تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس
فضيلة الشيخ أ.د. وصي الله بن محمد عباس

كتاب مناقب الأنصار- من حديث: "وقدمت أنا وعمر على رسول الله فوجدناه.."

جدول المحتويات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

نقرأ ما تيسر لنا من كتاب الإمام البخاري في صحيحه على ما جرت العادة في يوم السبت -إن شاء الله-، فاقرؤوا باسم الله.

القارئ: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه وللحاضرين.

تتمة باب هجرة النبي  وأصحابه إلى المدينة

قال الإمام أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجَعفي البخاري في "الجامع الصحيح"، وهو "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله وسُنَنِه وأيامه"، قال في "كتاب مناقب الأنصار"، وبسند شيخنا المتصل إليه:

هجرة عبدالله بن عمر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما

قال: حدثني محمد بن صباح، أو قال: بلغني عنه، قال: حدثنا إسماعيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما إذا قيل له هاجَرَ قبل أبيه يغضب، قال: وَقَدِمْتُ أنا وعمر على رسول الله ، فوجدناه قائلًا.

الشيخ: "فوجدناه قائلًا"؛ أي: في قيلولة في النهار، أو قبل الزوال.

القارئ:

فوجدناه قائلًا، فرجعنا إلى المنزل فأرسلني عمر وقال: اذهب فانظر هل استيقظ؟ فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ثم انطلقت إلى عمر فأخبرته أنه قد استيقظ، فانطلقنا إليه نُهَرْوِل هَرْوَلَةً حتى دخل عليه، فبايعه ثم بايعته[1].

الشيخ: يعني؛ كأنه يريد أدبًا مع والده، مع أنه بايع قبل عمر ، لكنه إذا قيل إنه هاجر قبل أبيه يغضب؛ لأنه هاجر مع أبيه، لكن قل: بايَعَ في مكان واحد قبل أبيه، هذا ليس فيه غضاضة -إن شاء الله-، لا على عمر ولا أنه سوء أدب مع ابن عمر رضي الله عنهما؛ لأنه استيقظ فأتيته فدخلت عليه فبايعته، ما ذهب ليُخبر عمر، ويأتي ويُبايع مع عمر ، فهذا شيء مما يُتسابق فيه، لا بأس فيه، قد سبق أباه فبايعه، ثم انطلق إلى عمر، فجاء عمر  فبايعه.

أحد الطلاب: لماذا قال: عمر، ولم يقل: أبي؟

الشيخ: إذا قيل إنه هاجر قبل أبيه يغضب، ثم انطلقت يومًا إلى عمر؛ يعني: إلى أبيه، هذه ليس فيها شيء -إن شاء الله-، كانوا يخاطبون بهذا ويخبرون بهذا -بذكر اسم أبيهم-، وليس فيه شيء، الآن في هذا الزمان بعض الناس إذا كان سمى أباه يعتبرون أنه أساء الأدب، ليس هذا -إن شاء الله-.

جانب من حيطة أبي بكرة يوم الهجرة

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا أحمد بن عثمان، قال: حدثنا شُريح بن مَسلمة، قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، أنه قال: سمعت البراء يُحدِّث قال: ابتاع أبو بكر من عازِبٍ رَحْلًا، فحملته معه، قال: فسأله عازِب عن مسير رسول الله ، قال: أخذ علينا بالرَّصَد، فخرجنا ليلًا.

الشيخ: "أخذ علينا بالرَّصَد"؛ الرصد: الذين يرصدون ويحافظون على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، يعني عرف أنهم لعل أصحابهم التحقوا بالمدينة، فهؤلاء أيضًا يُهاجرون، أبو بكر وغيرهم، فأخذ علينا بالرَّصَد، ولذلك خرج ليلًا مختفيًا.

وهنا وإن كان النبي معصومًا من الله تعالى، لكنه فيه استحباب أخذ الحيطة والحذر من العدو.

