تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. عبدالرحمن بن محمد القرني
فضيلة الشيخ أ.د. عبدالرحمن بن محمد القرني

من قوله "والعلم صفة توجب تمييزا لا .." (2)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحمد الله تعالى، وأستعينه، وأعتصم به، وأستهديه، وأُصلي وأُسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، يا رب العالمين.

وقفنا في كتاب "بلغة الوصول" عند قول المؤلف رحمه الله: "والعلم صفة تُوجب تمييزًا لا يحتمل النقيض".

هذا المبحث عقده المصنف رحمه الله؛ لبيان مصطلحات يكثر ذكرها في كتب أصول الفقه؛ كالعلم والظن والشك والوهم والاعتقاد، وعبر عنها بقوله: "وما عنه الذكر الحُكْمي".

وقبلها ذكر العلم وعرفه بقوله: "صفة تُوجب تمييزًا لا يحتمل النقيض" إلى آخر ما قال، لعلك تقرأ يا زيد حتى نتذكر ما قلناه أمس.

القارئ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

العلم وأقسام الإدراك

قال المصنف رحمه الله:

والعلم صفة تُوجب تمييزًا لا يحتمل النقيض. وما عنه الذِّكرُ الحُكْميُّ: إما أن يحتمل مُتعلَّقُه النقيضَ بوجهٍ، أوْ لَا. والثاني: العلم.
والأول: إما أن يحتمله عند الذاكر لو قدَّره، أوْ لَا. والثاني: الاعتقاد، فإن طابق فصحيحٌ، وإلا ففاسد.
والأول: إما أن يحتمل النقيض وهو راجحٌ، أوْ لَا. فالراجح: الظن، والمرجوح: الوهم، والمساوي: الشك.
والدليل: ما يُمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوبٍ خَبَرِيٍّ.

تعريف العلم

الشيخ: أحسنت. قال: "والعلم صفة تُوجب تمييزًا لا يحتمل النقيض"، وهو أحد المصطلحات التي سوف يذكرها؛ لأن العلم هو نوعٌ مما ذكره بقوله: "ما عنه الذِّكر الحُكْمي"، فقال: العلم صفةٌ في الإنسان تُمكِّنه من التمييز بين الأشياء تمييزًا لا يحتمل النقيض، صفةٌ في الإنسان تُمكِّنه من أن يعرف الشيء على وجهٍ جازمٍ لا يحتمل النقيض.

معنى النقيض والذِّكر الحُكْمي

والنقيض هنا في هذا التعريف لا يُراد به المصطلح المعروف في كتب المنطق والفلسفة وغيرها، وإنما المراد به: مطلق المخالفة؛ سواء على سبيل الضِّدية أو النَّقِيضية، يعني: يعلم الشيء علمًا جازمًا لا يحتمل ضدًّا ولا نقيضًا. والفرق بين الضد والنقيض: أن الضدين لا يمكن اجتماعهما، لكن يمكن ارتفاعهما؛ أي: انتفاؤهما. وأما النقيضان فلا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما.

فمثلًا: الواجب والمحرم هل هما ضدان أو نقيضان؟ الواجب والمحرم ضدان، لِمَ؟ لأنه لا يمكن اجتماعهما، الشيء لا يمكن أن يكون واجبًا حرامًا في نفس الوقت، لكن يمكن انتفاؤهما بأن يكون الشيء لا هو واجب ولا هو حرام؛ فالسواك مثلًا ليس واجبًا وليس حرامًا، فانتفى عنه الضدان.

طيب الوجود والعدم نقيضان؛ لأنه لا يمكن أن يجتمعا فيكون الشيء موجودًا معدومًا، ولا يمكن أن يرتفعا أن ينتفيا بأن يكون لا هو موجود ولا هو معدوم. لكن كما قلنا: النقيض في هذا التعريف المراد به: مطلق المخالفة، سواء على سبيل الضِّدية أو النَّقِيضية.

قال: "وما عنه الذِّكر الحُكْمي"، المصنف أخذ هذا المبحث من "مختصر ابن الحاجب"، فهو من الأشياء التي زادها على أصله وهو "البلبل في أصول الفقه".

"ما عنه الذكر الحكمي" يعني: المعنى المُعبَّر عنه بالذكر الحُكْمي:

"ما"؛ أي: معنى يُعبَّر عنه بذكر حُكْميٍّ، يعني: بكلام خبري. إذًا "ما"؛ أي: معنى.

"ذِكْر" يعني: كلام، وهو إطلاقٌ معروف إلى اليوم، تقول: أنت ذكرت لي بالأمس كذا وكذا، يعني: تكلمت بهذا الكلام.

"حُكْمي" يعني: خبري، بمعنى: أن فيه خبرًا ومُخبَرًا عنه، أن في هذا الكلام حُكْمًا ومحكومًا عليه، مسند ومسند إليه، موضوع ومحمول، مبتدأ وخبر، فعل وفاعل، عبَّر بأيِّ عبارة؛ لأن العلوم تختلف تعبيراتها.

فإذا قلت: نجح زيد، هذا ذِكرٌ أم لا؟ ذكرٌ كلامٌ، أنا ذكرت لكم الآن أن زيدًا نجح، قلت: نجح زيد، هذا ذِكر حكمي، أين الحكم؟ النجاح، أسندت النجاح إلى زيد. فهذا معنى "ذكر حكمي"؛ لأن بعض الذكر ليس فيه حُكم.

ولهذا المناطقة يُقسِّمون الأشياء: إلى تصورات وإلى تصديقات، فالتصديقات هي الذكر الحكمي. أما التصورات ليس فيها حكم، المقصود منها ليس الحكم.

طيب، لماذا عبَّر المصنف وغيره من الأصوليين بـ"ما عنه الذكر الحكمي"؟ لِمَ لَمْ يُقسِّمون الذِّكْرَ الحُكْميَّ مباشرة؟

قالوا: لأننا لا نريد فقط الحكم على الأشياء الملفوظ بها؛ فإن بعضَ الأحكام التي يقولها الناس التي يعتقدها الناس بعضها ملفوظ بها يُنطَق بها، وبعضها تكون في النفس. بعض الأشياء تعتقدها في نفسك ولو لم تلفظ بها، وبعضها تَلْفِظ بها، تنطق بها. أرادوا أن تكون القسمة حاصرة؛ حتى تشمل الاعتقاد، أرادوا أن تكون القسمة حاصرة، فالمعاني التي فيها أحكام: بعضها تكون منطوقًا بها يلفظ بها صاحبها، وبعضها تكون في نفسه. فأرادوا تقسيم ذلك؛ لأن هذه القسمة المذكورة تشمل كلَّ شيءٍ محكوم عليه، سواء لفظ به صاحبه، أو اعتقده في نفسه.

قال: "وما عنه الذكر الحكمي؛ إما أن يحتمل مُتعلَّقُه النقيضَ بوجهٍ، أوْ لَا"، هذه القسمة الأولية.

"ما عنه الذكر الحكمي" ينقسم أولًا قسمين رئيسين:

  • إما أن يحتمل النقيض.
  • أو لا يحتمل النقيض.

والقسمة حاصرة كما ترون.

طيب المُتعلَّق، نشرح معنى "المتعلق"، والنقيض سبق أن شرحناه، ونشرح معنًى بوجهٍ.

