تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس

كتاب مناقب الأنصار- من قوله: "باب انشقاق القمر"

جدول المحتويات

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور مُحدَثاتها، وكل مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.

نقرأ إن شاء الله ما يتيسَّر لنا من "صحيح الإمام البخاري" رحمه الله.

باب انشقاق القمر

القارئ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين.

قال الإمام أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري في "الجامع الصحيح"، وهو: "الجامع المُسنَد الصحيح المُختصَر من أمور رسول الله وسُننه وأيامه"، قال في كتاب مناقب الأنصار، وبه إليه، وبالسند المتصل إليه قال:

"حدَّثنا عثمان بن صالحٍ، قال: حدَّثنا بكر بن مُضرٍ، قال: حدَّثني جعفر بن ربيعةَ، عن عراك بن مالكٍ، عن عُبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعودٍ، عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما: أن القمر انشقَّ على زمان رسول الله [1]".

وبه إليه قال:

حدَّثنا عمر بن حفصٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا الأعمش، قال: حدَّثنا إبراهيم، عن أبي مَعْمَرٍ، عن عبدالله ، قال: انشقَّ القمر [2]".

التعليق على الحديث

الشيخ: هو لا شكَّ نحن آمنا بالله أنه انشقَّ القمر، وقوله ​​​​​​​: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، هذا أيضًا به يستدلُّ العلماء على أن الله أخبر بانشقاق القمر، وهذا أمرٌ، سواءً أقرَّ به أحدٌ أو لم يُقرَّ، فنحن نُقرُّ في إيماننا إن شاء الله، وعقيدتنا أن النبي قد أكرمه الله بهذه المعجزة، حينما طلبت قريشٌ أن يشقَّ القمر، فصار فلقتين، وهذا أمرٌ واضحٌ.

ولكن نقول: الفضل ما شهدت به الأعداء، وهنا ذكر الألوسي محمود شكري في كتابه "ما دلَّ عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان"، يقول: "جاء في بعض التواريخ: أن السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي.. " -هذا كان من جملة ملوك الهند، وكان قد فتح الهند في القرن أربعمائة وتسعة وسبعين أو كذا- "... رأى في بعض غزواته في بلاد الهند الوثنية أنه جاء على بعض القصور، وفيه مكتوبٌ منقوشٌ فيه: إنه تمَّ بناؤه ليلة انشقاق القمر".

سبحان الله! مكتوبٌ على هذا القصر من قصور الهند، مكتوبٌ ومنقوشٌ عليه: "أنه تم بناؤه ليلة انشقاق القمر، وفي ذلك عبرةٌ لمن اعتبر" [3].

ومحمود بن سبكتكين فاتح الهند، وكان فتح الهند ما بين ثلاثمائةٍ وواحدٍ وستين إلى أربعمائةٍ وواحدٍ وعشرين، هذا واردٌ.

كذلك الآن هؤلاء يخفون من آيات الله، وهم وصلوا إلى يقينٍ، الذين يدرسون هذه المجرات وهذه الكواكب قالوا: إنه مضى على هذا القمر وقتٌ كان قد انفلق فلقتين، وصورها موجودةٌ على الإنترنت، يمكن أن تَرَوْا ذلك، لكنهم لما سمعوا أن هذا موجودٌ على نبيِّهم بدؤوا يُشكِّكون فيه الآخرين، وبعضهم قال: لا، حصل انشقاقٌ قطعًا، ثم التحم.

على كل حالٍ؛ آمنا بالله، سواءٌ أقرَّ أحدٌ أو لم يُقِرَّ، نحن نؤمن أنه كما جاء في الحديث أحدهم على قعيقعان، والثاني على جبل فلقتين، والثاني على جبل أبي قُبَيْسٍ، آمنا بالله إن شاء الله.

باب هجرة الحبشة

القارئ: 

باب هجرة الحبشة: وقالت عائشةَ رضي الله عنها: قال النبي : أُرِيتُ دار هجرتكم ذات نخلٍ بين لابتين، فهاجر من هاجر قِبَلَ المدينة، ورجع عامةُ من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة. فيه عن أبي موسى وأسماء رضي الله عنهما، عن النبي [4].

قصة الوليد بن عقبة وحدّ الخمر

وبه اليه قال:

حدَّثنا عبدالله بن محمد الجعفي، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهري، قال: حدَّثنا عروة بن الزُّبير: أن عُبيدالله بن عَدِيِّ بن الخِيَار أخبره: أن المِسْوَرَ بن مَخْرَمةَ، وعبدالرحمن بن الأسود بن عبديغوثَ قالا له: ما يمنعك أن تُكلِّم خالك عثمانَ في أخيه الوليد بن عقبةَ، وكان أكثر الناس فيما فعل به، قال عُبيدالله: فانتصبتُ لعثمانَ حين خرج إلى الصلاة، فقلتُ له: إن لي إليك حاجةً، وهي نصيحةٌ، فقال: أيها المرء، أعوذ بالله منك، فانصرفتُ، فلما قضيت الصلاة جلستُ إلى المِسْوَرِ وإلى ابن عبديغوثَ، فحدَّثتُهما بالذي قلتُ لعثمانَ وقال لي، فقالا: قد قضيتَ الذي كان عليك، فبينما أنا جالسٌ معهما؛ إذ جاءني رسولُ عثمانَ ، فقالا لي: قد ابتلاك الله! فانطلقتُ حتى دخلتُ عليه، فقال: ما نصيحتك التي ذكرتَ آنفا؟
قال: فتشهَّدتُ، ثم قلتُ: إن الله بعثَ محمدًا وأنزل عليه الكتاب، وكنتَ ممن استجاب لله ورسوله وآمنتَ به، وهاجرتَ الهجرتين الأوليين، وصحبتَ رسول الله ورأيتَ هَدْيَه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد بن عقبةَ، فحقَّ عليك أن تُقيم عليه الحد، فقال لي: يا ابن أخي، آدركتَ رسول الله ؟
قال: قلتُ: لا، ولكن قد خلص إليَّ من عِلمه ما خلص إلى العذراء في سترها، قال: فتشهَّد عثمانُ ، فقال: إن الله قد بعث محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنتُ ممن استجاب لله ورسوله ، وآمنتُ بما بُعث به محمدٌ ، وهاجرتُ الهجرتين الأوليين كما قلتَ، وصحبتُ رسول الله وبايعتُه، والله ما عصيتُه ولا غششتُه حتى توفَّاه الله، ثم استخلف اللهُ أبا بكرٍ ، فوالله ما عصيتُه ولا غششتُه، ثم استخلف عمرَ ، فوالله ما عصيتُه ولا غششتُه، ثم استُخلِفتُ أنا، أفليس لي عليكم مثل الذي كان لهم عليَّ؟
قال: بلى، قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ فأما ما ذكرتَ من شأن الوليد بن عقبةَ، فسنأخذ فيه إن شاء الله بالحق، قال: فجُلد الوليد أربعين جلدةً، وأمر عليًّا أن يَجلده، وكان هو يَجلده.
وقال يونس، وابن أخي الزهري، عن الزهري: أفليس لي عليكم من الحق مثل الذي كان لهم؟ 
قال: أبو عبدالله: بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:49]، ما ابتُليتُم به من شدةٍ.

الشيخ: كأنه يريد أن يُفسِّر قد ابتلاك الله، فبهذه المناسبة جاء بهذه الآية: بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:49].

القارئ:

وفي مواضع البلاء: الابتلاء والتمحيص من: بلوتُه ومحصتُه، أي: استخرجتُ ما عنده، يبلو: يختبر. مُبْتَلِيكُمْ [البقرة:249]: مُختبِركم. وأما قوله: بلاءٌ عظيمٌ: النِّعَم، وهي من: أبليتُه.

الشيخ: من أبليتُه، كأنه يقول: مأخوذٌ في اللغة من أبليتُه.

القارئ: 

وتلك من ابتليتُه.

