تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس

من قوله "ومنها: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين .."

جدول المحتويات

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

نقرأ -إن شاء الله- مما يسر الله لنا من كتاب "نُزهة النظر"، ونأخذ على اقتصادٍ في الشرح لعلنا ننتهي، أو نقرب منه إلى غد.

بسم الله الرحمن الرحيم

القارئ: باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا ولمَن حضر واستمع.

تتمة أنواع الخبر المُحْتَفّ بالقرائن

قال الإمام ابن حجر رحمه الله تعالى:

المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين

ومنها: المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبًا، كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلًا، ويشاركه فيه غيره عن الشافعي، ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فإنه يُفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم.

الشيخ: هذا الذي ذكرنا بالأمس؛ أن المتواتر المعيار الأكبر والميزان المطلوب فيه: أن تكون العادة تُحيل تواطُؤ الرواة على الكذب؛ فإذَن إذا كان هناك مسلسلٌ بالأئمة -ولو كانوا ستة أو خمسة- فهذا يعطينا اليقين والثلج في قلبنا بأن هؤلاء لم يتفقوا على الكذب.

القارئ:

ولا يتشكك مَن له أدنى ممارسة بالعلم وأخبار الناس أن مالكًا مثلًا لو شافهه بخبر أنه صادقٌ فيه، فإذا انضاف إليه مَن هو في تلك الدرجة؛ ازداد قوة، وبَعُدَ ما يخشى عليه من السهو.

القرائن هذه إنما تفيد العلم بصدق الحديث عند المختصين

وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث، المتبحِّر فيه، العارف بأحوال الرواة، المُطَّلِع على العلل. وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك -لقصوره عن الأوصاف المذكورة التي ذكرناها- لا ينفي حصول العلم للمتبحِّر المذكور.

الشيخ: ولذلك؛ لا يُؤخذ كلام عامة الناس: أن هذا الحديث مشهور أو متواتر أو عزيز؛ كل هذا خاصٌّ بالمتبحِّر بعلم الحديث، المتبحِّر ليس المقصود منه: أن يكون لا نظير له ولا ند له، إنما كل مَن يعيش في علم الحديث فيطلع على أقوال العلماء، على الأقل يطلع على أقوال العلماء الذين سبقوه بالإيمان: أن هذا الحديث متواتر، وهذا مشهور.

القارئ:

وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك -لقصوره عن الأوصاف المذكورة- لا ينفي حصول العلم للمتبحِّر المذكور.
ومُحَصَّل الأنواع الثلاثة التي...

الشيخ: "ومُحصَّل"؛ يعني: الخلاصة أو الحاصل.

القارئ:

ومُحصَّل الأنواع الثلاثة التي ذكرناها أن:
الأول: يختص بالصحيحين.

الشيخ: أن الأول من أيِّ شيء؟

الطلاب: من المتواتر والآحاد؟

الشيخ: لا، من الآحاد، ما يحتف بالقرائن قد يُعطي معنى التواتر، فالأول يختص بالصحيحين، حيث إن الأمة قد اجتمعت على صحة ما فيهما، وهذا يُعطي معنى التواتر.

القارئ:

والثاني: بما له طرق متعددة.
والثالث: بما رواه الأئمة.
ويمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، ولا يبعد حينئذٍ القطع بصدقه، والله أعلم.

الشيخ: هل فيكم مَن يقول مثلًا بأنه يمكن اجتماع الثلاثة في حديث واحد، بحيث تنظر إلى حديثٍ ما في الصحيحين أو في أحد الصحيحين، يكون له طرق متعددة برواية الأئمة، أو مسلسل برواية الأئمة؛ هل يمكن أن يوجد هذا، خاصة الثالث؟ ربما يكون، والله أعلم لا يحصل أن يكون مسلسلًا برواية الأئمة، إنما جاءت رواية أحمد عن الشافعي رحمه الله، لكن ليس هناك الأئمة الآخرون يجتمعون فيه.

فإذَن؛ الثالث بما رواه الأئمة، ربما لا يوجد، لكن إذا تتبعتَ تجد أن هناك روايات تجدها في الصحيحين، ولها طرق متعددة تُعطي معنى التواتر.

تقسيم الغريب

القارئ: قال:

تقسيم الغريب إلى مطلق ونسبي:
ثم الغرابة إما أن تكون في:
أصل السند: أي في الموضع الذي يدور الإسناد عليه ويرجع ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي.

الشيخ: "وهو طرفه الذي فيه الصحابي"؛ يعني: ينفرد تابعي برواية الحديث للصحابي، وهو طرفه الذي فيه الصحابي. قل بمعنًى آخر: أن ينفرد تابعيٌّ برواية الحديث عن الصحابي الذي رواه، لم يروه غيره.

القارئ:

أو لا يكون كذلك؛ بأن يكون التفرد في أثنائه، كأن يرويه عن الصحابي أكثر من واحد، ثم ينفرد بروايته عن واحد منهم شخص واحد.

الشيخ: لأنه من الممكن أن يكون الصحابي أخذ منه عدة تابعين، لكن لم يشتهر ولم ينتشر، أو لم تنتشر الرواية إلا عن واحد منهم.

الفرد المطلق وأمثلته

القارئ: قال:

فالأول: الفرد المطلق، كحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته[1]، تفرَّد به عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، وقد ينفرد به راوٍ عن ذلك المنفرد، كحديث شُعَب الإيمان...

الشيخ: هذا الحديث تفرَّد به عبدالله بن دينار، وهذا مشهور، ويُمثِّله جميع أصحاب أئمة المصطلح، ولذلك قال مسلم رحمه الله لما روى هذه الرواية: "الناس عيال على عبدالله بن دينار في هذا الحديث" يعني: هو الذي اشتهرت عنه الرواية.

القارئ: قال:

وقد ينفرد به راوٍ عن ذلك المنفرد، كحديث شُعَب الإيمان[2] تفرَّد به أبو صالح، عن أبي هريرة، وتفرد به عبدالله بن دينار، عن أبي صالح، وقد يستمر التفرُّد في جميع رواته أو أكثرهم. وفي "مسند البزار" و"المعجم الأوسط" للطبراني أمثلة كثيرة لذلك.

الشيخ: وكذلك تجدون في الترمذي أيضًا، وهو أقرب شيءٍ عندكم، يقول: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث إلا فلانًا، وهذا يدل على ما يُخبر بعلمه رحمه الله أنه لم يجد غير هذا الراوي لهذا الحديث.

الغريب النسبي، والفرق بينه وبين الغريب المطلق

القارئ: قال:

والثاني: الفرد النسبي:
سُمِّي بذلك؛ لكون التفرُّد فيه حصل بالنسبة إلى شخص معين، وإن كان الحديث في نفسه مشهورًا، ويقل إطلاق الفردية عليه؛ لأن الغريب والفرد مترادفان لغةً واصطلاحًا، إلا أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته.

الشيخ: يعني؛ حصل بالنسبة إلى شخص معين، بالنسبة إلى بلد معين، تأتي هذه التفردات عند الأئمة رحمة الله عليهم، ويقولون: هذا الحديث لم يروه من أهل الشام إلا فلان، هذا الحديث لم يروه عن مالك إلا فلان، وإن كان عن غير مالك رواه عدة أشخاص، فهذا بالنسبة لشخص معين، إمام معين تفرد عنه راوٍ واحد، كذلك بالنسبة لمدينة من المدن تفرد بها، وهذه التفرُّدات يذكرها الأئمة رحمة الله عليهم، وخاصة في كتب العلل.

القارئ: قال:

فالفرد أكثر ما يُطلقونه على الفرد المطلق.
والغريب أكثر ما يُطلقونه على الفرد النِّسبي.
وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما. وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق، فلا يُفرِّقون، فيقولون في المطلق النِّسبي: تفرَّد به فلان، أو أغرب به فلان.

الشيخ: في المطلق والنِّسبي؛ كلاهما يقولون: تفرَّد به فلان.

يأتي السؤال بعد ذلك: هل هذا التفرُّد تفرُّدٌ مطلق أم تفرُّدٌ نِسبي؟ أغرب به فلان، فيبقى في طيّاته أنه يدخل فيه النِّسبي والمطلق.

الفرق بين المنقطع والمرسل

القارئ: قال:

وقريبٌ من هذا: اختلافهم في المنقطع والمرسل؛ هل هما متغايران أو لا؟ فأكثر المحدثين على التغاير لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق، فيستعملون الإرسال فقط، فيقولون: أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلًا أم منقطعًا.

الشيخ: يعني؛ ما تجد قطع به فلان، أو قطعه فلان، أرسله فلان، سواء كان منقطعًا من أسماء السند.

ومعلومٌ أن الإرسال لا يقال إلا فيما يكون التابعي رفعه إلى النبي ، فيقولون: هذا مرسل، وأرسله سعيد بن المسيب، أرسله نافع، أرسله فلان، أما إذا كان المنقطع فيكون فيما بين سفيان بن عيينة وشيخه من المتأخرين، فهو منقطع، لكن إذا عبروا بالفعل، فيقولون: أرسله سفيان بن عيينة.

القارئ: قال:

ومن ثَمَّ؛ أطلق غير واحد ممن لم يُلاحظوا مواقع استعمالهم على كثير من المحدثين أنهم لا يُغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك لما حررناه، وقَلَّ من نَبَّه على النُّكتة في ذلك، والله أعلم.

الصحيح لذاته

قال:

الصحيح لذاته
وخبر الآحاد: بنقل عدلٍ، تامِّ الضبط، متصل السند، غير مُعَلٍّ ولا شاذ؛ هو الصحيح لذاته.
وهذا أول تقسيم المقبول إلى أربعة أنواع؛ لأنه إما أن يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا.
الأول: الصحيح لذاته.
والثاني: إن وجد ما يجب...

الشيخ: هذه هي خلاصة أو نتيجة دراسة المصطلح.

 هذه الأقسام كما يقولون: كل فن له موضوع؛ موضوعه: الأحاديث تُبحث عن عوارضها الذاتية.

ونتيجته ماذا؟ أو الغرض منه ماذا؟

هو معرفة الصحيح والضعيف والمنقطع والمرسل، الأحوال التي تطرأ على الأحاديث أو الآثار.

فهذه خلاصةٌ؛ ينبغي أن تعتنوا بالضبط وحفظ التعاريف، ثم ما يتعلق به مما يطرأ عليه الحالات، وهذا هو المطلوب في الحقيقة، وكلها كمقدماتٍ لا شك فيها، لكن هذا هو المطلوب الذي ينبغي أن نعتني به اعتناءً كبيرًا، وهو خلاصة غرض دراسة القواعد الحديثية.

القارئ: قال:

والثاني: إن وُجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق؛ فهو الصحيح أيضًا، لكن لا لذاته.

الشيخ: "إن وُجد ما يجبر ذلك القصور".

أولًا: الصحيح لذاته.

الثاني: "إن وُجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق؛ فهو الصحيح أيضًا، لكن لا لذاته".