"المُتعلَّق" المراد به: النسبة الواقعة بين طرفي الخبر، يعني: نسبة الحكم إلى المحكوم عليه، نسبة الفعل إلى الفاعل، نسبة الخبر إلى المبتدأ، نسبة المسند إلى المسند إليه؛ يعني: في قولنا مثلًا: سافر زيد، أين المتعلَّق؟ نسبة السفر إلى زيد الفلاني أنه فعلًا سافر، هذه النسبة التي هي الحكم هي المتعلق، مُتعلَّق الكلام، مضمون الكلام، فحوى الكلام الخبري.

"بوجهٍ" أراد به التعميم، يعني: بأيِّ وجهٍ من الوجوه يحتمل مُتعلَّقُه النقيضَ بوجهٍ؛ أي: بوجهٍ من الوجوه، سواء كان في الخارج في الواقع، أو كان عند الذاكر، يعني: هذا الشخص الذي يتكلم أو يعتقد شيئًا في نفسه، أو بسبب تشكيك المشكِّك.

"يحتمل مُتعلَّقُه النقيضَ بوجهٍ" من الوجوه؛ يعني: احتمال النقيض لهذا الكلام الملفوظ به، أو الذي في النفس. إما أنه يحتمل النقيض يحتمل المخالفة، أين يحتملها؟ بسبب ماذا؟ إما في الخارج؛ بأنك إذا طابقتَه بالخارج وجدته يحتمل المخالفة، كما لو قلت: الوِتْرُ فرضٌ؛ فإنه في الخارج يمكن أن يكون ندبًا، أو العكس لو قلت: الوِتْرُ سنة من حيث الخارج يمكن أن يكون فرضًا؛ ولهذا قال به الحنفية مثلًا.

أو "عند الذاكر"، يعني: عند هذا الشخص الذي ينطق بهذا الكلام الذي فيه حكم، أو يعتقده في نفسه، هو لو قدَّر في نفسه أن يكون لما يعتقده أو يحكم به أن له نقيضًا؛ لقال: نعم، يمكن هذا، فلو قال الحنبلي مثلًا: "تعتدُّ المرأة بثلاث حِيَضٍ"، هو لو في نفسه قدَّر النقيض: هل يمكن أن يكون واقعًا بأن تكون تعتدُّ بالأطهار وليس بالحِيَض؟ فيقول: نعم، يمكن هذا؛ فإن المالكية والشافعية مثلًا يرون أنها تعتدُّ بثلاثة أطهار، ولهم أدلة. فهو لو قدَّر هو في نفسه ما يقوله؛ لو قدَّر له نقيضًا لقال: نعم، يمكن أن يكون هذا الكلام الذي أقوله له مخالفٌ يُخالفه قد يكون راجحًا.

أو بتشكيك المشكك؛ بمعنى: يقول شيئًا ويعتقده ثم يُورد عليه غيرُه ما يُخالفه، فيصير هذا الذاكر: الحكم الذي يذكره هو يحتمل عنده النقيض والمخالفة بعد أن سمع الدليل الذي يخالف. وهذا يحصل لكلِّ إنسانٍ: أنه قد يعتقد حِلَّ شيءٍ أو حُرْمته، فيسمع مِن غيره دليلًا أو شبهةً، فيظل في نفسه أن هذا الكلام الذي أقوله يحتمل النقيض، أنا أقول: يحتمل فقط، قد يكون هذا الاحتمال راجحًا أو مرجوحًا، المهم أنه موجود الاحتمال.

قال: "والثاني العلم"، ما هو الثاني الذي لا يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه؟ لا من حيث الواقع، ولا من تقدير نفس هذا الذاكر، ولا بسبب سماعه للمشكِّك، ما يحتمل أبدًا؟

كما لو قلنا: السماء فوقنا، هذا عِلم؛ لأنه ذِكْرٌ حُكمي لا يحتمل مُتعلَّقه النقيضَ بوجهٍ من الوجوه.

قال: "والأول"، ما هو الأول الذي يحتمل النقيض بوجهٍ من الوجوه؟

قال: "إما أن يحتمله عند الذاكر لو قدَّره"، كما قلنا بمعنى: أنه لو قدَّر هذا الذاكر في نفسه أن يكون لما يعتقده نقيض أو ضدٌّ يُخالف ما يقوله، لقال: هذا ممكن غير ممتنع.

قال: "أوْ لَا"، يعني: لا يحتمل عند الذاكر لو قدَّره نقيضًا.

الاعتقاد وأنواعه

"والثاني"، ما هو الثاني؟

يعني: الذي لا يحتمل نقيضًا عند الذاكر لو قدَّره، وإنما في الخارج، من حيث الخارج يمكن أن يكون لهذا الشيء نقيض.

قال: "والثاني: الاعتقاد" الذي لا يحتمل نقيضًا عند الذاكر لو قدَّره، وليس بسبب تشكيك المشكِّك، وإنما من حيث الخارج يمكن أن يكون له نقيض. قال: هو الاعتقاد.

طيب والاعتقاد هذا هل هو قسم واحد؟ قال: لا، قسمان. كيف؟

قال: "فإن طابق فصحيح"، يعني: هذا الاعتقاد إن طابق نفس الأمر والواقع فإنه يكون اعتقادًا صحيحًا، وإلا كان اعتقادًا فاسدًا؛ فالاعتقاد الصحيح كاعتقاد -مثلًا- أهل السنة أن القرآن كلام الله، والاعتقاد الفاسد كاعتقاد المعتزلة أن القرآن مخلوق.

قال: "والأول" ما هو الأول الذي يحتمل النقيض عند الذاكر؟ يعني: هو لو قدَّر شيئًا يخالف كلامه لقال: هذا ممكن، ممكن هذا؟

قال: والأول إما أن يحتمل النقيض وهو راجح، أوْ لَا"، يعني: المعنى الأول الذي طرأ عليه الاحتمال قد يكون راجحًا، وقد لا يكون راجحًا، فالأول الذي هو راجح قال: "هو الظن، والمرجوح: الوهم، والمساوي: الشك".

طبعًا هذا المبحث قد يكون من أعسر مباحث أصول الفقه، لكن مع التمرُّس عليه يسير سهلًا إن شاء الله.

خلاصة مراتب الإدراك الستة

وبهذا يُعرف الفرق بين هذه الأشياء الستة: العلم، والاعتقاد الصحيح، والاعتقاد الفاسد، والظن، والشك، والوهم.

  1. فالعلم: ما عنه ذكرٌ حكميٌّ لا يحتمل مُتعلَّقُه النقيضَ بوجهٍ من الوجوه، لا من حيث الواقع، ولا في نفسه هو، في نفس الذاكر، ولا بتشكيكِ المشكِّكين.
  2. والاعتقاد الصحيح: هو ما عنه ذكرٌ حكميٌّ لا يحتمل متعلَّقه النقيض عند الذاكر، ولا بتشكيك المشكِّك، ويكون مطابقًا لنفس الأمر.
  3. والاعتقاد الفاسد: ما عنه ذكرٌ حكميٌّ لا يحتمل مُتعلَّقه النقيضَ عند الذاكر، لا في نفسه، ولا بتشكيكِ المشكِّك، لكنه غير مطابق للواقع.
  4. وأما الظن: فهو ما عنه ذكرٌ حكميٌّ يحتمل مُتعلَّقه النقيضَ بتقدير الذاكر مع كونه راجحًا، يعني: مع كون المعنى الذي في نفسه راجحًا.
  5. والشك: ما عنه ذكرٌ حكميٌّ يحتمل مُتعلَّقه النقيض بتقدير الذاكر مع كونه مساويًا.
  6. والوهم: ما عنه ذكرٌ حكميٌّ يحتمل مُتعلَّقه النقيض عند الذاكر مع كونه مرجوحًا.