القارئ: قال:

أخذ علينا بالرَّصَد، فخرجنا ليلًا، فأحْثَثْنَا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رُفعت لنا صخرةٌ، فأتيناها ولها شيءٌ من ظل، قال: ففرشت لرسول الله فروةً معي، ثم اضطجع عليها النبي فانطلقت أنفُضُ ما حوله، فإذا أنا بِراعٍ قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذي أردنا، فسألته: لمَن أنت يا غلام؟ فقال: أنا لفلان، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، قلت له: هل أنت حالب؟ قال: نعم، فأخذ شاة من غنمه، فقلت له: انفُضِ الضرع، قال: فحلب كُثْبَةً من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة، قد رَوَّأْتُها لرسول الله.

الشيخ: "رَوَّأْتُها"؛ أي: ربطها على الخرقة، ربطها على القدح أو الإداوة، حتى إذا أُلقي فيها اللبن، فيبقى على ظهر الخرقة إذا كان هناك شعر أو تراب أو شيء.

القارئ:

قد رَوَّأْتُها لرسول ، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله حتى رضيتُ، ثم ارتحلنا والطَّلَب في إثرنا.

الشيخ: "الطَّلَب" جمع "طالب"؛ الذين يطلبون النبي ويبحثون عنه وعن أبي بكر .

القارئ:

قال البراء: فدخلت مع أبي بكر على أهله، فإذا عائشة ابنته مضطجعة قد أصابتها حمى، فرأيت أباها فقبَّل خدها، وقال: كيف أنتِ يا بنية[2]؟

الشيخ: هذا له تفصيل؛ أنها لما وصلت إلى المدينة عائشةُ رضي الله عنها، وكل مَن كان يصل إلى المدينة كان يُصيبه الحمى -حمى المدينة-، وفيما بعد دعا النبي فنقل الحمى إلى الجحفة، فيذكر هذه القصة باختصار.

صفة شعر أبي بكر عندما هاجر

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا سليمان بن عبدالرحمن، قال: حدثنا محمد بن حمير، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، أن عقبة بن وساج، حدَّثه عن أنس خادم النبي قال: قدم النبي وليس في أصحابه أشْمَطُ غير أبي بكر، فَغَلَفَها بِالْحِنَّاءِ والْكَتَمِ[3].

الشيخ: "الشَّمَط"؛ يقولون: الشعر الذي فيه بياضٌ مختلط به السواد، هذا في الشعر يقولون: أشمط الشعر، لكن إذا كان مثله في اللحية، ما يقولون أشمط اللحية، يقولون: وَخِطَ اللحية، وَخِطَتْ لحيتُه، فيكون الشعر الأبيض مختلطًا مع الشعر الأسود.

القارئ:

قال دُحَيْم: حدثنا الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني أبو عبيد، عن عقبة بن وساج، قال: حدثني أنس بن مالك ، قال: قدم النبي المدينة فكان أَسَنَّ أصحابه أبو بكر، فَغَلَفَها بِالْحِنَّاءِ والْكَتَمِ حتى قَنَأَ لونها[4].

الشيخ: "حتى قَنَأَ لونها"؛ يعني: قريب من الأسود، والكَتَم وحده هو يُسَوِّد بالحقيقة لكن إذا خلطه بالحناء، والنبي ما كان يستعمل الكَتَم وحده، إنما كان يستعمل الكَتَم مع الحناء، والكَتَم يُسَوِّد، ماذا يقول البوصيري هذا؟

فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت من جهلها بنذير الشيب والهرمِ
ولا أعدَّت من الفعل الجميل قِرَى ضيف ألمَّ برأسي غير محتشمِ
لو كنتُ أعلم أني ما أوقِّره كتمت سرًّا بدا لي منه بالكَتَمِ
من لي برد جماح من غوايتها  ... إلى آخره[5]

فالكَتَم وحده يُسَوِّد، وهذا نهى النبي عنه: وجنِّبوه السواد[6]، لكن إذا خلطه بالأحمر، بالحناء، فيكون أسودَ مائلًا بالأحمر، ليس أسودَ قانيًا.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا أصبغ قال: حدثنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة: أن أبا بكر تزوج امرأة من كلب يقال لها: أم بكر، فلما هاجر أبو بكر طلقها، فتزوجها ابن عمها، هذا الشاعر الذي قال هذه القصيدة، رثى كفار قريش[7]:

وماذا بالْقَلِيبِ قَلِيبِ بدر من الشِّيزَى تُزَيَّن بالسَّنام؟
وماذا بالقَلِيبِ قَلِيبِ بدر من القَيْناتِ والشَّرْبِ الكرام؟

الشيخ: "والشَّرْبِ الكرام"؛ الشَّرْبِ: جمع شارب.