هو في الحقيقة لو كان عرف رحمه الله هنا الحسن؛ لأنه سيأتي ويقول: "فإن خَفَّ الضبط فهو حسن لذاته"، هذا أيضًا من أهم المسائل العويصة في علم المصطلح: ما مقدار خفة الضبط؟ وكيف نعرف خفة الضبط؟ وليس لنا طريق إلا أن نُدمن النظر في كتب تراجم الرواة، وخاصة الكتب التي تعتني بذكر منفردات، بذكر منكرات، بذكر الشواذ من أحاديث الرواة، هذا ليس له طريق إلا هذا.

فإذَن؛ الحسن: ما خَفَّ ضبطه، هذا الضبط حصل فيه خفة، قصورٌ في الضبط، فلذلك يُشير إلى هنا، يقول: "إن وُجد ما يجبر ذلك القصور"، أين الإشارة إلى ذلك القصور؟ كأن النسخة فيها ما يحتاج إلى النظر، والله أعلم؛ لأنه يقول: "هذا أول تقسيم المقبول إلى أربعة أنواع، أو لأنه إما يشتمل من صفات القبول على أعلاها أو لا. الأول: الصحيح"؛ "لأنه إما يشتمل من صفات القبول على أعلاها"، ماذا يسمى هذا الذي لا يشتمل؟

"والثاني: إن وُجد ما يجبر ذلك"، فهو الذي يسمى "الحسن لذاته"، وهو نفسه عرف به: "إذا خف الضبط، فهو حسن لذاته" خَفَّ خفوفًا: قَلَّ، وليس معناه أنه ضبطه يكون سيئًا جدًّا، إنما الأئمة يُعيِّنون أنه أخطأ في حديث أو حديثين، وأيُّ ثقة لا يُخطئ؟! لكن -أيها الطالب- إذا أردت أن تحكم على الحديث بالنظر إلى هذا الراوي، فكن على حذر، لا تقع على ما أخطأ فيه فتُصحِّحه، هذا واردٌ في الحقيقة، ولذلك "الحسن" فيه قصور في الضبط، فإذا جاءت طرقٌ أخرى للحسن لذاته فهو الصحيح أيضًا، لكن لا لذاته، يعني: الصحيح لغيره.

القارئ: قال:

وحيث لا جبران؛ فهو الحسن لذاته.

الشيخ: فهو الحسن لذاته، تحكم على الحديث أنه حسن لذاته، لكن لا بُدَّ أن تحفظ هذا الشرط، بألَّا تقع على حديث قد حكم العلماء بأنه أخطأ في هذا الحديث، إما جزئيًّا، وليس بالضرورة أن يكون أخطأ في الحديث، ربما زاد في حديث: إنما الأعمال بالنيات[3] شيئًا ويكون تفرد به، ويكون خالف الروايات المشهورة، فيقال: قد أخطأ في حديث فلان الفلاني.

فإذَن؛ "حسن لذاته" راويه يُسمُّونه ويُعطونه درجة الصدوق أو لا بأس به، فإذا كان صدوقًا لا تحكم على جميع أحاديثه بالحسن لذاته؛ لأن هناك خللًا في بعض ضبطه، ابحث أين موضع الخلل، اجعل لها فهرسة، وبعد ذلك احكم على كل حديث بعده بالحسن لذاته.

القارئ: قال:

وإن قامت قرينةٌ تُرَجِّحُ جانب قبول ما يُتوقف فيه، فهو الحسن أيضًا لا لذاته.

الشيخ: هذا يُعرِّف لنا الضعيف؛ يعني: الذي يكون الخلل في ضبطه كثيرًا وليس خفيفًا، إذا كان الخلل في ضبطه كثيرًا وخطأه كثيرًا، ففي هذه الحالة هو ضعيف.

"إن قامت قرينة ترجِّح جانب قبول ما يُتوقف فيه"؛ هذا لا يُتوقف فيه في الحقيقة، لا يعمل به، توقفٌ في العمل؛ لأنه يكون ضعيفًا، لكن يُحكم عليه بالضعيف، فإذا بحثت يأتي الاعتبار والبحث في المتابعات والشواهد.

"وإن قامت قرينة ترجِّح جانب قبول ما يُتوقف فيه، فهو الحسن لذاته"؛ العلماء ما يتوقفون، إنما يرون إلى الراوي إذا كان فيه سوء الحفظ يقولون: هذا حديث ضعيف، ولكن له متابع، أو له شاهد يُقوِّيه، ويكون حسنًا لغيره لا لذاته.

القارئ: قال:

وقُدِّمَ الكلام على الصحيح لذاته؛ لعلو رتبته.

العدالة

والمراد بالعدل: مَن له مَلَكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة. والمراد بالتقوى: اجتناب الأعمال السيئة من شرك، أو فسق، أو بدعة.

الشيخ: "مَلَكة"؛ يقولون: "هيئة راسخة"، هكذا يُعرِّفون، في "التعريفات" للجرجاني: هيئة راسخة في القلب تصدر عنه الأعمال بدون تكلُّف.

فإذَن؛ الإنسان يكون متقيًا ليس متصنِّعًا، بل يكون جرى على التقوى من وقت ما تميَّز إلى وقت ما تحمل الحديث وغيره، بحيث لا يتكلف في الصلاة والزكاة وغيرها من أعمال الخير، تصدر منه بدون تكلُّف، أو بدون روية يقولون، فالمَلَكة هذه هي: تحمله على ملازمة التقوى والمروءة.

التقوى: اجتناب الكبائر، كذلك الإصرار على الصغائر.

المروءة ما هي؟

المروءة في الحقيقة هذا شيءٌ ليس له ضابط، بل قد يختلف مع اختلاف أعراف الناس، فتجدون أن الصحابة كانوا يمشون وهم يأكلون ويشربون عند الحاجة، لكن الأئمة رحمة الله عليهم -أئمة الحديث- تكاد تجد الكثير منهم يقول: مَن رأيتموه يمشي ويأكل، فهذا ليست عنده مروءة، لا يُؤخذ منه الحديث؛ لأنه مستهترٌ بالآداب العامة.

فإذَن؛ يكون مستهترًا مستحقرًا للحديث، ليس يصلح للتحديث، مَن رأيتموه يبول في الطريق، نصُّوا عليه.

المروءة قد تكون لباسًا أيضًا، الألبسة قد تختلف من زمان إلى زمان، من مكان إلى مكان، فهي في الحقيقة تتعلق إذا كان طالب علم الحديث النبوي يلبس لباس أصحاب الكُرَة وغيرهم، ويمشي في أذنه الجوال وكذا، هذا ليس طالب علم، الإمام أحمد رحمه الله رأى شخصًا كان لباسه غير لباس طالب العلم قال: هيئتك ليست هيئة طالب علم، إنما هيئتك هيئة حائك، هذا ذكره في "العلل لمعرفة الرجال".

فإذَن؛ ينبغي أن تكون الهيئة أيضًا هذه تدخل في المروءة، لا بُدَّ أن تكون هيئته هيئة طالب علم، خاصة أن المشي أيضًا قد يدل على حياء الإنسان وعلى خُلُقه السيئ أو خُلُقه الحَسَن؛ هذا الذي: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ [القصص:25]، وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا [الإسراء:38]، وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ [لقمان:19]؛ كل هذه تدل على أن هذه الأمور تدخل في المروءة أيضًا.

تقسيم الضبط وتعريفه

القارئ: قال:

والضبط:
ضبط صدر: وهو أن يُثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
وضبط كتاب: وهو صيانته لديه منذ سمع فيه وصححه إلى أن يُؤَدّي منه.

الشيخ: هنا فقط الإمام ابن حجر عبَّر بـ"سمع منه"، لكن تعرفون أن طرق تحمل الحديث عدة: سمع منه، أو أخذه وِجادة، أو كاتبه مكاتبة، كتب إليَّ فلان. فأيُّ شيءٍ يكون من طرق التحمل المعتبرة؟

وكتب في كتابه هذا: صيانته لديه منذ تحمل هذا الحديث وأدخله في كتابه لا يكون خرج من يده؛ لأنه إذا خرج وغاب الكتاب، فكانوا يفقدون الثقة في هذا الكتاب، ربما يكون أحدٌ أدخله، وهناك بعض الآباء كان ابتلي بابن سوء، كان يُدخل في حديثه أحاديث من عند نفسه.

فإذَن؛ "صيانته لديه" يعني: لا يخرج الكتاب من عنده، وعلى هذا في الحقيقة إذا اشتهر، فهذا الشهير أحرى بأن يشتهر عن المحدثين.

ألا يا مستعير الكتب أقصر فإن إعارتي للكتب عار[4]

فإذَن؛ يكون العار عند المحدثين إذا كان أحد أعار ثم رجع الكتاب إليه، فيكون ربما المستعير لعب عنده أحدٌ وكذا، فتأتي مداخل كثيرة في اللعب في الكتاب، ولذلك الصيانة بحيث لديه لم يخرج منه، ولم يُشتبه فيه أنه تسرَّب فيه أحدٌ بالزيادة أو النقص.

القارئ: قال:

وقُيِّد بالتام إشارة إلى الرتبة العليا في ذلك.

الحديث المتصل

والمتصل: ما سَلِم إسناده من سقوط فيه...

الشيخ: كيف كانوا يعرفون أنه ضابطٌ تامٌّ، أو ضابطٌ ليس بالتامِّ؟ هو هكذا عندهم توجد كلمة اسمها "اعتبار"، وكلمة اسمها "خَبْرٌ"، "لقد خَبَرْتُه"، قال الإمام أحمد رحمه الله في راوٍ: إنه ضعيف، فقال ابنه عبدالله: فإن ابن معين يُوثِّقه، قال: لم يَخْبُره ابن معين، هكذا بكل صراحة.

كذلك "السَّبْر" سَبْرُ الأحاديث، فيأخذون حديثه، فإذا تفرَّد وهو ثقةٌ كان القدامى يسمونه "منكرًا"، لكن ينظرون: هل وافقه أحد؟ لأن في الغالب إذا كان ثقة ويقول: "حدثني" وحده، فمن الممكن أن يكون فيه خطأ، فكانوا يبحثون: هل روى هذا الحديث أحدٌ آخر؟ هذا هو "السَّبْر" بحيث كانوا يختبرون، فيجدون كل حديثه مثلما قام من المجلس، لم يُخطئ في أدائه كما سمع.

القارئ: قال:

والمتصل: ما سَلِم إسناده من سقوط فيه، بحيث يكون كلٌّ من رجاله سمع ذلك المرويَّ من شيخه.

الشيخ: سمع، أو يكون تحمَّل بأيِّ طريق، يعني يكون سمع، أو كتب إليَّ، أو آتاني كتابه، كل هذا يدخل فيه.

القارئ: قال:

والسند تقدَّم تعريفه.

الشيخ: ما هو؟ تقدم تعريفه.

السند: سلسلة رواة الإسناد.

والمتن: هو ما ينتهي إليه سلسلة الرواة، أي: السند.

