعالى في أثناء الوقت، ولا زال الوقت واسعًا لم يتضيَّق عليه، فهل يموت عاصيًا أو يموت طائعًا؟ فما ذكره المصنف هنا، وهو مذهب أكثر العلماء: أنه لا يموت عاصيًا؛ لأنه حين أخَّر الصلاة عن أول وقتها؛ فَعَل شيئًا أباحه الله له، فالشرع أباح له أن يؤخر الصلاة عن أول وقتها، فهل يؤاخذ من فعل المباح؟ لا يؤاخذ؛ إذنْ هو فَعَل ما أبيح له فعله؛ ومن ثم لا يؤاخذ، لا يموت عاصيًا.

قال: "لأنه فعل مباحًا، وهو التأخير الجائز"، كما قلنا: بشرط العزم، أما لو ضاق الوقت، يعني: كان يؤخر الصلاة عن وقتها إلى أنْ لم يَبق من وقتها إلا ما لا يسع فعلها؛ فإنه يموت عاصيًا؛ لأنه حينئذٍ ما فعل شيئًا أباحه الله، الشرع ما أباح له أن يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يضيق الوقت فلا يتسع بقية الوقت لفعل الصلاة ونحوها.

مسألة: ما لا يتم الواجب إلا به

ثم قال: "وما لا يتم الواجب إلا به"، شروعٌ في مسألةٍ جديدةٍ، المسألة المشهورة: ما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجبٌ، فقال المصنف رحمه الله: إن كان شرطًا شرعيًّا؛ وجب، يعني: هذا الشيء الذي لا يتم الواجب إلا به ننظر فيه؛ إما أنه شرطٌ شرعيٌّ للعبادة، وإما أنه ليس شرطًا، ما هو هذا الذي قسَّمناه؟ "ما لا يتم الواجب إلا به"، يعني: ما لا يحصل الواجب ويتحقق إلا بوجوده يسمونها "مقدمة الواجب"، ويسمونها أيضًا "وسيلة الواجب".

مثال المسألة عمومًا قبل التقسيم: الحج واجبٌ أصليٌّ، وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، طيب، الذي في المدينة مثلًا أو في الشام أو في مصر، أو غيرها من البلاد، هل يجب عليه أن يسافر إلى مكة؟ نعم، يجب، هو مستطيعٌ، توفرت فيه الشروط، فهل يجب عليه السفر؟ فتقول: نعم، كيف أوجبت السفر، والواجب عليه هو الحج؟ فتقول: لأن الحج -هذا الواجب- لا يتم إلا بالسفر إلى مكة، فيجب السفر، الذي هو في الأصل مباحٌ، لكنه هنا صار واجبًا؛ لأنه وسيلةٌ لتحقيق الواجب وتحصيله والإتيان به، هذا معنى المسألة.

نرجع الآن إلى الأقسام:

قال: "هذا الفعل الذي لا يتحقق الواجب إلا به، إما أنه شرطٌ شرعيٌّ، أو ليس شرطًا، فإن كان شرطًا شرعيًّا؛ وجب"؛ كالطهارة للصلاة، "وإلا فلا"، هكذا ذكر المصنف رحمه الله تبعًا لأصله، وهو نجم الدين الطُّوفيُّ في "مختصر الروضة" [4]، هذا الفعل الذي لا يتحقق الواجب إلا به إن كان شرطًا شرعيًّا؛ وجب، فالطهارة تجب لأجل استباحة الصلاة، وإن لم يكن شرطًا شرعيًّا؛ لا يجب.

كيف وإن لم يكن شرطًا شرعيًّا؟ قالوا: مثل أن يَغسِل شيئًا من رأسه؛ ليتحقق من غَسل كامل الوجه في الوضوء، الوضوء يجب فيه غسل الوجه، وهو واجبٌ أصليٌّ، إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6]، هذا واجبٌ أصليٌّ، طيب، الوجه له حدودٌ معروفةٌ شرعًا، فلا بد أن يستوعب غسلك لجميع أجزاء الوجه، طيب، هل يمكن أن يتحقق هذا الواجب من غير أن تغسل شيئًا من أطراف الرأس؟ يمكن هذا؟ لا يمكن عادةً، لا بد أن تغسل شيئًا مما يلي الوجه من أطراف الرأس؛ حتى تتحقق أنك غسلت كل الوجه، هذا معنى قوله: "ما ليس شرطًا شرعيًّا"؛ لأن هذا ليس شرطًا شرعيًّا.