هكذا قال المصنِّف رحمه الله تعالى.

والذي يظهر -والله أعلم-:

أن الاعتقاد الصحيح راجعٌ إلى العلم؛ إذ كيف يقال: إن الاعتقاد الصحيح يحتمل مُتعلَّقه النقيضَ في الواقع، لا عند الذاكر، أو بسبب تشكيك المشكِّك، ما يصح هذا، بعض مسائل الاعتقاد قطعية مطابقة للواقع، لا يمكن تتخلف، كقولنا: الله ربنا، الله واحد .

وأن الاعتقاد الفاسد يرجع إلى الجهل المُركَّب، يعني: الاعتقاد الصحيح ينبغي أن يرجع إلى العلم، والاعتقاد الفاسد يرجع إلى الجهل المركب، الذي هو نوعٌ من الوهم.

وبهذا يزول الإشكال، بهذا يزول هذا الإشكال الذي ذكرناه.

تعريف الدليل وعلاقته بالنظر الصحيح

قال في آخر المبحث: "والدليل: ما يمكن التوصُّلُ بصحيحِ النظر فيه إلى مطلوبٍ خبري"، هذا التعريف المشهور للدليل عند الأصوليين.

الدليل: هو ما يمكن أن يتوصل المجتهد إذا نظر فيه نظرًا صحيحًا، أن يتوصل به إلى مطلوب -أي: مقصود، شيء يقصد إثباته أو نفيه- خَبَريٍّ. ومعنى خبري: ما ذكرناه آنفًا، يعني: أن فيه حكمًا على الشيء؛ كأن ينظر في قوله تعالى: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]، فيقول: منطوق الآية حِلُّ نكاح الأَمَة المسلمة المؤمنة، ومفهومه المخالف مفهوم الصفة: أن الأَمَة غير المؤمنة لا يحِلُّ نكاحها؛ لأن تعليق الحكم بصفة يقتضي انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة.

الآن، أين الدليل في هذا الكلام الذي قلته؟

الدليل هو: فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ.

وأين صحيح النظر؟

هو ما ذكرناه من القاعدة، قلنا: تعليق الحكم بصفة: وهي كلمة الْمُؤْمِنَاتِ، تقتضي انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة، وإلا لكان ذِكر الصفة حشوًا، وكلام الله سبحانه يُنزَّه عن الحشو.

هذا نظرٌ صحيحٌ أو نظرٌ فاسد؟

نظرٌ صحيحٌ أوصلنا إلى مطلوب، يعني: إلى شيء نريد إثباته، مطلوب خبري.

ما هو المطلوب الخبري في هذا الكلام الذي ذكرته؟

لا يجوز أن ينكح الحُرُّ الأَمَةَ الكافرة؛ هذا المطلوب الخبري، مطلوب خبري، يُحترز بالمطلوب الخبري عن المطلوب التصوُّري؛ فإنه لا يُسمَّى دليلًا، وإنما يُسمَّى "تعريفًا".

مثل قولنا: "جِسمٌ صلب يتمدَّد بالحرارة وينكمش بالبرودة"، وتنظر فيه لتصل إلى مطلوبٍ، وهو يعني المطلوب مِن هذا ماذا؟ هو أن تعرف معنى "معدن"، إذا قيل لك: هذا معدن، فتقول: ما معدن يعني؟ فتقول: جسم صلبٌ بالحرارةِ يتمدَّد وبالبرودة ينكمش. إذًا، قولنا: "جسم صلب يتمدد بالحرارة وينكمش بالبرودة" هذا دليل؟

لا، ما يسمى دليلًا في الاصطلاح، نعم قد تُسمِّيه دليلًا في اللغة؛ لأنه دَلَّك على معرفة معنى المعدن، لكن ما تُسمِّيه دليلًا في الاصطلاح.

لماذا لا تُسمِّيه؟

فتقول: لأن المطلوب فيه تصوري، لا خبري وتصديقي، ما يوجد حكم، فقط نريد أن نتصور ما معنى هذا الشيء.

ومثله ما لو قلت: "عبادةٌ ذات أقوال وأفعال، تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم"، هذا دليل؟ هذا تعريف؛ لأنه يوصلنا إلى مطلوب تصوري، أن تتصور معنى الصلاة.

التكليف وشروطه

القارئ: قال رحمه الله:

والتكليف لغةً: إلزامُ ما فيه مشقة.
وشرعًا: خطابٌ بأمرٍ أو نهي.
وقيل: إلزامُ مقتضى خطاب الشرع؛ لتدخل الإباحة إن قيل هي تكليف.
وشرطه في المكلف: العقل وفهم الخطاب؛ فيخرج صبيٌّ ومجنون، وفي مُميِّزٍ قولان، أظهرهما النفي.
ولا تكليف على نائم وناسٍ، وسكران لا يعقل؛ لعدم الفهم. ولَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ [النساء:43] مؤوَّلٌ، والمُكرَه مُكلَّفٌ مطلقًا. ودعوى أن العدل الشرعي يأباه؛ مردودة.
والكُفَّارُ مُخاطَبون بفروع الإسلام، وقيل: بالنواهي منها فقط، وقيل: لا، مطلقًا.

تعريف التكليف لغةً وشرعًا

الشيخ: قال: "التكليف لغةً: إلزام ما فيه كلفة ومشقة"، هذا في اللغة، سواء كانت مشقة محتملة يستطيعها الإنسان، أو كانت مشقة غير محتملة؛ لأن هذا معنى التكليف في اللغة لا في الشرع، التكليف في اللغة: إلزام الشخص بشيءٍ فيه مشقة عليه، قَدَر أو لم يقدر، كما قالت الخنساء تمدح صَخْرًا:

يُكلِّفه القوم ما نابهم وإن كان أصغرهم مَوْلدًا[1]

الأمور النائبات: العظيمة التي لا يستطيعها حتى الكبار، يُكلِّفونها صخرًا مع أنه صغير السن.

قال: "وشرعا: خطابٌ بأمر أو نهي"؛ يعني: خطاب الشرع، خطاب الله تعالى للناس بأمر أو بنهي.

أقسام الخطاب التكليفي بناء على الأمر والنهي

فتكون الأقسام ماذا؟ بناءً على هذا التعريف تكون أربعة؛ أن الخطاب بالأمر:

  1. إما أن يكون أمرًا جازمًا، تُعاقَب لو تَرَكْتَ؛ فهو "الواجب".
  2. وإما أن يكون أمرًا غير جازم، فلك أن تترك، ويُسمى "المندوب".
  3. والنهي قد يكون نهيًا جازمًا، تُعاقَب لو فَعَلْتَ، فهو "المحرم".
  4. وإما أن يكون نهيًا غير جازم، فلو فعلتَ لا تُعاقب، فهو "المكروه".