القارئ:

تُحَيِّي بالسلامة أمُّ بكر وهل لي بعد قومي من سلام؟
يحدثنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصْداءٍ وَهام؟

الشيخ: "ماذا بالْقَلِيبِ قَلِيبِ بدر من الشِّيزَى؟"؛ الشِّيزَى: الأصل فيه أنها شجرٌ يُتخذ منها الجِفَان، فكأنه يرثي أبا جهل وغيره من الذين كانوا يُطعمون الناس جِفَانًا مَلْأى باللحم وغيره، "ماذا بالْقَلِيبِ قَلِيبِ بدر من الشِّيزَى؟"، الشِّيزَى؛ أي: من الجِفَان المَلْأى بالطعام.

"تُزَيَّن بالسَّنام"؛ أي: سنام الإبل تُزيَّن وتُطبخ.

وماذا بالقَلِيبِ قَلِيبِ بدر من القَيْناتِ والشَّرْبِ الكرام؟

القينات: الجارية التي تُغني.

والشَّرْبِ: هؤلاء كلهم الآن في القليب، راحوا، ذهبوا، يعني: يرثي لهم.

تُحَيِّي بالسلامة أمُّ بكر وهل لي بعد قومي من سلام؟

كما يقولون: إنه بعد موته لا حياة لنا، بعضهم يرثي بهذه الصورة، كذلك "تُحَيِّي بالسلامة أمُّ بكر"، زوجته التي كانت زوجة أبي بكر ، "تُحَيِّي بالسلامة أمُّ بكر، وهل لي بعد قومي من سلام؟"، ليس لي سلام.

يحدثنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصْداءٍ وَهام؟

أصداء: الصدى، الصدى قالوا: ذَكَر البوم، وقالوا: إن الإنسان إذا مات، خاصة إذا قُتل ولم يُنتقم له، فتأتي روحه في صورة البوم، وتنعى عليه حتى يُوخذ ثأره، فهو الذي يقول: "وكيف حياة أصداء وهام؟".

كذلك يقولون: إنه لا سفر ولا هام، فـ"هامّ" هذه جمجمة يخرج منها البوم، قالوا: الجمجمة يخرج منها هذا البوم الذي يُسمونه "صدى"، ويرثي ويبكي وينعى للمقتول، حتى يُوخذ ثأره.

يحدثنا الرسول بأن سنحيا وكيف حياة أصْداءٍ وَهام؟

كأنه يقول إن آخر شيءٍ أنه يخرج منه البوم، وليس هناك حياة أو بعث والنشور؛ كما قال:

حياة ثم موت ثم نشر حديث خرافة يا أم عمرو[8]

أبو بكر مع النبي ﷺ في الغار

أبو بكر مع النبي ﷺ في الغار

القارئ: وبه إليه، قال:

حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا همام، عن ثابت، عن أنس، عن أبي بكر ، أنه قال: كنت مع النبي في الغار، فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم، فقلت: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما[9].

الشيخ: هذا الغار إلى الآن متوارث، معروف في الحقيقة، وطلعنا الحمد لله، كنت أتتبع هذه الآثار، أشوف، فإذا طلعت أنت تجد أنه بين المدخل مثل البئر، لكنه طويل، ولكن مدخله لا يمكن أن يدخل الإنسان فيه في الداخل إلا وهو متجه هكذا، يزحف، ثم ينزل، فمن الممكن أن يكونوا وقفوا هنا فرأوا ظله، ورأوا قدمه، قال: لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا؛ يعني لو فتش وجدنا، لكن أعماهم الله تبارك وتعالى، ولم يروا ورجعوا، فلو أن بعضهم طأطأ رأسه بالفعل.

الآن لو ذهبتم تجدون هكذا، عالٍ بين هذا وذاك، ولا يمكن أن يدخل الإنسان إلا منبطحًا أو على ظهره يزحف هكذا، أما جالسًا هكذا يدخل، أو يُدخل رأسه أو رجله أولًا، فصعوبة فيه أيضًا، الغار موجود إلى الآن بهذه الصورة.