الشيخ: هنا مسألة الوليد بن عقبةَ، هذه المسألة في العقيدة، لا شكَّ أنه أُقيم عليه الحد، وكان الناس اشتكوا أهل الكوفة أنه لا يُصلِّي على السُّنة، ويشرب الخمر. هذا كما حقَّقه الذهبي في "المنتقى" وذكر كذلك "منتقى منهاج السنة"، ومحب الدين الخطيب رحمه الله في تعليقه، كأنه يُشكِّك ويقول: كان هذا من شرِّ من شكا، ولم يكن يشرب الخمر، لكنه إذا ثبتت الشهادة، فيجب على القاضي أن يحكم عليه بما تثبت به الشهادة.

على هذا، أمر عثمان أن يُجلَد، وأمر الحسن أن يُجلَد، قال عثمانُ لعليٍّ: اجلد، فقال عليٌّ للحسن بن علي رضي الله عنهما: اجلد، قال: "ولِّ حارها من تولَّى قارها"، فأمر آخر أن يجلد، فلما بلغ أربعين، قال: مه أو أمسك، قال علي : أمسك، جلد رسول الله أربعين، وجلد أبو بكر أربعين -يعني: في الخمر- وجلد عمر ثمانين، وهذا أحب إليَّ" [5]، يعني: أربعين أحبُّ إليَّ، فجلد أربعين.

حديث الكنيسة ذات التصاوير في أرض الحبشة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثني محمد بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى، عن هشامٍ..

 الشيخ: يحيى القطان، وهشام بن عروة.

القارئ: 

قال: حدَّثني أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها: أن أم حبيبةَ وأم سلمةَ ذكرتا كنيسةً رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ، فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تيك الصُّوَر، أولئك شِرار الخلق عند الله يوم القيامة [6].

حديث أم خالدٍ في الخميصة ذات الأعلام

وبه إليه قال: 

حدَّثنا الحُمَيديُّ قال: حدَّثنا سفيانُ قال: حدَّثنا إسحاق بن سعيد السَّعيديُّ، عن أبيه، عن أم خالدٍ بنت خالدٍ قالت: قَدِمْتُ من أرض الحبشة وأنا جويريةٌ، فكساني رسول الله خميصةً لها أعلامٌ، فجعل رسول الله يمسح الأعلام بيده، ويقول: سناه سناه.
قال الحُمَيديُّ: يعني: حسنٌ حسنٌ. [7].

الشيخ: وجاء في باب: من تكلَّم بالحبشية، وكلمة "سناه سناه" بمعنى: حسنٌ، هذا في اللغة الحبشية. فما أدري الآن الإخوان الحبشيون يوافقون أحدًا فيه، هل هذه الكلمة باقيةٌ أم كلماتٌ تتغير على حسب القرون؟

لكن الحُمَيديَّ فسَّر، قال: حسنٌ حسنٌ، "سَنَه" بدون ألف و"سناه": كلتاهما قالوا بمعنى: حسنٌ حسنٌ، يعني: هذه الخميصة عليك حسنةٌ.

أحد الطلاب: "تيك الصور"، هل هي التماثيل؟

الشيخ: التماثيل، الظاهر نعم، التماثيل المعبودات، مثل ما كان في مكةَ، شيءٌ كثيرٌ في الكعبة.

حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه في حُكم ردِّ السلام أثناء الصلاة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا يحيى بن حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدالله ، قال: كنا نُسلِّم على النبي وهو يُصلِّي فيَرُدُّ علينا، فلما رجعنا من عند النجاشيِّ سلَّمنا عليه، فلم يَرُدَّ علينا، فقلنا: يا رسول الله، إنا كنا نُسلِّم عليك فتُرَدُّ علينا، قال: إن في الصلاة شُغْلًا، فقلت لإبراهيمَ: كيف تصنع أنتَ؟ قال: أَرُدُّ في نفسي [8].

حديث أبي موسى رضي الله عنه في فضل الهجرتين إلى الحبشة والمدينة

وبه إليه، قال:

حدَّثنا محمد بن العلاء، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا بُرَيْدُ بن عبدالله، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى : بَلَغَنا مَخْرَجُ النبيِّ ونحن باليمن، فركبنا سفينةً، فألقتنا سفينتُنا إلى النجاشيِّ بالحبشة، فوافقْنا جعفرَ بن أبي طالبٍ ، فأقمنا معه حتى قَدِمْنا، فوافقْنا النبيَّ حين افتتح خيبرَ، فقال النبي : لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان [9].

الشيخ: هجرةٌ إلى الحبشة، وهجرةٌ إلى المدينة، وخيبر فُتح آخر سنة ستٍّ، بداية سنة سبعٍ، أو في سنة ستٍّ، على ما اختلفوا.

باب موت النجاشي

القارئ:

"باب: موت النجاشي".

وبه إليه، قال:

"حدَّثنا أبو الربيع، قال: حدَّثنا ابن عُيَيْنةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن جابرٍ : قال النبيُّ حين مات النجاشيُّ: مات اليوم رجلٌ صالحٌ، فقوموا فصلُّوا على أخيكم أَصْحَمَةَ [10]".

وبه إليه قال:

حديث جابرٍ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما في صلاة الغائب على النجاشيِّ

"حدَّثنا عبدالأعلى بن حمَّادٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، قال: حدَّثنا قتادةُ: أن عطاءً حدَّثهم، عن جابر بن عبدالله الأنصاريِّ رضي الله عنهما: أن نبيَّ الله صلَّى على النجاشيِّ، فصَفَّنا وراءه، فكنتُ في الصف الثاني أو الثالث [11]".

الشيخ: هنا أصله: صَفَفْنا صَفَّنا، صَفَّ يَصُفُّ صَفَفْنا، لكنه أُدغم: فصَفَّنا.

القارئ: وبه إليه قال:

"حدَّثني عبدالله بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ عن سليمِ بن حيَّانَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن مِيناءَ، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي صلَّى على أصحمةَ النجاشيِّ، فكبَّر عليه أربعًا»، تابعه عبدالصمد [12]". 

الشيخ: تابعه مَن المُتابَع؟ تابع يزيدَ بن هارونَ عبدالصمد راويًا عن سليم بن حيَّانَ، عبدالصمد تابع يزيدَ بن هارونَ، كما روى يزيدُ بن هارونَ عن سليمٍ، كذلك عبدالصمد بن عبدالوارث روى.

القارئ: وبه إليه قال:

"حدَّثنا زُهير بن حربٍ، قال: حدَّثنا يعقوب بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ بن عبدالرحمن وابن المُسيَّب: أن أبا هريرةَ أخبرهما: أن رسول الله نعى لهم النجاشيَّ، صاحب الحبشة، في اليوم الذي مات فيه، وقال: استغفروا لأخيكم [13].
وعن صالحٍ، عن ابن شهابٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بن المُسيَّب، أن أبا هريرةَ أخبرهم: أن رسول الله صَفَّ بهم في المُصلَّى، فصلَّى عليه، وكبَّر أربعًا [14]". 

الشيخ: هذا إنما ذكره لزيادة الثقة: أن رسول الله صفَّ بهم في المُصلَّى، وهناك في الحديث السابق روى ابن المُسيَّب مع عبدالرحمن ابن أبيه: حدَّثني أبو سَلَمةَ بن عبدالرحمن وابن المُسيَّب، فليس في حديثهما ذِكر المُصلَّى، وهنا في حديث سعيد بن المُسيَّب وحده ذكر صلاته في المُصلَّى؛ ولذلك ذكره مُنفصلًا.

باب تقاسُم المُشركين على النبي

القارئ: 

"باب: تقاسُم المُشركين على النبي ".

حديث أبي هريرةَ رضي الله عنه في نزول النبي بخيف بني كنانة يوم حُنين

وبه إليه، قال:

"حدَّثنا عبدالعزيز بن عبدالله، قال: حدَّثني إبراهيم بن سعدٍ، عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمةَ بن عبدالرحمن، عن أبي هريرةَ ، أنه قال: قال رسول الله حين أراد حُنينًا: منزلنا غدًا إن شاء الله بخَيْفِ بني كنانةَ؛ حيث تقاسموا على الكفر [15]".

الشيخ: "حيث تقاسموا على الكفر" إشارةً إلى ما كان من قريش وكنانة حين تحالفوا على مُقاطَعة بني هاشمٍ، فلما تحالفوا وضيَّقوا عليهم، فدخل أبو طالبٍ مع بني هاشمٍ في شِعب أبي طالبٍ، فمكثوا ثلاث سنواتٍ هناك، ووُلد فيه ابن عباسٍ كما جاء في الروايات.