فتكون أربعة، فالمباح على هذا ما يدخل في تعريف التكليف هذا: "الخطاب بأمر أو نهي"؛ لأن المباح ليس فيه أمر ولا نهي.

التعريف الثاني للتكليف وإدخال الإباحة

قال: "وقيل: إلزامُ مقتضى خطاب الشرع"، هذا التعريف الثاني، التكليف: "إلزامُ مُقتضَى خطابِ الشرع"، "المقتضى" يعني: المدلول، الذي هو الحكم، مقتضى الخطاب هو مدلول الخطاب؛ فقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43]، هذا خطابٌ من الله للناس، مقتضاه -أي: مدلوله- وجوب إقامة الصلاة.

طيب لِمَ هذا التعريف الثاني؟

قال: "لتدخل الإباحة"؛ يعني: أصحاب التعريف الثاني عَدَلوا عن التعريف الأول إلى هذا الذي ذكرناه لكي تدخل الإباحة، فتكون الأقسام الخمسةُ كاملةً، يعني: داخلةً في التعريف كلها، قال: "لتدخل الإباحة"؛ لأن الإباحة تثبت بخطاب الشرع، مثل: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [البقرة:168]؛ لأنه خطاب.

هل الإباحة من التكليف؟

لكن ماذا قال؟ قال: "إن قيل: هي تكليف"؛ يعني: إن قلنا: إن الإباحة من التكليف أدخلناها، وإلا فلا. وهو خلافٌ بين الأصوليين، والصحيح الذي عليه أكثر العلماء: أن الإباحة من الأحكام التكليفية، فيقال: كيف تقولون الإباحة من الأحكام التكليفية مع أنه لا كلفة فيها ولا مشقة؛ إذ لك أن تفعل ولك ألا تفعل، ولا ثواب ولا عقاب؟ فأين الكلفة والمشقة؟ كيف تُسَمُّونها أحكامًا تكليفية، تجعلون الإباحة من الأحكام التكليفية؟

فقالوا: المراد أنها متعلقة بالمكلفين، حكم يتعلق بفعل المكلفين؛ فإن من أفعال المكلفين ما هو مباح؛ كشراء الدابة، واتخاذ الخادم، ومطلق الأكل والشرب والصيد، وغير ذلك كثير.

شروط التكليف وأحكام المكلفين

قال: "وشرطه في المكلف"، شَرَع المُؤلِّف رحمه الله في ذِكر شروط التكليف الراجعة إلى الشخص المكلف، إلى نفس الشخص المكلف، وسوف يذكر بعد ذلك شروط التكليف الراجعة إلى الفعل المكلف به. فشروط التكليف الراجعة إلى الشخص المكلف شرطان:

  • العقل.
  • وفهم الخطاب.

الشرط الأول: العقل

قال: "فيخرج صبي ومجنون"، بفاء التفريع، أو فاء النتيجة، يعني: فيخرج بالشرط الأول وهو العقل اثنان: الصبي والمجنون، فلا يُكلَّفان بالأحكام.

لماذا لا يكلف الصبي والمجنون؟

فتقول: لعدم العقل، لا عقل لهما.

طيب، قد يسأل سائل ويقول: طيب هناك صبي، وهناك صبي مُميِّز، فالمميِّز الذي يفهم الثواب والعقاب والجنة والنار، هل يُكلَّف؟ والصبي المميِّز هو من بلغ سبع سنوات.

فقال المؤلف رحمه الله: "وفي مُميِّز قولان"؛ يعني: وفي تكليف الصبي المميِّز الذي بلغ سبع سنين قولان للعلماء: "أظهرهما النفي"، القول الراجح: نفي التكليف عنه، فيكون مثل الصبي غير المُميِّز. فالناس أربعة أصناف: صبي غير مميِّز، وصبي مميِّز، وصبي مراهق، وبالغ، كم هذه؟ أربعة.

  • الصبي غير المميِّز: هو من دون السبع، يعني: عمره مثلًا أربع سنوات، خمس، ست.
  • المميِّز: هو الذي بلغ السبع.
  • المراهق هو الذي قارب الاحتلام، ناهَز الاحتلام، يعني: تحركت آلته واشتهى، لكن لم تظهر عليه علامة من علامات البلوغ، فيُسمى "المراهق".
  • الرابع: هو البالغ، فالرابع لا إشكال فيه: أن البالغ إذا كان عاقلًا فهو مكلَّف.

لكن الخلاف في العلماء كان في الثاني والثالث، الصبي المميِّز والصبي المراهق، هل هما مكلفان، أم هما غير مكلفين؟ قولان للعلماء، أظهرهما والله أعلم: عدم التكليف، المراهق -كما قلنا- هو مَن قارب الاحتلام.

الشرط الثاني: فهم الخطاب

قال: "ولا تكليف على نائم"، هذا تفريعٌ على أيِّ شرط؟

على الشرط الثاني: وهو فهم الخطاب، فالإنسان قد يكون عاقلًا لكن قد لا يفهم الخطاب. من هو العاقل الذي لا يفهم الخطاب؟

النائم والناسي والسكران الذي لا يعقل كما قَيَّد هنا، يعني: السكران الذي قد غلبت عليه نشوة السُّكْرِ، بحيث صار ما يعرف الأشياء حوله فصار كالمجنون يَهْذي.

إذًا النائم والناسي والسكران هؤلاء الثلاثة لا يفهمون الخطاب؛ فيكونون غير مكلفين.

أما السكران الذي يعقل: وهو من كان في بداية النشوة، شرب ولا زال يُدرك الأشياء حوله، لم يعمل السُّكْرُ عمله في عقله؛ فهذا مُكلَّفٌ بإجماع العلماء؛ لأنه عاقلٌ يفهم الخطاب. وإنما الكلام في السكران الذي لا يعقل، على خلاف بين العلماء في تكليفه وعدم تكليفه.

قال: "لعدم الفهم" يعني: لعدم فهم الخطاب؛ هؤلاء الثلاثة غير مكلفين لعدم فهمهم للخطاب، فإن النائم تقول له: صَلِّ، حان وقت الصلاة، هو نائمٌ كالميت، ما يفهم الكلام الذي تقوله.

قال: وقوله تعالى: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى [النساء:43] مُؤوَّل، هذا اعتراضٌ وجوابه، لكنه في غاية الاختصار، يعني: يقول المعترض الذي يقول بتكليف السكران، يقول معترضًا على من يقول بعدم تكليف السكران، يقول: كيف تقولون إنه غير مكلف، والله تعالى خاطبه ونهاه، والنهي تكليف، فقال: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى، فهذا خطابٌ لهم، والخطاب معناه تكليفهم؟

فقال الجواب: أنه مؤوَّلٌ، وسكت طبعًا عن التأويل اختصارًا، وتأويله بأن يُقال: هذا الخطاب إنما هو لمن كان في أوَّل السُّكْر، لا مَن غَلَب السُّكْر على عقله وغطَّاه، ومَن كان في أول السكر يُتصوَّر أنه يُخاطَب ويُكلَّف، بل هو مكلفٌ بالإجماع.

