تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ يحيى بن عثمان المدرس
فضيلة الشيخ يحيى بن عثمان المدرس

من قوله: "من أصول أهل السُّنة: أن الدين والإيمان قولٌ وعملٌ"

بسم الله الرحمن الرحيم

الدين والإيمان قولٌ وعملٌ

قال شيخُ الإسلام ابن تيميةَ رحمه الله، في "العقيدة الواسطية" صفحة 252:

فصلٌ: "ومن أصول أهل السُّنة والجماعة: أن الدين والإيمان قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلب واللسان، وعملُ القلب واللسان والجوارِح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقُص بالمعصية".

قال المُعلِّق: أي: تصديقُه، قولُ القلب: تصديقُه وإيقانُه، وقولُ اللسان: النُّطْقُ بالشهادتين، وعملُ القلب: النية والإخلاص والمحبة والانقياد.

فالإيمان قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلب واللسان، وعملُ القلب واللسان والجوارِح. عملُ القلب: النية والإخلاص والمحبة والانقِياد. وعملُ اللسان: ما لا يُؤدَّى إلا به، كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار. وعملُ الجوارِح: ما لا يُؤدَّى إلا بها؛ مثل: القيام والركوع والسجود.

فالإيمان قولٌ واعتقادٌ وعملٌ، يزيد بالطاعة وينقُص بالمعصية، هذا قول أهل السُّنة والجماعة: الإيمان قولٌ وعملٌ، قولُ القلب واللسان، وعملُ القلب واللسان والجوارِح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقُص بالمعصية.

قال الشيخ محمد خليل هرَّاس، رحمة الله عليه: "سبق أن ذكرنا في مسألة الأسماء والأحكام: أن أهل السُّنة والجماعة يعتقدون أن الإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالجنان، أي: بالقلب، وعملٌ بالأركان، وأن هذه الثلاثة داخلةٌ في مُسمَّى الإيمان المُطلَق -أي: الإيمان الكامل-؛ فالإيمان المُطلَق -أي: الإيمان الكامل- يدخُل فيه جميع الدين ظاهرُه وباطنُه، أصولُه وفروعُه، ولا يستحق اسم الإيمان المُطلَق -أي: الكامل- إلا من جمع ذلك كلَّه، ولم ينقص منه شيئًا. ولما كانت الأعمال والأقوال داخلةً في مُسمَّى الإيمان، كان الإيمان قابلًا للزيادة والنقص، وهو يزيد بالطاعة وينقُص بالمعصية، كما هو صريح الأدلة من الكتاب والسُّنة، وكما هو ظاهرٌ مُشاهَدٌ من تَفاوُت المؤمنين في عقائدهم وأعمالهم، وأعمال قلوبهم وأعمال جوارحهم".

اللهم ثبِّتنا على الإيمان، وأهلَنا وأولادَنا والمُسلمين والمُسلمات.

فلا بُدَّ من قول اللسان، وهو النطق بالشهادتين، ولا بُدَّ من اعتقاد القلب: التصديق واليقين، ولا بُدَّ من عمل اللسان: وجوب ما يجبُ النطق به من الشهادتين، والأذكار، وعملُ الجوارِح من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ، وغير ذلك من الأعمال.

من الأدلة على زيادة الإيمان ونقصه

ومن الأدلة على زيادة الإيمان ونقصه: أن الله تعالى قسَّم المؤمنين ثلاث طبقاتٍ، وقال سبحانه: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ [فاطر:32]، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين.

فالسابِقون بالخيرات: هم الذين أدَّوا الواجبات والمُستحبَّات، وتركوا المُحرَّمات والمُكرَهات، وهؤلاء هم المُقرَّبون.

والمُقتصِدون: هم الذين اقتصروا على أداء الواجبات، وترك المُحرَّمات.

والظالمون لأنفسهم: هم الذين اجترؤوا على بعض المُحرَّمات، وقَصَّروا ببعض الواجبات، مع بقاء أصول الإيمان معهم.

ومن وجوه زيادته ونقصه كذلك: أن المؤمنين متفاوتون في علوم الإيمان؛ فمنهم من وصل إليه من تفاصيله وعقائده خيرٌ كثيرٌ، فازداد به إيمانهم وتم يقينه، ومنهم من هو دون ذلك، حتى يبلغ الحال ببعضهم أن لا يكون معه إلا إيمانٌ إجماليٌّ لم يتيسَّر له من التفاصيل شيءٌ، وهو مع ذلك مؤمنٌ.