الصوم يجب من أول لحظةٍ يَطلُع فيها الفجر، من أول لحظة من طلوع الفجر الصادق يجب الصوم، هذا واجبٌ أصليٌّ، لكن له مقدمةٌ تتوقف عليه، لن يتحقق هذا الصوم من أول أجزاء اليوم إلا بأن تُمسك عن الطعام والشراب وكل المفطِّرات آخر جزءٍ من الليل الذي يليه طلوع الفجر، لماذا تمسك آخر جزءٍ من الليل؟ تقول: حتى أتحقق أنني صمت من أول أجزاء اليوم، هذا معنى: ما ليس شرطًا شرعيًّا، وقد أوجبه جمهور العلماء، والمؤلف هنا قال: ليس واجبًا؛ ولهذا قال: "وإلا فلا، خلافًا للأكثر"، أَقَرَّ بأن المخالف هم أكثر العلماء.

قال: "إذ لو وجب"، شروعٌ في دليله على أن ما ليس شرطًا شرعيًّا لا يجب، قال: "إذ لو وجب؛ لوجبت نيته"، لو كان هذا الشيء الذي يتوقف عليه تحقق الواجب واجبًا؛ لوجبت له النية، ولزم تعقُّل الموجِب له، وعَصَى تاركُه بتقدير إمكان انفكاكه"، ثلاثة أدلةٍ:

  1. يقول: لو كان هذا الذي يَتوقف عليه الواجب واجبًا؛ لاشتُرطت له النية، وهل تُشترط النية لغسل جزءٍ من الرأس حتى تتحقق من غسل الواجب؟ قال: لا تجب له النية.
  2. قال: ولو كان واجبًا؛ للزم تعقُّل الموجِب له، يعني: يجب أن يعرف المكلف مَن الذي أوجبه، ولو سئل المكلف: ما الذي أوجبه؟ لقال: لا أدري، ما من دليلٍ من كتابٍ أو سنةٍ.
  3. "وعصى تاركه بتقدير إمكان انفكاكه"، يعني: ولو كان هذا الذي يتوقف عليه الواجب واجبًا؛ لعصى تاركُه، يعني: الذي يترك آخر جزءٍ من الليل ولا يصومه يكون عاصيًا، والذي لا يغسل جزءًا من رأسه يكون عاصيًا، لكن ماذا قال؟ "بتقدير إمكان انفكاكه"، يعني: لو قُدِّر أنه يمكن أن ينفك عنه فيصوم مثلًا اليوم من أوله من غير أن يصوم شيئًا من الليل، وأن يغسل كل أجزاء وجهه من غير أن يغسل شيئًا من الرأس، لو أمكن هذا فتركه -ترك هذه الوسيلة- لَمَا عوقب عليها في الآخرة، والشيء الذي لا يعاقَب عليه في الآخرة؛ دليلٌ على أنه ليس واجبًا، هكذا قال المصنف، مع أنه -كما ترون خصوصًا في الأخير- مجرد افتراضٍ لِمَا قلناه من أنه لا يمكن -في العادة- أن ينفكَّ عن الواجب الأصلي، لا يمكن هذا.

قال: "وإذا اشتبهت أخته بأجنبيةٍ أو ميتةٌ بمُذَكَّاةٍ؛ حرمتا أصالةً واشتباهًا"، إذا الْتَبَسَت، طبعًا هذه فروعٌ فقهيةٌ، لكنها كالمخرَّجة على مسألة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجبٌ"، وترك الحرام واجبٌ، فما يتوقف عليه ترك الحرام؛ يكون واجبًا.

