تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس

من قوله "والمرسل: وهو ‌ما ‌سَقَطَ من آخره مَنْ بَعد التابعيّ.."

جدول المحتويات

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمدٍ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

قال الإمام المصنف رحمه الله، أحمد بن حجر العسقلاني في كتابه "نُزْهَة النَّظَر في شرح نُخْبَة الفِكَر".

الحديث المرسل

الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى، وغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين:

المرسل
والثاني: وهو ما سقط من آخره مَن بعد التابعي هو المُرسَل؛ وصورتُه: أن يقول التابعيُّ، سواءٌ كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله ، أو فعل كذا، أو فُعل بحضرته كذا، ونحو ذلك.

الشيخ: قوله: "وهو ما سقط من آخره مَن بعد التابعي"؛ هل ترون أن هذا التعريف أدق، أم إذا قيل: وهو ما رفعه التابعي إلى النبي ؟ لأنه ربما يكون التابعي روى عن تابعيٍّ آخر، وهو عن تابعيٍّ آخر، فسَقَط مَن بعد التابعي الأول تابعيٌّ ثانٍ.

فإذا قلنا: "ما رفعه التابعي إلى النبي بدون واسطةٍ أو بدون ذِكر الصحابي؛ فهو المُرسَل"، وصورتُه وتوضيحه يوضِّح هذا المعنى الذي نريده؛ وهو: "أن يقول التابعي، سواءٌ كان كبيرًا أو صغيرًا: قال رسول الله ..."؛ فيكون هذا التعبير: "ما رفعه التابعي إلى النبي ..." ربما يكون أدق. كذلك ما عرَّف بعضهم المُرسَل: "ما منه الصحابي سقط" ليس بواضحٍ، فقد يكون سقط دون الصحابي تابعيٌّ وتابعيٌّ وتابعيٌّ.

فإذَن؛ ما رفعه التابعي إلى النبي يكون أدق في التعبير الذي يريده ابن حجر.

سبب إدراج المرسل في قسم المردود

الطالب:

وإنما ذُكر في قسم المردود؛ للجهل بحال المحذوف.

الشيخ: هل هو صحابيٌّ أم تابعيٌّ؟ فإن كان صحابيًّا؛ فلا شكَّ أن الصحابة كلهم عدولٌ، أما إذا كان التابعي، فكيف حاله؟ هل هو ثقةٌ، أم فيه ضعفٌ، أم يُرسِل؟

 الطالب: قال:

لأنه يُحتمل أن يكون صحابيًّا، ويُحتمل أن يكون تابعيًّا، وعلى الثاني يُحتمل أن يكون ضعيفًا، ويُحتمل أن يكون ثقةً، وعلى الثاني يُحتمل أن يكون حَمَل عن صحابيٍّ، ويُحتمل أن يكون حَمَل عن تابعيٍّ آخر، وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدَّد؛ أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية له.

الشيخ: قد يكون عشرة تابعين يروي بعضهم عن بعض، وآخره يقول: قال رسول الله .

قبول المرسل إذا عُرف عن التابعي أنه لا يُرسِل إلا عن ثقة

الطالب:

وأما بالاستقراء؛ فإلى ستةٍ أو سبعةٍ، وهو أكثر ما وُجد من رواية بعض التابعين عن بعضٍ، فإن عُرف مِن عادة التابعي أنه لا يُرسِل إلا عن ثقةٍ؛ فذهب جمهور المحدثين إلى التوقُّف لبقاء الاحتمال، وهو أحد قولَي أحمد.
وثانيهما، وهو قول المالكيين والكوفيين: يُقبَل مطلقًا.

الشيخ: هذا هو التوثيق بالإبهام، والتوثيق بالإبهام لم يقبلوه عن الشافعي رحمه الله، فهذا إن عُرف من عادة التابعي أنه لا يُرسِل إلا عن ثقةٍ، إلا إذا كان تُتُبِّع فوُجِد أن كل مَن حذفه فهو ثقة، فبهذه الحالة يُقبَل فيها. لكن ربما توجَد بعض الروايات أو بعض أفراد الروايات لم يسمعها، فيبقى على كل حالٍ الاحتمال باقيًا. ولذلك؛ الاحتياط في حديث رسول الله ألا يُقبَل هذا النوع من الإرسال.

قول الشافعي في قبول المرسل عند الاعتضاد

الطالب:

وقال الشافعي: يُقبَل إن اعتَضَد بمجيئه من وجهٍ آخر يُباين الطريق الأولى مُسنَدًا كان أو مُرسَلًا؛ ليرجُح احتمال كون المحذوف ثقةً في نفس الأمر.

الشيخ: وهو موجودٌ عنده في "الرسالة"، قال الشافعي رحمه الله: إذا اعتَضَد بمجيئه من وجهٍ آخر، وأن يكون الراوي من كبار التابعين، وأن يكون إذا سمَّى مَن أرسل لا يُسمِّي إلا ثقةً، وأن يكون إذا شاركه الحفاظ المأمومون لم يُخالفوه، فيقول: قد يكون هذا -إن شاء الله- يتقوَّى بمجيئه من طريقٍ آخر، كذلك قال: أو يكون يتقوَّى بفتاوى بعض الصحابة، أو قول الصحابي.

مرسل الصحابي وحُكم قبوله عند المحدثين

الطالب:

ونَقَل أبو بكرٍ الرازي من الحنفية، وأبو الوليد الباجي من المالكية: أن الراوي إذا كان يُرسِل عن الثقات وغيرهم لا يُقبل مُرسَله اتفاقًا.

الشيخ: ومن مسائل المرسلِ مرسلُ الصحابي، وهذا مقبولٌ اتفاقًا، وعند جماهير المحدثين مرسل الصحابي لا ينبغي أن يُقال إن فيه خوف السَّقْط أو خوف الخلل من الصحابي، فقد يروي الصحابي ولم يُولَد بعد عن صحابيٍّ آخر، فقد تَحْدث واقعةٌ مع النبي قبل بعثته، ويروي النبي هذه الواقعة بعد بعثته، والصحابي لم يُولَد، لكنه يَروي هذه القصة؛ مثل ابن عباس رضي الله عنهما، يروي عن بداية الوحي بعض الأشياء؛ فيقال بأنه لا بُدَّ أن يكون سمع من النبي مرةً، أو يكون سمع من بعض الصحابة.

ويدلكم على هذا ما كان فيه من عمر أنه كان قد تناوب مع بعض الأنصار، كان جاره أحد الأنصار، فكان يأخذ روايته، كم من الروايات أخذ؟ لكنه لم يذكر في روايته إلا ما جاء فيه تطليق أزواج النبي ، فبذلك يجب أن تُقبل مراسيل الصحابة.

الحديث المعضل

الطالب: قال:

المُعضَل
والقسم الثالث من أقسام السقط من الإسناد: إن كان باثنين فصاعدًا مع التوالي؛ فهو المُعضل.

الشيخ: على التوالي إذا كان معضلًا؛ يعني: سواء كان من بداية الإسناد أو من وسط الإسناد أو من آخر الإسناد الذي طرفه الصحابي؛ كله يكون معضلًا إذا كان السقط متواليًا، أما إذا لم يكن متواليًا؛ فيسمى "منقطعًا".

الحديث المنقطع

الطالب:

المنقطع، وإلا فإن كان الساقط باثنين غير متواليَين في موضعين مثلًا؛ فهو المنقطع.

الشيخ: يقول: هذا الإسناد فيه ضعفٌ أو فيه علةٌ، فقد حصل الانقطاع في هذا في موضعَين، أما في موضعٍ واحدٍ فقد يكون هذا معروفًا، لكنه قد يكون في موضعَين أو ثلاثةٍ... إلى آخره، فلا بُدَّ أن يوضح أن هذا في موضعَين.

الطالب:

وكذا إن سقط واحدٌ فقط، أو أكثر من اثنين، لكن يشترط عدم التوالي.

الشيخ: يشترط عدم التوالي، فيكون منقطعًا أيضًا، وقد بيَّن لنا فيما مضى، أشار إلى أن المعضل قد يتفق مع المعلَّق، بحيث يكون المؤلف حذف شيخه وشيخ شيخه، وذكر شيخ شيخ شيخه، فيسمَّى "معلقًا" ويسمى "معضلًا" أيضًا.

تقسيم السقط في الإسناد إلى واضحٍ وخفيٍّ

الطالب: قال:

تقسيم السقط في الإسناد إلى واضحٍ وخفيٍّ، ثم إن السقط من الإسناد قد يكون واضحًا يحصل الاشتراك في معرفته؛ ككون الراوي مثلًا لم يُعاصِر مَن رَوى عنه، أو يكون خفيًّا فلا يُدرِكه إلا الأئمة الحُذَّاق المُطَّلعون على طُرق الحديث وعلل الأسانيد.
فالأول، وهو الواضح، يُدرَك بعدم التلاقي بين الراوي وشيخه؛ بكونه لم يُدرِك عصره، أو أدركه لكن لم يجتمعا وليست له منه إجازةٌ ولا وِجَادةٌ؛ ومن ثَمَّ احتِيج إلى التاريخ.