وكذلك هم مُتفاوتون في كثيرٍ من أعمال القلوب والجوارح، وكثرة الطاعات وقِلَّتها.

وأما مَن ذهب إلى أن الإيمان مُجرَّدُ التصديق بالقلب، وأنه غير قابلٍ للزيادة أو النقص، كما يُروَى عن أبي حنيفة رحمه الله وغيره؛ فهو محجوجٌ، أي: مردودٌ عليه بما ذكرنا من الأدلة.

بُطلان قول عدم زيادة الإيمان ونُقصانه

فالإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، لا بُدَّ من ذلك؛ فالذي يقول: الإيمان التصديق بالقلب، وأنه لا يزيد ولا ينقُص، هذا قولٌ باطلٌ، مُخالفٌ للنصوص؛ فالإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، قال عليه الصلاة والسلام: الإيمان بِضْعٌ وسبعون شُعبةً -أي: بِضْعٌ وسبعون جُزءًا- أعلاها: قول لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق [1] إبعاد ما يؤذي الناس عن الطريق، رواه البخاري ومسلم رحمهما الله.

حكم مُرتكب الكبيرة

وهم أهل السُّنة مع ذلك لا يُكفِّرون أهل القبلة، أي: المسلمين بمُطلَق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، الخوارج: طائفةٌ مُبتدِعة ضالَّةٌ، يقولون: إن مُرتكِب الكبيرة إذا مات بدون توبةٍ كافرٌ حلالُ الدم والمال، ويُخرِجونه من الإسلام، وهذا قولٌ باطلٌ.

أما أهل السُّنة يقولون: مُرتكِب الكبيرة إذا كان مُوحِّدًا؛ فهو مُؤمنٌ فاسقٌ، أو مُؤمنٌ ناقصُ الإيمان، لا ينفون عنه الإيمان، ما زال هو مُؤمنٌ ومُوحِّدٌ، وفي الآخرة أمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبَه، ولكن المُوحِّد لا يُخلَّد في النار.

فأهل السُّنة لا يُكفِّرون أهل القبلة بمُطلَق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتةٌ مع المعاصي، كما قال سبحانه وتعالى: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:178] يعني: مَن قتل نفسًا وأهل المقتول عَفَوا عن الدية، أو عَفَوا عن القصاص، وقال: مِنْ أَخِيهِ [البقرة:178] مع أنه قاتلٌ، فالأخوة الإيمانية باقيةٌ، فهو مُؤمنٌ عاصٍ، فإذا تنازل أهله عن القصاص، ورضوا بالدية، فعليهم أن يتبعوا الذي دفع الدية بالمعروف.

فالشاهد: أن القاتل لم يُنْفَ عنه الإيمان، قال:أَخِيهِ [البقرة:178] فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة:178]، وقال تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقتَتَلُوا فأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيء إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [الحجرات:9] أَيَ: اعْدِلوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ۝ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:9، 10].

حصل بينهم قتالٌ، ولكن هم مؤمنون عاصُون، ومع أن الإيمان المُطلَق -أي: الكامل- مُركَّبٌ من الأقوال والأعمال والاعتقادات، فهي ليست كلها بدرجةٍ واحدةٍ، بل العقائد أصلٌ في الإيمان تصديقُ القلب واعتقادُه، ومحبةُ الله، ومحبةُ الرسول ، بل العقائد أصلٌ في الإيمان، فمن أنكر شيئًا مما يجبُ اعتقادُه في الله، أو ملائكته، أو كتبه، أو رسله، أو اليوم الآخر، أو مما هو معلومٌ من الدين بالضرورة؛ كوجوب الصلاة، والزكاة، وحُرمة الزنا، والقتل، إذا أنكر شيئًا من ذلك؛ فهو كافرٌ قد خرج من الإيمان بهذا الإنكار؛ لأنه كذَّب الله والعياذ بالله.