فضل الهجرة

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا علي بن عبدالله قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي -وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي-، قال: حدثنا الزهري، قال: حدثني عطاء بن يزيد الليثي، قال: حدثني أبو سعيد ، أنه قال: جاء أعرابي إلى النبي فسأله عن الهجرة، فقال: ويحك إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟، قال: نعم، قال: فتُعطي صدقتها؟، قال: نعم، قال: فهل تمنح منها؟ قال: نعم، قال: فتحلبها يوم وُرُودِها؟، قال: نعم، قال: فاعمل من وراء البحار، فإن الله لن يترك من عملك شيئًا[10].

الشيخ: لأنك تُعطي حق الغنم، تحلبها يوم وُرُودها، جرت العادة للناس أنهم حينما يُورِدون على الماء، ثم بعد ذلك يأتي العطن فتجلس هناك، فإذا جاء الفقراء والمساكين هل تحلب لهم؟ قال: نعم، كذلك تمنح منها إذا كان فقيرًا، وهذا من مكارم أخلاق الجاهليين أيضًا إذا كان فقيرًا وعنده أغنام كثيرة، كان يمنح الفقير الغنم حتى ينقطع لبنها فيسترد أو يمنحها تمامًا.

فاعمل من وراء البحار؛ البحر في الحقيقة: هي الوديان ذات الرمال، فاعمل من وراء البحار: الوادي، وليس البحر المقصود منها هذا البحر، فاعمل من وراء البحار، ومنه يُسمونه البحرة أو البحر، هذا المكان الميدان الفسيح الذي غالبًا لا يكون فيه أشجار.

باب مَقدم النبي وأصحابه المدينة

القارئ:

باب مَقدم النبي وأصحابه المدينة[11].

وبه إليه قال:

أوائل مَن قدم المدينة من المهاجرين

حدثنا أبو الوليد قال: حدثنا شعبة قال: أنبأنا أبو إسحاق أنه سمع البراء قال: أول مَن قدم علينا مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، ثم قدم علينا عمار بن ياسر وبلال [12].

فرح أهل المدينة بقدوم رسول الله

وبه إليه قال:

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا غندر قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، أنه قال: سمعت البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: أول مَن قدم علينا مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وكانا يُقرِئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ، ثم قدم النبي ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيءٍ فرحهم برسول الله ، حتى جعل الإماء يقُلْنَ: قدم رسول الله . فما قدم حتى قرأتُ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى] في سور من المفصل[13].

وبه إليه قال:

مرض أبي بكر وبلال بعد الهجرة

حدثنا عبدالله بن يوسف قال: أخبرنا مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما قدم رسول الله المدينة، وُعِكَ أبو بكر وبلال، قالت: فدخلت عليهما، فقلت: يا أبتِ، كيف تجدك؟ ويا بلال، كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئٍ مُصَبَّحٌ في أهله والموت أدنى من شِراكِ نعله

وكان بلالٌ إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته، ويقول:

الشيخ: "يرفع عَقِيرته"؛ أي: يرفع صوته، والعَقِيرة في الغالب قالوا: إن الإنسان إذا كان عُقر في رجله، فكان يرفع إحدى رجليه ويصيح؛ كي يُعينوه ويُساعدوه، فكل مَن رفع صوته سمَّوه أنه يرفع عقيرته، وإلا العقيرة؛ أي: رجله المعقورة الجريحة يرفعها، فهنا رفع الصوت مطلقًا، رفع عقيرته.

القارئ:

ويقول:

ألا ليت شعري هل أَبِيتَّنَ ليلة بِوادٍ وحولي إِذْخِرٌ وجليل؟
وهل أَرِدَنْ يومًا مياه مجَنَّةٍ وهل يَبْدُوَنْ لي شامَةٌ وَطَفِيل؟

الشيخ: "بِوادٍ وحولي إِذْخِرٌ وجليل"؛ إذخر معروف، هذا إذخر، جليل أيضًا، وادي الجليل سمِّي جليلًا لأنه كان فيه نبت ضعيف يُحشى به خشاص البيض، وقيل يُحشى بها الفُرُش أيضًا، جليل، ومنه سُمِّي وادي جليل ووادي أذاخر المعروف، أذاخر جمع إذخر.