الحديث المعلل

القارئ: قال:

والمُعَلَّل لغةً: ما فيه علة.
واصطلاحًا: ما فيه علة خفية قادحة.

الشيخ: هو قال: "ما فيه علة"، وعلى هذا حتى لو لم تكن خفية قادحة، قد يذكرون قرينة تدل على أن هذا يقصد الخفية يقصد؛ يقولون: فيه ثلاثُ عِلَل؛ ضعْفُ فلان، هذا الإسناد فيه علة ضعف فلان، لكن العلة الخاصة التي هي فنٌّ من فنون علوم الحديث، فلا تُطلق إلا على ما فيه علة خفية في الظاهر قادحة.

والعلة القادحة قد تدخل في جميع شروط الصحيح، ما رواه عدلٌ تدخل العلة في كونه عدلًا أو غير عدل، تجد أن راويَين باسم واحد: واحد ضعيف، وواحد صحيح؛ فظننت أنت أنه هو الثقة، وقد يكونان في طبقة واحدة، وهذا موجودٌ في كثير من الروايات، فيُخطِّئون العلماء، وخاصة "العلل" لابن أبي حاتم والدارقطني، ويظنون أنه هو الثقة، وإذا هو الضعيف.

ما رواه عدلٌ تام الضبط أيضًا يدخل فيه، أنت تظنه تامَّ الظن، والدارس الذي درس حديثه تمامًا وجد فيه خللًا.

تام الضبط، متصل السند؛ أيضًا تظنه متصلًا، وتظنه سمع منه، في حين أنه لم يلقه، وأين عاصره؟!

ففي جميع شروط الصحة تدخل العلة الخفية.

الحديث الشاذ

القارئ: قال:

والشاذ لغةً: المنفرد.
واصطلاحًا: ما يُخالف فيه الراوي مَن هو أرجح منه، وله تفسيرٌ آخر سيأتي.

الشيخ: "وله تفسيرٌ آخر سيأتي"؛ لعله يُشير إلى أن الأئمة ما كانوا يُفرِّقون قديمًا، الآن رأينا ناسًا بعض كتاباتهم قد هجموا على ابن حجر في أشياء كثيرة، وقالوا إن هذا قد أدخل في مصطلح أهل الأثر ما ليس من مصطلح أهل الأثر، وكان له أن يقول: "هذا مصطلحي"، هكذا.

نقول: لا، هناك أئمة استعملوا الشاذ على كل مخالفة، سواء كان ضعيفًا أو ثقة، لكن فيهم مَن كان يُفرِّق.

كذلك المنكر، كانوا يُطلقون عليه منفردًا، على الضعيف إذا خالف الثقة، فلعله يُشير إلى هذا.

سيأتي له تفسيرٌ آخر.

‌‌تنبيه: حول القيود في تعريف الصحيح لذاته

القارئ: قال:

تنبيه:
قوله: "وخبر الآحاد" كالجنس، وباقي قيوده كالفصل.

الشيخ: هنا أيضًا الجنس والفصل على ما يقولون من اصطلاح المنطقيين.

الجنس ما هو؟

تعريف الجنس يقولون: ما يُطلق على كثيرين مختلفين بالحقائق.

فإذَن؛ إذا قلت: حيوان؛ فيدخل فيه إنسان، يدخل فيه فرس، يدخل فيه حمار، يدخل فيه الطير، يدخل فيه كثيرون مختلفون بحقائقهم، وحقائق كل واحد إذا أردت؛ فلا بُدَّ أن تأتي بما يفصله عن غيره، وهو الذي يُسمُّونه "فصلًا".

فإذَن؛ إذا أردت الحيوان تخصه بالإنسان؛ فتأتي بما لا يشترك معه فيه غيره من الحيوانات، فتقول: حيوان ناطق؛ فإذَن لا يدخل فيه حيوان صاهل، ولا حيوان ناهق، ولا حيوان نابح... إلى آخره.

"باقي قيوده كالفصل"؛ يُميِّز بعضها عن بعض، فالفصل ما يُميَّز به عن جنسه.

القارئ:

وقوله: "بنقل عَدْلٍ" احترازٌ عما ينقله غير عدل.
وقوله: "هو" يُسمَّى فصلًا يتوسط بين المبتدأ والخبر، يُؤذِن بأن ما بعده خبرٌ عما قبله، وليس بنعت له.

الشيخ: هذا أعرب لنا جزاه الله خيرًا أيضًا.

يعني يقول: "خبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند"، فهذه كلها فصول.

خبر الآحاد يدخل فيه الضعيف، والصحيح، والعزيز، والغريب، وكله.

القارئ: قال:

وقوله: "لذاته" يُخرج ما يُسمَّى صحيحًا بأمرٍ خارج عنه كما تقدم.

تفاوت مراتب الصحيح لتفاوت أوصاف الرواة

مراتب الصحيح:
وتتفاوت رتبه -أي: الصحيح- بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة، فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة؛ اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوِّية، وإذا كان كذلك، فما تكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط، وسائر الصفات التي تُوجب الترجيح؛ كان أصح مما دونه.

الشيخ: وهذا الترجيح؛ الآن تعرفون أنهم يستعملون في كل شيءٍ، الآن حينما يُختبَر الطلبة أو المقابلة الشخصية أو ترشيح المعيد للإعادة في الجامعة، ما يأخذونهم كلهم، لا بُدَّ أن يكون مَن يحصل على درجة عالية، فهذا المانع هو داخل في هذا الباب أيضًا، فيكون في الحقيقة لا شك أن درجات العدالة تختلف، ودرجات الضبط تختلف.

الاتصال أيضًا يختلف، درجات الاتصال، كيف؟

أحدٌ ملازم عشر سنوات، وواحدٌ جاء طارئًا.

وهذه من وجوه الترجيح التي يذكرها الأئمة رحمة الله عليهم؛ إذا اختلف مَن لم يُلازم الشيخ مع مَن التزم ولازم الشيخ سنين عددًا، فيُرجِّحون مَن لازم، هذه أمور فطرية، أمور عقلية، والإسلام ديننا دين الفطرة.

القارئ: قال:

وإذا كان كذلك، فما تكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط، وسائر الصفات التي تُوجب الترجيح؛ كان أصح مما دونه.

مراتب أصح الأسانيد وأمثلته

فمن الرتبة العليا في ذلك: ما أطلق عليه بعض الأئمة أنه أصح الأسانيد:
كالزهري، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه.
وكمحمد بن سيرين، عن عبيدة بن عمرو السلماني، عن علي .

الشيخ: يعني؛ إذا قالوا: عن عبدالله بن عمر، ما هو أصح الأسانيد عن ابن عمر؟ فهذا الذي يأتي، ما هو أصح الأسانيد عن علي؟ فهذا، كذلك عن ابن مسعود أصح الأسانيد.

هذا كله الأئمة اتفقوا عليه وليس واحدًا منهم، بعضهم قد يجعل ما يُخالف الثاني، يرى أن هذا أقوى من الثاني، والمسألة اجتهادية. لكن كل هؤلاء الذين أطلق عليهم الأئمة أنه من أصح الأسانيد، فهو أصح من غيرها مما لم يُطلقوا عليه أنه أصح الأسانيد.

القارئ:

وكإبراهيم النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود .
ودونها في الرتبة:
كرواية بريد بن عبدالله بن أبي بردة، عن جده، عن أبيه أبي موسى .
وكحماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس .

الشيخ: شدوا همتكم واحفظوا هذه تستفيدون منها -إن شاء الله- إلى آخر الحياة، فلا بُدَّ أن تحفظوا. قد يُسأل الناس ولا يستطيعون الإجابة، ذهبت إلى الهند، والطلبة -ما شاء الله- يدرسون، فسألت: أول حديث في صحيح البخاري ما هو؟ قالوه، قلت: آخر حديث؟ ما أجابوا؛ لأنه قد يفوت على الإنسان، طيب، واحد منهم قام، قلت: اذكر لنا إسناده، ما أجاب.

فهذه الأشياء فيها لطائف؛ فينبغي أن تحفظوا: أول حديث، آخر حديث، أصح الأسانيد عن أبي هريرة...؛ هذه أشياء ينبغي أن تكون على استحضار عندكم.

القارئ:

ودونها في الرتبة:
كسهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة .
وكالعلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة .
فإن الجميع شملهم اسم "العدالة والضبط"، إلا أن المرتبة الأولى فيهم من الصفات المُرَجِّحَة ما يقتضي تقديم رواياتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة، وهي -أي: الثالثة- مقدمة على رواية مَن يُعَدُّ ما ينفرد به حسنًا:
كمحمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جابر.
وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.
وقِسْ على هذه المراتب ما يُشبهها.

الشيخ: نعم، ولا شك أن هذه الترتيبات قد تُفيد في ترجيح الروايات إذا وقعنا في مختلفِ حديثٍ لهؤلاء.

القارئ: قال:

البحث في أصح الأسانيد:
والمرتبة الأولى هي التي أطلق عليها بعض الأئمة: أنها أصح الأسانيد.
والمعتمد عدم الإطلاق لترجمةٍ معينة منها.
نعم، يستفاد من مجموع ما أطلق عليه الأئمة ذلك أرجحيته على ما لم يُطلقوه.

المفاضلة بين الصحيحين ومراتب أحاديثهما

قال:

المفاضلة بين الصحيحين ومراتب...

الشيخ: ثم بعد ذلك في البحث يذكرون أيضًا: أنه قد يطرأ على المَفوق فيكون فائقًا على الفائق؛ يعني: قد يكون سهيل بن أبي صالح أقل درجة من الأولى أو الثانية، لكن تُحيط به القرائن، بحيث يكون لهذا الحديث شواهد ومتابعات كثيرة، وقد يكون أقوى في الدرجة، أو أقوى من بعض رواة الدرجة الأولى، بحثوا في هذا أيضًا.

القارئ: قال:

المفاضلة بين الصحيحين ومراتب أحاديثهما
ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم؛ لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول، واختلاف بعضهم في أيهما أرجح، فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه.
وقد صرح الجمهور بتقديم صحيح البخاري في الصحة، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه.
وأما ما نُقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم"، فلم يُصرِّح بكونه أصح من صحيح البخاري؛ لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينفِ المساواة.

الشيخ: لكن هذا التأويل ما يظهر كما ينبغي، لما قال: "ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم"؛ يعني: ليس هناك كتاب أصح من مسلم، مفهومه أنه لا البخاري ولا غيره، فإذَن لا شك كأنه كان يرى أنه أصح، ولعلكم تعرفون أن المغاربة يُفضِّلون صحيح مسلم على صحيح البخاري، ولكلٍّ وجهة في تفضيله.

أحد الطلاب:

تشاجرَ قومٌ في البخاري ومسلم لدَي وقالوا: أيُّ ذَينٍ يُقَدَّمُ
فقلتُ: لقد فاقَ البخاريُّ... ......................................