حكم الفاسق عند أهل السُّنة

ولا يَسلُبون الفاسق المِلِّي الإسلام بالكُلِّيَّة، ولا يُخلِّدونه في النار، كما تقول المعتزلة، الفاسق المِلِّي يعني: الفاسق المُسلم، لا ينفون عنه الإيمان بالكُلِّية، ولا يُخلِّدونه في النار، بل يقولون: هو مؤمنٌ عاصٍ، أو مؤمنٌ ناقص الإيمان.

أما المُعتَزِلَة فهم يقولون: إن مُرتكِبَ الكبيرة إذا لم يَتُبْ؛ خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر، ومُخلَّدٌ في النار. وهذا قول المُعتَزِلَة باطلٌ؛ بل المسلم العاصي هو مؤمنٌ فاسقٌ. أما في الآخرة فأمره إلى الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذَّبَه. ولكن المُوحِّد لا يُخلَّد في النار، اللهم أجِرنا من النار، فعلينا أن نحذر المعاصي، ونتوب إلى الله. اللهم اغفر لنا، وتُب علينا يا ذا الجلال والإكرام.

بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان المُطلَق، كما في قوله: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92] يعني: وإن كان ناقص الإيمان، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المُطلَق، أي: في اسم الإيمان الكامل، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2] أي: كاملو الإيمان الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، أي: خافَت قلوبهم وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، فهذا كامل الإيمان، ومُرتكِبُ الكبيرة لا يُطلَق عليه ذلك، هو مؤمنٌ، لكن ناقص الإيمان، ليس كامل الإيمان.

وقوله : لا يزنِي الزَّانِي حين يزنِي وهو مؤمنٌ، ولا يسرِقُ السارِق حين يسرِقُ وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمر حين يشربُها وهو مؤمنٌ، ولا يَنتهِبُ نُهْبةً ذات شرفٍ يرفعُ الناسُ إليه فيها أبصارَهم حين يَنتهِبُها وهو مؤمنٌ [2]، يعني: كامل الإيمان لا يكون في هذه الحالات كامل الإيمان، ولكن هو ناقص الإيمان. ونقول: هو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، أو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، فلا يُعطَى الاسم المُطلَق، أي: الإيمان الكامل، ولا يُسلَبُ مُطلَقَ الاسم، لا يُقال: ليس بمؤمنٍ، بل يُقال: مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان.

وأما الفاسق المِلِّي، أي: المُسلم الفاسق الذي يرتكِبُ بعض الكبائر، مع اعتقاده حُرمتَها، فأهل السُّنة والجماعة لا يسلبون عنه اسم الإيمان بالكُلِّية، ولا يُخلِّدونه في النار، كما تقول المُعتزِلة والخوارج، بل هو عندهم مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، قد نقصَ من إيمانه بقدر معصيته، أو هو مؤمنٌ فاسقٌ، لا يُعطونه اسم الإيمان المُطلَق، ولا يسلبونه مُطلَق الإيمان، ولا ينفون عنه الإيمان، بل يقولون: مؤمنٌ فاسقٌ، أو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، فعلينا أن نحذر المعاصي، ونتوب إلى الله. اللهم اغفر لنا وارحمنا وأهلَنا وأولادَنا والمسلمين والمسلمات.

وأدلة الكتاب والسنة دالَّةٌ على ما ذكره المؤلف رحمه الله من ثبوت مُطلَق الإيمان مع المعصية، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ.. [الممتحنة:1]، نزلت في حاطِب بن أبي بَلْتَعةَ، عندما كتب إلى المُشرِكين بأن الرسول يريد فتح مكةَ، فهو الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الممتحنة:1] مؤمنٌ، لكن فَسَقَ بفعله هذا، ونقص إيمانه.

وأما مُوالاة الكفار ومحبة الكفار، فهذا كفرٌ -والعياذُ بالله- قال: "فناداهم باسم الإيمان، مع وجود المعصية، وهي مُوالاة الكفار منهم".

تلازُم الإيمان والإسلام في الوجود

فائدةٌ: الإيمان والإسلام الشرعيان مُتلازِمان في الوجود، الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي مُتلازِمان في الوجود، أي: لا بُدَّ منهما.

والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، والإيمان بالقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر؛ هذه أركان الإيمان.

وأركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.