والتأويل الثاني: أن المعنى: لا تَسْكَروا ثم تُصلُّون، وليس معناه: أنه خطاب للسكران، وإنما يقول: لا تسكروا ثم تصلون، كما لو قلت: لا تَقرب التهجد وأنت شبعان، يعني: لا تشبع فيأتي عليك وقت التهجد فتكسل عنه. فهذا تأويلٌ للنص الكريم، وجواب عن اعتراض المُعترِض.

حكم المُكرَه

قال: "والمُكرَه مُكلَّف مطلقًا" اختار طبعًا المؤلف ما اختاره الطُّوفي صاحب الأصل، أصل هذا الكتاب وهو "مختصر البلبل"، فتابعه المصنف هنا على هذا القول الذي يخالف قول جمهور العلماء، فقال: "والمكره"، يعني: الشخص الذي يُحمَل على شيءٍ لا يريده، قال: "مكلف" شرعًا بالأحكام "مطلقًا"، ومعنى "مطلقًا"؛ أي: سواء كان هذا الإكراه مُلْجِئًا أو كان غير ملجئ؛ لأن الإكراه نوعان:

  • إكراه ملجئ يُضْطرُّ معه صاحبُه إلى الفعل مِن غير أدنى اختيار، ما يبقى له خِيَرة؛ كمن رُبِط وقُيِّد وقُذِف به على إنسانٍ معصومِ الدم فقَتَله؛ هذا إكراهٌ ملجئ، فهو كالريشة في مَهَبِّ الريح، هذا الإكراه الملجئ.
  • الإكراه غير الملجئ: هو الذي يبقى للإنسان فيه اختيارٌ، يستطيع أن يفعل ويستطيع أن يترك، كما لو حُمِل السيف على رأسه وقيل: اقتل فلانًا وإلا قتلناك، هل هذا مثل الريشة في مهب الريح؟ لا، يستطيع أن يمتنع حتى لو قُتل.

فالمصنف رحمه الله قال: المُكرَه مُكلَّف في كل الأحوال، هكذا يقول.

قال: "ودعوى أن العدل الشرعي يأباه مردودة"، هذا جوابٌ على اعتراض المُعترِض بأن يقال: كيف تقول: المُكرَه حتى لو كان مُلجَأً أنه مُكلَّف؟ وهذا يُنافي العدل، العدل الشرعي يُنافي هذا، مقتضى العدل أنه لا يُكلَّف.

فقال: هي "مردودة"، كيف مردودة؟

قال: لأن من أُكرِه على قتل إنسان فقتله؛ فإن الفقهاء متفقون على أنه يجب عليه القصاص باتفاق الفقهاء، فهل يمكن أن يُجمعوا على خلاف العدل؟ لا، لا يمكن هذا؛ لأن الأُمَّة لا تجتمع على ضلالة.

طبعًا هكذا قال في الجواب، لكن الجواب فيه ما فيه؛ لأن هذا الجواب لا يتناول الإكراه الملجئ؛ فالصحيح ما ذهب إليه أكثر العلماء من أن الإكراه الملجئ صاحبه غير مُكلَّف، وهو الذي يقتضيه العدل. نعم، هو الذي يقتضيه العدل.

أما الإكراه غير الملجئ فصاحبه مُكلَّف لكن بشروط، وأهمها:

  • أن يكون مُتحقِّقًا من أن الفعل الذي هُدِّد به سيقع عليه.
  • وعدم قدرته على دَفْعه. يعني: حين هدَّده بالقتل يعرف هو أن هذا سوف يفعل وليس مجرد كلام. والأمر الثاني: أن يكون غير قادر على دفعه؛ لأنه أحيانًا يستطيع الإنسان أن يدفع عنه الإكراه.
  • وأن يُكرهه بما فيه شيء لا يرضاه الشرع؛ كأن يُهدِّده بقتل، أو بإتلافِ عضوٍ من أعضائه، أو بهَتْك عرضه، أو نحو ذلك.

فهذه هي أهم شروط تكليف المُكرَه إكراهًا غير ملجئ.

تكليف الكفار بفروع الشريعة

قال: "والكُفَّار مُخاطَبون بفروع الإسلام، وقيل: بالنواهي، وقيل: لا"، ذكر ثلاثة أقوال.

هذه مسألة أصولية: وهي تكليف الكفار بفروع الشريعة، الكفار مكلفون بأصل الشريعة بالإجماع، يعني: مكلفون مخاطبون بأن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ، فأصل الإيمان هم مكلفون به بالإجماع.

لكن فروع الشريعة؛ كالصلاة والصوم والحج والزكاة، وغير ذلك، هل هم مُكلَّفون بها حال كفرهم؟

ففيه ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: إنهم مكلفون بفروع الشريعة مطلقًا، سواء كانت أوامر؛ كالصلاة والزكاة، أو كانت نواهي؛ كالزنا والسرقة والربا. وهذا قول جمهور العلماء.
  • القول الثاني: إنهم مكلفون بالنواهي فقط. وهذا قول بعض الحنفية، يعني: أن النواهي يُكلَّفون بها، والأوامر لا يُكلَّفون بها.

لماذا هذا التفريق؟

قالوا: لأن النواهي امتثالها يكون بالعدم الأصلي: الامتناع، والامتناع عن الشيء يُتصوَّر من المسلم، ويُتصوَّر من الكافر، فلا يحتاج إلى نية.

أما الأوامر فهي شيءٌ يقع في الوجود محسوسًا يُرى ويُشاهد كالصلاةِ: أفعالٌ وأقوالٌ، والزكاة أفعال. والفعل لا بد له من النية، والنية من الكافر مُحَالةٌ غيرُ صحيحةٍ؛ لأنه ما أتى بشرطها، ما دخل في الإسلام.

  • القول الثالث: قال: "وقيل: لا، مطلقًا"، يعني: أن الكفار غير مخاطبين لا بالأوامر ولا بالنواهي. وهذا قول أكثر الحنفية.

ومن ثمرات الخلاف، نذكر ثنتين أو ثلاثًا من ثمرات الخلاف: قالوا: لو جاوز الكافر الميقات وهو لا زال كافرًا، وبعدما جاوز الميقات أسلم، فهل يلزمه الرجوع، أو يُحرِم من مكانه؟

قولان للعلماء:

فقال بعضهم: يجب عليه أن يرجع إلى الميقات ويُحرِم منه؛ لأنه حين كان في الميقات كان مُكلَّفًا بالإحرام من الميقات؛ لأنه وإن كان من فروع الشريعة إلا أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.

وقال بعضهم: لا، يُحرِم من مكانه؛ لأنه حين مَرَّ بالميقات كان كافرًا، والكافر غير مكلف بفروع الشريعة.

ومن المسائل التي انْبَنَتْ على الخلاف: ما لو ظاهر الكافر من امرأته ثم أسلم، طيب بعد إسلامه، هل تلزمه كفارة الظِّهار؟

قولان للعلماء:

فقال بعضهم: تلزمه؛ لأنه وإن كان الظِّهار حصل وقت كفره، إلا أن الكافرَ مُخاطَبٌ بفروع الشريعة.

وقال بعضهم: لا تَلْزمه الكفارة؛ لأنه حين ظاهر كان وقتها كافرًا، والكافر غير مخاطب بفروع الشريعة.

المثال الأول للأوامر، والمثال الثاني للنواهي.