الشيخ:

تشاجرَ قومٌ في البخاري ومسلم لدَي وقالوا: أيُّ ذَينٍ يُقَدَّمُ
فقلتُ: لقد فاقَ البخاريُّ صحةً كما فاق في حُسن الصناعة مسلمُ[5]

فيكون كل واحد له مَزِيَّته.

لكن كلام أبي علي النيسابوري كأنه يدل بظاهره أنه يُرجِّح صحته على البخاري أيضًا، وتعليل ابن حجر لا يظهر وضوحه.

القارئ: قال:

وكذلك ما نُقل عن بعض المغاربة أنه فضَّل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حُسن السياق وجودة الوضع والترتيب، ولم يُفصح أحدٌ منهم بأن ذلك راجعٌ إلى الأصَحِّيَّة، ولو أفصحوا به لردَّه عليهم شاهد الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة...

الشيخ: "شاهد الوجود" الواقع، الواقع يردُّه، إذا كان أحدٌ يقول إن صحيح مسلم أصح من صحيح البخاري، فيردُّه الواقع.

القارئ:

فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد، وشرطه فيها أقوى وأسد.

أوجه ترجيح صحيح البخاري على صحيح مسلم

أما رجحانه من حيث الاتصال؛ فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاءُ مَن روى عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاريَّ بأنه يحتاج ألَّا يقبل العنعنة أصلًا.

الشيخ: هناك من طلبة العلم في هذا الزمان يُنكرون ويقولون: أين اشترط البخاري أنه لا يقبل إلا ما صرح فيه التحديث؟

نقول: أن الأئمة كادوا يتفقون أن شرط البخاري أشد من شرط مسلم؛ لأن مسلمًا يكتفي بالمعاصرة، وأن البخاري يقول: لا بُدَّ أن يكون ثبت لقاءٌ مع الشيخ ولو مرة واحدة.

وواقع "صحيح البخاري" تجد في مواضع كثيرة إذا جاء بصيغة التدليس بالحديث، وهذا من عبقرية البخاري رحمه الله، أنه إذا كرر الحديث لا يُكرِّر إلا لفائدة مَتْنِيَّة أو لفائدة إسنادية، فإذا أتى بالراوي نفسه -الأعمش مثلًا- في موضع ما بالتدليس، فيحاول أن يأتي في موضعٍ آخر هذا الحديث حين يُكرِّره بإسناد آخر كليًّا في تصريحٍ لهذا.

كذلك في بعض الأحيان بعد رواية المدلِّس، يأتي بم؟ يذكر إسنادًا فقط، أو يذكر الحديث لا علاقة له بالباب في هذا الباب، ليس إلا لإثبات تصريح السماع من المدلِّس.

فهذا يدل على أن البخاري يشترط كما نقل الأئمة رحمة الله عليهم من قديم الزمان، فلا ينبغي أن يُشكِّك فيها طلبة العلم.

القارئ: قال:

وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في رواياته احتمال ألَّا يكون سمع؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلِّسًا، والمسألة مفروضة في غير المدلِّس.

الشيخ: نعم لا شك فيه، الآن الشيخ سعد الخثلان الله يحفظه أسمع منه، ويأتي، وكذا في الحرم، وأنا على الكرسي، هناك وهو هنا، ما نلتقي، المعاصرة قد تكون سنين، لكن ما التقينا، فالمعاصرة ليس بلازم أن يكون لقيه، لا شك فيه، وهذا أمرٌ واضح جدًّا.

القارئ:

وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط؛ فلأن الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم من رجال مسلم أكثر عددًا من الرجال الذين تُكُلِّمَ فيهم من رجال البخاري، مع أن البخاري لم يُكثر من إخراج حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، بخلاف مسلم في الأمرين.
وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال؛ فلأن ما انْتُقد على البخاري من الأحاديث أقل عددًا مما انْتُقد على مسلم.

الشيخ: لهذا يُنظر كتاب "الإلزامات" للدارقطني، وكذلك أبي مسعود الثقفي، التتبع يظهر فيه الفرق بين البخاري ومسلم؛ البخاري المؤاخذة عليه في متنه وإسناده أقل مما في صحيح مسلم.

لكن مع الانتقاد هذا كله؛ العلماء كادوا يحكمون أن الحق مع الشيخين، وقد درس فضيلة الشيخ ربيع حفظه الله ما بين الإمامين الدارقطني ومسلم، فوُجد -الحمد لله- واقع الأمر أن الحق مع مسلم في إدخال هذه الرواية، أو الرواية من هذا الراوي، وكونه -إن شاء الله- مقبول الرواية.

القارئ: قال:

هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجَلَّ من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلمًا تلميذه وخِرّيجُه، ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره، حتى لقد قال الدارقطني: "لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء".

الشيخ: هذا شاهد الوجود، يعني يقول: لو قال أحد إن البخاري أقل درجة من صحيح مسلم، فالواقع يردُّ على هذا القول.

أقسام الحديث الصحيح باعتبار الأصحيّة

القارئ:

مراتب الصحيح
ومن ثَمَّ؛ أي: ومن هذه الحيثية -وهي أرجحية شرط البخاري على غيره- قُدِّم صحيح البخاري على غيره من الكتب المصنفة في الحديث، ثم صحيح مسلم؛ لمشاركته للبخاري في اتفاق العلماء على تلقي كتابه بالقبول أيضًا سوى ما عُلِّل.
ثم يُقدَّم في الأرجحيّة من حيث الأصحيّة ما وافقه شرطهما؛ لأن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح.

الشيخ: "رواتهما"؛ هذه من المسائل العويصة أيضًا، ما هي شروط البخاري ومسلم؟ وتتبُّع هذه الشروط، اختلف فيه العلماء.

كذلك حينما يقولون: على شرط مسلم، على شرط الصحيح، إذا كان المقصود هو الرواة، فالآن الحاكم حينما يقول: هذا حديثنا على شرط الشيخين، وهو من بداية القرن الخامس، شيوخه ليسوا من رواة الصحيحين. فماذا قال هو؟ والمراد من شروطه؟ قال: رواتهما مع باقي شروط الصحيح.

فإذَن؛ إذا كانت الرواية لا شك فيها على الطريقة التي روى البخاري ومسلم، نفس الرواة، والحديث إذا كان على طريقة: حدثنا الحميدي، أنه قال: حدثنا سفيان، أنه قال: حدثنا يحيى بن سعيد، أنه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم؛ بهذا الإسناد نفسه وبهؤلاء الرواة أنفسهم، إذا جاءت رواية نقول: هذا على شرط البخاري؟

لكن إذا كان قبلهم؛ يعني جاء عند الحاكم أو عند المستخرجين روايةٌ -وهم في القرن السادس أو الخامس-؛ فلا يمكن أن نقول: رواة هذه الرواية هم رواة صحيح البخاري، فلذلك بعضهم قال: أن يكون الرواة على صفة رواة البخاري ومسلم؛ يعني: في الضبط وغيره.

القارئ: قال:

ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم، فهم مقدَّمون على غيرهم في رواياتهم، وهذا أصلٌ لا يُخرَج عنه إلا بدليل.
فإن كان الخبر على شرطهما معًا؛ كان دون ما أخرجه مسلم أو مثله.

الشيخ: يعني؛ كان دون ما أخرجه مسلم؛ لأن مسلم بشروطه أعلى مما يُوافق شرطه عند الآخرين.

القارئ:

وإن كان على شرط أحدهما، فيُقدَّم شرط البخاري وحده على شرط مسلم وحده تبعًا لأصل كل منهما؛ فخرج لنا من هذا ستة أقسام تتفاوت درجاتها في الصحة.
وثَمَّ قسم سابع: وهو ما ليس على شرطهما اجتماعًا وانفرادًا، وهذا التفاوت إنما هو بالنظر إلى الحيثية المذكورة.
أما لو رجَحَ قسمٌ على ما هو فوقه بأمور أخرى تقتضي الترجيح، فإنه يُقدَّم على ما فوقه، إذ قد يعرض لِلمَفُوقِ ما يجعله فائقًا.

الشيخ: الستة أقسام، ما هي؟

  • ما أخرجه البخاري.
  • ما أخرجه مسلم.
  • ما كان على شرط البخاري.
  • ما كان على شرط مسلم.

أحد الطلاب: وما كان على شرط أحدهما دون الآخر.

الشيخ:

  • على شرط أحدهما.

فيكون ستة أقسام.

القارئ:

كما لو كان الحديث عند مسلم مثلًا، وهو مشهور قاصر عن درجة التواتر، لكن حفَّتْه قرينةٌ صار بها يُفيد العلم، فإنه يُقدَّم على الحديث الذي يُخرجه البخاري إذا كان فردًا مطلقًا.

الشيخ: وهذا القول يأتي، ربما يكون في أحاديث غير الصحيحين أيضًا، قد يفوق على ما في أحد الصحيحين أو في الصحيحين، والله أعلم.

القارئ:

وكما لو كان الحديث الذي لم يُخرِّجاه من ترجمة وُصِفت بكونها أصح الأسانيد؛ كمالك عن نافع عن ابن عمر، فإنه يُقَدَّم على ما انفرد به أحدهما مثلًا، لا سيما إذا كان في إسناده مَن فيه مقال.

الحسن لذاته

قال:

الحسن لذاته
فإن خَفَّ الضبط: أي قَلَّ، يقال: خَفَّ القوم خفوفًا؛ أي: قَلُّوا.

الشيخ: "خَفَّ الضبط"؛ يعني: بعد هذه الجولة الطويلة، ما رواه عدل تام الضبط، كأنه معطوف عليه بالفاء، فإن خف الضبط، فماذا يكون؟ خَفَّ القوم خفوفًا.

القارئ:

والمراد مع بقية الشروط المتقدمة في حَدِّ الصحيح، فهو الحسن لذاته، لا لشيءٍ خارج...

الشيخ: يعني يكون في عدالته، كذلك ليس فيه علة ولا شذوذ، متصلٌ أيضًا، لكن ضبط الراوي يكون خفيفًا، فهو الذي يُسمَّى، مع بقاء شروط أخرى أو مراعاة شروط أخرى للصحيح؛ فهو الحسن لذاته.

فإذَن؛ إذا قلنا: بماذا يختلف الحسن لذاته في الشروط عن الصحيح لذاته؟

في خفة الضبط فقط، أو قلة الضبط؟

أحد الطلاب: ...

الشيخ: ما فهمت، تريد أن تُجيب على هذا، هو هذا، نعم، بارك الله فيك.

القارئ: قال:

لا لشيءٍ خارج، وهو الذي يكون حُسْنه بسبب الاعتضاد، نحو حديث المستور إذا تعددت طرقه.

الشيخ: "لشيءِ خارج" ما هو؟ يعني: هو حسن لذاته، ما هو الشيء الخارج؟

وهو الذي يكون حسنه ليس لذاته، بل بسبب اعتضاده من آخر، نحو حديث المستور، وجاء مستور آخر، وثالث، كذلك ضعيف ومستور، إذا تعددت الطرق.