الشيخ: ويمكن أن نعرف -نحن طلبة العلم- أيضًا مما ذَكَر الأئمة، وقد جُمعت المراسيل للعلائي، ذكر أنواعها في مواضع كثيرة، كذلك فيما بعد تتبع بعضُ طلبة العلم عن طريق الحاسب الآلي وغيره فاستخرجوا كثيرًا، وأنا كنت جمعت ربما قبل أكثر من خمس عشرة سنةً هذا، وهم سبقوني بالنشر، وأنا ما قدرت عليه، وهو موجودٌ عندي، أمس كنت أبحث في هذا الشيء في المكتبة، فوجدته مرميًّا هكذا، لكن وجدت أنه لو طُبع يكون فيه بعض الإضافات.

الحاجة إلى التاريخ في تمييز الاتصال والانقطاع

الطالب:

ومن ثَمَّ احتِيج إلى التاريخ لتَضَمُّنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوامٌ ادعوا الرواية عن شيوخٍ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم.

الشيخ: هذا ذكروا له أمثلةً؛ أن من جملته أن الحاكم قال في كتاب "المَدخل إلى كتاب الإكليل": "قدم علينا أبو جعفر محمد بن حاتم الكَشِّي [أو الكَسِّي، هكذا بعضهم يقول]، وحدَّث عن عبد بن حُميدٍ الكَشِّي، فسألته عن مولده، فذكر أنه ولد سنة ستين ومئة، فقلت لأصحابنا: سمع هذا الشيخ من عبد بن حميدٍ بعد موته بثلاث سنين"[1]، يعني ظهر كذبه؛ ولذلك قال: "قد افتضح أقوامٌ".

تعريف المدلَّس وحُكمه

الطالب: قال:

المدلَّس
والقسم الثاني: وهو الخفي المدلَّس -بفتح اللام-؛ سُمي بذلك لكون الراوي لم يُسَمِّ مَن حدَّثه، وأوهم سَمَاعه للحديث ممَّن لم يحدِّثه به، واشتقاقه من الدَّلَس -بالتحريك- وهو اختلاط الظلام بالنور؛ سُمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء.
ويرد المدلَّس بصيغةٍ من صيغ الأداء تحتمل وقوع اللُّقِي بين المدلِّس ومَن أَسند عنه؛ كـ"عن" و"كذا قال"، ومتى وقع بصيغةٍ صريحةٍ لا تجوز فيها كان كذبًا.

الشيخ: فلذلك كأنه فيه إشارةٌ إلى أن ما دام هو يروي عمَّن لم يسمع منه بصيغةٍ مُوهِمةٍ للسماع؛ فهل يبقي من عدالته شيءٌ، أم هو كاذبٌ؟ نقول: لو كان بالفعل قال: سمعت، أو حدثنا؛ كان كاذبًا، لكنه لما وَرَّى توريةً، والتورية تجوز، أجازها العلماء في مواضع كثيرة، وكأنه مُوهِمٌ للسماع وعدم السماع؛ ولذلك تبقى عدالته، غاية ما فيه: لا تقبل روايته، إلا إذا صرَّح بالتحديث؛ ولذلك كأن ابن حجر أشار إلى أو أجاب عن سؤالٍ مقدَّرٍ. فإذَن؛ الذين يُدلِّسون هل يكذبون؟ لا يكذبون، إلا إذا صرحوا بالسماع وقد تثبتنا أنهم لم يسمعوا.

الطالب:

ومتى وقع بصيغةٍ صريحةٍ لا تجوز فيها؛ كان كاذبًا، وحُكْمُ مَن ثبت عنه التدليس: إذا كان عدلًا ألَّا يُقبَل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث، على الأصح.

الشيخ: ولا يمكن معرفة هذا إلا بالتخريج؛ لأنه مِثل المُبهم، يُعرَف بمجيئه من طريقٍ آخر، كذلك المدلَّس يُعرَف بمجيئه من طريقٍ آخر، فقد يَختصر في بعض الأحيان، ويُصرِّح في بعض الأحيان.

المُرسَل الخفي، والفرق بينه وبين التدليس

الطالب:

المرسل الخفي
قال:
وكذا المرسَل الخفي إذا صَدَر من معاصرٍ لم يَلقَ مَن حدَّثه عنه، بل بينه وبينه واسطةٌ. الفرق بين المدلَّس والمرسَل الخفي دقيقٌ، حصل تحريره بما ذُكر هنا.

الشيخ: هو "دقيقٌ حصل تحريره بما ذُكر هنا"؛ قالوا إن هذا من عمل ابن حجر، وليس يوجد عند الأئمة هذا النوع من التفريق والتفصيل والتحرير.

الطالب:

وهو أن التدليس يَختص بمَن رَوى عمَّن عُرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يُعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي، ومَن أدخل في تعريف التدليس المعاصَرة، ولو بغير لُقِيٍّ؛ لزمه دخول المرسل الخفي في تعريفه، والصواب التفرقة بينهما.
ويدل على أن اعتبار اللُّقِيِّ في التدليس دون المعاصَرة وحدها لا بُدَّ منه؛ إطباقُ أهل العلم بالحديث على أن رواية المُخَضْرمين -كأبي عثمان النَّهْدي وقيس بن أبي حازمٍ عن النبي - من قَبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس.

الشيخ: لأنهم ما سُمُّوا مخضرمين إلا لانقطاعهم عن صحبة النبي  مع كونهم في عصر النبي رجالًا كبارًا؛ مثل أبي وائلٍ الأسدي، وأبي عثمان النَّهْدي، كانوا رجالًا كبارًا، ومثل أُوَيس بن عامرٍ القرني، وغيرهم، فعُرف باليقين أن هؤلاء لم يسمعوا من النبي ؛ ولذلك سُمِّيَت أحاديثهم "مُرسَلةً" لا "مُدلَّسةً".

الطالب:

ولو كان مُجرَّد المعاصرة يُكتفى به بالتدليس لكان هؤلاء مُدلِّسين؛ لأنهم عاصروا النبي قطعًا، ولكن لم يُعرَف هل لَقُوه أم لا.

الشيخ: لا، هنا ربما يكون بعض التوضيح، ولا نستدرِك على ابن حجر، نقول: "توضيح". "لكن لم يُعرَف هل لَقُوه أم لا"؛ لا يُسمَّى مُخَضْرمًا إلا إذا تأكَّدوا وتثبَّتوا أنهم لم يَلقَوه، فسُمِّي "مُخَضْرمًا"؛ ولذلك ابن حجر في "إصابته" أصاب حينما ذكر في "تمييز الصحابة" أقسامًا:

  • القسم الأول: مَن ثبتت صحبته برواية عن النبي ؛ قال: سمعت، وقلت، وكنت مع رسول الله ، وغزوت... إلى آخره.
  • القسم الثاني: الذين وُلدوا في عهد النبي ، وخاصةً من أهل المدينة الذين كانت عادتهم أنهم بعد ولادته يأتي به وليُّ أمره -أبوه أو أي أحدٍ- إلى النبي ؛ ليبرِّكه ويحنِّكه، هكذا ذكر.
  • القسم الثالث: المُخَضْرمون الذين ثبت أنهم كانوا رجالًا كبارًا؛ لو وَضعوا أيديهم في يد رسول الله لكانوا صحابةً، لكن فاتهم الحد الكبير والشوط الكبير.
  • القسم الرابع: مَن ذُكروا خطأً أنهم من الصحابة وليسوا في كتب مَن سَبَق فيمن سبقه بالتأليف، ذكروهم في الصحابة باليقين، وليسوا بصحابةٍ بعد التحقق باليقين عند ابن حجرٍ.

ولذلك نقول للطالب: إذا كان يَذكر صحابيًّا فلا بُدَّ أن يذكر أنه ذكره ابن حجر في القسم الأول، الأقسام الثانية ليسوا من الصحابة باليقين.

اشتراط اللقاء في التدليس، وطرق معرفة المرسل الخفي

الطالب:

وممن قال باشتراط اللقاء في التدليس: الإمام الشافعي وأبو بكرٍ البزار، وكلام الخطيب في "الكفاية" يقتضيه، وهو المعتمد.

الشيخ: والآخرون -كالنووي وغيره- لم يفرِّقوا بين المرسل الخفي وبين التدليس، كما هو منقولٌ عنهم.

الطالب:

طرق معرفة المرسل الخفي
ويُعرف عدم الملاقاة بإخباره عن نفسه بذلك، أو بجزم إمامٍ مطَّلعٍ.

الشيخ: "بإخباره عن نفسه"؛ يمثلون بمَن؟ بأبي عبيدة بن عبدالله بن مسعودٍ ، فقالوا: إنه لم يسمع من أبيه، سئل هو بنفسه: هل تذكر من أبيك شيئًا؟ فقال: لا أذكر شيئًا؛ فمعناه أنه يكون أخذ ممن سمع من ابن مسعودٍ، فهو أخبر بنفسه بصدقٍ أنه لم يأخذ من أبيه شيئًا.

الطالب:

أو بجزم إمامٍ مطَّلعٍ.