القارئ:

دعاء النبي بعد مرض أصحابه بعد الهجرة

قالت عائشة: فجئت رسول الله فأخبرته فقال: اللهم حَبِّبْ إلينا المدينة كَحُبِّنا مكة أو أشد، وَصَحِّحْها، وبارك لنا في صاعها ومُدِّها، وانْقُلْ حُمَّاها فاجعلها بالجُحفة[14].

وبه إليه قال:

فضيلة لعثمان بن عفان

حدثني عبدالله بن محمد قال: حدثنا هشام، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: حدثني عروة: أن عبيدالله بن عدي أخبره، قال: دخلت على عثمان -وقال بشر بن شعيب قال: حدثني أبي، عن الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير: أن عبيدالله بن عدي بن خيار أخبره أنه قال: دخلت على عثمان- فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإن الله بعث محمدًا بالحق، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وآمن بما بُعث به محمد ، ثم هاجرت هجرتين، ونِلت صهر رسول الله وبايعته، فوالله ما عصيته ولا غششته، حتى توفاه الله، تابعه إسحاق الكلبي، قال: حدثني الزهري مثله[15].

وبه إليه قال:

حدثنا يحيى بن سليمان قال: حدثني ابن وهب، قال: حدثنا مالك، قال: وأخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله: أن ابن عباس أخبره: أن عبدالرحمن بن عوف رجع إلى أهله وهو بِمِنًى في آخر حجة حجها عمر فوجدني، فقال عبدالرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الموسم يجمع رعاع الناس، وإني أرى أن تُمْهِل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، وَتَخْلُص لأهل الفقه وأشراف الناس وذوي رأيهم، قال عمر: لأقومن في أول مقام أقومه بالمدينة[16].

الشيخ: هذا مختصر هنا، في روايات أخرى عند البخاري نفسه أن عمر بمنًى في آخر حجة قال: إني لأقوم العشية مقامًا أقول للناس ما في نفسي، فقال عبدالرحمن [انظروا هذه مشورة طيبة]: يا أمير المؤمنين، إن الموسم يجمع رعاع الناس؛ رعاع الناس يعني: عامة الناس الذين لا علم لهم ولا عقل، الرعاع في الغالب يُسمى به صغار الجراد، رعاع الجراد أو أولاد الجراد، فيقول: كأن عامة الناس إذا قمت فيهم فلا يفهمون ما تقول، وأرى أن تُمْهِل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، وهناك ناسٌ علماء وفقهاء يسمعون ويعون ما تقول فيهم.

أحد الطلاب: ... والسلامة.

الشيخ: فيه والسلامة، نعم، السلامة من الشر الذي هو يكون في عامة الناس، أو كذا الظاهر.

فضيلة عثمان بن مظعون

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: أخبرنا ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت: أن أم العلاء -امرأة من نسائهم- بايعت النبي أخبرته: أن عثمان بن مظعون طار لهم في السُّكنى، حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين، قالت أم العلاء: فاشتكى.

الشيخ: على سُكنى المهاجرين، وهذا إشارة إلى التاريخ المجيد في الإسلام أن النبي أول ما نزل المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانوا يقترعون مَن يكون مع فلان، هذا الذي فيه إشارة حين اقترعت الأنصار على سُكنى المهاجرين، يكون في بيته يسكن ويُضيِّفه، يكون ضيفًا له، قالت أم العلاء.

القارئ:

حُكم الجزم لمَن عُلم عنه الخير بالجنة

قالت أم العلاء: فاشتكى عثمان عندنا فمرَّضته حتى تُوفي، وجعلناه في أثوابه، فدخل علينا النبي ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال النبي : وما يُدريك أن الله أكرمه؟، قالت: قلت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فمَن؟ قال: أما هو فقد جاءه والله اليقين، والله إني لأرجو له الخير.

الشيخ: اليقين هو الموت؛ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99]، "أما هو فقد جاءه والله اليقين"؛ أي: الموت.