أحد الطلاب: ...

الشيخ: هذا باب تقاسُم المُشركين على النبي ، لماذا؟ كأنه بمناسبة الهجرة، أنهم قد نالوا ضيقًا شديدًا، فهاجروا لأجل هذا، ثلاث سنواتٍ، ولم تذكر تلك الروايات التي ذكرتَ أنهم ما كانوا يجدون الماء ولا ما يأكلون، فكانوا إذا وجدوا جلدًا أو شسع نعل كانوا يبلونه ويمسونه ويتسلون بهذا عن الجوع والشراب، نعم، الله المستعان.

باب قصة أبي طالبٍ

القارئ:

"باب: قصة أبي طالبٍ".

حديث العباس رضي الله عنه في تخفيف العذاب عن أبي طالبٍ

وبه إليه، قال:

"حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: حدَّثنا عبدالملك، قال: حدَّثنا عبدالله بن الحارث، قال: حدَّثنا العباس بن عبدالمطلب ، أنه قال للنبي : ما أغنيتَ عن عمِّكَ، فإنه كان يَحُوطُكَ ويغضب لكَ؟ قال: هو في ضَحضاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار [16]".

الشيخ: وهذا مما يستفيد من حبِّه للنبي ، لكنه حيث إنه مات على الكفر، إلا أنه يكون عذابه أخف الناس، كما جاء في الحديث: أبو طالبٍ يُجعَل في ضَحضاحٍ من النار يغلي منه دماغه [17]، كما جاء في الروايات، والله المستعان.

وهذه المسألة بعض الناس لا يرضى أن يُقال: إن أبا طالبٍ مات كافرًا، من مسألة العاطفية، وينكرون هذه الأحاديث بعض المُبتدعة.

نقول: هذا من أمر الله تعالى بأنه يظهر أنه ليس هناك عند الله تبارك وتعالى نسبٌ، أو مراعاة نسبٍ، بحيث يترك الناس ولا يحاسبهم.

احتضار أبي طالبٍ ونزول قوله تعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ

القارئ: وبه إليه، قال:

"حدَّثنا محمودٌ، قال: حدَّثنا عبدالرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهريِّ، عن ابن المُسيَّب، عن أبيه: أن أبا طالبٍ لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبيُّ ، وعنده أبو جهلٍ، فقال: أَيْ عَمِّ، قُل: لا إله إلا الله، كلمةً أُحاجُّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أميةَ: يا أبا طالبٍ، ترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزالا يُكلِّمانه، حتى قال آخر شيءٍ كلَّمهم به: على ملة عبدالمطلب، فقال النبي : لأستغفرنَّ لك، ما لم أُنْهَ عنه، فنزلت: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113]، ونزلت: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] [18]".

حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه في شفاعة النبي لعمِّه أبي طالبٍ

وبه إليه قال:

"حدَّثنا عبدالله بن يوسفَ، قال: حدَّثنا الليثُ، قال: حدَّثنا ابنُ الهادِ، عن عبدالله بن خبَّابٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ : أنه سمع النبي ، وذُكِرَ عنده عمُّه، فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعَل في ضَحضاحٍ من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه [19]".
وبه إليه قال:
"حدَّثنا ابراهيم بن حمزةَ، قال: حدَّثنا ابن أبي حازمٍ والدراورديُّ، عن يزيدَ: بهذا، وقال: تغلي منه أُمُّ دماغه [20]".

باب حديث الإسراء

باب: حديث الإسراء وقول الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1].
وبه إليه قال:
حدَّثنا يحيى بن بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن عُقَيْلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: حدَّثني أبو سلمةَ بن عبدالرحمن، قال: سمعتُ جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله يقول: لمَّا كذَّبني قريشٌ قُمتُ في الحِجر، فجَلَا اللهُ لي بيت المَقدِس، فطَفِقْتُ أُخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه [21]". 

الشيخ: هذا من معجزاته

باب المعراج

القارئ: 

"باب المعراج".

حديث مالك بن صعصعةَ رضي الله عنه في المعراج وفرض الصلوات

وبه إليه قال:

"حدَّثنا هُدْبةُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا همَّام بن يحيى، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن أنس بن مالكٍ، عن مالك بن صعصعةَ رضي الله عنهما: أن نبي الله حدَّثهم عن ليلةِ أُسْرِيَ به: بينما أنا في الحَطِيم.. -وربما قال: في الحِجر- .مُضطجعًا؛ إذ أتاني آتٍ، فَقَدَّ.. -قال: وسمعتُه يقول: فشَقَّ- ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارودِ وهو إلى جَنْبِي: ما يعني به؟ [22]". 

الشيخ: هو جارود بن أبي سَبْرَةَ، وهو تابعيٌّ، صاحِبُ أنسٍ، فقلتُ لجارود..، الظاهر هذه الرواية رواها همَّامُ بن يحيى، قال: حدَّثنا قتادةُ، عن أنس بن مالكٍ، عن مالك بن صعصعةَ، وطبعًا هذا من المراسيل، لو ذكر أنسًا دون ذِكر مالك بن صعصعةَ يكون من مراسيل الصحابة، لكنه وصله ممن سمع منه، فيقول: قلتُ لجارود، وهو جارود بن أبي سَبْرَةَ، صاحِب أنس ، وهو -أيْ: قتادة- يقول: وهو الجارود إلى جنبي، ما يعني به؟ من ثُغرة النَّحر.

القارئ:

"قال: ما يعني به؟ قال: مِن ثُغْرَةِ نَحْرِه إلى شِعْرَتِه". 

الشيخ: لأنه يقول: فشقَّ ما بين هذه إلى هذه، فقال: ما يعني به؟ قال: من ثُغرة النحر إلى شِعرته، أي: إلى شَعر عانته، شِعرة يُسمونه إلى شعر العانة، يعني: كل هذا شقُّوه عن النبي ، هو المعروف بقصة شقِّ الصدر.

القارئ:

"وسمعتُه يقول: مِن قَصِّه إلى شِعْرَتِه..".

الشيخ: القَصُّ: رأس الصدر، ربما يكون رأس الصدر، قد يكون هنا هذا الذي يُسمونه ثُغرة النحر، الذي يكون فيه حفرة الظاهر، أو من أصله أو بداية الصدر.

القارئ: 

فاستَخرَج قلبي، ثم أُتيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ مملوءةٍ إيمانًا، فغُسل قلبي، ثم حُشي، ثم أُتيتُ بدابَّةٍ دون البغل وفوق الحمار، أبيضَ، فقال له الجارود: هو البُراق يا أبا حمزة؟ قال أنسٌ: نعم، يضع خَطْوَه عند أقصى طَرْفِه، فحُمِلْتُ عليه، فانطلق بي جبريلُ حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ، فقال: هذا أبوك آدمُ فسَلِّمْ عليه، فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صَعِدَ حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خَلَصْتُ إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسَلِّمْ عليهما، فسلَّمتُ فرَدَّا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِل إليه؟
قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خَلَصْتُ إذا يوسفُ، قال: هذا يوسفُ فسَلِّمْ عليه، فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: أَوَقَدْ أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء ففتح، فلما خَلَصْتُ إلى إدريسَ، قال: هذا إدريسُ فسَلِّمْ عليه فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي، حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ فإذا هارونُ، قال: هذا هارونُ، فسَلِّمْ عليه، فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسِل إليه؟
قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ فإذا موسى، قال: هذا موسى فسَلِّمْ عليه، فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ عليَّ ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يُبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنةَ من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟
قال: محمدٌ، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خَلَصْتُ فإذا إبراهيمُ، قال: هذا أبوك فسَلِّمْ عليه، قال: فسلَّمتُ عليه، فرَدَّ السلام، قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم رُفِعَتْ لي سدرةُ المُنتهَى، فإذا نَبقُها مثلُ قلالِ هَجَرَ، وإذا وَرَقُها مثلُ آذان الفِيَلة، قال: هذه سدرة المُنتهَى، وإذا أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟
قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، ثم رُفِع لي البيت المعمور، ثم أُتِيتُ بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لبنٍ، وإناءٍ من عسلٍ، فأخذتُ اللبنَ فقال: هي الفطرةُ أنت عليها وأمتك، ثم فُرضت عليَّ الصلوات خمسين صلاةً كل يومٍ، فرجعتُ فمررتُ على موسى، فقال: بما أُمرت؟
قال: أُمرت بخمسين صلاةً كل يومٍ، قال: إن أُمتك لا تستطيع خمسين صلاةً كل يومٍ، وإني والله قد جرَّبتُ الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المُعالَجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فوضع عني عشرًا، فرجعتُ إلى موسى، فقال مثله، فرجعتُ فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعتُ فأُمرتُ بعشر صلواتٍ كل يومٍ، فرجعتُ فقال مثله، فرجعتُ فأُمرتُ بخمس صلواتٍ كل يومٍ، فرجعتُ إلى موسى، فقال: بِمَ أُمرتَ؟
قلت: أُمرتُ بخمس صلواتٍ كل يومٍ، قال: إن أُمتك لا تستطيع خمس صلواتٍ كل يومٍ، وإني قد جرَّبتُ الناس قبلك وعالجتُ بني إسرائيل أشدَّ المُعالَجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال: سألتُ ربي حتى استحييتُ، ولكني أرضى وأُسلِّم، قال: فلما جاوزتُ نادى مُنادٍ: أمضيتُ فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي
[23]