الشيخ: ولذلك؛ نجدُ كتابَ الإمام البخاري سِحرًا في الحقيقة، قال بعض العلماء: ألا أريك سحرًا؟ فسبحان الله! يعتني باللقاء وعدم اللقاء بجزمٍ، يقول: سمع من فلانٍ، ولم يسمع من فلانٍ، "التاريخ الكبير" ليس فيه تراجم طويلةٌ، إلا أنه يعتني باللُّقِيِّ وعدم اللُّقِيِّ كثيرًا جدًّا.

المزيد في متصل الأسانيد

الطالب:

ولا يكفي أن يقع في بعض الطرق زيادة راوٍ بينهما؛ لاحتمال أن يكون من المَزِيد.

الشيخ: كيف يكون؟ يأتي المزيد في متصل الأسانيد علمًا من علوم الحديث، فيكون الإسناد صحيحًا بين التابعي وبين الصحابي، لكنه في بعض الطرق جاء نفس التابعي وبين الصحابي شخص آخر، فهذا في الحقيقة لا يكون فيه إمكان السماع، إلا إذا كان التصريح في موضع عدم ذكر الراوي المزيد، فإذا كان يقول: سمعت من فلان، وهو سمع من فلان؛ لاحتمال أن يكون سمع بواسطة، ثم بعد ذلك سمع من غير واسطة، يأتي المزيد في متصل الأسانيد.

الطالب:

ولا يُحكم في هذه الصورة بحُكمٍ كليٍّ؛ لتعارض احتمال الاتصال والانقطاع، وقد صنَّف فيه الخطيب كتاب "التفصيل لمبهم المراسيل"، وكتاب "المزيد في متصل الأسانيد".

الشيخ: الكتابان الظاهر أنهما مطبوعان الآن.

الطعن في الرواة وأسبابه

الطالب:

وانتهت هنا أقسام حكم الساقط من الإسناد.
الطعن وأسبابه
ثم الطعن يكون بعشرة أشياء.

الشيخ: "لما حضرَت خالدًا الوفاةُ بكى، ثم قال: لقد حضرتُ كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير"؛ فـ"الطعن" معناه: التجريح، جرح؛ "الطعن" أي: الجرح في الراوي، أصله الجرح بالحديدة، أو بشيء حاد؛ والمقصود هنا: الجرح في الراوي.

أنواع الطعن في الرواة

الطالب:

يكون بعشرة أشياء بعضها أشد من القدح من بعض؛ خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط.

الشيخ: يعني الطعن بعشرة أشياء: خمسة تتعلق بعدالة الراوي، وخمسة تتعلق بضبط الراوي -كخفة الضبط، أو شدة الضعف... إلى آخره-.

الكذب والتهمة والغلط والغفلة

الطالب:

ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر لمصلحة اقتضت ذلك، وهي ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي؛ لأن الطعن إما أن يكون لكذب الراوي في الحديث النبوي، بأن يروي عنه ما لم يقله متعمدًا لذلك، أو تهمته بذلك بألَّا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفًا للقواعد المعلومة.

الشيخ: "للقواعد المعلومة"؛ في الإسناد رواة كثيرون، فمَن يكون المتهم؟ وهو الذي قد يعبر عنه العلماء بقولهم: "العهدة في هذا على فلان"، لماذا يعيِّنون فلانًا؟ فينبغي أن نعرف أنه يكون مخالفًا للقواعد الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة، ولم يكن في إسناده غيره تُكُلِّم فيه، كلهم ثقات من الأطراف، لكن واحد منهم يكون تُكُلِّم في ضبطه أو تُكُلِّم في عدالته، فهو الذي يكون متهمًا، ولا يكون كل واحد متهمًا؛ لأنه قد يكون في الإسناد عدة أشخاص قبله وبعده، فيكون المتهم مَن يكون متهمًا في سوء الحفظ، أو موصوفًا بسوء الحفظ.

 الطالب:

وكذا مَن عُرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي.

الشيخ: يعني يعرفون أنه يظهر في السوق، لكنه يتورع في كذبه عن النبي ، فإذا وقعت واقعةٌ مثل هذه بحيث يكون روى ما يخالف القواعد الشرعية، فيتهمونه لعلَّة شهوته في الكذب في السوق، لأن هذا قد يؤدي به إلى الكذب على رسول الله ، وهذا غاية التحري من علماء الحديث.

الطالب: قال:

وكذا مَن عُرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهذا دون الأول، أو فحش غلطه -أي: كثرته-، أو غفلته عن الإتقان.

الشيخ: هنا فسروا، قال الشافعي رحمه الله: "ومَن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح؛ لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر التخليط في الشهادة لم نقبل شهادته"؛ فإذا كان يغلط كثيرًا لكن كتابُهُ صحيح، ويروي من كتابه، فيكون حديثُهُ صحيحًا؛ ولذلك الأئمة يعتنون أن فلانًا حدَّثني من كتابه.

الفسق والوهم والمخالفة والجهالة والبدعة وسوء الحفظ

الطالب:

أو فسقِه؛ أي: بالفعل والقول، مما لا يبلُغ الكفر، وبينه وبين الأول عموم، وإنما أُفرِدَ الأول؛ لكون القدح به أشدَّ من هذا الفن، وأما الفسق...

الشيخ: يعني غلط، أو فحش الغلط، أو غفلتِه؛ ما الفرق بين فحش الغلط وغفلته؟ هي كأنها قريب بعضها من بعض، لكنهم يقولون إنه قد يكون صدوقًا لحاجة في نفسه، إلا أنه اشتغل بالعبادة والصيام الكثير وغيره، فضعف؛ ولذلك في مواضع كثيرة يقولون: أكثر ما يكون الغلط من الصالحين، أو يقولون: أدركته غفلة الصالحين، ففرْقٌ بين فحش الغلط وبين غفلتِه، قد يكون فحش غلطه هو كثرته، هذا يكون أشد، وغفلتُه تكون أقل. فعلى كل حال؛ كلاهما من جانبه، كلاهما من أسباب الرد.

الطالب:

أو فسقِه؛ أي: بالفعل والقول مما لا يبلُغ الكفر، وبينه وبين الأول عموم.

الشيخ: أما إذا كان يبلغ الكفرُ فعلَه كإنكار أمور معلومة من الدين بالضرورة؛ فهذا لا يُقبل.

الطالب:
وإنما أفرد الأول؛ لكون القدح به أشد في هذا الفن، وأما الفسق بالمعتقد فسيأتي بيانه، أو وهمه بأن يروي على سبيل التوهم، أو مخالفته؛ أي: للثقات.

الشيخ: المعلوم إذا كان الإنسان متيقنًا به فهو علم اليقين، وإذا كان مترددًا فيه -أي: لا يدري وقع أم لم يقع- ويستوي فيه طرفا الشك، فهذا شك، طرفا الوهم، أو طرفا عدم الضبط، فيُسمى شكًّا. أما إذا كان أحد الطرفين راجحًا، فماذا يُسمى؟ ظنًّا، أو الظن الغالب، وإذا كان يروي بالظن المرجوح، فهو وهم، الوهم أدنى درجة، وكأنه يترك الراجح عنده ويقول بالمرجوح، فهو وهم.

الطالب:

أو جهالته بألَّا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين، أو بدعته وهي اعتقاد.

الشيخ: "بألَّا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين"؛ تجريح شخص أو إمام معين، لكنه حينما يأتي مجهول ومجهول العين، فيعرفه بتعريف آخر، لكن كلمة الجهالة تشمل الاثنين، سواء كان مجهول الحال كما يعرفون، أو مجهول العدالة؛ مَن روى عنه اثنان ومَن فوق، ولم يوثقه أحد.

كذلك يشملهم جهالة، ولذلك هنا كأنه اختصر: "أو جهالته بألَّا يُعرف فيه تعديل ولا تجريح معين" مطلقًا، ولا يمكن أن يعرف اسمه، إلا إذا كان روى عنه واحد، أو على الأقل اثنان، وليس بمُبْهَم؛ أي: لم يذكر بصيغة: رجل، شيخ، أو أتانا آت، أو كذا، لا بُدَّ أن يكون مُسمى؛ فالفرق بين المُبْهَم وبين المجهول: المجهول يُسمى، والمبهم لا يُسمى باسم خاص.

الطالب:

أو بدعته، وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ، لا بمعاندة، بل بنوع شبهة.

الشيخ: بنوع شبهة، من جملة الاستحسان، وكم من البدع قد ابتُدعت بالاستحسان أن هذا شيء جيد، فبدأوا يفعلون من الذكر الجماعي، وغيره وغيره.

الطالب:

أو سوء حفظه؛ وهي عبارة عمَّن يكون غلطه أقل من إصابته.

الشيخ: أقل أو كل يكون يستوي الغلط والإصابة؛ يعني إذا جعلنا له نسبة، فيكون يخطئ أربعين في المئة، ثلاثين في المئة، أو خمسين في المئة، مئة حديث أخطأ في خمسين، وأصاب في خمسين، فهذا يُسمى سيئ الحفظ، أما إذا قالوا: سيئ الحفظ جدًّا؛ فهو فاحش الخطأ.

الحديث الموضوع

الطالب: قال:

الموضوع، فالقسم الأول، وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي، هو الموضوع، والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع، إذ قد يصدق الكذوب، لكن لأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وإنما يقوم بذلك؛ منهم مَن يكون اطلاعه تامًّا، وذهنه ثاقبًا، وفهمه قويًّا، ومعرفته بالقرائن الدالة على ذلك متمكنة.