فقال: "إذا اشتبهت أخته بأجنبيةٍ"، وهو يريد النكاح، يعني: غاب عن قريته الصغيرة، ورجع إليها وما يعرف أهله، فقال له الثقات: أختك بين نساء القرية، وكن نساء محصورات العدد، لِنَقُلْ: عشرةٌ من النسوة وأخته بينهن، من هي؟ لا يدري، ما الذي يجب عليه حينئذٍ؟ تسعٌ أجنبياتٌ، وواحدةٌ أخته، فما الذي يجب عليه؟ يجب عليه أن يترك الجميع، طيب، هل التحريم في كلٍّ منهن، هل هو بسببٍ واحدٍ، أو السبب مختلفٌ؟ السبب مختلفٌ، التسع بالاشتباه، والأخت أصالةً، هذا معنى قوله: "أصالةً واشتباهًا"، يعني: حرمت عليه أخته أصالةً، وحرمت التسع الباقيات اشتباهًا، اشتبه المحرَّم بالمباح، وإذا اشتبه المحرم بالمباح؛ وجب تركهما معًا.

طيب، إذا اشتبهت عليه الميتة بمُذَكَّاةٍ، وجد شاتين، وقالوا له: إن إحداهما مذكاةٌ والأخرى ميتةٌ، والْتَبَسَت عليه الميتة بالمذكاة؛ فإنه يجب عليه أن يكُفَّ عن الجميع، إحداهما أصالةً، والأخرى اشتباهًا، أما الميتة أصالةً: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة:3]، وأما المذكاة فلأجل الاشتباه والالتباس بينها وبين الميتة، وقيل هذا شروعٌ في خلافٍ لفظيٍّ في المسألة.

"وقيل: تباح الأجنبية والمذكاة، ويجب الكف عنهما"، يعني: بعض المتكلمين خالف عبارة الفقهاء فما قال: "حرمتا"، كما عبر المصنف هنا: "حرمتا"، قال: لا، لا يصح أن تقول: حرمتا، قل: تباح الأجنبية والمذكاة، ويجب الكف عنهما اشتباهًا.

فماذا قال المصنف في التعليق على هذا المثال؟ قال: "وهو تناقضٌ"، لم؟ لأنه جمع في العين الواحدة -يعني في الشيء الواحد- بين الإباحة -قال: تباح- وبين وجوب الكف الذي هو التحريم والمنع، وكيف تقول: تباح، ولا يجوز لك أن تأكلها، تناقضٌ أو لا؟ هذا تناقضٌ؛ لأن معنى الإباحة: جواز الإقدام على الفعل، وهو هنا غير موجودٍ؛ فهذا تناقضٌ.

إلى هنا انتهت مسألة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وشرع في مسألةٍ جديدةٍ.

مسألة: الزيادة على الواجب إن لم تتميز

فقال: "والزيادة على الواجب -إن لم تتميز- واجبةٌ عند القاضي، نَدْبٌ عند أبي الخَطَّاب"، هذه المسألة يسميها الأصوليون: "حكم القدر الزائد"، حكم الزيادة على القدر المجزئ من الواجب.

الواجب إذا زاد عليه المكلف زيادةً مشروعةً؛ فما حكم هذه الزيادة؟ فنقول: فيه تفصيلٌ:

  • إن كانت الزيادة منفصلةً عن الواجب الأصلي المزيد عليه؛ فإن الزيادة تكون نفلًا، ندبًا، مستحبةً.
  • وأما إذا كانت الزيادة متصلةً بالواجب المزيد عليه؛ ففيه الخلاف المعروف الآن الذي سوف يذكره.

مثال الأول المنفصل: شخصٌ عنده خَمسٌ من الإبل، كم يجب عليه؟ شاةٌ، طيب، أخرج شاتين، قال: هاتان شاتان للفقراء، هل كلا الشاتين واجبٌ؟ واحدةٌ واجبةٌ، والثانية نفلٌ، فتلاحظون أن الزيادة هنا انفصلت عن المزيد عليه.

أما القسم الثاني الذي وقع فيه النزاع: فهو الزيادة التي اتصلت بالمزيد عليه، فالركوع والسجود في الصلاة ركنان، فرضان، واجبان، يجب على المسلم أن يركع ويسجد في الصلاة، فإذا ركع طويلًا، يعني: ركع وجلس طويلًا، ركوعًا طويلًا وسجودًا طويلًا؛ فِعله هذا، جلس وهو راكعٌ مثلًا خمس دقائق، فِعله هذا كله واجبٌ، أو بعضه واجبٌ وبعضه نفلٌ؟ بعضه واجبٌ، والزيادة نفلٌ على أحد القولين، وهو قول أبي الخطاب، انظر ماذا قال؟ قال: "والزيادة على الواجب -إن لم تتميز- واجبةٌ عند القاضي، نَدْبٌ عند أبي الخطاب"، يعني خلافٌ بين العلماء؛ فذهب القاضي أبو يعلى -شيخ المذهب المتوفى سنة (458 هـ) رحمه الله- إلى أن الزيادة واجبةٌ [5]، وهذا أيضًا قول الحنفية، وذهب تلميذه أبو الخطاب الكَلْوَذَاني رحمه الله إلى أن الزيادة نفلٌ وندبٌ وإن لم تتميز [6]، وهذا قول جمهور العلماء.