القارئ:

وخرج باشتراط باقي الأوصاف الضعيف.
وهذا القسم من الحسن مشاركٌ للصحيح في الاحتجاج به وإن كان دونه، ومشابهٌ له في انقسامه إلى مراتب بعضها فوق بعض.

الشيخ: "خرج باشتراط باقي الأوصاف"؛ ما هي باقي الأوصاف غير الضبط؟

العدالة، والاتصال، وكذلك قد يكون فيه شذوذ وعلة، فالضعيف قد يخل فيه أيٌّ من هذه الشروط؛ فيكون ضعيفًا.

الصحيح لغيره

القارئ:

الصحيح لغيره
وبكثرة طرقه يُصحَّح، وإنما نحكم له بالصحة عند تعدد الطرق؛ لأن للصورة المجموعة قوةً تجبُر القدر الذي قصر به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح؛ ومن ثَمَّ تُطلق الصحة على الإسناد الذي يكون حسنًا لذاته -لو تفرد- إذا تعدد.

الشيخ: فيكون هو صحيحًا لغيره، إذا كان حسنًا لذاته، إذا تعدد فصار صحيحًا، ويسمى "صحيحًا لغيره"، فكلمة "صحيح لغيره" معناها: أن له طرقًا مختلفة.

توجيه وصف الحديث الواحد بالحُسن والصحة معًا

القارئ:

معنى قول الترمذي وغيره: "حديث حسن صحيح".
وهذا حيث ينفرد الوصف.
فإن جُمعا -أي: الصحيح والحسن- في وصف واحد، كقول الترمذي وغيره: "حديث حسن صحيح"، فللتردُّد الحاصل من المجتهد في الناقل، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قَصَرَ عنها؟ وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية.

الشيخ: أوضح من هذا؛ الترمذي في بعض الأحيان يقول: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، فحصل له تفرُّدٌ بطريق واحد فقط، لكن لماذا سماه "حسنًا صحيحًا" وهو غريب؟ فهنا لا يمكن أن تقول إن له بعض الطرق، إنما بعض الطرق صحيحة وبعض الطرق حسنة، إنما بعض الأئمة يرى فيقول: هذا حديث صحيح، وكأن شروطه يظهر له أنها شروط الصحيح؛ فيحكم عليه أنه صحيح، وبعضهم يحكم عليه بالحسن؛ نظرًا لبعض الرواة يرى أن هناك فيه خفة ضبط.

فإذا حيث تفرد، يقول: "وهذا حيث يحصل منه التفرد بتلك الرواية"، فيقال: لاختلاف الأئمة، أو للتردد الحاصل من الذي يحكم في هذا الحديث، هل يحكمه بالصحيح قولًا واحدًا، أو يحكمه بالصحيح الحسن؛ لأنه متردد في بعض الرواة؟

فإما أن تكون له طرق كثيرة أو عدة طرق، وحكم عليها حسن صحيح، فيُحمل أن بعض الطرق حسن وبعض الطرق صحيح.

أما إذا كان غريبًا "فللتردُّد الحاصل من المجتهد في الناقل"؛ يعني: في الرواة، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها، فكأنه متردد، هذا الإسناد الوحيد، نحكم عليه أنه حسن، أو نحكم عليه أنه صحيح.

القارئ:

وعُرِفَ بهذا جواب مَن استشكل الجمع بين الوصفين، فقال: الحسن قاصر عن الصحيح، ففي الجمع بين الوصفين إثباتٌ لذلك القصور ونفيه.

الشيخ: يعني كأنك تقول: اجتماع الضدين؛ لأن هذا له تعريف، وذاك له تعريف؛ والتعريف يُميِّز كل واحد عن الآخر.

القارئ:

ومُحصَّل الجواب: أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد ألا يصفه بأحد الوصفين، فيقال فيه: حسنٌ باعتبار وصفه عند قوم، صحيحٌ باعتبار وصفه عند قوم؛ وغاية ما فيه أنه حذف منه حرف التردد، لأن حقه أن يقول: "حسن أو صحيح"، وهذا كما حُذف حرف العطف من الذي بعده.
وعلى هذا؛ فما قيل فيه: "حسن صحيح" دون ما قيل فيه: "صحيح"؛ لأن الجزم أقوى من التردد.

الشيخ: إذا كان طريق وطريق، طريقٌ للصحيح، وطريقٌ للحسن الصحيح، فإذا كان في الحسن الصحيح تردد، فإذَن ما جزم به إمام من الأئمة أنه صحيح يكون أقوى مما تردد فيه؛ فقال: حسنٌ أو صحيح.

القارئ:

وهذا حيث التفرُّد.
وإلا إذا لم يحصل التفرُّد، فإطلاق الوصفين معًا على الحديث يكون باعتبار إسنادين: أحدهما صحيحٌ، والآخر حسن.
وعلى هذا؛ فما قيل فيه: "حسنٌ صحيح"، فوق ما قيل فيه: "صحيحٌ" فقط.

الشيخ: لأننا حصلنا فيه طريقين على الأقل: حسنٌ لذاته، وصحيح. والذي أُطلق عليه الصحيح له طريقٌ واحد، فيُقدَّم أو يترجح ما قيل فيه: حسنٌ وصحيح.

القارئ:

إذا كان فردًا؛ لأن كثرة الطرق تُقوِّي.
وقد صرَّح الترمذي بأن الحسن حسن وحده، إذا أطلق الحسن بأن شرط الحسن عنده أن يُروى من غير وجهٍ، فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسنٌ غريبٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟

الحديث الحسن عند الترمذي

والجواب: أن الترمذي...

الشيخ: يعني هو في كتابه العلل قال: إذا قلنا: إنه حسن، فنعني به ما لا يكون في رواته متهم بالكذب، وجاء من طرق أخرى، يعني: له طرق، لكن لا يكون فيها متهم بالكذب، يُشير إلى أن الرواة فيهم ضعف، لكن ضعفهم لا يصل إلى الاتهام بالكذب، لهم طرق، فإذا قال: حسنٌ فقط، هذا حديث حسن، كأنه أخبرنا أن هذا الحديث له طرق كثيرة، لكن رواة الطرق فيهم ضعف، يُقوي بعضها بعضًا، فكأنه عرّف لنا الحسن لغيره فقط، فإذا قال: "حسن غريب" له اصطلاح آخر.

القارئ: قال:

والجواب: أن الترمذي لم يُعرِّف الحسن المُطلق، وإنما عرّف نوعًا خاصًّا منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسن" من غير صفة أخرى؛ وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: "حسن"، وفي بعضها: "صحيح"، وفي بعضها: "غريب"، وفي بعضها: "حسن صحيح"، وفي بعضها: "حسن غريب"، وفي بعضها: "صحيح غريب"، وفي بعضها: "حسن صحيح غريب"، وتعريفه إنما وقع على الأول فقط.

الشيخ: "على الأول"؛ الذي له طرق، ورواته ضعاف، فيُقوِّي بعضها بعضًا، إذا قال: "حسن" فقط، أما إذا قال: "حسن غريب" فيكون معناه: أنه وإن كان له طريق واحد، لكن رواته في درجة القبول؛ يعني: الحسن لذاته.

القارئ: قال:

وعبارته تُرشد إلى ذلك؛ حيث قال في آخر كتابه: "وما قلنا في كتابنا حديث حسن، فإنما أردنا به حُسن إسناده عندنا. وكل حديثٍ يُروى لا يكون راويه متهمًا بكذب، ويُروى من غير وجه نحو ذلك، ولا يكون شاذًّا؛ فهو عندنا حديث حسن".
فَعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّف الذي يقول فيه: "حسنٌ"، فقط، أما ما يقول فيه: "حسن صحيح"، أو: "حسن غريب"، أو: "حسن صحيح غريب"؛ فلم يُعرِّج على تعريفه، كما لم يُعرِّج على تعريف ما يقول فيه: "صحيح"، أو: "صحيح" فقط، أو: "غريب" فقط.

الشيخ: لأنه مشى على طريقة الأئمة في الحكم على الروايات، فلما كان اصطلاحًا خاصًّا، فقال: "فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا"، أما الإطلاقات الأخرى فقد وجد عليها شيوخه ومعاصريه؛ فلذلك لم يحتج للتفصيل.

القارئ: قال:

وكأنه ترك ذلك استغناءً بشهرته عند أهل الفن، واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: "حسن" فقط؛ إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاحٌ جديد، ولذلك قيَّده بقوله: "عندنا"، ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطابي.
وبهذا التقرير يندفع كثيرٌ من الإيرادات التي طال البحث فيها، ولم يُسْفَر وجهُ توجيهها.

الشيخ: "لم يُسْفَر وجه توجيهها"؛ لم يكشف وجه التوضيح.

ولم يُسْفَر وجه توجيهها، فلله الحمد على ما ألهم وعلم.

الشيخ: يعني؛ كأنه يقول: الحمد لله الذي وفَّقني على هذا تأويل الحديث بفضل الله تعالى، لا شك أنك لا تجد هذا التفصيل عند الآخرين.

زيادة الثقة وأقسامها

القارئ: قال:

حكم زيادة الثقة
وزيادة راويهما -أي: الصحيح والحسن- مقبولة، ما لم تقع منافية لرواية مَن هو أوثق ممَّن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة:
إما أن تكون لا تَنافيَ بينها وبين رواية مَن لم يذكرها، فهذه تُقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل الذي ينفرد به الثقة، ولا يرويه عن شيخه غيره.

الشيخ: فكأن رواية الثقة هنا يأتي ويتفرع منه الشذوذ والشاذ، فإذا لم تكن مخالفة لمَن هم أوثق منهم فيكون مقبولًا، لكن إذا كانت المخالفة ومنهم أوثق منه، إما بالحفظ أو بالعدد، ففي هذه الحالة يكون له اسم آخر هو "المنكر".

وهنا أيضًا هوجِم ابن حجر رحمه الله أنه أتى بشيءٍ لم يأتِ به الأوائل رحمة الله عليهم في تسمية الحديث "شاذًّا"، إنما الشاذ والمنكر عندهم بمعنى واحد سواء خالف ثقةٌ الثقات، أو خالف ضعيفٌ الثقة أو الثقات، فهذا لا شك فيه أن هناك يوجد من كلام الأئمة رحمة الله عليهم هذا التفريق؛ أن الضعيف قالوا: إنه منكر، لو تتبعتم كتاب "العلل"، ففي مواضع كثيرة حكم على أن هذا حديث منكر، هذا حديث منكر وفلان ضعيف، يعني هكذا أطلق، لكن يوجد في الوقت نفسه أنه يعُمُّ كلمة "منكر" على الشاذ الذي خالف ثقةٌ ثقة، وعلى الضعيف الذي خالف الثقة.