الشيخ: هذا التعليق الذي علق بعد هذا، هذا يشمل أسباب الوضع، وكذلك طرق معرفة الحديث الموضوع، والحكم عليه بالوضع إنما هو بطريق الظن الغالب، لا بالقطع، نقول له: إذا كان هو أقر بوضعه، فنحن نقطع بأنه كذب، ولو كذب علينا في هذا، وهو كاذب وكذاب، فنحن نقول إنه قد كذب في هذا على رسول الله ، وخاصة لا يوجد الحديث الذي اختلقه هو في دواوين السنة؛ لأنه ما يمكن أن يقول: إنما الأعمال بالنيات...[2]، أو حديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون...[3] إلى آخره، يقول: أنا الذي وضعته، ما يمكن، لا بُدَّ أن يكون الشيء الذي ذكر لنا لا يوجد عند الأئمة رحمة الله عليهم، هو يقول: أنا الذي وضعته، فنحن نقطع بأنه وضعه، لا يكون دائمًا بالظن الغالب، لكن في بعض الصور قد يكون بالظن الغالب، كما يأتي قد يعرف طرق الوضع.

طرق معرفة الحديث الموضوع

الطالب:

طرق معرفة الحديث الموضوع
وقد يُعرف الوضع بإقرار واضعه؛ قال ابن دقيق العيد: لكن لا يقطع بذلك لاحتمال أن يكون كذب في ذلك الإقرار، انتهى. وفهم منه بعضهم أنه لا يعمل بذلك الإقرار أصلًا، وليس ذلك مراده، وإنما نفى القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم؛ لأن الحكم يقع بالظن الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لَمَا ساغ قتل المقر بالقتل، ولا رجم المعترف بالزنا.

الإقرار بوضع الحديث

الشيخ: لأن الحكم يقع بالظن الغالب؛ طيب، إذا وقعت شبهة بالظن الغالب معناه: قد يكون هناك مَن لم يقتل، لكنه أقر بأني قتلته، فهل نسفك دمه بدون يقين؟ لا، الذي يظهر أن هذا الإقرار، وكذلك شهادة اثنين أنه سرق أو قتل، فيعطينا اليقين، وإلا لا يجوز لنا أن نعتدي على عصمة أحد ولا على دم معصوم ولا يد معصومة إلا باليقين.

فلذلك؛ الذي يظهر أن الإقرار يعطي اليقين، كذلك الشهادات تعطي اليقين، وإن كان فيه يقولون: إمكانية الخطأ إذا كان، فلا يمكن أن نأخذ دمه بدون يقين؛ لأن هذه اليد معصومة، كيف نقطعها بالظن؟ كما أن ذِكر هذه الإشارة موجود في كتاب "الرسالة" للشافعي، قال: ما نأخذ إلا باليقين، أو ما نأخذ إلا ما دل عليه بالتواتر، قال: أسألك هذه يد معصومة [هكذا هو مثَّل: يد معصومة]، فإذا شهد اثنان أنه سرق، فهل تقطع يده؟ قال: نعم. فاليقين لا يزال إلا باليقين؛ فإذَن نحن نقول: إقراره يقين، كذلك إذا شهد اثنان عليه، فهو كذب، أو قال أمامنا: أنا أكذب، فكله يعطينا اليقين.

الطالب:

ولولا ذلك لَمَا ساغ قتل المُقرِّ بالقتل، ولا رجم المُعترِف بالزنا؛ لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به. ومن القرائن التي يُدرَك بها الوضع: ما يُؤخَذ من حال الراوي، كما وقع للمأمون بن أحمد أنه ذُكر بحضرته الخلاف في كون الحسن سمع من أبي هريرة ، أو لا، فساق في الحال إسنادًا إلى النبي أنه سمع الحسنُ من أبي هريرة.

الشيخ: سبحان الله! هذا كذب مسكين، ما استطاع أن يكذب، كيف النبي يقول سمع الحسن من أبي هريرة؟ فهذا على كل حال، الذي يكذب في حديث رسول الله لا يوفَّق.

الطالب:

وكما وقع لغياث بن إبراهيم حيث دخل على المهدي، فوجده يلعب بالحَمَام، فساق في الحال إسنادًا إلى النبي أنه قال: لا سبق إلا في: نصلٍ، أو خفٍّ، أو حافرٍ[4] أو جناح، فزاد في الحديث: أو جناح، فعرف المهدي أنه كذب لأجله، فأمر بذبح الحَمَام.

الشيخ: إي نعم، هو هذا، واضح جدًّا أنه لا يمكن أن يعرف بزيادة "جناح" إلا أن يكون الحديث عنده معروفًا، وأئمتنا في الحقيقة كان لهم مشاركة في حفظ الحديث وغيره، ولذلك عرف في حينه أنه كذب بزيادة "جناح"، وما أراد إلا أن يأخذ الجائزة، ومن الغريب يذكر فيه أنه أعطاه الجائزة السرَّة، فلما انصرف قال: أشهد أن قفاك قفا كذاب، وذبح الحَمَام.

معرفة الحديث الموضوع من حال المروي

الطالب:

ومنها ما يؤخذ من حال المروي؛ كأن يكون مناقضًا لنص القرآن، أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي، أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل.

الشيخ: ابن الجوزي في "الموضوعات" روى عن أنس بن مالك مرفوعًا: "أن عمر الدنيا سبعة أيام من أيام الآخرة؛ قال تعالى: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]". زيادة في هذا قال: "وبعث رسول الله في آخر السبعة"، طيب، "بعث النبي في آخر السبعة" هذه التي ذكرها الآن يدل على أنه كذب، وأنه يخالف نص القرآن، خمس لا يعلمها إلا الله؛ الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ.. [لقمان:34] إلى آخره، كذلك: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۝ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ۝ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا [النازعات:42-44]، كذلك آيات أخرى: عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى [طه:52]. فإذَن؛ واضح أنه مناقض لنص القرآن أو السنة المتواترة. 

أنواع الحديث الموضوع وصوره

الطالب:

أنواع الموضوع
ثم المروي تارةً يخترعه الواضع، وتارةً يأخذ كلام غيره، كبعض السلف الصالح، أو قدماء الحكماء، أو الإسرائيليات، أو يأخذ حديثًا ضعيف الإسناد، فيركِّب له إسنادًا صحيحًا ليروج.

الشيخ: هكذا قد يكون، على حال الحامل الذي يأتي ذكره لأغراض، نعم يأخذ كلام: "النظافة من الإيمان" جعلوه حديثًا أيضًا، فالكتب التي أُلِّفت بالأحاديث المشتهرة أو الأحاديث الضعيفة والموضوعة تجدون أمثلة كثيرة من هذا النوع.

أسباب وضع الحديث ودوافع الواضِعِين

الطالب:

الحامل للواضع على الوضع: إما عدم الدين كالزنادقة، أو غلبة الجهل كبعض المتعبدين، أو فرط العصبية كبعض المقلدين، أو اتباع هوى.

الشيخ: تذكرون المتعبدين؛ مثلما قال نوح الجامع لما سُئل، قال: من أين لك هذه الأحاديث عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل كل سورة؟ قال: رأيت الناس اشتغلوا بمغازي محمد بن إسحاق، فأردت أن أضع لهم حتى أقرِّبهم من القرآن. فهؤلاء كلهم متعبدون مساكين!

فرط العصبية؛ ومعروف أن هناك رواية، قال: "مَن رفع يديه في الركوع فلا صلاة له"[5]؛ هذا ليكون على كل حال ينكر، وهذا قد يكون -والله أعلم- إما مالكيًّا وإما حنفيًّا، الذين لا يجيزون رفع اليدين.

كذلك اشتهر: "ليكوننَّ في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، وهو أضرُّ على أمتي من إبليس"[6]، وبالعكس مقابله، ماذا قالوا؟ "يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي". فقال ابن حبان -وكذلك الذهبي- إن هذا وضعه أحد المتعصبين الحنفية.

الطالب:

أو اتباع هوى بعض الرؤساء، أو الإغراب.

الشيخ: مِثل هذا الذي وضعه هنا اتباع هوى بعض الرؤساء، فوجد هؤلاء الأعداء مدخلًا لهم، فالمستشرقون يتهمون أبا هريرة أنه كان يضع للأمويين، أو كان مع معاوية، وكان يأكل مع معاوية، ويكون في النهار مع علي، قالوا: لماذا هذا؟ قال: إن دين علي هو الأصدق أو الأصح، ومَضِيرة معاوية ألذّ. "مَضِيرة" نوع من الطعام؛ ولذلك كان أبو رَيَّة من جملة مَن كان هلك، وكان شيخنا محمد أحمد أبو زهو يقول: مات وهو في حالة الإغماء، يقول: آه أبو هريرة، آه أبو هريرة؛ لأنه آذى، كتَبَ "شيخ المَضِيرة"؛ يعني ترجم فيها أبا هريرة. فالحاصل: أن بعضهم قد اتبع هوى بعض الرؤساء، لكن ليس على عموم، والعلماء أعرف بمَن يكون من هذا النوع.