شروط المكلَّف به ومقتضى التكليف

القارئ: قال:

وشرط المكلف به: كونُه معلومَ الحقيقة، معلومَ التكليف به، معدومًا، ممكنًا.
وينقطع التكليف حال حدوث الفعل خلافًا للأشعري.
ولا تكليف إلا بفِعل. ومُتعلَّق النهي: كَفُّ النفس، وقيل: ضد المنهي عنه، وعن أبي هاشم: العدم الأصلي.

شروط المكلف به

الشيخ: قال: "وشرط المكلف به"، هذا شروعٌ في بيان شروط التكليف الراجعة إلى الفعل المُكلَّف به، نفس الفعل، وقال: شروطه أربعة:

  • أولًا: أن يكون الفعل معلوم الحقيقة، معلوم الحقيقة يعني: واضحًا المرادُ منه، ليس مبهمًا، ليس مجملًا، يقول: ما معنى هذا الشيء؟ أن يكون واضحًا.
  • الثاني: معلوم التكليف به، يعني أن يعلم أن هذا الفعل قد أمر الله به، وكلَّف به الناس.
  • الثالث: أن يكون معدومًا، فأما إن كان موجودًا فلا يكلف به، فتغسيل الميت مثلًا -إذا غُسِّل- تغسيل الميت وتكفينه ودفنه واجبات، كلها من الواجبات، فإذا غُسِّل الميت وكُفِّن ودُفن، وجاء هذا الشخص بعد ذلك، هل نقول: هذا واجب عليك الآن؟ لا، ما يجب عليه، لماذا؟ لأن الفعل قد حصل، الفعل الآن معدوم أم موجود، تغسيل الميت وتكفينه؟
    إذن نعيد المثال: انتبهوا معي، أقول: لو أن ميتًا مات فغسَّله الناس وكفَّنوه ودفنوه؛ لأن هذا من الواجب، من واجبات الشريعة، طيب زيد ما فعل هذا، زيد المسلم: هل يجب عليه؟ لماذا لا يجب عليه؟ يعني يُخرِج الميت من قبره ويُغسِّله ويكفنه ويدفنه، هذا معنى "معدوم"، ما معنى "معدوم"؟ الفعل غير موجود، أما إذا كان الفعل موجودًا فما يُكلَّف به.
    أنت الآن صليت العصر، هل يلزمك أن تصلي العصر الآن؟ لماذا لا يجب؟ لأن الفعل قد وُجد، وشرط التكليف: أن يكون الفعل معدومًا غير موجود. طيب المثال الأول نعيده أو اتضح؟ يعني إذا غُسِّل الميت وكُفِّن ودُفن، هل يلزمك أنت هذه الواجبات؟ ما تلزمك؛ لأن الفعل قد حصل، فما تُكلَّف به مرة أخرى.
  • الرابع: أن يكون ممكنًا، فلو كان مُحالًا فإنه لا يُكلَّف به: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:233]، وكذلك الأمر الشاق الذي فيه مشقة عظيمة يُنزَّل منزلة المحال، فلا يُكلَّف به.

مسألة انقطاع التكليف حال حدوث الفعل

قال: "وينقطع التكليف حال حدوث الفعل"، هذه مسألةٌ كلامية وقع فيها خلاف بين المعتزلة والأشاعرة، ونقلوها حين صنَّفوا أصول الفقه، نقلوها إلى أصول الفقه، فلا بأس أن نذكرها سريعًا.

انقطاع التكليف عن المُكلَّف حالَ حدوث الفعل، الأحوال ثلاثة:

  • قبل الفعل، يعني قبل أن تُصلِّي: أذَّن عليك مثلًا المغرب وأنت لم تُصَلِّ بعدُ.
  • وبعد انتهاء الفعل صلَّيتَ المغرب وانتهيت.
  • وحال حدوث الفعل، يعني أثناء اشتغالك بالصلاة تقوم وترفع وتسجد وتركع.

وَضَحَتِ الأحوال الآن؟ متى ينقطع التكليف عن المُكلَّف؟

ينقطع التكليف يعني: لست مخاطبًا، خلاص صِرْتَ الآن غير مخاطب بهذا الفعل.

طيب، قبل الفعل لا ينقطع التكليف بالإجماع؛ لأن الفِعل لم يأتِ به المُكلَّف بعدُ.

وبعد الفراغ من الفعل ينقطع التكليف بالإجماع؛ لما ذكرناه مِن قبلُ أنَّ من شروط التكليف: أن يكون الفعل معدومًا، والفعل قد وُجد الآن، فلا تُكلَّف به مرة أخرى.

إذن أين الخلاف الذي وقع بين العلماء؟ هو انقطاع التكليف حال حدوث الفعل، دخل في الصلاة كبَّر وهو يقرأ الفاتحة، انقطع عنه التكليف أو ما انقطع؟ فذكر فيه قولين.

قال: "وينقطع التكليف حال حدوث الفعل"، وهذا مذهب المعتزلة "خلافًا للأشعري"، فعندهم: لا ينقطع التكليف حال حدوث الفعل.

وهذه المسألة فيها شيءٌ من الإيهام؛ لأنه إن أريد بحال حدوث الفعل مِن أول زمنِ وجوده إلى آخره فالتكليف لا ينقطع؛ لأن المسلم مُطالَبٌ بأن يأتي بالعبادة كلها من أول الصلاة إلى آخرها، وإن أريد بقولهم حال حدوث الفعل: أول الفعل، أول الفعل: يعني أول زمن حدوثه، فالتكليف لا ينقطع، التكليف لا ينقطع عنه. وعلى كل فهي مسألة كلامية.

ولهذا نسأل نقول: ماذا يراد بحال حدوث الفعل؟ فنريد أول زمن الفعل من يومِ دَخَل في الصلاة، فالتكليف ما ينقطع؛ لأنه مُطالَبٌ بالعبادة أن يأتي بها من أولها إلى آخرها.

وإن أريد بحال حدوث الفعل، يعني من أوله إلى آخره؛ لم يصح إطلاق القول: ينقطع أو لا ينقطع؛ لما قلنا من أن المسلم مطالب بالإتيان بالعبادة كلها، فلا يَصْدُق عليه أنه انقطع تكليفه إلا بالفراغ من العبادة، انتهاء الخطاب الشرعي، لا، ما يُقصَد بوقت الفعل، إنما.. ليس المراد به الوقت الذي يَسَع العبادة، وإنما المراد الاشتغال بالعبادة حال حدوث الفعل، يعني هو في الصلاة ما زال يقرأ ويركع ويسجد. هذا حال حدوث الفعل.

مقتضى التكليف

قال: "ولا تكليف إلا بفعل"، هذا شروعٌ في مسألة جديدة يعبر عنها الأصوليون بقولهم: المُقتضَى بالتكليف. "المقتضى" اسم مفعول، يعني: المطلوب بالتكليف، ما هو المطلوب بالتكاليف الشرعية؟

فقال المؤلف رحمه الله: المطلوب بالتكليف هو الفعل، هو أن تفعل، أن تفعل الشيء المكلف به.