قال المصنف: "وهو الصواب"، الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، يعني: وقول أبي الخطاب هو الصواب، أن الزيادة نفلٌ، لِمَ كان صوابًا؟ قال: "لجواز تركه"، يعني: هذه الزيادة لو أن المكلف تركها، ما زاد في الركوع والسجود على أقل الواجب، سبَّح ورفع مباشرةً، يعني هي بمقدار تسبيحة، الواجب بمقدار تسبيحةٍ عند أكثر العلماء، فسبَّح ورفع وما زاد شيئًا، هل يعاقب؟ لا، والمندوب هو الذي إذا فعله المسلم يُثاب، وإذا تركه لا يعاقب، وهذا هو حقيقة النَّدْب، فلو كان واجبًا؛ لعُوقِب على تركه.

ثمرات الخلاف في مسألة الزيادة على الواجب

من ثمرات الخلاف في هذه المسألة، قالوا: أولًا: النيَّة، فإذا قلت: إن الزيادة على الواجب واجبةٌ، فإنه يُشترط لها نية الفرض؛ لأن نية الفرض غير نية النفل؛ ولهذا لو صلى الظهر بنيَّة النفل؛ ما صح، أليس كذلك؟ فإذا قلنا: إن الزيادة فرضٌ، فإنه يشترط لها نية الفرض، وإذا قلنا: نفلٌ، لم يشترط لها نية الواجب.

ومن ثمرات الخلاف: الثواب، فإنه في الشريعة -كما لا يخفاكم- أن ثواب الفرائض أعظم من ثواب النوافل في الجملة، فإذا قلنا: إن الزيادة واجبةٌ؛ فإنه يُثاب عليها ثواب الواجبات، وإذا قلنا: نفلٌ؛ يُثاب عليها ثوابًا أقل، يعني ثواب النوافل.

ومنها: ما لو وجبت عليه شاةٌ في الحج -وجب عليه ماذا؟ شاةٌ- فأخرج بَدَنَةً أو بقرةً، معلومٌ أن الواجب عليه سُبُعها، فإذا قلنا: إن هذه الزيادة فرضٌ؛ فمعناه: لا يجوز أن يأكل منها، كلُّها تكون مستحَقَّةً لفقراء الحرم، وإذا قلنا: إن الزيادة على الواجب تكون نفلًا؛ جاز له الأكل مما عدا السُّبُع.

الحكم الثاني: المندوب

الطالب: قال رحمه الله:

تعريف الندب

الندب لغةً: الدعاء إلى فعلٍ.
وشرعًا: ما أُثِيبَ فاعله ولم يُعاقَب تاركه مطلقًا، وقيل: مأمورٌ به يجوز تركه لا إلى بدلٍ، ويرادف السنة والمستحب، وهو مأمورٌٌ به، خلافًا للكَرْخي".

الشيخ: قال: "الندب"، شروعٌ في الحكم الثاني من الأحكام الشرعية التكليفية، بعد أن فرغ من الحكم الأول -وهو الواجب- شرع في الثاني -وهو الندب- فقال: هو في اللغة: "الدعاء إلى فعل"، يعني: أن تدعو غيرك إلى شيءٍ؛ كما قال الشاعر:

لا يسألون أخاهم حين يَندُبهم في النائبات على ما قال برهانا [7].

قوله: "حين يندبهم"، يعني: حين يدعوهم، إذا دعاهم إلى النائبات، إلى قتال الأعداء، لا يقولون: ما الدليل؟ أعطنا برهانًا، ماذا فعلت؟ لعلك أنت الذي أخطأت عليهم، لا يسألونه، يكونون معه دائمًا، طبعًا هذا في الجاهلية كانوا يقولونه.