أو "الإغراب" لقصد الاشتهار؛ جاء في كتاب "الموضوعات": أن رجلًا كان يضع الأحاديث، وجد أن الناس يأتون إلى المحدثين العظام، وهو يجلس عند عمود المسجد لا يأتي أحد، فبدأ يضع أحاديث ليس عند الآخرين، حتى يأخذوا منه ويشتهروا، أو يتكسب به.

مِثل قصة مَن كان يقول: حدثني يحيى بن معين وأحمد بن حنبل قصة معروفة مشهورة، فلما فرغ من قصصه، وأخذ جوائز الناس، ناداه ابن معين، فقال: هذا أحمد بن حنبل، وهذا ابن معين، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، من أين لك هذا كله؟ قال: أنت ابن معين؟ قال: نعم، قال: لم أزل أسمع أن ابن معين أحمق، قال: وما دليل حُمقي؟ قال: كأنك تظن أنه ليس في الناس -أو ليس في الدنيا- أحمد بن حنبل ويحيى بن معين غيركما، قد رَوَيْتُ عن سبعة عشر يحيى بن معين، وسبعة عشر أحمد بن حنبل.

حُكم وضع الحديث وروايته

الطالب:

وكل ذلك حرام بإجماع مَن يعتد به، إلا أن بعض الكَرَّامية وبعض المتصوفة نُقِل عنه إباحة الوضع في الترغيب والترهيب، وهو خطأ من فاعله، نشأ عن جهل؛ لأن الترغيب والترهيب من جملة الأحكام الشرعية.

الشيخ: وكأنهم يتهمون النبي أنه قصَّر في جانب الترغيب والترهيب من عند الله، لا، بل أتى كل ما يحتاج الإنسان إلى جانب الترغيب والترهيب من الكتاب والسنة.

الطالب:

حُكم تعمُّد الكذب على النبي
واتفقُوا على أن تعمُّد الكذب على النبي من الكبائر، وبالغ أبو محمد الجويني، فكفَّر من تعمَّد الكذبَ على النبي
حُكم رواية الموضوع
واتفقوا على تحريم رواية الموضوع إلا مقرونًا ببيانه؛ لقوله : من حدَّث عني بحديثٍ يُرى أنه كذبٌ؛ فهو أحد الكاذبين[7].

الحديث المتروك والمنكر

المتروك: والقسم الثاني من أقسام المردود، وهو ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب، وهو المتروك المنكر على رأيٍ؛ والثالث: المنكر على رأي مَن لا يشترط في المنكر قيدَ المخالفة، وكذا الرابع والخامس؛ فمَن فحُشَ غلطُه، أو كثُرَت غفلته، أو ظهرَ فسقه؛ فحديثُه منكر.

الشيخ: وهو متهم أيضًا، وهو يسمى متروكًا أيضًا، فحش الغلط يسمونه متروكًا، هذا في اصطلاح الأئمة، هذا حديث متروك؛ لأن فلانًا فاحش الخطأ، وإن لم يكن بسبب تهمته بالكذب.

الحديث المعلل

الطالب:

المعلل، ثم الوَهْم، وهو القسم السادس، وإنما أفصح به لطول الفصل.

الشيخ: ما معناه؟ ماذا يقصد؟ هو ذكر "ثم الوَهْم"، مع أنه سرد أنه إما لكذب الراوي أو لاتهامه، أو لكذا أو لكذا أو لكذا، فالأول والثاني والثالث والرابع، آخر شي ذكر: "ثم الوَهْم" من الأخطاء، فقال: لأنه طال الفصل، لو قال: "الوهم" على أي رقم يأتي؟ يأتي الوهم على الرقم السادس الذي يكون فيه أخطاء، فكان ينبغي أن يقول: ثم السادس إذا اطلع عليه.

الطالب:

إن اطلع عليه -أي: الوهم- بالقرائن الدالة على وهم رواية مِن وصلِ مرسلٍ أو منقطعٍ، أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع، وجمع الطرق؛ فهذا هو المعلل، وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها.

الشيخ: فقد أخطأ أئمة كبار رحمة الله عليهم في هذا الباب، كما هو معروف، يكون سمى راويًا باسم آخر، أو باسم أب وأبوه غير هذا الذي ذكروا، وُجد هذا كثيرًا، ولذلك قال: "من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها".

الطالب:

ولا يقوم به إلا مَن رزقه الله تعالى فهمًا ثاقبًا، وحفظًا واسعًا، ومعرفةً تامةً بمراتب الرواة، وملكةً قويةً بالأسانيد والمتون.

الشيخ: لأنه كما قالوا: لا يقع الوهم أو علة الحديث إلا في أحاديث الثقات، فأنا وأنت وهم وهؤلاء وعامة طلبة العلم قد يظن أن هذا ثقة، وحديثه صحيح، لكن يبقى عند الأئمة المؤاخذة على مثل هذه الأحاديث، التي قد يصححها عامة الناس بالنظر إلى الإسناد.

الطالب:

ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا الشأن: كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة، وأبي حاتم، وأبي زرعة، والدار قطني رحمهم الله.

الشيخ: ولذلك؛ قال ابن المديني: "الباب إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم يتبيَّن خطؤُه"، كذلك قال الإمام أحمد: "الحديث إذا لم تُجمَع طُرُقُه لم تفهمه"؛ فإنه قد يكون مبهمًا في موضع، ويكون مصرحًا بالراوي في موضع آخر، أو موضحًا في حديث آخر.

الطالب: قال:

وقد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم. 

الشيخ: هذه المسألة في الحقيقة قد أخذها بعض العلماء واستعملها تطبيقًا على حديث البخاري، الشيخ المودودي قد زل قلمه وقدمه؛ فكتب قال: إن هناك أحاديث قد يكون رواه البخاري ومسلم، ولكن الناقد قد يرى أنه موضوع، أو أنه ضعيف، أو أنه كذا. وبكل صراحة ضعَّف بعض الأحاديث؛ منها: حديث سليمان أنه يطوف على مئة امرأة، ما هو كذا، قال: هل يمكن أن يكون استعمل قياسه وعقله؟ هل يمكن أن يكون هذا في سورة "ص" في ترجمان القرآن له؟ هل يمكن أن يكون في ليلة واحدة يطوف على مئة امرأة، في حينه بعد قليل لم يتكلم أنه: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36]، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12]؛ هل يمكن يا شيخ؟ ما كانت الطائرات هناك، إن كنت آمنت بهذا فآمن بذاك.

قال عبدالرحمن بن مهدي: معرفة الحديث إلهام، قيل له: كيف تعرف علة الحديث؟ قال: كما يعرف الطبيب المريض. الإنسان الذي يرى وجهه ربما يرى أنه بنفسه يعرف أنه صحيح الجسم، ليس فيه شيء، لكنه ربما يرى أن فيه مرضًا، لكن لا يمكن أن يقيم الدليل، ما هو المرض؟ هل في كليته، هل في موضع آخر في جسمه؟ لكن يحيله إلى المختبر، فإذا اختبر فيكون عرف أن فيه مرض كذا وكذا.

كذلك، حينما يرى الإمام، يقول: هذا فيه علة، ما هي العلة؟ في حينه لا يمكن أن يقيم الدليل، ولذلك قال: قد تقصر عبارة المعلل عن إقامة الحجة على دعواه، لكنه وبنفسه قد يفسر فيما بعد بكل وضوح، ولا يقبل التعليل إلا بالدليل، دعوى فقط ما يقبل من أي أحد، وهذا واضح في كتب العلل.

الحديث المُدرج

الطالب:

المدرج، ثم المخالفة، وهي القسم السابع إن كانت واقعة بسبب تغيير السياق؛ أي: سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد.

الشيخ: يعني غيَّر فيه سياق إسناده، وأدخل فيه ما ليس منه، هذا الذي يقصد.

أقسام المدرج

الطالب:

وهو أقسام؛ الأول: أن يروي جماعة الحديث بأسانيد مختلفة، فيرويه عنهم راوٍ، فيجمع الكل على إسناد واحد في تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف.

مدرج الإسناد

الشيخ: يعني؛ قد يكون الحديث جزء منه فيه زيادة الثقة، فيقول: حدثني فلان وفلان وفلان، ثم يكون انفرد واحد منهم بزيادة وهي مقبولة، فيجعل الفلان الفلان الثلاثة كلهم كأنهم زادوا هذه الزيادة، فهذا إدراج، وهذا قد يكون لا شك فيه إذا تُتُبِّع الحديث يظهر أنه مدرج.

ولذلك قال: "فيجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد، ولا يبين الاختلاف"، ولذلك حينما يقول الأئمة -خاصة الإمام مسلم والإمام الترمذي-: حدثني فلان وفلان، واللفظ لفلان هكذا؛ الإمام مسلم رحمه الله يذكر اللفظ لفلان، اللفظ المسوق هنا لفلان من الذين ذُكروا، اثنين أو ثلاثة؛ معناه: الآخرون لفظهم يختلف لكن المعنى يتفق.