فالإيمان والإسلام مُتلازِمان، فلا يُوجَد أحدهما بدون الآخر، بل كلما وجد إيمانٌ صحيحٌ مُعتَدٌّ به؛ وُجِدَ معه إسلامٌ، وكذلك العكس إذا وُجِدَ إسلامٌ صحيحٌ؛ دخل معه الإيمان، ولهذا قد يُستغنَى بذكر أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما إذا أُفرِد بالذكر دخل فيه الآخر، وأما إذا ذُكِرَا معًا مُقترِنَيْن أُريدَ بالإيمان: التصديق والاعتقاد، وأريد بالإسلام: الانقياد الظاهري، من الإقرار باللسان، وعمل الجوارح.

ولكن هذا بالنسبة إلى مُطلَق الإيمان، أما الإيمان المُطلَق -يعني: الكامل- فهو أخصُّ من الإسلام، وقد يُوجَدُ الإسلام بدونه، يعني: مع إيمانٍ ناقصٍ، كما في قوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات:14] يعني: ادَّعَوْا كمال الإيمان قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات:14] يعني: إيمانًا كامِلًا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] يعني: مع إيمانٍ ناقصٍ، فأخبر بإسلامهم مع نفي الإيمان عنهم، يعني: الإيمان الكامل.

وفي حديث جبريل عليه السلام، ذكر المراتب الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، الإحسان: أن تَعْبُدَ الله كأنك تراه يعني: بخشوعٍ تامٍّ فإن لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكُ [3] جَلَّ جَلَالُهُ، فدلَّ على أن كلًّا منها أخصُّ مما قبله، الإيمان أعلى، والإسلام كذلك داخلٌ في الإيمان، والإحسان كذلك هو كمال الإيمان. اللهم ثبِّتنا على الإيمان الكامل، ووفِّقنا لما تُحب وترضى، وأهلنا وأولادنا والمسلمين والمسلمات.

أصول أهل السُّنة في صحابة رسول الله

فصلٌ: ومن أصول أهل السُّنة والجماعة: سلامةُ قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

هكذا المؤمنون يُحبُّون الصحابة، ويُحبُّون المؤمنين -اللهم اجعلنا منهم وأهلنا وأولادنا والمسلمين والمسلمات- وطاعة النبي في قوله: لا تسبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفقَ مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه [4] ، لو أن إنسانًا أنفقَ مثل جبل أُحُدٍ ذهبًا، ما بَلَغَ مُدَّ أحدٍ من الصحابة ؛ لكمال إيمانهم وإخلاصهم رضي الله تعالى عنهم.

فيجب أن نُحبَّ الصحابة، وندعو لهم، ونقتدي باتِّباعهم للحق، ونقبل ما جاء به الكتاب والسُّنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم رضي الله تعالى عنهم.

يقول المُؤلِّف الإمام ابن تيميةَ رحمه الله: "إن من أصول أهل السُّنة والجماعة، التي فارقوا بها من عداهم من أهل الزيغ والضلال: أنهم لا يزرون، أي: لا يحتقرون بأحدٍ من أصحاب رسول الله ، ولا يطعنون عليه، ولا يحملون له حقدًا، ولا بُغضًا، ولا احتقارًا؛ فقلوبهم وألسنتهم من ذلك كلِّه براءٌ، ولا يقولون فيهم إلا ما حكاه الله عنهم بقوله: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر:10]".

وهذا الدعاء الصادر ممن جاء بعدهم ممن اتَّبعوهم بإحسان يدلُّ على كمال محبتهم لأصحاب رسول الله ، وثنائهم عليهم، وهم أهلٌ لذلك الحبِّ والتكريم؛ لفضلهم وسبقهم وعظيم سابقتهم واختصاصهم بالرسول ، ولإحسانهم إلى جميع الأمة؛ لأنهم هم المُبلِّغون لهم جميعَ ما جاء به نبيُّهم ، فما وصلَ لأحدٍ عِلمٌ ولا خَبرٌ إلا بواسِطَتهم، وهم يُوقِّرونهم، أي: يحترِمونهم أيضًا؛ طاعةً للنبي ؛ حيث نهى عن سبِّهم والغضِّ منهم، أي: والتنقيص، وبيَّن أن العمل القليل من أحد أصحابه يَفضُل العمل الكثير من غيرهم؛ وذلك لكمال إخلاصهم، وصادق إيمانهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