طيب، أن تفعل الشيء المكلف به بالنسبة للأوامر واضحٌ؛ كالأمر بالصلاة والصوم، والزكاة والحج، وغير ذلك. طيب في النواهي، النهي عن السرقة والربا والزنا، وأكل مال اليتيم، أين الفعل في هذه الأشياء؟

متعلق النهي في التكليف

فقال: "مُتعلَّق النهي كَفُّ النفس"، والكف فِعل، مُتعلَّق النهي ما هو؟ يعني المطلوب بالنواهي الشرعية ما هو؟ كف النفس عن فعل هذا الشيء المنهي عنه، والكف فعل أو لا؟ فعل، الكف فعل، ما الدليل على أن الكف فعل؟ تفضل يا شيخ: لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة:63]، سمَّى تَرْك النهي عن المنكر سماه فعلًا بئيسًا أو صنيعًا بئيسًا: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:79]، سمى ترك النهي عن المنكر سماه فعلًا بئيسًا.

قال: "وقيل"، شروعٌ في المذهب الثاني، وهو مذهب أكثر المعتزلة، "وقيل: ضد المنهي عنه"، يعني مُتعلَّق التكليف في النواهي ليس الكفَّ، وإنما أن تفعل ضد المنهي عنه، فإذا نُهي عن الكذب يشتغل بالكلام الطيب، يتكلم بالكلام الحسن، أو يُسبِّح ويذكر الله، يعني يفعل ضد المنهي عنه.

قال: "وعن أبي هاشم"، هذا المذهب الثالث، أبو هاشم وهو من المعتزلة أيضًا، عبد السلام بن محمد الجبائي المتوفى سنة 321 هجرية، قال: "وعن أبي هاشم: العدم الأصلي"، يعني مُتعلَّق النهي، يعني المطلوب في التكليف بالنواهي هو العدم الأصلي، يعني البقاء عليه، يعني البقاء على الترك الأصلي، مع قطع النظر عن الضد، يعني من غير أن يستحضر أنه ضدٌّ للمنهي عنه.

وهذا النزاع ليس فيه كبير فائدة، والصحيح أن يقال والله أعلم: أن المقتضى بالتكليف أعمُّ من الفعل، المقتضى يعني المطلوب بالتكليف الشرعي -يعني- أعم من الفعل، قد يكون فعلًا صريحًا كالزكاة مثلًا، وقد يكون قولًا كقراءة القرآن والتسبيح والتهليل، وقد يجمع بين الشيئين: الفعل الصريح والقول كالصلاة، وقد يكون كفًّا كما في النواهي: التكليف بترك السرقة والربا، ونحو ذلك.

توسعة في مُقتضَى التكليف

والمقتضى بالتكليف أيضًا: من مقتضى التكليف: العزم، العزم على الفعل؛ فإنه يُكلَّف به، فمَن أذن عليه الظهر مثلًا قبل أن يصلي، أليس مطلوبًا منه أن يعزم على الفعل، أو لا؟

هذا مطلوب؛ يجب أن يستحضر النية المؤكدة على أنه سوف يصلي، هذا من مقتضى التكليف.

وأيضًا من مقتضى التكليف: الرضا؛ فإنه لو صلى وهو ساخط يَكره هذه الصلاة، يصح هذا؟ ما يتصور هذا من المسلم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9]، فكل هذه الأشياء التي ذكرناها هي مقتضى التكليف، والله أعلم.

الحكم الشرعي وأقسامه

القارئ: قال رحمه الله:

والحكم: مقتضى خطاب الله المُتعلِّق بأفعال المكلفين باقتضاءٍ أو تخيير. وقيل: أو وَضْعٍ. وأصوبُ منه: اقتضاء أو تخيير أو وَضْع متعلق بأفعال المكلفين مستفاد من دليل شرعي.
وأنواعه خمسة: وجوب، وندب، وتحريم، وكراهة، وإباحة؛ لأن الخطاب إما أن يَرِد باقتضاء فعلٍ مع الجزم: وهو الإيجاب، أو لا مع الجزم: وهو الندب، أو باقتضاء الترك مع الجزم: وهو التحريم، أو لا معه: وهو الكراهة، أو باقتضاء تخيير: وهي الإباحة، فهي حكم شرعي؛ لأنها من خطاب الشرع، خلافًا للمعتزلة؛ لأنها انتفاء الحرج، وهو قبل الشرع، وفي كونها تكليفًا خلاف.

تعريف الحكم الشرعي

الشيخ: قال: "الحكم تعريفه" يُعرِّف الحكم الشرعي الآن، قال هو: "مقتضى خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين باقتضاءٍ أو تخييرٍ"، هذا التعريف الأول.

"مقتضى الخطاب"؛ أي: مدلوله، المطلوب من هذا الخطاب، مثل: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43]، هذا خطابٌ مقتضاه وجوب إقامة الصلاة، فمقتضى خطاب الشرع: هو الحكم الشرعي.

قال: "المتعلق بأفعال المكلفين"، هذا الخطاب الشرعي تعلَّق بتصرفات المكلفين، فقوله: "أفعال" لا يقصد به خصوص ما يُسمَّى "فعلًا"، وإنما المراد: أعمالهم: أقوالهم وأفعالهم وما يعتقدونه في أنفسهم، يعني: سواء كانت ظاهرة أو كانت باطنة.

وبعض العلماء أبدل المكلفين بـ"العِبَاد"، قال: "المتعلق بأفعال العباد"؛ لكي يُدخِل الصبي والمجنون؛ فإن بعض الأحكام الشرعية تتعلق بهما، هكذا قيل، نعم، مثل: الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون.

قال: "باقتضاء أو تخيير"؛ الاقتضاء: معناه الطلب، أنتَ لو قلتَ: أريد أن أنجح، فقلتُ لك: هذا يقتضي منك أن تُذاكر، ما معنى "يقتضي"؟ يعني: يتطلب منك أن تُذاكر، وهذا معنى الاقتضاء، معناه: الطلب.

وهذا الطلب قد يكون طلبًا جازمًا، يعني: قد يكون طلبًا للفعل، وقد يكون طلبًا للترك، ثم طلب الفعل قد يكون جازمًا فهو الواجب، وقد يكون غير جازم فهو المندوب، وطلب الترك قد يكون جازمًا فهو المحرم، وقد يكون غير جازم فهو المكروه؛ فتدخل الأحكام الأربعة في كلمة "باقتضاء".

قال: "أو تخيير"، ما هو التخيير؟

الإباحة، فتدخل الأحكام الخمسة في تعريف الحكم.

لكن الأحكام الخمسة هذه التي دخلت في تعريف الحكم هي أقسام الحكم الشرعي التكليفي، والحكم الشرعي ليس تكليفيًّا فقط، قد يكون تكليفيًّا وقد يكون وضعيًّا إخباريًّا؛ كالصحة والفساد، والسبب والشرط والمانع.. إلى آخره؛ فلهذا قال: "وقيل: أو وضع"، يعني: وقيل في تعريف الحكم الشرعي: "مقتضى خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين باقتضاء، أو تخيير، أو وَضْعٍ"، فلماذا أتوا بهذه الكلمة: "أو وَضْع"؟

لكي يَدْخل الحكم الشرعي الوضعي فيكون التعريف جامعًا.

ثم قال: "وأصوب منه" يعني: يقول: التعريف السابق صوابٌ، وهو الأخير: "مقتضى خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين باقتضاء أو تخيير أو وضع"، يقول: هو صواب، لكن أصوب منه -يعني: أحسن-: "من اقتضاءٍ أو تخييرٍ أو وضعٍ متعلق بأفعال المكلفين مستفاد من دليل شرعي".