الطالب:

الثاني: أن يكون المتن عند راوٍ إلا طرفًا منه، فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه راوٍ عنه تامًّا بالإسناد الأول، ومنه أن يسمع الحديث من شيخه إلا طرفًا منه، فيسمعه عن شيخه بواسطة فيرويه راوٍ عنه تامًّا بحذف الواسطة.

الشيخ: الواسطة، وهذه كلها لا شك أنه إدخال ما ليس فيه.

الطالب:

الثالث: أن يكون عند الراوي متنان مختلفان بإسنادَين مختلفَين، فيرويهما راوٍ عنه مقتصرًا على أحد الإسنادَين، أو يروي أحد الحديثَين بإسناده الخاص به، لكن يزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول.
الرابع: أن يسوق الإسناد فيعرض...

الشيخ: وله أمثلة عند أبي داود وغيره.

الطالب:

الرابع: أن يسوق الإسناد فيعرض له عارض، فيقول كلامًا من قِبَل نفسه، فيظن بعض مَن سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد؛ فيرويه عنه كذلك.

الشيخ: "يسوق الإسناد، فيعرض له عارض، فيقول كلامًا..."؛ ومثَّلوا ما رواه ابن ماجه أنه دخل ثابت بن موسى الزاهد على شريك، وهو -أي: شريك- كان يحدث: حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، وسكت، عرض له عارض قبل أن يقول: قال رسول الله ، سكت، فدخل ثابت عليه بعدما وصل إلى جابر، قال: مَن ثابت؟ فرآه كأنه ثابت الزاهد المتعبد، فقال: "مَن كَثُر صلاته بالليل؛ حَسُن وجهه بالنهار"، فكتب الكاتبون أو المستملي، كلهم كتبوا متنًا مع هذا الحديث، مع أنه سكت وعرض له، كلهم اتفقوا أن هذا ليس من قول النبي .

مدرج المتن

الطالب:

هذه أقسام مدرج الإسناد. وأما مدرج المتن: فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه. فتارةً يكون في أوله، وتارةً في أثنائه، وتارةً في آخره -وهو الأكثر-؛ لأنه يقع بعطف جملة على جملة، أو بدمج موقوفٍ من كلام الصحابة أو مَن بعدهم بمرفوعٍ من كلام النبي من غير فصل؛ فهذا هو مدرج المتن.

الشيخ: الحديث الذي تذكرون لعلكم قرأتم: ‌إن ‌أمتي ‌يُدعَون ‌يوم ‌القيامة غُرًّا مُحَجَّلِين من آثار الوضوء، فمَن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّتَه فَلْيَفْعَلْ[8]؛ فهناك كلام لبعض العلماء قالوا: فمَن استطاع منكم أن يُطيل غُرَّتَه فَلْيَفْعَلْ هذا من كلام أبي هريرة، هكذا قالوا، لكنَّ الأكثرين قالوا: لا، كله عن النبي .

معرفة مدرج المتن

الطالب:

فهذا هو مدرج المتن، ويُدرَك الإدراج بوُرُود رواية مفصَّلة للقدر المدرج فيه، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كون النبي يقول ذلك. وقد صنف الخطيب في المدرج كتابًا، ولخَّصته، وزدت عليه قدر ما ذكر مرتين أو أكثر، ولله الحمد.

الشيخ: الخطيب كتابه مطبوع "الفصل لوصل المدرج في النقل"، أما ابن حجر فكتابه "تقريب المنهج بترتيب المدرج"، والسيوطي زاد فيه لكنه ما يتعلق بمدرج المتن فقط، له كتاب في هذا الباب اسمه "المدرج إلى المدرج"، فهذا اقتصر على المدرج في المتن، وأما الكتابان ففيهما مدرج المتن ومدرج الإسناد.

الحديث المقلوب

الطالب:

المقلوب: أو إذا كانت المخالفة بتقديمٍ أو تأخيرٍ -أي: في الأسماء- كمُرة بن كعب وكعب بن مُرة؛ لأن اسم أحدهما اسم أبي الآخر، فهذا هو المقلوب، وللخطيب فيه كتاب "رافع الارتياب". وقد يقع القلب في المتن أيضًا؛ كحديث أبي هريرة عند مسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظل عرشه؛ ففيه: ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله.

الشيخ: هنا أورد الحديث في ظل عرشه، لا شك فيه أن المقصود ظل عرشه، وبعض الروايات جاءت وهي صحيحة: في ظله يوم لا ظل إلا ظله[9]؛ فالمطلق يُحمل على المقيد كما فسره العلماء، فالمقصود من "ظله" هو "ظل عرشه"؛ يعني ظل من الله تبارك وتعالى من عرشه، حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله.

الطالب:

فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، كما في الصحيحين.

الشيخ: هنا أيضًا من القلب مما ذكره الأئمة؛ أنهم قد قلبوا أحاديث على البخاري، هكذا ذكروا، إسناده فيه شيء، كذلك الظاهر العقيلي ثبت مع البخاري، فشككوا في صحة إسناده، أنه لما ورد بغداد فأعطوا عشرة أشخاص المئة حديث، وقلبوا إسناده من متن إلى متن... إلى آخر القصة.

المزيد في متصل الأسانيد

الطالب:

أو إن كانت المخالفة بزيادة راوٍ في أثناء الإسناد، ومَن لم يزدها أتقنُ ممَّن زادها، فهذا هو المزيد في متصل الأسانيد.
وشرطه: أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة، وإلا فمتى كان معنعنًا، مثلًا؛ ترجحت الزيادة.

الشيخ: يعني؛ إذا كان مزيدًا في متصل الأسانيد، يعني الإسناد متصل بدون هذه الزيادة، فالذي زاده قد أخطأ، متى نلصق الخطأ بالذي زاده؟ إذا وقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة، لكن فيه إمكان قد يكون سمع بالزيادة وسمع بدون زيادة، وهذا الذي يكون في روايات كثيرة سمع بواسطة أو بدون واسطة، لكنه لا بُدَّ أن تكون له قرينة حتى نحكم بأنه المزيد في متصل الأسانيد، يوجد هذا في روايات كثيرة، وقد يحذف الصحابي ومرة أخرى يذكر، فلا يقال إن هذا مزيد في متصل الأسانيد، لكن في الرواة قد يكون سمع بواسطة ثم بدون واسطة، فلا بُدَّ أن تكون قرينة أن هذا مزيد؛ أي: زيد في متصل الأسانيد وليس أصلًا من الإسناد، وشرطه أن يكون تصريحًا في موضع الزيادة، يقول: حدثني فلان، ثم في إسناد آخر: حدثني فلان من شيخه الذي ذكره أولًا؛ فهنا يكون هو الذي يحكم للمزيد، أما إذا كان لعنعنة فترجحت الزيادة.

الحديث المضطرب

الطالب:

المضطرب: أو كانت المخالفة بإبداله -أي: الراوي- ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى؛ فهذا هو المضطرب، وهو يقع في الإسناد غالبًا، وقد يقع في المتن، لكن قل أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد.

الشيخ: فمثلًا حديث: لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرض عليكم، فإن لم يجد إلا لِحاء عنب فَلْيَمْضُغْه[10]؛ فهذا الحديث قالوا إنه مضطرب، روته الصماء بنت بسر عن أخيها عبدالله بن بسر، وهو عن أبيه، ومرة ربط الصماء بنت بسر عن أبيها مباشرة، ومرة رواه عبدالله بن بسر عن النبي ، وكلهم صحابة، الصماء بنت بسر، عبدالله بن بسر، والبسر الصحابي ، فجاز أن يحذفوا بعض الصحابة، فذكروا -أظن في سبل السلام- هذا: أن بعضهم حكم عليه بالاضطراب، فلا يكون هذا اضطرابًا فيما أمكن الجمع على قواعد التحديث.

الطالب: 

لكن قلَّ أن يحكم المحدث على الحديث بالاضطراب بالنسبة إلى الاختلاف في المتن دون الإسناد، وقد يقع الإبدال عمدًا لمَن يراد اختبار حفظه، امتحانًا من فاعله...

الشيخ: هنا جاء، نعم.

الطالب:

كما وقع للبخاري والعقيلي وغيرهما.
وشرطه: ألَّا يستمر عليه، بل ينتهي بانتهاء الحاجة، فلو وقع الإبدال عمدًا، لا لمصلحة بل للإغراب مثلًا؛ فهو من أقسام الموضوع، ولو وقع غلطًا فهو من المقلوب أو المعلل.

الشيخ: غريب هذا الجزء! قد يقع الإبدال، هذا من المقلوب أو من المضطرب؛ يعني: أنا يظهر لي أن هذا موضعه في المقلوب، مثلما قلبوا للبخاري والعقيلي وغيرهما، وشرطه ألَّا يستمر عليه صحيح، فلو وقع الإبدال عمدًا، لا لمصلحة؛ فهذا لا يتعلق بالاضطراب.

على كل حال؛ افهموا أن هذا قد يحصل، وقد يُختبر الطلبة فيما بينهم بهذا المعنى.

المُصَحَّف والمُحَرَّف

الطالب:

المُصَحَّف والمُحَرَّف: أو إن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف، مع بقاء صورة الخط في السياق؛ فإن كان ذلك بالنسبة إلى النقط فالمُصَحَّف، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فالمُحَرَّف، ومعرفة هذا النوع مهمة، وقد صنَّف فيه العسكري والدارقطني وغيرهما.