تفسير ابن عباسٍ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾

وبه إليه قال:

"حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيان، قال: حدَّثنا عمرو، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: في قوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء:60] قال: "هي رؤيا عينٍ أُريها رسول الله ليلةَ أُسرِيَ به إلى بيت المَقدس"، قال: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء:60]، قال: هي شجرة الزَّقُّوم [24]". 

الشيخ: التي ذكرها الله تعالى: إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ۝ طَعَامُ الْأَثِيمِ ۝ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ [الدخان:43 - 45]، هذا عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، في قوله تعالى هي رؤيا عينٍ، وليس رؤيا الحُلْم، إنما رؤيا رأى حقيقةً، وما ندري بماذا كيف يفهمون المعراج، أولئك الذين يقولون: إن الله ليس مُستوٍ على العرش، إن الله في كل مكانٍ، لماذا ذهب النبي ، أو ذهب به إلى السماء السابعة؟ نحن نؤمن بأن الله عرشه فوق السماوات السبعة؛ ولذلك عُرج بالنبي

فعلى كل حالٍ هذا كله حقٌّ، وقد عُرج بجسده وروحه، لا يحتاج إلى أن نشك فيه إن شاء الله، وقد رأى ما رأى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]. 

أحد الطلاب: يا شيخنا الأنبياء ... أرواحهم وأجسادهم ...

الشيخ: إن الله قدرته فوق كل شيءٍ ... قبر إبراهيم وقبر موسى ، قال : فلو كنتُ ثَمَّ لأريتُكم قبرَه، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر [25] وكما جاء فيه، لكن الله تعالى قادرٌ أن يُحيِيَ لعظمةِ محمدٍ ، وهذه من أعظم معجزات النبي .

إذن؛ أحيا له هؤلاء الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ليس ببعيدٍ من قدرة الله تعالى وقدره.

أحد الطلاب: ...

الشيخ: الله أحياهم وجعلهم في هذه الأمكنة وهم في قبورهم.

أحد الطلاب: هل له معنى الترتيب هذا ...؟

الشيخ: الله أعلم، المعنى لا شكَّ أنه لا بُدَّ أن يكون معنًى، لكن آدم في الأول، وإبراهيم في الأخير، وعلى ما قدَّر الله تعالى، لا ندخل فيها، لماذا؟ آدم  في أول السماء، هل يكون قدره أنزل وأسفل من عيسى ومن إبراهيم ؟ لا نتكلم بهذا، هكذا أراد الله تعالى.

باب وفود الأنصار إلى النبي بمكة وبيعة العقبة

القارئ:

"باب: وفود الأنصار إلى النبي بمكةَ، وبيعة العقبة"

حديث كعب بن مالكٍ رضي الله عنه في تخلُّفه عن غزوة تبوك.. وفضيلة أهل بدر

وبه إليه، قال:

"حدَّثنا يحيى بن بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا الليث، عن عُقَيْلٍ، عن ابن شهابٍ"

وبه إليه قال:

"حدَّثنا أحمد بن صالحٍ، قال: حدَّثنا عنبسةُ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالكٍ: أن عبدالله بن كعبٍ، وكان قائدَ كعبٍ حين عَمِيَ، قال: سمعتُ كعب بن مالكٍ يُحدِّث حين تخلَّف عن النبيِّ في غزوة تبوكَ، بطُولِه، قال ابن بُكَيْرٍ في حديثه: ولقد شهدتُ مع النبيِّ ليلة العقبةَ، حين تواثقنا على الإسلام، وما أُحبُّ أنَّ لي بها مشهد بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أَذْكَرَ في الناس منها [26]".

الشيخ: يعني: غزوة بدرٍ أَذْكَرُ، أي: أشهر وأكثر ذِكرًا في الناس، لماذا؟ لأن لها شأنًا كبيرًا، لعلَّ الله اطَّلع على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتُم، فقد غفرتُ لكم [27]؛ فلذلك كان الذين فاتتهم غزوة بدرٍ كانوا يتمنون أن لم تكن فاتتهم.

حديث جابرٍ رضي الله عنه في شهود أبيه وخالَيْه بيعة العقبة

القارئ: وبه إليه قال:

"حدَّثنا عليُّ بن عبدالله، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: كان عمرٌو يقول: سمعتُ جابر بن عبدالله رضي الله عنهما يقول: شَهِدَ بي خالاي العقبةَ، قال أبو عبدالله، قال: ابن عُيَيْنةَ: أحدهما البراء بن مَعْرُورٍ [28]".

وبه إليه قال:

"حدَّثني إبراهيم بن موسى، قال: أخبرنا هشامٌ أن ابن جُرَيْجٍ أخبرهم: قال عطاءٌ: قال: جابر رضي الله عنهما: أنا، وأبي، وخالي من أصحاب العقبة [29]".

الشيخ: خالاي أو خالي؟.

القارئ: وخالي.

الشيخ: أنا، وأبي..

القارئ: في الهامش موجودةٌ.

"أنا، وأبي، وخالاي من أصحاب العقبة".

حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه في بيعة العقبة وشروطها

وبه إليه قال:

"حدَّثني إسحاق بن منصورٍ، قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابن أخي ابن شهابٍ عن عمِّه، قال: أخبرني أبو إدريسَ عائذُ اللهِ: أن عُبادةَ بن الصامتِ من الذين شهدوا بدرًا مع رسول الله ، ومن أصحابه ليلة العقبة، أخبره أن رسول الله قال، وحوله عِصابةٌ من أصحابه: تعالَوْا بايعوني على أن لا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتون ببهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروفٍ، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعُوقب به في الدنيا؛ فهو له كفارةٌ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، قال: فبايعتُه على ذلك [30]".

الشيخ: هذا الذي جاء في رواية نخرةَ أن النبي بايع الصحابة بيعة النساء، وهو الذي جاء في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [الممتحنة:12] ولا تعصوا في معروفٍ، انظروا: فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة:12].

فقالوا: إن أخذ النبي على الصحابة بيعة النساء، النساء أيضًا بويعن على هذا، وبايع النساء أيضًا، فلما جاءت هند بنت عتبةَ، زوجة أبي سفيانَ، أم معاويةَ، فلما وصل النبيُّ إلى:

أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا، قالت: "تُبنا إلى الله".

وَلَا يَسْرِقْنَ، قالت: "ما سرقنا".

وَلَا يَزْنِينَ، قالت: "أوَتزني الحرة؟!"، هكذا قالت، سبحان الله!

وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ، قالت: وهل تركتَ لنا أولادًا نقتلهم؟! [31]

يعني: تخاطب النبي ، بدلالها.. على كل حالٍ في حقها، فرضي الله عنهم جميعًا، ولا يجوز لأحد أن يتكلم على هند، ولا أبي سفيان بسوءٍ، هؤلاء الروافض أو الذين ترفَّضوا، الآن في هذا الزمان قد خرجوا يسبُّون ويُكفِّرون جميع الصحابة فضلًا عن معاوية وأبي سفيان، ونعوذ بالله منهم.