ويُفضِّلون مَن أنفق من قبل الفتح -وهو صُلح الحُديبية- وقاتَلَ، على مَن أنفق من بعدُ وقاتَلَ، ويُقدِّمون المُهاجرين على الأنصار ، ويؤمنون بأن الله قال لأهل بدرٍ -وكانوا ثلاثمائةٍ وبضعة عشر-: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم [5]، يعني: أن الله وفَّقهم للاستقامة ، وبأنه لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرة -أي: بيعة الرضوان- كما أخبر به النبي ، بل لقد رضي الله عنهم ورَضُوا عنه، وكانوا أكثر من ألفٍ وأربعمائةٍ، الذين بايعوا تحت الشجرة بالحُديبية رضي الله عنهم وأرضاهم.

ويشهدون بالجنة لمن شَهِدَ له رسولُ الله كالعشرة: أبو بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعيد بن زيدٍ، وعبد الرحمن بن عوفٍ، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وأبو عبيدة بن الجرَّاح؛ عشرةٌ شَهِدَ لهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنة .

وأما قوله: "ويشهدون بالجنة لمن شَهِدَ له رسولُ الله " كالعشرة، وثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، وغيرهم من الصحابة ، وأما قوله: "ويُفضِّلون مَن أنفَق مِن قبل الفتح -وهو صُلح الحُديبية- وقاتَلَ، على مَن أنفَق من بعد وقاتل"؛ فلورود النص القرآني بذلك، قال تعالى في سورة الحديد: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10].

وأما تفسير الفتح بصُلح الحُديبية، فذلك هو المشهور، وقد صحَّ أن سورة الفتح نزلت عُقيبه، أي: عُقيبَ صُلح الحُديبية، وسمِّي هذا الصُلح فتحًا لِما ترتَّب عليه من نتائجَ بعيدة المدى في عِزَّة الإسلام، وقوَّته وانتشاره، ودخول الناس فيه.

وأما قوله: ويُقدِّمون المُهاجرين على الأنصار ؛ فلأن المُهاجرين جمعوا الوصفين: النُّصرة والهجرة؛ ولهذا كان الخلفاء الراشِدون وبقية العشرة من المُهاجرين . وقد جاء القرآن بتقديم المُهاجرين على الأنصار في سورة التوبة والحشر: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة:20] هذه آية التوبة، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8].

قال: وهذا التفضيل إنما هو للجُملة على الجُملة، المُهاجِرون أفضل من الأنصار جُملةً على جُملةٍ، فلا يُنافِي أن في الأنصار مَن هو أفضل من بعض المُهاجرين، يعني: الأفراد. وقد رُوِيَ عن أبي بكرٍ أنه قال في خُطبته يوم السقيفة: "نحن المُهاجِرون أولُ الناس إسلامًا، أسلمنا قبلكم، وقُدِّمنا في القرآن عليكم، فنحن الأُمراء، وأنتم الوزراء" [6].

وأما قوله: "ويُؤمنون بأن الله قال لأهل بدرٍ"، وقد وَرَدَ أن عُمرَ لمَّا أراد قتل حاطِبَ بن أبي بَلْتَعةَ، حينما كتب إلى المشركين، وكان قد شَهِدَ بدرًا ؛ لكتابته كتابًا إلى قريشٍ يُخبرهم فيه بمسير الرسول ، فقال له الرسول : وما يُدريك يا عُمر لعلَّ الله اطَّلَعَ على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتُم، فقد غفرتُ لكم [7]، يعني: أنهم مُوفَّقون للتوبة والصلاح .

وأما قوله: "وبأنه لا يدخلُ النار أحدٌ بايَعَ تحت الشجرة"؛ فلإخباره بذلك، ولقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] فهذا الرِّضا مانِعٌ من إرادة تعذيبهم، ومُستلزِمٌ لإكرامهم ومثوبتهم .