قال: "وشرعًا: ما أُثِيبَ فاعلُه، ولم يُعاقَب تاركه"، فالسواك مثلًا إذا فعله؛ يُثاب، وإذا تركه؛ لا يعاقب، وصلاة الضحى إذا فعلها؛ يُثاب، وإذا تركها؛ فإنه لا يعاقب.

ثم قال: "مطلقًا"، وقوله: "مطلقًا"، يرجع إلى الشِّق الثاني في التعريف، والتعريف مكونٌ من شقين: أحدهما في الثواب، والآخر في العقاب، "ما أثيب فاعله"، قال: "ولم يعاقَب تاركه مطلقًا"، يعني: لو تركه مطلقًا -سواءٌ غيرُه فَعَلَ أو لم يَفعل- فإنه لا يعاقب، فالترك مطلقًا ليس له شرطٌ أو قيدٌ، فلا يَنظر إلى أن غيره فَعَل هذا الفعل أو لم يفعله، إنما له أن يتركه دائمًا مستمرًّا على تركه، وإن كان هذا خلاف الأولى، لكن من حيث الجواز: جائزٌ.

"وقيل": أي في تعريفه اصطلاحًا قيل تعريفٌ آخر: "مأمورٌ به يجوز تركه لا إلى بَدَلٍ"، يعني: أن هذا المندوب فِعلٌ أَمَرَ به الشارع لكن مع تجويزه لتركه، "لا إلى بدلٍ"، لم يضع له بدلًا، وكلا التعريفين صحيحٌ، إلا أن الأول تعريفٌ بالرسم، والثاني تعريفٌ بالحد، كما يقوله المناطقة، وهذا أمرٌ لا نحتاجه كثيرًا؛ لأن الغرض من التعريفات هو الإيضاح وتصوُّر المعرَّف، فكونه رسمًا أو حدًّا الأمر فيه يسيرٌ، وكم من الرُّسوم تكون أوضح من الحدود.

قال: "ويُرادِف السنةَ والمستحبَّ"، "ويرادف"، ما هو الذي يرادف؟ الندب يرادفه لفظٌ آخر اصطلاحيٌّ: وهو كلمة "سُنَّةٌ"، ويرادفه أيضًا لفظٌ ثالثٌ: مستحبٌّ، فيسمَّى "نَدْبًا" و"سُنَّةً" و"مستحبًّا" و"فَضيلةً" و"رَغيبةً" و"نفلًا"، وغير ذلك، له أسماء كثيرةٌ، هذا عند الجمهور، وإلا فبعضهم يفرِّق.

هل المندوب مأمورٌ به حقيقةً؟

قال: "وهو مأمورٌ به"، هذا شروعٌ في مسألةٍ من مسائل المندوب، وهو أن المندوب هل هو مأمورٌ به حقيقةً أو لا؟

جميع العلماء يتفقون على أن المندوب مأمورٌ به؛ ولهذا يأتي بصيغة الأمر كثيرًا في نصوص الكتاب والسنة، إلا أنهم يختلفون في أنه مأمورٌ به حقيقةً أو مجازًا، وصَلُّوا بالليل والناس نيامٌ [8]، وصَلُّوا هذا أمرٌ، وقيام الليل ليس واجبًا، بل مندوبٌ، فالمندوب مأمورٌ به -يعني على سبيل الحقيقة- أو ليس مأمورًا به حقيقةً، فإن أُمِرَ به؛ يكون على سبيل المجاز؟ خلافٌ بين العلماء، فقال: "وهو مأمورٌ به"، أي: حقيقةً عند جمهور العلماء، أكثر العلماء قالوا: المندوب مأمورٌ به على الحقيقة، قال: "خلافًا للكَرْخي"، أبي الحسن الكرخي الحنفي، المتوفى سنة (340 هـ) رحمه الله تعالى، وليس مذهبَ الكرخي فقط، بل ذهب إليه أكثر الحنفية وبعض المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة، فهو مذهبٌ معروفٌ أيضًا، إلا أن الأكثرين على أن المندوب مأمورٌ به حقيقةً.