القارئ: وبه إليه قال:

"حدَّثنا قُتيبةُ، قال: حدَّثنا الليث، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخير، عن الصُّنابِحيِّ، عن عبادة بن الصامت ، أنه قال: إني من النُّقباء الذين بايعوا رسول الله ، وقال: بايعناه على أن لا نُشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرَّم الله، ولا ننتهب، ولا نعصي بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئًا، كان قضاء ذلك إلى الله [32]".

الشيخ: هو الظاهر قال: جاء في بعض الروايات كما قلتُم: نعصي بالجنة، قالوا: لا نَكفُر بها، نؤمن بها إيمانًا واحتسابًا، وطلبًا للأجر والجنة، يعني: نحن نعمل لله تبارك وتعالى، أو قالوا: لا نقضي بالجنة ولا بالنار لأحدٍ مات، فنقول: إنه في الجنة، كلا المعنيين ذُكروا على كل حالٍ.

باب تزويج النبي عائشة، وقدومها المدينة، وبنائه بها

القارئ:

"باب: تزويج النبي عائشة، وقدومها المدينة، وبنائه بها". 

حديث عائشة رضي الله عنها في زواج النبي منها

وبه إليه، قال:

حدَّثني فَرْوةُ بن أبي المَغْرَاءِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن مُسْهِرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أنها قالت: "تزوَّجني النبي وأنا بنت ستِّ سنينَ..

الشيخ: باب تزويج النبي عائشة، يعني: من نفسه، ما زوَّجها إياها غيره، فتزويج النبي عائشةَ نفهم يعني: من نفسه، تزوَّجني رسول الله وأنا بنت ستِّ سنينَ، فقَدِمْنا المدينةَ..

القارئ:

فقَدِمْنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن خزرجٍ، فوُعِكْتُ فتمرَّق شَعري..

الشيخ: تمرُّق الشَّعر: هو الذي يكون من سقوط الشعر وخِفَّته بعدما يُصاب الإنسان ببعض الأمراض، فالشعر يَسقُط، فتمرَّق شَعري، أي: انقطع وانتتف، أو خرج.

وفي بعض الروايات: تمزَّق، في بعض الروايات بـ "الزاي".

القارئ:

فوَفَى جُمَيْمَةَ..

الشيخ: أي: لما نَبَتَ فسار جُمَيْمَةً لم يَبلُغ طويلًا، فلم تكن طويلةً، جُمَيْمَةً وما حولها ولم تكن طويلةً.

القارئ:

فأَتَتْني أُمِّي أُمُّ رُومانَ، وإني لفي أُرجوحةٍ، ومعي صواحبُ لي..

الشيخ: أُرجوحةٌ: هذه معروفةٌ، لكنه كما فسَّروا في زمن النبي أنه يوضع جذع النخل على كثيبٍ عالٍ شيئًا ما، أو يُصنع هذا، ثم يُوضع الخشب واحدٌ هنا وواحدٌ هنا يتدرَّج نعم، هذه هي الأُرجوحة، ما كانت هناك الظاهر من الأُرجوحات التي تكون بطريقةٍ خاصةٍ، فكانت الأُرجوحة جذعَ النخل يُوضع على مكانٍ كثيبٍ عالٍ أو شيءٍ، ويجلس واحدٌ هنا وواحدٌ ثانٍ، ويترافعان ويتنازلان.

القارئ:

ومعي صواحبُ لي، فصَرَخَتْ بي، فأتيتُها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأُنْهَج حتى سَكَنَ بعضُ نَفَسِي..

الشيخ: يعني: تتنفَّس تنفُّسًا صُعَداءَ؛ لأنها جاءت تجري وتلعب، الله أكبر، سبحان الله، كانت تلعب مع رفيقاتها.

القارئ:

ثم أخذتْ شيئًا من ماءٍ، فمسحتْ به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوةٌ من الأنصار في البيت، فقُلْنَ: على الخير والبركة، وعلى خيرِ طائرٍ، فأَسلمتْني إليهن، فأَصلحنَ من شأني، فلم يَرُعْنِي إلا رسول الله ضُحًى، فأَسْلَمْنَني إليه، وأنا يومئذٍ بنتُ تسعِ سنينَ" [33]".

الشيخ: بنت تسعِ سنينَ، الناس يعني يتكلمون في مثل هذا، وكانت قد بلغت المحيض، ولا شكَّ فيها، وحتى في هذا الزمان البنات كثيرًا يَحِضْنَ، وهي بنت تسعِ سنينَ، والدليل عليها: ما تُخبرنا النساء المُدرِّسات في بعض الأحيان تقول: اقرئي القرآن، قالت: أنا ما أقدر أُمسك وكذا، وهذا واضحٌ جدًّا، فليس بغريبٍ، خاصةً في البلاد الحارة في بلاد العرب، لا يفهم هذا المعنى أعداء الإسلام، الذين هم باردون من كل شيء، وفي زمن البرد أو في مكان البرد يعيشون، وقد يكون هناك بعض الأطفال رأينا أنه يحتلم وعمره اثنتا عشرة سنةً هنا في بلاد مكةَ وغيرها.

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا مُعَلَّى، قال: حدَّثنا وُهَيْبٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ..

الشيخ: مُعَلَّى بن أسد العمي أبو الهيثم، ووُهَيْبٌ هو ابن خالد البصري.

رؤيا النبي في منامه بزواجه من عائشة رضي الله عنها

القارئ:

عن عائشةَ رضي الله عنها: أن النبي قال لها: أُرِيتُكِ في المنامِ مرتين؛ أَرَى أَنَّكِ في سَرَقةٍ من حريرٍ، ويقول: هذه امرأتُك، فاكشفْ عنها، فإذا هي أنتِ؛ فأقول: إن يَكُ هذا من عند الله يُمْضِهْ [34].

الشيخ: وقد كان، وقد أمضاه، وقد كان من عند الله وأمضاه.

سَرَقةٌ: قِطعةٌ من الحرير، صورة عائشةَ فيها ملفوفةً في قطعةٍ من حريرٍ، هكذا أُرِيَ النبيُّ في المنام.

حديث عروة في زواج النبي بعائشةَ بعد وفاة خديجة رضي الله عنهما

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثني عُبيدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن أبيهِ قال: تُوفِّيتْ خديجةُ قبل مَخْرَجِ النبيِّ إلى المدينة بثلاث سنينَ، فلَبِثَ سنتين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشةَ وهي بنتُ ستِّ سنينَ، ثم بَنَى بها وهي بنتُ تسعِ سنينَ [35].

الشيخ: هنا فلَبِثَ، أي: النبي ، أو قريبًا من ذلك، يعني: لم يَدخُل على أحدٍ من النساء، وجاءت روايةٌ صحيحةٌ أنه قبل أن يُهاجر تزوج بسَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ، ودَخَل بها، ثم لمَّا وصل إلى المدينة بعد سنتين دَخَلَ على عائشةَ رضي الله عنها.

باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى:

أحاديث في الهجرة وفضل المهاجرين والأنصار

باب: هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة.
وقال عبدالله بن زيدٍ، وأبو هريرةَ رضي الله عنهما، عن النبي : لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار.

الشيخ: عبدالله بن زيد هو عبدالله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري.

القارئ:

وقال أبو موسى عن النبي : رأيتُ في المنام أني أُهاجر من مكةَ إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وَهَلِي إلى أنها اليمامةُ أو هَجَرُ، فإذا هي المدينةُ يثربُ [36]".

وبه إليه قال:

حدَّثنا الحُمَيديُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا الأعمش، قال: سمعتُ أبو وائلٍ يقول: عُدْنا خَبَّابًا، فقال: هاجرنا مع النبي نريد وجه الله، فوقع أجرُنا على الله، فمنَّا مَن مضى لم يأخذ من أجرِه شيئًا؛ منهم مصعب بن عُمَيْرٍ، قُتل يوم أُحُدٍ، وترك نَمِرَةً، فكُنا إذا غطَّينا بها رأسه بَدَتْ رِجلاه، وإذا غطَّينا رِجليه بدا رأسُه، فأمرنا رسول الله أن نُغطِّي رأسه، ونجعل على رِجليه شيئًا من إِذْخَرٍ، ومنَّا من أَيْنَعَتْ له ثمرتُه فهو يَهْدِبُها» [37].