وأما قوله: "ويشهدون بالجنة لمِن شَهِدَ له رسولُ الله كالعشرة، وثابت بن قيس بن شمَّاسٍ، وغيرهم من الصحابة "؛ أما العشرة، فهم: أبو بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٌّ، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وسعيد بن زيدٍ، وعبدالرحمن بن عوفٍ، وأبوعبيدة بن الجرَّاح؛ رضي الله تعالى عنهم. وأما غيرهم: كثابت بن قيسٍ، وعكاشة بن مِحْصَنٍ، وعبدالله بن سَلَامٍ ، وكلُّ من ورَدَ الخبر الصحيح بأنه من أهل الجنة. اللهم إنا نسألك الجنة، جنة الفردوس، برحمتك وعفوك، وأهلنا وأولادنا والمسلمين والمسلمات.

"ويُقِرُّون بما تواتَرَ به النقل عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب ، وغيره، مِن أن خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها : أبو بكرٍ، ثم عُمر، ويُثلِّثون بعثمانَ ، ويُربِّعون بعليٍّ ، كما دلَّت عليه الآثار، وكما أجمعَ الصحابة على تقديم عثمانَ في البيعة، مع أن بعض أهل السُّنة كانوا قد اختلفوا في عثمانَ وعليٍّ رضي الله عنهما، بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكرٍ وعُمر: أيُّهما أفضل؟ فقدَّم قومٌ عثمانَ وسكتوا، أو ربَّعوا بعليٍّ، وقدَّم قومٌ عليًّا وقومٌ توقَّفوا، لكن استقرَّ أمرُ أهل السُّنة على تقديم عثمانَ، ثم عليٍّ رضي الله عنهم أجمعين".

وإن كانت هذه المسألة؛ مسألة عثمانَ وعليٍّ ليست من الأصول التي يُضلَّل المُخالِف فيها عند جمهور أهل السُّنة، لكن التي يُضلَّل فيها: مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله : أبو بكرٍ، وعُمر، ثم عثمانَ، ثم عليٍّ . ومَن طعن -أي: عابَ- في خلافة أحدٍ من هؤلاء، فهو أضلُّ من حِمار أهلِه.

وأما قولُه: "ويُقِرُّون بما تواتَرَ به النقل عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب ، وغيره، مِن أن خيرَ هذه الأمة بعد نبيِّها : أبو بكرٍ، ثم عُمر"، وقد وَرَدَ أن عليًّا قال ذلك على مِنبر الكوفة، وسَمِعَه منه الجَمُّ الغفير، أي: العددُ الكثير، وكان يقول: "ما ماتَ رسولُ الله حتى عَلِمنا أن أفضلَنا بعدَه أبو بكرٍ ، وما ماتَ أبو بكرٍ حتى علِمنا أن أفضلَنا بعد أبي بكرٍ: عُمر ".

وأما قولُه: "ويُثلِّثُون بعُثمانَ، ويُربِّعون بعليٍّ "، فمذهبُ جمهور أهل السُّنة: أن ترتيبَ الخلفاء الراشدين في الفضل على حسب ترتيبهم في الخلافة، وهم لهذا يُفضِّلون عُثمانَ على عليٍّ رضي الله عنهما، مُحتجِّين بتقديم الصحابة عُثمانَ في البيعة على عليٍّ .

وبعضُ أهل السُّنة يُفضِّل عليًّا؛ لأنه يرى أن ما وَرَدَ من الآثار في مزايا عليٍّ ومناقبه أكثر، وبعضُهم يتوقَّف في ذلك.

وعلى كل حالٍ؛ فمسألةُ التفضيل ليست -كما قال المُؤلِّف ابن تيميةَ رحمه الله- من مسائل الأصول التي يُضلَّل فيها المُخالِف، وإنما هي مسألةٌ فرعيةٌ، يتسع لها الخلاف. وأما مسألة الخلافة، فيجب الاعتقاد بأن خلافة عُثمانَ كانت صحيحةً؛ لأنها كانت بمشورةٍ من الستة..

^1 رواه النسائي: 5005، وابن حبان في صحيحه: 2552، وأصله في صحيح مسلم بلفظ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً. فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ: 35.
^2 رواه البخاري: 2475، ومسلم: 57.
^3 رواه البخاري: 50، ومسلم: 8.
^4 رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540.
^5, ^7 رواه البخاري: 3007، ومسلم: 2494.
^6 صحَّ عن أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه أنه قال يوم السقيفة للأنصار: "نحن الأمراء، وأنتم الوزراء". رواه البخاري: 3667.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©