وورد هناك إشكالٌ على مذهب الجمهور، الجمهور يقولون هنا: المندوب مأمورٌ به أمرًا حقيقيًّا؛ وعلى هذا: يكون الأمر الشرعي له معنيان حقيقيان: أحدهما الوجوب، والثاني الندب، كلاهما مأمورٌ به على سبيل الحقيقة، مع أنهم يقولون: الأمر المطلق يقتضي الوجوب، ويقصدون بـ"المطلق": المجرد عن القرينة، فيحملون الأمر المجرد عن القرينة على الوجوب مباشرةً، ما دام لم توجد قرينةٌ؛ يُحمل على الوجوب، مع أنه من المعلوم الذي لا يَختلف فيه العلماء: أن اللفظ المشترَك لا يجوز حمله على أحد معانيه إلا بقرينة اللفظ المشترك، يعني اللفظ المشترك: هو لفظٌ واحدٌ ومعانيه متعددةٌ، وجميع معانيه حقيقيةٌ، هذا المشترك، لفظٌ واحدٌ والمعاني متعددةٌ، وجميع المعاني حقيقيةٌ، وليس الحقيقة والمجاز.

فلفظة "عين" مثلًا تطلق على العين الجارحة حقيقةً، العين الباصرة، تطلق على العين الباصرة الجارحة حقيقةً، وأيضًا تطلق على العين الجارية -الماء الذي ينبع من الأرض- حقيقةً، وتطلق على الذهب، وعلى الفضة، وعلى الشمس، المعاني متعددةٌ واللفظ واحدٌ، فيسمى مشتركًا لفظيًّا.

فالمشترَك معانيه كلها حقيقةٌ، ومعلومٌ أن الحقائق متساويةٌ؛ فلا يصح الحمل على أحدها بلا قرينةٍ، فهم يقولون: الأمر مشتركٌ له معنيان حقيقيان: الوجوب والندب، ثم مع ذلك يقولون: الأمر المطلق يقتضي الوجوب، فحملوه على الوجوب من غير دليلٍ، وتركوا المعنى الحقيقي الثاني، وهو الندب، ولا يصح حمل المشترك على أحد معانيه، فما الجواب عن ذلك؟ وضح الاشكال؟ من يجيب؟

طالب: ....

الشيخ: إذا لم يكن عنده قرينةٌ، كيف يحملونه على الوجوب ولا توجد قرينةٌ؟

يعني: في المشترك مثلًا لو قلت: عندي عينٌ؛ لا يصح أن تقول: هذا الشخص ما أراد إلا العين الجارية، يجوز هذا؟ لا يجوز، ما دليلك؟ هو يقول: عندي عينٌ، وسَكَتَ، ما من قرائن.

المشترك لا يُحمل على أحد معانيه بلا قرينةٍ، لكن لمَّا كان أصلًا وهو معنًى حقيقيٌّ بالنسبة للفظ، يعني: قُلْ: المخرج عند الفريق الثاني، لا إشكال عندهم؛ لأن المندوب مأمورٌ به على سبيل المجاز، ومعلومٌ أن اللفظ إنما يُحمل على حقيقته دون مجازه، إلا بقرينةٍ، فلا إشكال على المذهب الثاني، إنما الإشكال على مذهب الجمهور.

أجابوا فقالوا: إن المندوب هو داخلٌ في مطلق الأمر لا في الأمر المطلق، هكذا أجاب مجد الدين ابن تيمية رحمه الله وغيرُه من العلماء بأن المندوب داخلٌ في مطلق الأمر لا في الأمر المطلق [9].

مطلق الأمر، يعني أيَّ أمرٍ كان، فهذا يدخل فيه المندوب؛ لأن الشارع قد يأمر بالواجبات ويأمر بالمندوبات، لكن الأمر المطلق شيءٌ واحدٌ في الشريعة: وهو الوجوب.

الحكم الثالث: الحرام

 الطالب: قال رحمه الله: 

تعريف الحرام

الحرام ضد الواجب، وهو ما ذُمَّ شرعًا فاعلُه، ولا حاجة إلى "مطلقًا"؛ لعدم الحرام الموسَّع وعلى الكفاية، والواحد بالنوع أو الجنس يجوز كونه موردًا للأمر والنهي باعتبار أفراده وأنواعه؛ كالأمر بتحية المسجد، والنهي عنها في وقت النهي، أما الواحد بالشخص فيَمتنع كونه موردًا لهما من جهةٍ قطعًا، ومن جهتين في أشهر القولين، خلافًا للأكثر؛ كالصلاة في دارٍ مغصوبةٍ.