الشيخ: أبو أحمد الحسن بن عبدالله العسكري له كتاب "تصحيفات المحدثين" مطبوع، لا يفرق بين المُحَرَّف والمُصَحَّف على هذا التعريف، كذلك الخطابي له "إصلاح الغلط"، كذلك السيوطي الظاهر له "التطريف في التصحيف"؛ فالحاصل ما يفرقون، إذا ذكروا مثل الصحيحة والضعيفة، فالصحيحة يدخلون فيها الحسنة، مثل هذا، لكنه يفرق، قال: إذا كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف في صورة الخط في السياق، فهذا يسمى تصحيفًا؛ وإن كان بالنسبة إلى النقط، يعني "ثابت" صحَّفه إلى "نابت"، وكذلك "بنان" صحَّفه إلى "بيان"، أو مثل هذا.

وهذا التصحيف يوجد في المتن أيضًا، وفي الحديث: مَن صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال[11]؛ فصحَّفه بعضهم بماذا؟ أتبعه "شيئًا" من شوال، وهذا تصحيف واضح جدًّا، فإن كان بالنسبة إلى النقط فالمُصَحَّف، فهنا النقط: بنان وبيان وكذا.

وإن كان بالنسبة إلى الشكل؛ الشكل يعني الحركات كالفتحة والكسرة...، فهو المُحَرَّف؛ مثاله: الحديث الذي جاء عن جابر ، قال: "رُمي أُبَيٌّ يوم الأحزاب على أَكْحَله، فكواه النبي "[12]، فصحَّفه بعضهم، فقال: "رُمي أُبَيٌّ" و"رُمي أَبِي"، فالاختلاف في الشكل وارد، يمثلون له هذا، وأبو جابر متى توفي؟ في أحد، ويوم الأحزاب كان بعده بثلاث سنوات.

أما بالنسبة إلى النَّقْط: "عَوَّام بن مراجم" صحَّفه بعضهم "عَوَّام بن مزاحم"، هذا ذكره الإمام أحمد أيضًا، وقد صنف العسكري والدارقطني أيضًا.

الطالب:

وأكثر ما يقع في المتون، وقد يقع في الأسماء.

الشيخ: ومن الغريب الذي ذكروا في كتب التصحيف؛ قالوا: احتجر رسول الله في المسجد، فبعضهم صحَّف فقال: احتجم. كذلك: يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ فصحَّفه قال: يا أبا عمير، ما فعل البعير؟

الطالب:

حكم اختصار الحديث والرواية بالمعنى
ولا يجوز تعمُّد تغيير صورة المتن مطلقًا، ولا الاختصار منه بالنقص، ولا إبدال اللفظ المرادف باللفظ المرادف له، إلا لعالم بمدلولات الألفاظ، وبما يحيل المعاني، على الصحيح في المسألتين.
أما اختصار الحديث: فالأكثرون على جوازه، بشرط أن يكون الذي يختصره عالمًا؛ لأن العالم لا ينقص من الحديث إلا ما لا تعلق له بما يبقيه منه، بحيث لا تختلف الدلالة ولا يختل البيان، حتى يكون المذكور والمحذوف بمنزلة خبرين، أو يدل ما ذكره على ما حذفه، بخلاف الجاهل فإنه ينقص ما له تعلق، كترك الاستثناء.

الشيخ: أو كما يقول: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ [النساء:43]، هذا مثال، لا يذكرون بعده وما قبله، فلا يعرف إذا كان الإنسان يكتفي بهذا النهي، لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43]؛ فله تعلُّق، لا يجوز أن يقرأ ويسكت على هذا.

الطالب:

وأما الرواية فالخلافُ فيها شهيرٌ، والأكثرُ على الجواز أيضًا، ومن أقوى حُجَجهم الإجماعُ على جوازِ شرحِ الشريعةِ للعجَمِ بلسانِهم للعارِفِ به، فإذا جازَ الإبدالُ بلغةٍ أخرى فجوازُهُ باللغةِ العربيةِ أَولى.

الشيخ: نعم، صحيح.

الطالب:

وقيل: إنما تجوزُ في المُفرَدات دون المُركَّبات، وقيل: إنما تجوزُ لمَن يستحضر اللفظ؛ ليتمكن من التصرُّف فيه.

الشيخ: أما إذا كان يستحضر اللفظ شرحًا وتوضيحًا فمن الممكن أن يروي بالمعنى، لكنه ما دام يستحضر فلا يكون كنودًا بنعمة الله، إلا أنه لا بُدَّ أن يذكُر بلفظِ النبي أو بلفظِ الحديث، ثم بعد ذلك يوضح، لا بأس فيها، فإذا كان يستحضر اللفظ، لماذا يذهب فيتصرف؟ لا حق له، ولا استقام في الحقيقة، ينبغي ألَّا يتصرَّف بها، لكنه إذا كان متيقنًا بأن هذا معناه، ولا يستحضر اللفظ، فجازَ له بشرط يكون متثبتًا متيقنًا أن هذا معنى كلام النبي .

الطالب:

وقيل: إنما تجوزُ لمَن كان يحفظُ الحديث فنسيَ لفظُه، وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه، فله أن يرويَه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحُكم منه، بخلاف مَن كان مستحضرًا للفظة. وجميعُ ما تقدَّم يتعلَّق بالجواز وعدمه، ولا شك أن الأَولى إيرادُ الحديث بألفاظه دون التصرُّف فيه؛ قال القاضي عياض: ينبغي سدُّ باب الرواية بالمعنى؛ لئلا يتسلَّط مَن لا يُحسِن ممَّن يظنُّ أنه يُحسِن، كما وقع لكثيرٍ من الرواة قديمًا وحديثًا.

الشيخ: أبو خيثمة في كتابه "تقييد العلم" ذكر أن بعض الصحابة ما كانوا يجيزون إلا الرواية باللفظ، وبعضهم يجيز الرواية بالمعنى، والذين كانوا يجيزون يقولون: لا بُدَّ أن يقول بعده أو نحوه أو شكله أو مثله؛ أي: لفظًا إذا كان.

غريب ألفاظ الحديث ومصادره

الطالب: قال:

غريبُ ألفاظ الحديث: فإن خفي المعنى بأن كان اللفظ مستعملًا بقلةٍ، احتيج إلى الكتب المُصنَّفة في شرح الغريب، ككتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو غير مرتب، وقد رتَّبه الشيخ موفَّق الدين بن قُدامة على الحروف.

الشيخ: لكن ما وُجد هذا -والله أعلم-، إلا أنه طُبِع أول ما طُبِع في الهند على غير ترتيب، ثم في جامعة أم القرى في أوائل أعمال مركز البحث العلمي، الدكتور محمد تناحي هو الذي رتَّب فهرسة الألفاظ الغريبة التي ذكره بألف باء، وطُبِع في مركز البحث العلمي، والآن يسمى معهد البحوث.

الطالب:

وأجمع منه كتاب أبي عبيد الهروي، وقد اعتنى به الحافظ أبو موسى المديني، فنقَّب عليه واستدرك، وللزمخشري كتاب اسمه "الفائق" حَسَن الترتيب، ثم جمع الجميع ابنُ الأثير في "النهاية"، وكتابه أسهل الكتب تناولًا، مع إعوازٍ قليلٍ فيه.

الشيخ: "مع إعوازٍ قليلٍ فيه"؛ ويبقى الباب مفتوحًا للعمل على كل حال، فكان أحد علماء الهند في القرن العاشر، توفي سنة تسعمئة وعشرين، وهو الفتني، فله كتاب في غريب الحديث في أربعة مجلدات قريب من النهاية، وأورد ما لم يورده ابن الأثير رحمه الله.

مشكل ألفاظ الحديث

الطالب:

مشكل ألفاظ الحديث
وإن كان اللفظ مستعملًا بكثرة لكنَّ في مدلوله دقة؛ احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الأخبار.

الشيخ: أنت قلت: "لكنْ في مدلوله" أو "لكنَّ"؟

الطالب: لكنْ.

الشيخ: "لكنْ" إذا كان مخففًا يكون ممنوعًا من العمل، يكون حرف عطف؛ فالصواب هو "لكنَّ في مدلوله دقةً".

الطالب:

لكنَّ في مدلوله دقةً، احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الأخبار، وبيان المشكل منها، وقد أكثر الأئمة من التصانيف في ذلك؛ كالطحاوي، والخطابي، وابن عبدالبر، وغيرهم.

الشيخ: كُتُب مشكل الحديث ومختلف الحديث قريب بعضها من بعض، ولذلك الشافعي رحمه الله له كتاب "اختلاف الحديث" يذكر فيه اختلاف الحديث ومشكل الحديث أيضًا، لكن ابن قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث" ذَكَرَ فيه مختلف الحديث خالصًا؛ أي: ذَكَرَ حديثًا وحديثًا قد اختلفَا، وأما الطحاوي فـ"شرح مشكل الآثار" أدخل فيه النوعين؛ مُشكِلًا إذا كان مختلفًا مع حديث آخر، أو مُشكِلًا مخالفًا في المعنى لآية في الظاهر أو للمعروف لدى الأئمة إجماعًا.