القارئ: قال:

وإما أن تكون منافية بحيث يلزم من قبولها رَدُّ الرواية الأخرى، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيُقبل الراجح ويُرَدُّ المرجوح.
واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدِّثين الذين يشترطون في الصحيح ألَّا يكون شاذًّا، ثم يُفسِّرون الشذوذ بمخالفة الثقة مَن هو أوثق منه.
والعجب ممَّن أغفل ذلك منهم من اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حد الحديث الصحيح، وكذا الحسن!

الشيخ: يعني كأنه يذكر لنا أن هناك بعض الناس يقبلون زيادة الثقة، سواء كانت مخالِفة أم موافِقة، وفي الحقيقة -حتى عقلًا- لا يُتصوَّر أنه يكون المخالف وضده كلاهما يكون صحيحًا، إذا كان هناك مَن زاد فيه شيئًا يكون نهيًا، وزاد فيه نفس الشيء يكون أمرًا، فهذا يكون اجتماع الضدين، ولا يمكن أن يصح الضدان.

فإذَن؛ على كل حال تعجَّب ابن حجر، والعجب ممَّن أغفل في محله!

رأي الأئمة في قبول الزيادة المنافية لرواية الأوثق

القارئ:

والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين؛ كعبدالرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين...

الشيخ: أما "حنبل" فليس ممنوعًا من الصرف، حنبلٍ.

القارئ:

وأحمد بن حنبلٍ، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زُرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم: اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يُعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة.
وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نص الشافعية يدل على غير ذلك، فإنه قال في أثناء كلامه على ما يُعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: "ويكون إذا شرك أحدًا من الحفاظ لم يُخالفه...

الشيخ: إذا كان شريكًا في روايةٍ لأحد الحفاظ فلا يُخالفه.

القارئ:

فإن خالفه فوُجِد حديثه أنقص؛ كان في ذلك دليل على صحة مَخْرَج حديثه، ومتى خالف ما وصفتُ أضرَّ ذلك بحديثه"، انتهى كلامه. ومقتضاه: أنه إذا خالف فوجد حديثه أزيد أضَرَّ ذلك بحديثه، فَدَلَّ على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقًا، وإنما تُقبل من الحفاظ، فإنه اعتبر أن يكون الحديث..

الشيخ: مثاله؛ يذكرون أنه روى مسلم الحديث الذي فيه: الرؤية من الله، والحلم من الشيطان؛ الرؤية من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فليتفل عن يساره ثلاثًا، وليتعوذ بالله من شرها، فإنها لا تضره، زاد ابن رمح قال: وليتحوَّل عن جنبه[6]؛ يعني: كأنه يُغيِّر جنبه، الآخرون ما ذكروا: وليتحوَّل عن جنبه، وهذا ليس مخالفًا، إنما هو موافقٌ، بمعنى: زيادة حكم، لو روى منفصلًا كان يُقبل، وهكذا أمثلته مثل هذا يذكرونه، وهذا واضح جدًّا في الحقيقة، وقَبِله الأئمة، وهو في صحيح مسلم، لو كان شاذًّا لَمَا كان يُدخله في صحيحه.

القارئ:

فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث مَن خالفه من الحُفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلًا على صحته؛ لأنه يدل على تحرِّيه، وجعل ما عدا ذلك مضرًّا بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولة مطلقًا، لم تكن مضرة بحديث صاحبها.

المحفوظ والشاذ

الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف
فإن خولف -أي: الراوي- بأرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات...

الشيخ: "بأرجح منه لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك"؛ مثاله: أنه أكثر لزومًا له، وهو ابنه، بَلَدِيُّه، في بعض الأحيان يقولون: بَلَدِيُّ الرجل أعرف بحديث بلده، فهذه وجوه الترجيحات، والحازمي في مقدمة كتابه ذكر خمسين وجهًا من وجوه الترجيحات.

القارئ:

فالراجح يقال له: المحفوظ.
ومقابله -وهو المرجوح- يقال له: الشاذ.

الشيخ: فإذا أطلق الإمام: المحفوظ فيه كذا؛ معناه: أن هناك ما جاء مقابله لا بُدَّ، ابحث أين هو، قد يُشير إلى المحفوظ فقط، ويترك ذِكر الشاذ، فإذا بحثت تجد أن هناك مَن شَذَّ في هذه الرواية.

القارئ: قال:

مثال ذلك: ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا تُوفي على عهد النبي ، ولم يدع وارثًا إلا مولًى هو أعتقه.

الشيخ: "هو أعتقه" تمام الحديث، فقال النبي : أعطوه ماله[7]؛ أي: المولى المُعتَق: أعطوه ماله، تمام الحديث هكذا، والحديث أخرجه الأئمة رحمة الله عليهم في "المعجم الكبير"، وكذلك "مسند" الطيالسي، والبيهقي وغيرهم.

القارئ: قال:

وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حماد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس رضي الله عنهما، قال أبو حاتم: "المحفوظ حديث ابن عيينة". انتهى كلامه.

الشيخ: بذِكر ابن عباس، وليس بدون ذِكر ابن عباس، إذا كان بدون ذِكر ابن عباس يكون مرسلًا، وإذا كان بذِكر ابن عباس رضي الله عنهما فيكون موصولًا، فقضى أنه موصول؛ لأنه هو المحفوظ من طريق ابن عيينة، وحماد بن زيد اختلف، حماد بن سلمة روى مثلما روى ابن عيينة.

القارئ:

فحماد بن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجح أبو حاتم رواية مَن هم أكثر عددًا منه، وعُرف من هذا التقرير: أن الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمَن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح.

المعروف والمنكر

وإن وقعت المخالفة مع الضعف، فالراجح يقال له: "المعروف"، ومقابله يقال له: "المنكر".

 الشيخ: فإذا قيل: المعروف في هذا كذا؛ معناه: هناك حديث منكر، وإذا قيل: هذا شاذ؛ معناه: انظر هناك شيءٌ محفوظ، وإلا ما يحكمون عليه بالشذوذ إلا إذا كانوا طلبوا ووجدوا المحفوظ.

القارئ:

مثاله: ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب، وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي قال: مَن أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف؛ دخل الجنة. قال أبو حاتم: هو منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف.

الشيخ: هنا أشار إلى شيءٍ جيد، المُعَلِّق ما ندري التعليق ممَّن، قال: لعل المصنف إنما ذكر ذلك من حفظه، وإلا فالذي في "العلل" لابن أبي حاتم حكايةُ هذا القول عن أبي زرعة، وليس عن أبي حاتم، نعم صحيح، راجعته فوجدته هكذا، أصله مثاله: ما روى ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة؛ لأن ابن أبي حاتم هو الذي يقول: سألت أبي وأبا زرعة، فهنا ابن أبي حاتم قال: سألت أبا زرعة، كذلك قال أبو حاتم بدله قال أبو زرعة: هو منكر، هذا التعليق في محله -جزاه الله خيرًا-.

الفرق بين الشاذ والمنكر

القارئ:

وعُرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة، وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفل مَن سوَّى بينهما، والله تعالى أعلم.

المتابعات ومراتبها

الاعتبار وما يتفرع عنه من المتابعات والشواهد
وما تقدم ذكره من الفرد النِّسبي -إن وُجد بعد ظن كونه فردًا قد وافقه غيره- فهو المتابع -بكسر الموحَّدة-.

الشيخ: فإذَن؛ المتابعة بمعنى الموافقة، فلانٌ تابع فلانًا، أي: وافقه في روايته عن شيخه، أو عن أحد فوقه، حتى تكون متابعة تامة ومتابعة قاصرة.

فإذَن؛ الموافقة في الرواية نفسها بشرط أن يكون الصحابي واحدًا، هذا هو قول غير واحد من الأئمة، واختاره ابن حجر.

وبعضهم يجعل المتابعة والشاهد واحدًا.

وبعضهم يقول: إذا كان باللفظ فهو متابعة ولو كان عن طريق صحابي آخر، وإذا كان بالمعنى فيكون شاهدًا ولو كان من الصحابي نفسه باختلاف الطرق.

فابن حجر -على كل حال- ذكر قول أكثر العلماء وأكثر استعمالاتهم؛ ففرَّق بين المتابعة والشاهد.

القارئ: قال:

والمتابعة على مراتب:
إن حصلت للراوي نفسه، فهي التامة.
وإن حصلت لشيخه فمَن فوقه، فهي القاصرة.
ويُستفاد منها: التقوية.

أمثلة المتابعة التامة والقاصرة

مثال المتابعة: ما رواه الشافعي في "الأم"، عن مالك، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر ، أن رسول الله  قال: الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تُفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين[8]، فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك، فعدُّوه في غرائبه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له[9]، لكن وجدنا للشافعي متابعًا: وهو عبدالله بن مسلمة القعنبي، كذلك أخرجه البخاري عنه عن مالك[10]، وهذه متابعةٌ تامة.

الشيخ: تامة؛ لأن عبدالله بن مسلمة القعنبي روى هذه الرواية عن مالك، كما روى الشافعي، فإذَن مالك له راويان: الشافعي وعبدالله بن مسلمة القعنبي كلاهما يروي بوتيرة واحدة، وعلى لفظ واحد، وهذه متابعةٌ تامة.

القارئ: قال:

ووجدنا له أيضًا متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد، عن أبيه محمد بن زيد، عن جده عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ بلفظ: فكمِّلوا ثلاثين[11]، وفي صحيح مسلم من رواية عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ بلفظ: فاقدُرُوا ثلاثين[12]، ولا اقتصار في هذه المتابعة، سواء كانت تامة أم قاصرة على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي.

الشيخ: انظروا هنا؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما، بلفظ الأول: فأكملوا العدة ثلاثين، أيضًا عبدالله بن مسلمة القعنبي روى قال: ...

أحد الطلاب: فاقدُرُوا له.

الشيخ: بهذا الإسناد؛ لأن أصحاب مالك روَوْه، فعبدالله بن مسلمة روى: فأكملوا ثلاثين، أيضًا عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما روى عاصم بن محمد: فكمِّلوا، اختلف اللفظ، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر أيضًا: فاقدُرُوا ثلاثين، فهذه متابعات قاصرة، واختلفت في الألفاظ، لكن حيث إن المعنى واحدٌ كفى أنها متابعة تامة أو قاصرة، ولا يقال: إنها لا تسمى متابعة إلا إذا كان باللفظ الذي بحثنا متابعته.

القارئ:

ولا اقتصار في هذه المتابعة، سواء كانت تامة أم قاصرة على اللفظ، بل لو جاءت بالمعنى كفى، لكنها مختصة بكونها من رواية ذلك الصحابي.

الشاهد ومثاله

وإن وُجد متنٌ يُروى من حديث صحابي آخر يُشبهه في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط؛ فهو "الشاهد".

الشيخ: فإذَن؛ "الشاهد" يكون صحابيًّا لصحابي، والمتابِع إذا كنا بحثنا الرواية فتكون الرواية من صحابيين يرويانها بمعنًى واحد أو بلفظٍ واحد. والمتابِع أو المتابعة؛ إذا بُحثت المتابعة لابن عمر فأيضًا تكون بالمعنى إذا روى أبو هريرة مثلما روى ابن عمر .