الشيخ: يقول: "الحرام"، هذا شروعٌ في الحكم الثالث.

النوع الثالث من أنواع الحكم الشرعي التكليفي: بعد أن ذكر الواجب والمندوب ذكر الآن الحرام فقال: هو "ضد الواجب"، الحرام هو ضد الواجب.

وهو اصطلاحًا: "ما ذُم شرعًا فاعله". إلى هنا ينتهي التعريف الاصطلاحي، يعني: ما ذَمَّ الشرع فاعله؛ كالسرقة والربا والزنا وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين، هذه محرماتٌ؛ لأن الشرع ذم فاعلها.

قال: "ولا حاجة إلى مطلقًا"، يعني: لا نحتاج إلى كلمة "مطلقًا" في آخر التعريف، طيب لماذا؟ قال: "لعدم الحرام الموسع، وعلى الكفاية"، يعني: لأنه لا يوجد في الشريعة محرمٌ موسعٌ، ولا محرمٌ على الكفاية، فلا نحتاج إلى كلمة "مطلقًا" كما احتجناها في الواجب؛ لأن الواجب بخلاف الحرام؛ ولهذا احتيج إلى كلمة "مطلقًا" هناك؛ حتى يدخل الواجب الموسَّع والواجب الكِفائي فيما إذا ترك الواجب في أول الوقت وترك الواجب الكفائي؛ لأن غيره فَعَلَ.

هل يجتمع الوجوب والحرمة في الشيء الواحد؟

ثم قال: "والواحد بالنوع أو الجنس"... إلى آخره، هذا شروعٌ في مسألة: أنه لا يجتمع الوجوب والحرمة في الشيء الواحد، الشيء الواحد لا يمكن أن يكون واجبًا حرامًا في نفس الوقت، والمقصود أصلًا بهذه المسألة: هي مسألةٌ فقهيةٌ وقع فيها نزاعٌ مشهورٌ، وهي مسألة: الصلاة في الدار المغصوبة.

والمناطقة والمتكلمون -وتبعهم بعض الأصوليين- يقسِّمون الأشياء باعتبار كُلِّيَّتها وجزئيتها إلى ثلاثة أقسامٍ: الشخص، والنوع، والجنس.

"الشخص": أو تقول: "العين"، أو تقول: "الفرد"، ثلاث أسماءٍ لمسمًّى واحدٍ.

  1. فالجنس أعلاها؛ مثل الحيوان.
  2. وأدنى منه: النوع؛ كالإنسان، فإن الإنسان نوعٌ من الحيوان، لكنه ليس كل الحيوان؛ فإن من الحيوان ما ليس إنسانًا؛ كالأسد والنمر والخيل والإبل.
  3. ثم أدنى من النوع: هو الشخص؛ كزيدٍ.

طبعًا "الشخص" لا يقصدون به ما نستعمله الآن، نُطلق "الشخص" على الإنسان، إنما يقصدون الشيء المتشخص، سواءٌ كان إنسانًا، أو حيوانًا، أو جمادًا، أو غير ذلك.

هذا مثالٌ في الحِسِّيَّات، مثاله في الشَّرعيَّات: "الجنس"؛ كالعبادة التي تُثاب عليها، و"النوع"؛ كالصلاة، فإن الصلاة بالنسبة للعبادة نوعٌ من أنواع العبادات، وليست هي كل العبادات؛ فإن من العبادات ما ليس صلاةً؛ كالصوم والزكاة والحج، و"الشخص"؛ كصلاة الظهر، فإن صلاة الظهر بالنسبة إلى الصلاة شخصٌ، يعني: فردٌ أو عينٌ، وَضَحَت الآن، إنما الإشكال في المثال الذي مثَّل به.