القارئ:

والله إني لأرجو له الخير، وما أدري والله وأنا رسول الله ما يُفعَل بي، قالت: فوالله لا أزكِّي أحدًا بعده، قالت: فأحزنني ذلك، فنمت، فأُريت لعثمان بن مظعون عينًا تجري، فجئت رسول الله فأخبرته، فقال: ذلك عمله[17].

الشيخ: هو هذا، هنا لما قالت: "شهادتي عليك لقد أكرمك الله" بالجزم، فالنبي أراد أن يُعلِّم الأدب، لا نقول بالجزم، لكن "إني لأرجو الله له الخير"، أو إني لأرجو الله أن يكون أكرمه؛ بهذا المعنى يقال لمَن مات أمامك وأنت تعرفه بالخير، لكن لا تجزم به الجنة.

طالب: هل يجوز أن يقال: فلان شهيد؟

الشيخ: إن شاء الله، في ظاهر الأمر يقال شهيد، إذا كان قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا، هذا الذي نعرفه، نعرفه بإخلاصه، لا نعرفه بالنفاق وكذا، يجوز له أن نشهد أنه هو شهيد، نعم -إن شاء الله-.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا عبيدالله بن سعيد قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: كان يوم بُعاث يومًا قَدَّمَهُ الله ​​​​​​​ لرسوله ، فقَدِم رسول الله المدينة، وقد افترق مَلَأُهُم، وَقُتلتْ سَرَاتُهُمْ في دخولهم في الإسلام[18].

الشيخ: نعم، قبل بعثة النبي بعشر سنين كانت حادثة أو مقتل يوم بُعاث، فقُتل فيهم ناس كثيرون، فجاؤوا وقد تفرقوا وتمزقوا من الحرب، فوجدوا النبي ، فدخلوا في الإسلام طلبًا للأمن الذي قد فُقد، وللخوف الذي كان قد عمل بهم، كأنه يقول: هذا قدَّمه الله لرسوله إرهاصًا ومقدِّمةً؛ فبعدما أنهكوا أنفسهم بالحروب، يجدون طمأنينة في الأمن والاتفاق والاتحاد.

القارئ: وبه إليه، قال:

حدثني محمد بن المثنى، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، أن أبا بكر دخل عليها والنبي عندها يومَ فطرٍ أو أضحى، وعندها قَيْنَتان تُغنِّيان بما تقاذفت الأنصار يوم بُعاث، فقال أبو بكر: مزمار الشيطان؟ مرتين، فقال النبي : دعهما يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وإن عيدنا هذا اليوم[19].

وبه إليه قال:

أين نزل النبي عندما قدم المدينة؟

حدثنا مسدد قال: حدثنا عبدالوارث، قال: وحدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا عبدالصمد قال: سمعت أبي يُحَدِّث قال: حدثنا أبو التياح يزيد بن حميد الضبعي، قال: حدثني أنس بن مالك  أنه قال: لما قدم رسول الله المدينة نزل في علو المدينة، في حَيٍّ يقال لهم: بنو عمرو بن عوف.

الشيخ: يعني: قباء.

القارئ:

قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النجار، قال: فجاؤوا متقلِّدي سيوفهم، قال: وكأني أنظر إلى رسول الله على راحلته، وأبو بكر رِدْفُهُ، وملأُ بني النجار حوله، حتى أَلْقَى بفناء أبي أيوب، قال: فكان يُصلِّي حيث أدركته الصلاة.

الشيخ: "أَلْقَى"؛ يعني: ألقى ترحاله، أو ألقى عصا الترحال، ألقى رَحْلَهُ بفناء أبي أيوب؛ وقصته معروفة أن ناقته جلست هناك، ودعوها فإنها مأمورة[20]، فجلستْ؛ فقال: هذا منزلنا.

القارئ:

قال: فكان يُصلِّي حيث أدركته الصلاة، ويُصلِّي في مرابض الغنم، قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار، ثامِنُونِي حائطكم هذا، فقالوا لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم، كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خِرَبٌ، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله بقبور المشركين فنُبِشت، وَبِالخِرَب فسُوِّيت، وبالنخل فقُطع، قال: فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عِضادَتَيْهِ حجارة، قال: جعلوا ينقلون ذاك الصخر وهم يرتجزون، ورسول الله معهم، يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة[21].

باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نُسُكِه

باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نُسُكِه[22].

وبه إليه قال:

حدثني إبراهيم بن حمزة قال: حدثنا حاتم، عن عبدالرحمن بن حميد الزهري أنه قال: سمعت عمر بن عبدالعزيز يسأل السائب ابن أخت النمر: ما سمعتَ في سُكنى مكة؟ قال: سمعت العلاء بن الحضرمي أنه قال: قال رسول الله : ثلاثٌ للمهاجر بعد الصَّدَرِ[23].

الشيخ: "بعد الصَّدَر" المقصود منه: إذا جاء للحج، فبعد رجوعه من هنا ثلاثة أيام فقط، لا أكثر من هذا.

أحد الطلاب: الظاهر هذا الحكم خاص بمكة، المهاجر ما يرجع إلى بلده؟

الشيخ: الظاهر هذا هو الحكم لجميع البلدان التي هاجر منها المسلمون، إذا ذهب لحاجة لا يبقى أكثر من ثلاثة أيام.

القارئ:

باب

وبه إليه قال:

حدثنا عبدالله بن مسلمة قال: حدثنا عبدالعزيز، عن أبيه، عن سهل بن سعد أنه قال: ما عَدُّوا من مبعث النبي .

الشيخ: ما ذكرتم باب التاريخ، باب فيه.

القارئ: فقط باب.

الشيخ: هنا عندنا "باب التاريخ"، من أين أرَّخوا التاريخ؟ التاريخ أرخٌ في الحقيقة، قالوا: هو حدوث الشيء، أَرْخ، وقالوا: أَرَخ لنا، أي: حدث لنا ولد، أو وُلد لنا ولد، فمنه التاريخ: معرفة الوقت، فأرَّخوا للإسلام، أو أرَّخوا للسنة الإسلامية من هجرة النبي ، وكما ذكر هنا.

القارئ:

باب التاريخ، من أين أرَّخوا التاريخ؟

باب التاريخ، من أين أرَّخوا التاريخ؟

الشيخ: من قبل كانوا يُؤرِّخون بالأحداث، فوُلد النبي عام الفيل، وقُتل بعد حرب البسوس بكذا، فهذه الأحداث الكبيرة كانت تكون عندهم، كذلك يوم ذي قار، ويوم قتال فارس والروم، يعني مثل هذه كانوا يجعلونه التاريخ، لكنه لما جاء النبي فلم يكن التاريخ في عهد النبي خاصة، إنما كانوا يعرفون الشهور فقط، أما السنة فأرَّخ عمر كما جاء في الروايات.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا عبدالله بن مسلمة قال: حدثنا عبدالعزيز، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه قال: ما عَدُّوا من مَبعث النبي ، ولا من وفاته، ما عَدُّوا إلا من مَقْدَمِه المدينة.

الشيخ: يعني: التاريخ ما جعلوه إلا من الهجرة؛ لأن هذا فاتحة الخير في الحقيقة للإسلام والمسلمين، وحدثٌ كبيرٌ، وأيُّ حدث! فلذلك جعلوا من مقدم النبي وهجرته إلى المدينة، وبعض الناس، سمعنا أن القذافي كان عَمِلَ تاريخه من وفاة النبي .

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا مسدد قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فُرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ففُرضت أربعًا، وتُركت صلاة السفر على الأولى.
تابعه عبدالرزاق، عن معمر[24].

الشيخ: ابن الجوزي ذكر عن الشعبي قال: كان لما كثُر بنو آدم في الأرض وانتشروا، أرَّخوا من هبوط آدم، فكان التاريخ منه إلى الطوفان، ثم إلى نار الخليل، ثم إلى زمان يوسف ، ثم إلى خروج موسى  من مصر، ثم إلى زمان سليمان ، ثم إلى زمان عيسى وذكر محمد بن سعد في "الطبقات": أن العرب أرَّخت بالأيام المشهورة؛ كحرب البسوس، وداحس وغبراء، ويوم ذي قار.

فكان عندهم تاريخ مثل هذه، ومعروفٌ أن النبي وُلد قبل عام الفيل.