كذلك إذا أردنا بحث المتابعة عن الشافعي ومَن بعده، فلا بُدَّ ألا نُسمِّيها متابعة تامة إلا إذا كان الصحابي واحدًا، ولا قاصرة إلا صحابيًّا واحدًا.

القارئ: قال:

ومثاله في الحديث الذي قدمناه: ما رواه النسائي من رواية محمد بن حنين، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ، فذكر مثل حديث عبدالله بن دينار، عن ابن عمر سواء؛ فهذا باللفظ.
وأما بالمعنى؛ فهو ما رواه البخاري من رواية...

الشيخ: وابن الصلاح خص المتابعة باللفظ، والشاهد بما كان بالمعنى، وإن كان الصحابي واحدًا، وهذا وإن كان قاله مثله وغيره أيضًا، لكن الأكثر التفريق من المتأخرين خاصة، فإذا كان هكذا فلا مشاحة في الاصطلاح، ويكون الأفضل أن يُفرَّق بينهما.

القارئ: قال:

وأما بالمعنى؛ فهو ما رواه البخاري من رواية محمد بن زياد، عن أبي هريرة : فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين[13].
وخَصَّ قومٌ المتابعةَ بما حصل باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهدَ بما حصل بالمعنى كذلك.
وقد تُطلق المتابعة على الشاهد، وبالعكس، والأمر فيه سهل.

الشيخ: هو في الحقيقة أيضًا مثلما ذكر لنا في "باب أرسله فلان"، حتى المنقطع يقولون: أرسله فلان، كذلك تكاد لا تجد إلا المتابعة حتى للشاهد، تابعه فلان، إلا أن يقول: "وله شاهد"، أما شاهَدَه فلان لا تجد هذا التعبير، إنما المتابعة إذا أرادوا فقد يعنون بها الشاهد أيضًا بلفظ اشتقاق صيغة الماضي أو الفعل فيقول: "فهو متابع"، أو "تابعه فلان"، لكن "له شاهد" هذا أوضح من "تابعه فلان" مما يستعملونه مشتركًا بين الصحابي والصحابي الآخر.

الاعتبار

القارئ: قال:

واعلم أن تتبع الطرق من الجوامع والمسانيد والأجزاء لذلك الحديث الذي يُظَنُّ أنه فرد، ليُعلم هل له متابع أم لا؛ هو "الاعتبار".

الشيخ: يعني؛ قيامك بالبحث عن حديث ما: هل رواه غيره أم لم يروه؟ أو فيه راوٍ من الرواة: هل وافقه أحدٌ غيره؟ قيامك هذا "اعتبار"، فإذا وجدتَ متابعًا أو شاهدًا -ربما لا تجد-، فتقول: اعتبرت حديث فلان فلم أجد له متابعًا أو شاهدًا، هكذا، فقيامك بالبحث يسمى "الاعتبار".

ويعترض عن ابن الصلاح، ماذا قال الشيخ؟

القارئ: قال:

وقول ابن الصلاح: "معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد" قد يُوهم أن الاعتبار قسيمٌ لهما، وليس كذلك، بل هو هيئة التوصل إليهما.

الشيخ: فإذَن؛ متابعة الشواهد نتيجته الاعتبار، وليس الاعتبار قسيمًا للمتابعات والشواهد، مثلما يقولون: "الكلمة: اسم، وفعل، وحرف"، فكأنه ثلاثة أشياء قسيمٌ بينها مع صاحبه، إلا أنه مختلفٌ لا يدخل أحدٌ في الثاني، كذلك هنا يظهر لما قال: "الاعتبار والمتابعات والشواهد"، فكأن الاعتبار غير المتابعات والشواهد، مع أن الاعتبار هو الفعل أو الطلب للمتابعات والشواهد، والمتابعات والشواهد نتيجة للاعتبار.

فائدة معرفة مراتب المقبول

القارئ: قال:

فائدة معرفة مراتب المقبول
وجميع ما تقدم من أقسام المقبول، تحصل فائدة تقسيمه باعتبار مراتبه عند المعارضة، والله أعلم.

الشيخ: إذا كان صحيح البخاري مقدم على صحيح مسلم، فإذا كان حديثٌ يُخالف البخاري، فنقول: البخاري مقدَّم، كذلك الذي يكون أوثق، يكون هو المقدَّم على مَن أقل درجة منه.

المُحْكَم

القارئ:

تقسيم المقبول إلى معمول به، وغير معمول به
ثم المقبول ينقسم أيضًا إلى: معمول به، وغير معمول به؛ لأنه إن سَلِم من المعارضة -أي: لم يأتِ خبرٌ يضاده- فهو "المُحكَم"، وأمثلته كثيرة.
وإن عُورض فلا يخلو: إما أن يكون معارضه مقبولًا مثله، أو يكون مردودًا.

الشيخ: أمثلته كثيرة، كل حديث جاء فيه حكم، لم يأتِ ما ينسخه ولا يخالفه؛ فهو من المُحكَم.

القارئ:

فالثاني لا أثر له؛ لأن القوي لا يُؤثِّر فيه مخالفة الضعيف.
وإن كانت المعارضة بمثله؛ فلا يخلو: إما أن يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسف، أو لا.

الشيخ: "وإن كانت المعارضة"؛ عارضَ حديثُ ثقةٍ حديثَ ثقةٍ آخر، فثقتان قد خالفا وتعارضا مع بعض، ففي هذه الحالة لا يخلو: إما يمكن الجمع بين مدلوليهما بغير تعسُّفٍ -أي: تأويل غير مستساغ-، أو لا يمكن.

مختلف الحديث، وطرق دفع التعارض بين الحديثين

القارئ: قال:

فإن أمكن الجمع، فهو النوع المسمى: "مختلف الحديث".
ومثَّل له ابن الصلاح بحديث: لا عدوى ولا طِيَرة[14]، مع حديث: فِرَّ من المجذوم.

الشيخ: "مختلف الحديث"، هو الذي يقول: فإن أمكن الجمع، فهو مختلف الحديث، لكن في مختلف الحديث أيضًا خطوات، فتتفرع منها أيضًا علوم أو أنواع أخرى، فمختلف الحديث إن أمكن الجمع فهو مختلف الحديث، إن لم يمكن الجمع فالنظر في الناسخ والمنسوخ والراجح والمرجوح.

القارئ: قال:

مع حديث: فِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد[15]، كلاهما في الصحيح، وظاهرهما التعارض.
ووجه الجمع بينهما: أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها، لكن الله جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضَه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه، كما في غيره من الأسباب، كذا جمع بينهما ابن الصلاح تبعًا لغيره.

الشيخ: يعني؛ إن الله تعالى هو الذي يُمرض، وهو الذي يشفي؛ فإذَن هو لا ينسب بعيدًا عن قدر الله أن العدوى تعدي بنفسها، إذا كان إنسان يعتقد أن المرض يعدي بنفسه فقد أشرك بالله تبارك وتعالى، فهم خطأٌ لا شك فيه.

لكن إذا قلنا: إن الله هو الممرض وهو الشافي، لكن جعل الله سببًا، كما جعل لكل شيءٍ سببًا، فاختلاطك بالمريض أو اختلاط المريض معك قد يُسبِّب انتقال المرض، وقد يتخلف، فإذا كان الإنسان يعتقد هذا الاعتقاد، ثم يحتمي حمية، فلا يخالف -إن شاء الله- الدين، ولا يخالف العقيدة الصحيحة؛ يجمع بينهما: أن الله هو الشافي وهو الممرض، وهناك أسباب، فأنت ابتعد، قال: فَرَّ من المجذوم؛ حتى لا يُلقي الشيطان في بالك أن لو لم أختلط ما جاءني هذا المرض، "لو" تفتح عليك عمل الشيطان، ولذلك يحتاط الإنسان لنفسه، حتى لا يُداخله الشيطان بأن اختلاطه مع المريض هو الذي أمرضه، ولذلك يقول: لولا كذا، ولولا كذا، فـ"لو" تفتح عمل الشيطان، فإذا كان يعتقد هذا الاعتقاد، فيكون الجمع بين الحديثين بهذا الاعتقاد صحيحًا، وكلا الحديثين محكم في مكانه.

القارئ:

والأَولى في الجمع أن يُقال: إن نفيه للعدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله : لا يُعدي شيءٌ شيئًا[16]، وقوله لمَن عارضه بأن البعير الأجرب يكون في الإبل الصحيحة، فيُخالطها فتجرب، حيث رد عليه بقوله: فمَن أعدى الأول[17]، يعني: أن الله ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول.
وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع؛ لئلا يتفق للشخص الذي يُخالطه شيءٌ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداءً لا بالعدوى المنفية؛ فيَظُنّ أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة، والله أعلم.

الكتب المؤلفة في مختَلِف الحديث

وقد صنف في هذا النوع الشافعي كتاب "اختلاف الحديث"، لكنه لم يقصد استيعابه، وصنف فيه بعده ابن قتيبة والطحاوي وغيرهما.

الشيخ: قتيبة كتابه "تأويل مختلف الحديث" مطبوع، الطحاوي كتابه "مشكل الآثار" ذكر فيه المشكل والمختلف كليهما.

وكتاب ابن فورك "مشكل الحديث"؛ هذا يستشكل على طريقة الأشاعرة، كل حديث فيه صفة من صفات الله تعالى فيُؤوِّله، وليس مرجعًا لأحاديث غير أحاديث الصفات.

النَّسْخ وعلاماته

القارئ: قال:

الناسخ والمنسوخ
وإن لم يمكن الجمع، فلا يخلو: إما أن يُعرف التاريخ أو لا، فإن عُرف وثبت المتأخر به أو بأصرح منه؛ فهو الناسخ، والآخر المنسوخ.
والنسخ: رفع تعلُّق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه.

الشيخ: "رفع تعلُّق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه"؛ يعني: كأنه حذف هنا قال: رفع تعلُّق دليل شرعي بحكم شرعي. وإلا لو حذف كلمة "تعلُّق" فلا يضر، "رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه" هو سليمٌ في المفهوم، لا يخالف.

القارئ: قال:

والناسخ: ما دل على الرفع المذكور.
وتسميته ناسخًا مجاز؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى.

الشيخ: المجاز هذا؛ كان يقول شيخنا رحمه الله: هذا من الطواغيت، لا شك في أنهم حتى القرآن يجعلون فيه مجازًا، ليس مجازًا هو، كل واحد على حقيقته وعلى قدره، فالناسخ الحقيقي هو الله، ويكون القاضي والحاكم وكذا، والمفتي يكون ناسخًا أيضًا بما نسخ الله تعالى، كله على حقيقته وعلى قدره.

كيف يُعرف النسخ؟

القارئ: قال:

ويُعرف النسخ بأمور:
أصرحها: ما ورد في النص كحديث بريدة في صحيح مسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تُذكِّر الآخرة[18].
ومنها: ما يجزم الصحابي بأنه متأخر، كقول جابر رضي الله عنهما: كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار[19]، أخرجه أصحاب السنن.
ومنها: ما يُعرف بالتاريخ، وهو كثير.