الشيخ: يَهْدِبُها: يأكلها بسعةٍ، يَهْدِبُها هَدْبًا، أي: يأكل ثمرتها، يأخذ ثمرة الدنيا بسعةٍ.

حديث «الأعمال بالنية»

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا مُسدَّدٌ قال: حدَّثنا حمَّادٌ هو ابن زيدٍ، عن يحيى، عن محمد بن إبراهيمَ، عن علقمةَ بن وقَّاصٍ  أنه قال: سمعتُ عمر بن الخطاب قال: سمعتُ النبي يقول: الأعمال بالنية، فمَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ يتزوجها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه، ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله [38]".

حديث ابن عُمر رضي الله عنهما: «لا هجرة بعد الفتح»

وبه إليه قال:

حدَّثني إسحاقُ بن يزيدَ الدمشقيُّ، قال: حدَّثنا يحيى بن حمزةَ، قال: حدَّثني أبو عمرو الأوزاعيُّ، عن عَبْدَة بن أبي لُبابةَ، عن مُجاهِدِ بن جبرٍ المكيِّ: أن عبدالله بن عُمرَ رضي الله عنهما كان يقول: "لا هجرة بعد الفتح" [39].

الشيخ: المقصود منه لا هجرةَ من مكةَ إلى غير مكةَ، وأما الهجرة فباقيةٌ إلى يوم القيامة، ما دام قتل العدو، كما جاء في الحديث، فهو من مكةَ إلى غير مكةَ، وهذا فيه بشارةٌ إلى أن مكةَ لا تصير بلد الكفر أبدًا إلى يوم القيامة إن شاء الله.

حديث عائشةَ رضي الله عنها في انقطاع الهجرة وبقاء الجهاد والنية

القارئ: وبه إليه قال:

قال يحيى بن حمزة: وحدَّثني الأوزاعيُّ، عن عطاء بن أبي رباحٍ، قال: زرتُ عائشةَ رضي الله عنها مع عُبيد بن عُمير الليثي، فسألناها عن الهجرة، فقالت: "لا هجرةَ اليوم، كان المؤمنون يَفِرُّ أحدُهم بدِينه إلى الله تعالى، وإلى رسوله ؛ مخافةَ أن يُفتَن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يَعبُد ربَّه حيث شاء، ولكن جهادٌ ونيةٌ" [40].

الشيخ: ولكن جهادٌ إذا كان في حول الجزيرة، أو إذا لم يكن جهادًا، فيجب على الإنسان أن يُربِّي في نفسه نيةً للجهاد، من مات ولم يَغزُ ولم يُحدِّث نفسه بالغزو؛ مات على شُعبةٍ من نفاقٍ [41]، فيجب علينا كلنا أن نُربِّي في أنفسنا داعية الجهاد.

ولا يدري الإنسان في الحقيقة الآن آثار القيامة كما جاء مثل العِقد واحدًا واحدًا تنفرط، ونحن الآن حولنا ندعو الله تبارك وتعالى أن يحفظ المسلمين من الحروب والكروب، ولكن يجب علينا أن نستعد ونُعِدَّ أولادنا نفسيًّا؛ حتى تسلُّحًا لو كان في الحقيقة، ويدعو كل واحدٍ: اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك، وارزقني موتي في بلد رسولك لا بأس، لكنه في الحقيقة لا بُدَّ أن يُربِّي داعية الجهاد في نفسه دائمًا، حتى إذا رُفع علم الجهاد فلا يهرب ولا يفر.

حديث سعدٍ رضي الله عنه في ترك القتال بعد الفتح

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثني زكرياءُ بن يحيى، قال: حدَّثنا ابن نُمَيْرٍ: قال هشام: فأخبرني أبي، عن عائشةَ رضي الله عنها: أن سعدًا قال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحدٌ أحبَّ إليَّ أن أُجاهدهم فيك من قومٍ كذَّبوا رسولَك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم..

الشيخ: هذا بعد فتح مكةَ في الحقيقة، لكن فيما بعد فتح باب الجهاد إلى ما وراء النهر، وإلى العراق وغيره، لكن في الجزيرة الحمد لله صارت طاهرةً مُطهَّرةً من الكفر والكفار.

القارئ:

وقال أبانُ بن يزيدَ: حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: أخبرتني عائشةُ رضي الله عنها: مِن قومٍ كذَّبوا نبيَّك، وأخرجوه، مِن قُريشٍ [42].

حديث ابن عباسٍ في مدة مُقام النبي وسِنِّه عند الوفاة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا مطرُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا عكرمةُ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أنه قال: بُعِثَ رسول الله لأربعين سنةً، فمكث بمكةَ ثلاث عشرة سنةً يُوحَى إليه، ثم أُمِرَ بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاثٍ وستين [43]".

وبه إليه قال:

حدَّثني مطرُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا زكرياءُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا عَمرو بن دينارٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، أنه قال: مكث رسول الله بمكةَ ثلاث عشرةَ، وتُوفِّي وهو ابن ثلاثٍ وستين [44].

حديث اختيار النبي لما عند الله.. وفضل أبي بكرٍ في الصُّحبة

وبه إليه قال:

حدَّثنا إسماعيل بن عبدالله، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أبي النضرِ مولى عُمرَ بن عُبيدالله، عن عُبيدٍ، يعني: ابن حُنينٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ : أن رسول الله جلس على المنبر فقال: إن عبدًا خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكرٍ وقال: فديناكَ بآبائنا وأمهاتنا، فعَجِبْنا له! وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ؛ يُخبِر رسولُ الله عن عبدٍ خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! فكان رسول الله هو المُخيَّر، وكان أبو بكرٍ هو أعلمَنا به، وقال رسول الله : إنَّ مِن أَمَنِّ الناس عليَّ في صُحبته وماله أبا بكرٍ، ولو كنتُ مُتخذًا خليلًا من أُمتي لاتخذتُ أبا بكرٍ، إلا خُلة الإسلام، لا يَبقينَّ في المسجد خَوْخَةٌ إلا خَوْخَةُ أبي بكرٍ [45]".

حديث عائشةَ رضي الله عنها في قصة الهجرة

وبه إليه قال:

حدَّثنا يحيى بن بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا الليث، عن عُقَيْلٍ، قال ابن شهابٍ: فأخبرني عروةُ بن الزبيرِ: أن عائشةَ رضي الله عنها، زوج النبي ، قالت: لم أَعْقِل أبويَّ قَطُّ إلا وهما يدينان الدِّين، ولم يَمُرَّ علينا يومٌ إلا يأتينا فيه رسول الله طرفَي النهار، بُكرةً وعَشِيَّةً، فلما ابتُلي المسلمون خرج أبو بكرٍ مُهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَه ابنُ الدَّغِنَةِ وهو سيدُ القارَّةِ، فقال: أين تريد يا أبا بكرٍ؟ ..

الشيخ: بَرْكُ الغِماد: قالوا: إن هذا من أقاصي هَجَرَ، الهَجَرُ: معروفٌ، الذي يُنسب إليه، وهو الذي يُسمَّى الآن الأحساء، والله أعلم.

حتى إذا بلغ.. سبحان الله، يعني: خرج إلى هناك.

القارئ:

فقال: أين تريد يا أبا بكرٍ؟ قال أبو بكرٍ: أَخرجَني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي. قال ابن الدَّغِنَةِ: فإن مثلك يا أبا بكرٍ لا يَخرُج ولا يُخرَج؛ إنك تَكْسِبُ المعدوم، وتَصِلُ الرحم، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضيفَ، وتُعين على نوائب الحق؛ فأنا لك جارٌ، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدَّغِنَةِ. فطاف ابنُ الدَّغِنةِ عشيةً في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكرٍ لا يَخرُج مثله ولا يُخرَج، أُتخرِجون رجلًا يَكسِب المعدوم، ويَصِلُ الرحم، ويَحمِل الكَلَّ ويَقْرِي الضيفَ، ويُعين على نوائب الحق؟! فلم تُكذِّب قريشٌ بجوار ابن الدَّغِنَة، وقالوا لابن الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بكرٍ فليعبد ربَّه في داره، فليُصَلِّ فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يُفتِن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدَّغِنَةِ لأبي بكرٍ، فلَبِثَ أبو بكرٍ بذلك يعبد ربَّه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكرٍ فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يُصلِّي فيه، ويقرأ القرآن؛ فينقذف عليه نساء المشركين..