قال: "الواحد بالنوع أو الجنس يجوز كونه مَوردًا للأمر والنهي باعتبار أفراده وأنواعه؛ كالأمر بتحية المسجد، والنهي عنها في وقت النهي"، يعني: تحية المسجد مأمورٌ بها أمرَ استحبابٍ في غير وقت النهي، وتحية المسجد منهيٌّ عنها في وقت النهي، طبعًا بناءً على القول بأن تحية المسجد لا تُصلَّى في وقت النهي، وهو أحد قولي العلماء، ولو أنه مثَّل بمثالٍ أوضح من هذا وأحسن من هذا! ورد فيه إشكالٌ، فإن الطُّوفيَّ ذكر نحوه ثم قال: المثال فيه ما فيه، وقال: "هذا المثال إن لاح لك عدم صحته أو عدم مطابقته، فقد عرفت القاعدة" [10]، يقصد: أنه ليس من شأن الرجال المنازعة في المثال، كما يقول العلماء، لكن لو مثَّل بالصلاة، فإن الصلاة -كما قلنا- بالنسبة للعبادة نوعٌ، والصلاة قد تجب وتحرم، فالصلاة واجبةٌ على زيدٍ، وحرامٌ على هندٍ الحائض، وَضَحَ؟

قال: "أما الواحد بالشخص"، الذي هو أخص الأنواع الثلاثة التي ذكرناها، "فيَمتنع كونه مَورِدًا لهما"، يعني: فيمتنع شرعًا أن يكون محلًّا للأمر والنهي من جهةٍ واحدةٍ، لا يمكن أن يجتمع فيه أمرٌ ونهيٌ من الشرع من جهةٍ واحدةٍ، قال: "ومن جهتين في أشهر القولين"، من جهةٍ واحدةٍ عرفنا هذا، هذا محل إجماعٍ، فلا يمكن أن تكون صلاة الظهر مثلًا واجبةً على هندٍ ومحرمةً عليها، يمكن هذا؟ لا يمكن، إما أنه يجب عليها، وإما أنه يحرم عليها وقتَ الحيض.

قال: "ومن جهتين في أشهر القولين"، يعني: عند الحنابلة، في أشهر القولين عند الحنابلة، وهو من مفردات الحنابلة، "خلافًا للأكثر"، وهذا صحيحٌ، يعني: ذهب المالكية والشافعية والحنفية إلى أنه يجوز في الواحد بالشخص أن يكون مَورِدًا -أي محلًّا- للأمر والنهي لكن من جهتين؛ كالصلاة في الدار المغصوبة.

كيف في الدار المغصوبة؟ غَصَبَ دارًا من شخصٍ، أخذها بالقوة، يحرم عليه هذا، مُكثه في الدار حرامٌ؛ لأنه منع الدار عن صاحبها، طيب، فلما أذَّن عليه الظهر، وقام وصلى، صلاته صحيحةٌ أو باطلةٌ؟

قال الجمهور: صحيحةٌ؛ لأن هذه الصلاة وإن كانت استمرارًا في الغصب -يظل يصلي وهناك صاحب الدار خارجها يقول: أعطني داري- فهذا وإن كان هذا الفعل نفسه حرامًا من جهة الاستمرار في الغصب؛ إلا أنه واجبٌ من جهةِ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، واجبٌ عليه شرعًا؛ وحينئذٍ تصح الصلاة، ويأثم بالغصب عند جمهور العلماء.

أما الحنابلة فقالوا: يستحيل أن يجتمع في الصلاة الواحدة وجوبٌ وحرمةٌ؛ فتكون الصلاة باطلةً؛ لأنها في نفس الوقت هي حرامٌ؛ لأنها استمرارٌ في الغصب.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وآله وصحبه.

^1 رواه البخاري مطولا: 880، ومسلم مختصرا: 846.
^2 رواه ابن حبان: 7025، وحسنه الألباني في التعليقات الحسان: 6986.
^3 رواه البخاري: 7534، ومسلم: 85، عن ابن مسعود  أن رجلا سأل النبي : أي ‌الأعمال أفضل؟ قال: ‌"الصلاة ‌لوقتها، وبر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله".
^4 ينظر شرح مختصر الروضة 1/ 432.
^5 ينظر العدة في أصول الفقة للقاضي أبي يعلى (2/ 410).
^6 ينظر التمهيد في أصول الفقة للكلوذاني (1/ 326).
^7 البيت لقُرَيط بن أُنَيف العنبري كما في شرح ديوان الحماسة للتبريزي (1/ 5).
^8 رواه ابن ماجه: 3251، وصححه الألباني.
^9 المسودة في أصول الفقة (ص 7).
^10 ينظر شرح مختصر الروضة (1/ 362).

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©