الشيخ: "بالتاريخ"؛ يعني: إذا صرح الصحابي: كنا في غزوة الأحزاب، وذكر حكمًا، ثم ذكر حكمًا آخر يخالفه، وكنا مع النبي في حجة الوداع، فالمتأخر واضح، فإذا ظهر المتقدم والمتأخر، فالحكم للمتأخر، المتأخر: هو الناسخ، والمتقدم: هو المنسوخ.

القارئ:

وليس منهما ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام معارضًا لمتقدم عنه؛ لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي آخر أقدم من المتقدم المذكور أو مثله فأرسله، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي ، فيتجه أن يكون ناسخًا، بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي شيئًا قبل إسلامه.

الشيخ: وكذلك لا بُدَّ أن يظهر، أبو هريرة إن كان جاء بعد غزوة الأحزاب وروى شيئًا، من الممكن أن يكون سمع ممن أسلم من قبل ما هو كذا، لكن إذا كان يقول مثلًا: وصلت إلى المدينة فوجدت النبي يقرأ: "والطور"، فهذا دالٌّ على أنه ما سمع إلا هذا الوقت، فإذا كان الحكم بهذه الصورة يدل على أنه سمعه في أول لقائه، أو في لقائه الخاص، ولم يسمع منه، فتأخر إسلامه؛ يكون دليلًا على تأخر حديثه.

القارئ:

وأما الإجماع فليس بناسخ، بل يدل على ذلك.

الشيخ: هذه مسألة أصولية، أيضًا يذكرون الإجماع، إجماع الأمة على شيءٍ لا يكون ناسخًا للحديث، لكن قالوا: الإجماع لا بُدَّ أن يستند على شيءٍ، وإن لم يظهر لنا، هكذا، وإن كانت أشياء عامة، والأحكام عامةً تدل على أن هذا، ناسخ ومنسوخ، فلا بُدَّ أن يكون من العلماء هذا الأمر، معروف أنهم ما قالوا من ذوقهم، لا بُدَّ أن يكونوا يستندون، فلذلك يقولون: الإجماع لا يخلو من مستند أبدًا، لا بُدَّ أن يستند، وإن لم يظهر لنا، هكذا يقولون.

ولذلك؛ هذا النوع من الإجماع لا شك فيه، الإمام أحمد وغيره كانوا يُنكرون ما هو كذا، أنه لا يوجد، كيف نعرف الإجماع؟ لكن إذا نقلوا، هناك إجماعات كثيرة نُقلت، قد يظهر دليله، وقد لا يظهر، وإذا لم يظهر دليله، فلا نقول إن هذا الإجماع ناسخ، بل الدليل الذي لم يظهر لنا هو الذي نسخ، هذا الذي يريد أن يقول، وإن لم يعرف، ماذا قال؟ أما الإجماع فليس بناسخ، بل يدل على ذلك، ولذلك قالوا في أصول الفقه وغيره: إن الإجماع لا بُدَّ أن يستند إلى دليل، وإن لم يظهر لنا الدليل.

مراتب النظر فيما ظاهره التعارض

القارئ: قال:

الترجيح بين ما ظاهره التعارض وضوابطه
وإن لم يُعرف التاريخ، فلا يخلو: إما أن يمكن ترجيح أحدهما على الآخر بوجه من وجوه الترجيح المتعلقة بالمتن، أو الإسناد، أو لا.
فإن أمكن الترجيح تعيَّن المصير إليه، وإلا فلا.
فصار ما ظاهره التعارض واقعًا على هذا الترتيب: الجمع إن أمكن، فاعتبار الناسخ والمنسوخ، فالترجيح إن تعيَّن.

الشيخ: يعني؛ إذا كان حديثان يختلفان، ففيه عدة أنواع؛ أولًا: مختلف الحديث إن أمكن الجمع، فنقول: هذا من مختلف الحديث، وإذا لم يمكن الجمع فيكون الناسخ والمنسوخ، وإذا لم يمكن معرفة التاريخ فيكون الترجيح من طرق من وجوه الترجيح.

القارئ:

ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة، مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، والله أعلم.

الشيخ: "والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط"؛ الأصوليون يقولون: إذا تعارضا تساقطا، لا يعمل بهذا، ولا يعمل بهذا، نقول: لا نقول تساقطا، بل ننتظر لعل الله يفتح علينا -وهو الفتاح العليم- بأن يترجح أحد الحديثين فيعمل به، أما إذا أسقطنا معناه غسلنا أيدينا منه، لا، ننتظر نبحث لعلنا نجد ما يرجح أحدهما، أو يجعل الناسخ والمنسوخ.

أقسام المردود وأسباب الرد

القارئ: قال:

المردود وموجبات الرد
ثم المردود: وموجب الرد.

الشيخ: هناك المقبول، ذكر تفاصيله وأنواعه.

القارئ:

وموجب الرد: إما أن يكون لسقطٍ في إسناد، أو طعنٍ في راوٍ على اختلاف وجوه الطعن أعم من أن يكون لأمر يرجع إلى ديانة الراوي، أو إلى ضبطه.

الشيخ: أو إلى ضبطه، أو إلى اتصاله، أو إلى طروء علة خفية؛ كل هذا.

المردود للسقط

القارئ:

فالسقط إما أن يكون: من مبادئ السند من تصرف مصنف، أو من آخره؛ أي: الإسناد بعد التابعي، أو غير ذلك.

المُعَلَّق

قال:

فالأول: المعلق، سواء كان الساقط واحدًا أم أكثر.

الشيخ: إذا كان من أول الإسناد واحدًا، البخاري يكون قد حذف شيخه، وشيخ شيخه، ثم قال: قال فلان، فيكون هذا أيضًا، أو حذف شيخه، وقال: نسب إلى شيخ شيخه، كل هذا يسمى "المعلَّق".

الفرق بين المعلق والمعضل

القارئ:

وبينه وبين المعضل -الآتي ذكره- عمومٌ وخصوص من وجه؛ فمن حيث تعريف المعضل بأنه: سقط منه اثنان فصاعدًا، يجتمع مع بعض صور المعلق؛ ومن حيث تقييد المعلق بأنه من تصرف مصنف من مبادئ السند يفترق منه، إذ هو أعم من ذلك.

الشيخ: من حيث إنه سقط منه اثنان؛ فإذا حذف من مبادئ الإسناد اثنين، فهو مُعضَل ومعلَّق، وإذا حذف واحدًا فيكون معلَّقًا أيضًا، فالمعلَّق قد يكون يتفق مع المُعضَل، والمُعضَل غير المعلَّق إذا حُذف من أسماء السند اثنان، فمبادئ السند إذا كان حُذف منه اثنان فهو مُعَلَّق ومُعْضَل، قد يفترق المُعْضَل من المُعلَّق، ولذلك عموم وخصوصٌ من وجهين، يجتمعان في مادة، ويفترقان في مادتين.

القارئ:

ومن صور المعلق: أن يُحذف جميع السند، ويقال مثلًا: قال رسول الله .
ومنها: أن يُحذف إلا الصحابي، أو إلا التابعي والصحابي معًا.

الشيخ: في البخاري ومسلم فلان هذا، البخاري قال: ابن عمر، وقال: ابن مسعود، وهكذا، ويكون من صور معلقه يكون قد وصل، أو روى مسندًا في موضع آخر، وقد لا.

القارئ:

ومنها: أن يحذف مَن حدَّثه ويُضيفه إلى مَن هو فوقه، فإن كان مَن فوقه شيخًا لذلك المصنف، فقد اختُلف فيه: هل يُسمى تعليقًا أو لا؟ والصحيح في هذا التفصيل، فإن عُرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مُدلِّسٌ قضي به، وإلا فتعليق.

الشيخ: لا، هو إذا كان مُدلِّسًا قُضي به، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مُدلِّس قضي به، فيقولون: أنه ليس معلقًا، بل دلَّس شيخه الذي لم يُرِد أن يذكره.

القارئ:

وإنما ذُكر التعليق في قسم المردود؛ للجهل بحال المحذوف.
وقد يُحكم بصحته إن عُرف بأن يجيء مُسَمًّى من وجه آخر.
فإن قال: جميع مَن أحذفه ثقات، جاءت مسألة التعديل على الإبهام.

الشيخ: التعديل للإبهام، ولم يقبلوه، يعني: حدثني الثقة، حدثني مَن أثق به، هذا تعديلٌ بالإبهام، ومَن يكون أجلَّ من الشافعي رحمه الله ولم يقبلوا منه، والشافعي في كتابه "الأم"، وكذلك حتى في جميع كتاباته ومؤلفاته يذكر هذا: حدَّثني الثقة، فلم يقبلوا منه، وفي بعض الأحيان يريد به إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك، ولذلك قالوا: ما دام لم يُقبل عن الشافعي فلا يُقبل من أحدٍ غيره، وهذا هو الصحيح، إلا إذا كان جُرِّب بأنه كلما قال: لا أروي إلا عن ثقة، ووُجد بعد التتبع، فيُطلق الحكم أنه مقبول.

القارئ:

وعند الجمهور لا يُقبل حتى يُسمَّى.
لكن قال ابن الصلاح هنا: إن وقع الحذف في كتابٍ التُزمتْ صحته كالبخاري، فما أتى فيه بالجزم دَلَّ على أنه ثبت إسناده عنده، وإنما حُذف لغرضٍ من الأغراض، وما أتى فيه بغير الجزم، ففيه مقال. وقد أوضحت أمثلة ذلك في النكت على ابن الصلاح.

الشيخ: في النكت على ابن الصلاح، بل أكثر تفصيلًا منه في "هدي الساري"، وكذلك في "تغليق التعليق" لابن حجر.

وصلى الله على خير خلقه محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 2523، ومسلم: 1506.
^2 رواه البخاري: 9، ومسلم: 35.
^3 رواه البخاري: 1، واللفظ له، ومسلم: 1907.
^4 نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن، للشرواني، ص131.
^5 شرح المنظومة البيقونية، لابن عثيمين، ص42.
^6 بنحوه رواه البخاري: 3292، ومسلم: 2261.
^7 رواه أبو داود: 2905، والترمذي: 2106، وابن ماجه: 2741.
^8 مسند الشافعي، ص103.
^9 رواه البخاري: 1900.
^10 رواه البخاري: 1906.
^11 رواه ابن خزيمة: 1909.
^12 رواه مسلم: 1080.
^13 رواه البخاري: 1909.
^14 رواه البخاري: 5757، ومسلم: 2220.
^15 رواه البخاري5707، ومسلم: 2220.
^16 رواه الترمذي: 2143، وأحمد: 4186.
^17 رواه البخاري: 5775، ومسلم: 2220.
^18 رواه مسلم: 1977.
^19 رواه أبو داود: 193، والنسائي: 185، والترمذي: 80، وابن ماجه: 489.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©