الشيخ: فيتقذَّف عليه، يعني: كأنهم يتهافتون، ويأتون إليه، كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: 19].

القارئ: فينقذف أو يتقذَّف؟

الشيخ: يتقذَّف، عندكم ماذا؟ ينقذف، كلاهما مُمكِنٌ، نعم.

القارئ:

فينقذف -أو يتقذَّف- عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يَعجَبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكرٍ رجلًا بكَّاءً، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، وأفزع ذلك أشرافَ قريشٍ من المُشركين، فأرسلوا إلى ابن الدَّغِنَةِ فقَدِمَ عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكرٍ بجوارك على أن يعبد ربَّه في داره، فقد جاوز ذلك، فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يُفتِن نساءنا وأبناءنا، فَانْهَه، فإن أَحبَّ أن يقتصر على أن يعبد ربَّه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يُعلن بذلك؛ فَسَلْهُ أن يَرُدَّ إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نُخفِرَكَ، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكرٍ الاستعلان.
قالت عائشةُ: فأتى ابن الدَّغِنَةِ إلى أبي بكرٍ فقال: قد عَلِمْتَ الذي عاقدتُ لك عليه؛ فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عقدتُ له، فقال أبو بكر: فإني أردُّ إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ، والنبي يومئذٍ بمكةَ، فقال النبي للمُسلمين: إني أُرِيتُ دارَ هجرتِكم ذات نخلٍ بين لابتَيْن وهما الحَرَّتانِ، فهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المدينة، ورجع عامَّةُ مَن كان هاجَرَ بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهَّز أبو بكرٍ قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله : على رِسْلِكَ، فإني أرجو أن يُؤذَن لي، فقال أبو بكرٍ: وهل ترجو ذلك بأبي أنتَ؟ قال: نعم، فحبس أبو بكرٍ نفسَه على رسول الله ليَصحبَه، وعَلَفَ راحلتين كانتا عنده وَرَقَ السَّمُرِ وهو الخَبَطُ، أربعةَ أشهرٍ..
قال ابنُ شهابٍ: قال عروةُ: قالت عائشةُ: فبينما نحن يومًا جلوسٌ في بيت أبي بكرٍ في نَحْرِ الظهيرة، قال قائلٌ لأبي بكرٍ: هذا رسول الله مُتقنِّعًا، في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكرٍ: فداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمرٌ. قالت: فجاء رسول الله فاستأذن، فأُذِنَ له فدخل، فقال النبي لأبي بكرٍ: أَخرِج مَن عندك، فقال أبو بكرٍ: إنما هم أهلُك، بأبي أنتَ يا رسول الله، قال: فإني قد أُذِنَ لي في الخروج، فقال أبو بكرٍ: الصحابة بأبي أنتَ يا رسول الله؟ ..

الشيخ: الصحابة، يعني: أُريد الصُّحبةَ وأن أَصْحَبَك.

القارئ:

قال رسول الله : نعم، قال أبو بكرٍ: فخُذْ -بأبي أنتَ يا رسول الله- إحدى راحلتَيَّ هاتَيْنِ، قال رسول الله : بالثَّمَن. قالت عائشة: فجهَّزناهما أحثَّ الجَهاز، وصنعنا لهما سُفْرةً في جِرابٍ، فقَطَعَتْ أسماءُ بنت أبي بكرٍ قِطعةً من نِطاقها، فربطتْ به على فَمِ الجِراب؛ فبذلك سُمِّيَتْ ذات النطاق. قالت: ثم لَحِقَ رسول الله وأبو بكرٍ بغارٍ في جبل ثَوْرٍ، فكَمَنَا فيه ثلاثَ ليالٍ، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكرٍ، وهو غلامٌ شابٌّ، ثَقِفٌ لَقِنٌ، فيُدْلِجُ من عندهما بسَحَرٍ، فيُصبِح مع قريشٍ بمكةَ كبائتٍ، فلا يسمع أمرًا يُكتادانِ به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبرِ ذلك حين يختلط الظلام..

الشيخ: فلا يسمع أمرًا يُكتادان به، يعني: يُمكَر بهما، أو تكيد قريشٌ لهما؛ إلا حفظ وجاء وأخبر النبي وأبا بكرٍ.

القارئ:

ويرعى عليهما عامرُ بنُ فُهَيْرةَ، مولى أبي بكرٍ، مِنْحَةً من غَنَمٍ، فيُرِيحُها عليهما حين تذهب ساعةٌ من العشاء، فيبيتان في رِسْلٍ، وهو لَبَنُ مِنحتِهما ورَضِيفِهما، حتى يَنْعِقَ بها عامرُ بن فُهيرةَ بغَلَسٍ، يفعل ذلك في كل ليلةٍ من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسولُ الله وأبو بكرٍ رَجُلًا من بني الدِّيلِ، وهو من بني عَبْدِ بن عَدِيٍّ، هاديًا خِرِّيتًا، والخِرِّيتُ: الماهر بالهداية، قد غَمَسَ حِلْفًا في آل العاصِ بن وائلِ السَّهْميِّ، وهو على دين كُفار قريشٍ، فأَمِنَاهُ، فدَفَعا إليه راحلتَيْهما، وواعداه غارَ ثَوْرٍ بعد ثلاث ليالٍ براحلتيَهْما صُبْحَ ثلاثٍ، وانطلق معهما عامرُ بن فُهيرةَ، والدليلُ، فأخذ بهم طريق السواحل [46].
قال ابن شهابٍ: وأخبرني عبدالرحمن بن مالكٍ المُدْلِجِيُّ، وهو ابن أخي سُرَاقَةَ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ، أن أباه أخبره أنه سمع سُراقةَ بن جُعْشُمٍ يقول: جاءنا رُسُلُ كُفار قريشٍ يجعلون في رسول الله وأبي بكرٍ دِيَةَ كل واحدٍ منهما، مَن قَتَلَه أو أَسَرَه، فبينما أنا جالسٌ في مجلسٍ من مجالس قومي بني مُدْلِجٍ؛ أَقْبَلَ رَجُلٌ منهم، حتى قام علينا ونحن جلوسٌ، فقال يا سُراقةُ: إني قد رأيتُ آنفًا أَسْوِدَةً بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه..

الشيخ: الأَسْوِدةُ: جمع سَوادٍ، يعني: كل مَن يرونه يتحرك، شيئًا مثل الحيوان، يقولون: سوادًا، وأشاروا كأنهم رأوا ناسًا أو رأوا رجالًا يمشون بالساحل.