وهذا التعريف إنما كان أحسن، والذي قبله حسن، والثاني أصوب، والذي قبله صواب ليس خطأً؛ لأنه فقط راعى فيه الإيضاح في التعريف، الوضوح وعدم اللبس على الطالب؛ لأن التعريف السابق تُلاحظون فيه كلمة مقتضى واقتضاء، والأولى غير الثانية، مع أن المادة واحدة، فقد يقع طالب العلم المبتدئ في لَبْس، يقول: هل هما بمعنًى أو بمعنيين أو هما تكرار أو ماذا؟

فتُلاحظون أنه هنا ما أتى إلا بكلمةٍ واحدة "اقتضاء"، كلمة "اقتضاء"، وأبدل كلمة "مقتضى" بـ"مستفاد"، وقدَّم وأخر؛ فلهذا كان هذا التعريف أصوب وأحسن.

أنواع الحكم الشرعي التكليفي

ثم قال: "وأنواعه خمسة: وجوب وندب وتحريم وكراهة وإباحة"؛ لأن الخطاب إما أن يَرِد باقتضاءِ فعلٍ مع الجزم"؛ كالصلوات الخمس "وهو الإيجاب، أو لا مع الجزم"؛ كالسواك وصلاة الضحى "فهو الندب، أو باقتضاء الترك مع الجزم"؛ كالسرقة والربا "وهو التحريم، أو لا معه"، يعني: أو لا مع الجزم "وهو الكراهة"؛ كالنذر مثلًا، أو صلاة التطوع المطلق في أوقات النهي، أو نحو ذلك.

قال: "أو باقتضاء تخيير: وهي الإباحة"، فاكتملت الأحكام الخمسة. ثم قال بعد ذلك: "فهي حكم شرعي"، هذه مسألة يذكرها الأصوليون، هل الإباحة حكم شرعي، أو حكم عقلي؟

فذهب أكثر العلماء إلى أن الإباحة حكم شرعي؛ لأنها تُستفاد بواسطة الخطاب الشرعي، وما استُفيد بواسطة خطاب الشرع فهو حكم شرعي.

قال: "لأنها من خطاب الشرع خلافًا للمعتزلة"، المعتزلة يقولون: الإباحة حكم عقلي، قالوا: "لأنها انتفاء الحرج وهو قبل الشرع"، قالوا يعني: لأن الإباحة هي انتفاء الحرج عن الفعل أو الترك، وهذا المعنى مُتحقِّقٌ في الأشياء حتى قبل أن يَرِد الشرع، يعني: حتى قبل البعثة موجود انتفاء الحرج عن أكل الأشياء النافعة مثلًا، أو عن تركها، لا حرج في ذلك، فالمعنى متحقِّقٌ قبل الشرع.

لكن الصحيح هو مذهب الجمهور؛ لِما قلناه من أن الإباحة تُستفاد بواسطة الحكم الشرعي؛ ولهذا من أباح شيئًا سُئل عن دليله، فإما أن يذكر دليلًا خاصًّا، أو يذكر دليلًا عامًّا، وهو الأصل، بأن يقول: الأصل في المطعومات الحِلُّ، الأصل في المياه الطهارة.. إلى غير ذلك.

ثم قال: "وفي كونها تكليفًا خلاف"، وسبق أن أشرنا إليه: أن الإباحة هل هي من التكليف، أو ليست من التكليف؟

قولان للعلماء، والصواب: أنها من الأحكام التكليفية؛ لأنها تتعلق بأفعال المكلفين، وإن كانت هي في نفسها لا كُلْفة فيها؛ لأن المندوب الذي لا يختلفون أنه من الأحكام التكليفية ليس فيه كلفة، أليس كذلك؟ أليس الأعرابي قال: والذي بعثك بالحق لا أفعل غيرهن، أو كما ورد، أقسم أن يترك كل المندوبات، ومع ذلك لا حرج، أين الكُلْفة؟ لا كُلْفة فيه في المندوب، ومع ذلك لا يختلفون أن المندوب من الأحكام التكليفية، فكذلك الإباحة.

وبقي من الأحكام الشرعية التكليفية نوعان على الصحيح:

الأول: يعني الذي هو السادس، سوف يصير السادس: العفو، والعفو: هو الفعل الصادر من صنفين من الناس:

  • فالصنف الأول: هو أن يفعل غير المكلف فعلًا ممنوعًا في الأصل في الشرع؛ كالصبي والمجنون، المجنون هذا لو سرق، إذا سرق من واحدٍ درهمين، يُحاسب يوم القيامة؟ ما يٌحاسَب. فهل فعله هذا مباح؟ يقول يعني: هل يصح أن تقول في الشريعة: يجوز للمجنون أن يسرق؟ تنسب هذا إلى دين الله؟ لا، ما يجوز هذا. طيب ماذا تُسمِّيه؟ الأحكام الخمسة السابقة ماذا تسميه؟ هل تقول: حرامًا، حرامًا معناه: يُعاقب يوم القيامة، وأنت تقول: ما يعاقب. مكروهٌ؟ ليس هناك أحدٌ يقول: إنه مكروه. نُسمِّيه باسم جديد، بحكم جديد: وهو العفو، عفوٌ من الله .
  • والصنف الثاني: هو الفعل الصادر من المعذور، مثل: لو نام عن الصلاة، وكان نومه في وقتٍ ينام فيه الناس، يعني: ما قصَّر أو كان ساهيًا أو ناسيًا، نسي الصلاة، فهل فَعَل محذورًا؟ لا، هل فَعَل جائزًا؟ لا، ما يصح أن تقول هذا مباح، نُسمِّيه ماذا؟ العفو، يُسمى العفو، عفوٌ من الله .

الثاني، الحكم الثاني الذي هو السابع: هو خلاف الأولى؛ فإن الصحيح -والله أعلم- أن خلاف الأولى اسمٌ برأسه، وليس نوعًا من المكروه، وفرقٌ بينه وبين المكروه؛ لأن المكروه فيه نهيٌ مقصودٌ من الشارع، مثل: نهي النبي عن النَّذْر، فهذا مقصودٌ للشارع؛ ولهذا جاء الحديث فيه جاء فيه النص[2].

أما خلاف الأولى ليس فيه نصٌّ، ليس فيه نهيٌ مقصودٌ، وإنما هو ترك المندوب، يعني: واحد ترك صوم الإثنين والخميس، فِعله هذا: أن يترك صوم الإثنين والخميس وثلاثةً من كل شهر، هل يُسمَّى مكروهًا؟ نقول: يُكره للمسلم أن يترك صلاة الضحى وصوم الإثنين والخميس؟ لا، ما يصح؛ لأنه ما ورد هذا، ما ورد أنه مذموم، وأنه منهيٌّ عنه، ما ورد هذا، لكنه خلاف الأولى؛ إذ الأولى في المسلم أن يحرص على هذه المندوبات.

إذنْ نكتفي بهذا القدر.

^1 ينظر: "العين" للخليل الفراهيدي: 2/ 248.
^2 فقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: نهى النبي  عن النذر وقال: إنه لا يَرُدُّ شيئًا، ولكنه ‌يُستَخْرَج ‌به ‌من ‌البخيل. رواه البخاري: 6693، ومسلم: 1640.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©