الجهالة بالراوي وأسبابها

الطالب: قال:

الجهالة وأسبابها
ثم الجهالة بالراوي، وهي السبب الثامن في الطعن؛ وسببها أمران: أحدهما: أن الراوي قد تَكثُر نعوته من اسم، أو كنية، أو لقب، أو صفة، أو حرفة، أو نسب؛ فيشتهر بشيء منها، فيُذكَر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، فيُظَنُّ أنه آخر، فيحصل الجهل بحاله، وصنفوا فيه -أي: في هذا النوع- "المُوضِح لأوهام الجمع والتفريق"، أجاد فيه.

الشيخ: والكتاب هذا مطبوع، وقد رُزق الكتاب محققًا علامةً كبيرًا، وهو عبدالرحمن المعلِّمي اليماني رحمة الله عليه، لما كان في الهند وطُبع من حيدرأباد في دار المعارف، والظاهر أنه حُقق مرةً أخرى، لكنه سُرق من تحقيق الشيخ المعلِّمي، ولم يُذكر فيه أشياء.

الطالب:

وسبقه إليه عبدالغني بن سعيد المصري، وهو الأزدي أيضًا، ثم الصوري؛ ومن أمثلته.

الشيخ: كتابه مطبوع، وهو "إيضاح الإشكال".

الطالب:

ومن أمثلته محمد بن السائب بن بشر الكلبي، نسبه بعضهم إلى جده، فقال: محمد بن بشر، وسماه بعضهم حماد بن السائب، وكناه بعضهم أبا النضر، وبعضهم أبا سعيد، وبعضهم أبا هشام، فصار يُظَنُّ أنه جماعة، وهو واحد، ومَن لا يعرف حقيقة الأمر فيه لا يعرف شيئًا من ذلك.

الشيخ: وهذا قد يستعمله المدلِّسون، وكذلك قد يُنسب إلى أعلى جدٍّ له، قد يُنسب إلى أمه، فيظهر أن هذا شخص آخر، في حين أنه يكون نُسب مع أبيه الأصل، فيكون مثل هذا من أعمال المدلِّسين رحمهم الله.

الطالب: قال:

والأمر الثاني: أن الراوي قد يكون مقلًّا من الحديث.

الشيخ: الأمر الثاني من أسباب الجهالة.

الطالب:

فلا يَكثُر الأخذ عنه، وقد صنفوا فيه الوُحْدَان، وهو مَن لم يروِ عنه إلا واحد، ولو سُمي فممَّن جمعه مسلم، والحسن بن سفيان، وغيرهما.

الشيخ: وكتاب مسلم ما ندري طُبع، أول ما طُبع في الهند قبل مئة وعشرين سنة تقريبًا، والنسخة القديمة عندي، مع كتاب مسلم كتابُ "الضعفاء" للنسائي، أما الحسن بن سفيان فلا ندري هل ظهر أم لم يظهر. الوُحْدَان: مَن لم يروه إلا واحد.

الطالب: قال:

أو لا يسمى الراوي اختصارًا من الراوي عنه؛ كقوله: أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم، أو ابن فلان؛ ويستدل على معرفة اسم المُبْهَم بوروده من طريق أخرى مسمى.

الشيخ: فإذا سُمي وعُرف أنه ثقة، فحديثه يكون صحيحًا، وإذا لم يُسَم فيبقى متوقَّفًا فيه. وصنفوا في المبهمات؛ الخطيب البغدادي له كتاب وهو "أسماء المبهمة في الأنباء المُحكمة" خصصها بالمبهمات في المتن، وأفيَدُ منه إذا أُتِم، ويمكنك أن تتم هذا الكتاب الآن، ما جاء في كتاب أبي زُرعة "المهمات في مبهمات المتن والإسناد"، لأبي زرعة العراقي رحمة الله عليه، وهذا أذكره أن الشيخ حمَّاد رحمه الله هو الذي نسخه من الرياض، ثم طَبَعَهُ أيامَ انتقاله إلى الجامعة الإسلامية، والطبعة القديمة هي التي معنا، ثم بعد ذلك حققه بعضُ طلبة الجامعة، فجاء في ثلاثة مجلدات أظن "المهمات في مبهمات المتن والإسناد"، كذلك النووي له "الإرشاد في معرفة المبهمات" تلخيصًا لكتاب الخطيب، وهذا أيضًا طُبع في الهند منذ مدة طويلة جدًّا بخط الحَجَر.

المبهمات وأثرها في الحُكم على الحديث

الطالب: قال:

حُكم رواية المبهم
ولا يُقبل حديث المبهم ما لم يُسَم؛ لأن شرط قبول الخبر عدالةُ رواته، ومَن أُبهِم اسمه لا تُعرف عينُه.

الشيخ: عدالة رواته مع شروط أخرى، فالذي لم يُسَم لم تُعرف عدالته، ولم يُعرف ضبطه، فهل سمع من فلان أو لم يسمع؟ كل شروط الصحيح تبقى مبهمة، فليست عدالة فقط؛ لأن شرط قبول الخبر عدالةُ رواته.

الطالب:

لا تُعرف عينُه، فكيف عدالته؟!
وكذا لا يقبل خبره ولو أُبهِم بلفظ التعديل، كأن يقول الراوي عنه: أخبرني الثقة؛ لأنه قد يكون ثقةً عنده مجروحًا عند غيره، وهذا على الأصح في المسألة، ولهذه النكتة لم يقبل المرسل ولو أرسله العدل جازمًا به لهذا الاحتمال بعينه، وقيل: يُقبل تمسكًا بالظاهر؛ إذ الجرح على خلاف الأصل، وقيل: إن كان القائل عالمًا أجزأه ذلك في حق مَن يوافقه في مذهبه.

الشيخ: وقد ذكرنا مَن يكون أعلم من الشافعي، الذين جاؤوا في هذا الزمان، ومن بعده -إن شاء الله-، لكنه كان يقول: أخبرني الثقة، حدثني مَن أثق به، ولم يقبله العلماء، فلا يقبل، هذا هو الصحيح.

وأذكر أن الدكتور الفاضل كان يدرِّس هنا هو عبدالرزاق أبو البصل، كانت رسالته في الماجستير "التعديل بالإبهام"، والآن هو ينتقل إلى الأردن يدرِّس في جامعة اليرموك، وأنا ناقشته، رسالة جيدة في هذا الباب، ذكر أطراف الموضوع جيدًا.

الطالب: قال:

وهذا ليس من مباحث علوم الحديث.

الشيخ: لماذا ليس من مباحث علوم الحديث؟ وقيل: يُقبل تمسكًا بالظاهر؛ إذ الجرح على خلاف الأصل، وقيل: إن كان القائل عالمًا...؛ هذا ليس من مباحث علم الحديث. لماذا؟ لأنه في علم الحديث لا ينظرون إلا إلى الراوي، ولا يقلدون عالمًا بعينه.

الطالب: قال:

أنواع المجهول
فإن سُمي الراوي، وانفرد راوٍ واحد بالرواية عنه؛ فهو مجهول العين كالمُبْهم، إلا أن يوثِّقه غير مَن ينفرد به عنه على الأصح، كذا مَن ينفرد عنه إذا كان متأهلًا لذلك.

الشيخ: يعني إذا قال: حدثني فلان باسمه وهو ثقة، حدثني: محمد بن عبدالله وهو ثقة، إذا قال هذا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم؛ فهذا مقبول -إن شاء الله-؛ لأن هؤلاء من أهل التعديل والترجيح، أما إذا قال: حدثني فلان محمد بن عبدالله وهو مجهول عند الجميع، ولم يوجد توثيق من أحد؛ فيبقى مجهولًا، حديثه يكون ضعيفًا.

الطالب: قال:

كالمُبْهم إلا أن يوثِّقه غير مَن ينفرد به عنه على الأصح، وكذا مَن ينفرد عنه إذا كان متأهلًا لذلك، أو إن روى عنه اثنان فصاعدًا ولم يوثق؛ فهو مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبل روايته جماعة بغير قيد، وردها الجمهور؛ والتحقيق: أن راوية المستور ونحوه مما فيه احتمال، لا يطلق القول بردها ولا بقبولها، بل يقال: هي موقوفة إلى استبانة حاله، كما جزم به إمام الحرمين ونحوه.

الشيخ: نعم، هو الواضح -إن شاء الله-، وهو الصحيح فيما يظهر.

الطالب:

قول ابن الصلاح: فيمن جُرح بجرح غير مفسر ونحوه.

الشيخ: نعم، ننتهي.

^1 المَدخل إلى كتاب الإكليل، ص61.
^2 رواه البخاري: 1، واللفظ له، ومسلم: 1907.
^3 رواه البخاري: 14، ومسلم: 44.
^4 رواه أبو داود: 2574، والترمذي: 1700، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
^5, ^6 الموضوعات لابن الجوزي: 1/ 43.
^7 رواه أحمد: 20163، وقال محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
^8 رواه البخاري: 136، ومسلم: 246.
^9 رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031.
^10 رواه أحمد: 27075، وقال محقق المسند: رجاله ثقات.
^11 رواه مسلم: 1164.
^12 روه مسلم: 2207.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©