القارئ:

قال سُراقةُ: فعَرَفْتُ أنهم هم، فقلتُ له: إنهم ليسوا بهم، ولكنكَ رأيتَ فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأَعْيُننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعةً، ثم قُمتُ فدخلتُ فأمرتُ جاريتي أن تَخرُج بفَرَسِي، وهي من وراء أَكَمَةٍ، فتَحْبِسَها عليَّ، وأخذتُ رُمحي، فخرجتُ به من ظهر البيت، فحَطَطْتُ بِزُجِّه الأرضَ، وخفضتُ عاليَه، حتى أتيتُ فَرَسي فرَكِبتُها، فرفعتُها تُقرِّب بي، حتى دنوتُ منهم، فعَثَرَتْ بي فَرَسي، فخَرَرْتُ عنها، فقمتُ فأهويتُ يدي إلى كِنانتي، فاستخرجتُ منها الأزلام فاستقسمتُ بها: أَضُرُّهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبتُ فرسي، وعصيتُ الأزلام، تُقرِّبُ بي حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسول الله وهو لا يلتفت، وأبو بكرٍ يُكثِر الالتفات؛ ساخت يدا فَرَسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررتُ عنها، ثم زجرتُها فنهضتْ، فلم تكد تُخرِج يديها، فلما استوتْ قائمةً، إذا لأثر يديها عُثانٌ ساطعٌ في السماء مثل الدُّخَان، فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكره، فناديتُهم بالأمان فوقفوا، فركبتُ فَرَسي حتى جئتُهم، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم أن سيظهر أمرُ رسول الله . فقلتُ له: إن قومك قد جعلوا فيك الديةَ، وأخبرتُهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضتُ عليهم الزاد والمتاع، فلم يَرْزَآني ولم يسألاني، إلا أن قال: أَخْفِ عنَّا، فسألتُه أن يكتب لي كتابَ أمنٍ، فأمر عامرَ بن فُهيرةَ فكتب في رُقعةٍ من أَديمٍ، ثم مضى رسول الله .
قال ابن شهابٍ: فأخبرني عروةُ بن الزبير: أن رسول الله لَقِيَ الزبير في رَكْبٍ من المُسلمين، كانوا تُجارًا قافلين من الشأمِ، فكسا الزبيرُ رسولَ الله وأبا بكرٍ ثيابَ بياضٍ، وسمع المُسلمون بالمدينة مَخرَج رسول الله من مكةَ، فكانوا يَغدُون كل غداةٍ إلى الحَرَّة، فينتظرونه حتى يَرُدَّهم حَرُّ الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أَوَوْا إلى بيوتهم؛ أَوْفَى رَجُلٌ من يهودَ على أُطُمٍ من آطامِهم، لأمرٍ يَنظُر إليه، فبَصُرَ برسول الله وأصحابه مُبَيَّضِين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهوديُّ أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرون، فثار المُسلمون إلى السلاح، فتلقَّوْا رسول الله بظَهْرِ الحَرَّةِ، فعدل بهم ذات اليمين، حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوفٍ، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكرٍ للناس، وجلس رسول الله صامتًا، فطَفِقَ مَن جاء من الأنصار ممن لم يَرَ رسول الله يُحيِّي أبا بكرٍ، حتى أصابتِ الشمسُ رسولَ الله ، فأقبل أبو بكرٍ حتى ظلَّل عليه بردائه، فعَرَفَ الناسُ رسولَ الله عند ذلك، فلَبِثَ رسول الله في بني عمرو بن عوفٍ بضعَ عشرةَ ليلةً، وأُسِّسَ المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، وصلَّى فيه رسول الله ، ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بَرَكَتْ عند مسجد الرسول بالمدينة، وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المُسلمين، وكان مِرْبَدًا للتمر، لسُهَْيلٍ وسهلٍ، غلُامين يتيمين في حجر أسعد بن زُرارةَ، فقال رسول الله حين بَرَكَتْ به راحلتُه: هذا إن شاء الله المنزل، ثم دعا رسول الله الغلامين فساوَمَهما بالمِرْبَد؛ ليتخذه مسجدًا، فقالا: لا، بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبةً حتى ابتاعه منهما، ثم بناه مسجدًا، وطَفِقَ رسول الله يَنقُل معهم اللَّبِنَ في بُنيانه، ويقول وهو يَنقُل اللَّبِنَ: هذا الحمالُ لا حمالَ خيبرْ ... هذا أَبَرُّ ربَّنا وأَطَهْرَ، ويقول: اللهم إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرة ... فارحمِ الأنصارَ والمُهاجِرة، فتمثَّل بشِعر رَجُلٍ من المُسلمين لم يُسَمَّ لي.
قال ابنُ شهابٍ: ولم يَبلُغنا في الأحاديث أن رسول الله تمثَّل ببيت شعرٍ تامٍّ غير هذا البيت [47].

صنيع أسماءَ بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها في الهجرة

وبه إليه قال:

حدَّثنا عبدالله بن أبي شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامة، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن أبيه وفاطمةَ، عن أسماءَ رضي الله عنها قالت: صنعتُ سُفْرَةً للنبيِّ وأبي بكرٍ حين أرادا المدينة، فقلتُ لأبي: ما أجدُ شيئًا أَرْبِطُه إلا نِطاقي، قال: فشُقِّيه، ففعلتُ، فسُمِّيتُ ذات النطاقين. قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أسماءُ ذات النطاق  [48].

الشيخ: أسماءُ ذات النطاقين، هذا الذي جاء في حديثٍ آخرَ؛ أن الحجَّاج لما حاصر عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، فكانوا يُعيِّرونه بـ "يا ابن ذات النطاقين"، فدخل على أُمِّه، فقال: يا أُمَّاه، إنهم يُعيِّرونني بـ "ابن ذات النطاقين"، قالت: إيه والله يا بني، وتلك شكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها، إنما هذه كان نطاقًا لي، فشققتُ نطاقي وربطتُ بها زاد رسول الله ، فجعلتُ نصفي مما لا تغني عنه النساء، وجعلتُ بنصفه ربطتُ زاد رسول الله ، فهذا شرفٌ، وتلك شكاةٌ، هذه الشكوى مرتفعٌ عنك العار، بل هذا فيه شرفٌ لك أنتَ إذا قالوا: يا ابن ذات النطاقين [49] كأنهم يُعيدون لنا تاريخ هجرة النبي بهذه الكلمة، سبحان الله!

سُراقةُ بن مالكٍ ولحاقه بالنبيِّ في طريق المدينة

القارئ: وبه إليه قال:

حدَّثنا محمد بن بشَّارٍ، قال: حدَّثنا غُنْدَرٌ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمعتُ البراءَ قال: لمَّا أَقبلَ النبيُّ إلى المدينة، تَبِعَهُ سُراقةُ بن مالكِ بن جُعْشُمٍ، فدعا عليه النبيُّ ؛ فساخت به فَرَسُه، قال: ادعُ الله لي ولا أضرُّك، فدعا له، قال: فعَطِشَ رسول الله فمَرَّ بِرَاعٍ، قال أبو بكرٍ: فأخذتُ قَدَحًا، فحلبتُ فيه كُثْبةً من لبنٍ، فأتيتُه فشَرِبَ حتى رضيتُ [50].

الشيخ: كُثبةٌ: قَدْرُ حَلْبةٍ واحدةٍ

^1 رواه البخاري: 3870.
^2, ^4 رواه البخاري: 3871.
^3 ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة بالبرهان: 134.
^5 رواه مسلم: 1707.
^6 رواه البخاري: 3873.
^7 رواه البخاري: 3874.
^8 راه البخاري: 3875.
^9 رواه البخاري: 3876.
^10 رواه البخاري: 3877.
^11 رواه البخاري: 3878.
^12 رواه البخاري: 3879.
^13 رواه البخاري: 3880.
^14 رواه البخاري: 3881.
^15 رواه البخاري: 3882.
^16 رواه البخاري: 3883.
^17, ^19, ^20 رواه البخاري: 3885.
^18 رواه البخاري: 3884.
^21 رواه البخاري: 3886.
^22, ^23 رواه البخاري: 3887.
^24 رواه البخاري: 3888، 6613.
^25 رواه البخاري: 1339، ومسلم: 2372.
^26 رواه البخاري: 3889.
^27 رواه البخاري: 3007، ومسلم: 2494.
^28 رواه البخاري: 3890.
^29 رواه البخاري: 3891.
^30 رواه البخاري: 3892.
^31 رواه الطيالسي: 4754، وقال مُحققه: إسناده ضعيفٌ.
^32 رواه البخاري: 3893.
^33 رواه البخاري: 3894.
^34 رواه البخاري: 3895.
^35, ^36 رواه البخاري: 3896.
^37 رواه البخاري: 3897.
^38 رواه البخاري: 3898.
^39 رواه البخاري: 3899.
^40 رواه البخاري: 3900.
^41 رواه مسلم: 1910
^42 رواه البخاري: 3901.
^43 رواه البخاري: 3902.
^44 رواه البخاري: 3903.
^45 رواه البخاري: 3904.
^46 رواه البخاري: 3905.
^47 رواه البخاري: 3906.
^48 رواه البخاري: 3907.
^49 البداية والنهاية ط الفكر:8/ 344.
^50 رواه البخاري: 3908.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©