القارئ:

باب قول النبي : اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم

باب قول النبي : اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم
ومَرْثِيَتِه لمَن مات بمكة[25].

الشيخ: "مَرْثِيَته"؛ أي: ذِكر كلامٍ يظهر منه الأسف على موت فلان، فـ"مَرْثِيَته": البكاء، أو: أيُّ كلام؛ ولذلك المَراثي في العرب لها قيمة كبيرة جدًّا، إذا مات أحدهم كانوا يَرْثون له، وإذا ماتت زوجته يَرْثي لها.

قال جرير:

لولا الحياء لهاجني استعبار ولزرت قبرك والحبيب يُزار

قالوا: هذا من أحسن المراثي.

ولَّهت نفسي إذا علتني كبرةٌ  وذو التمام من بنيك صغار
ولقد نظرت وما تمتُّع نظرة  في اللحد حيث تمكَّن المحفار
ولقد أراكِ كُسِيتِ أجملَ منظرٍ ومع الجمال سكينة ووقار[26]

الكفن أجمل منظر.

فهذه مراثٍ، مرثية البكاء، أو كلام، أيُّ شيءٍ، فالنبي لما قال: ولكن البائس سعد بن خولة[27]، كأنه يرثي له، ويَرِقُّ له.

ومنه المَثل: "حالته يُرثى له!"، يتأسف لحالته.

القارئ: وبه إليه قال:

قصة مرض سعد بن أبي وقاص

حدثنا يحيى بن قزعة، قال: حدثنا إبراهيم، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن مالك، عن أبيه ، أنه قال: عادني النبي عام حجة الوداع من مرض أَشْفَيْتُ منه على الموت، فقلت: يا رسول الله، بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: فأتصدق بشطره؟

الشيخ: أي: النصف، نصفه يعني: شطره.

القارئ:

قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير، إنك إن تذرْ ذريَّتك أغنياء....

الشيخ: إما أن تقول: أن تذرَ، أو تقول: إن تذرْ؛ لأن إن إذا كانت شرطية فتجزم، إنك أن تذرَ هذا أفضل، إنك أن تذرَ ورثتك أغنياء الجملة مبتدأ، خيرٌ من أن تذرهم عالةً خبر.

القارئ:

إنك أن تذرَ ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس....

أحد الطلاب: ذريتك أو ورثتك؟

الشيخ: لا، جاء في بعض الروايات: ذريتك، لكن هنا الرواية الظاهر: ورثتك، لكن في رواية أخرى تأتي الآن، يأتي: قال أحمد بن يونس. الآن يُنبِّه الإمام البخاري.

القارئ:

قال أحمد بن يونس، عن إبراهيم: أن تذر ذريتك، ولست....

الشيخ: يعني: روى عن إبراهيم بن سعد الزهري اثنان:

  • يحيى بن قزعة في لفظه: أن تذر ورثتك أغنياء.
  • وروى عن إبراهيم بن سعد الزهري أيضًا أحمد بن يونس، لكن في لفظه عن إبراهيم بن سعد: أن تذر ذريتك.

كلاهما بمعنى واحد، ولكن قد يكون -والله أعلم-، لماذا نقول قد يكون صدر من النبي كلمتان، أو تكون الرواية بالمعنيَين، كلتاهما أجازها الأئمة رحمة الله عليهم.

القارئ:

ولست بنافقٍ نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا آجرك الله بها، حتى اللقمة تجعلها في فِيِّ امرأتك، فقلت: يا رسول الله، أُخَلَّفُ بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تُخَلَّفَ، فتعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك تُخَلَّفُ حتى ينتفعَ بك أقوام وَيُضَرَّ بك آخرون، اللهم أَمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردَّهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة؛ يَرْثِي له رسول الله أن توفي بمكة.
وقال أحمد بن يونس وموسى، عن إبراهيم: أن تذر ورثتك[28].

الشيخ: يعني: مرة هكذا ومرة هكذا -والله أعلم-.

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى:

باب كيف آخى النبي بين أصحابه؟

باب كيف آخى النبي بين أصحابه؟
وقال عبدالرحمن بن عوف: آخى النبي بيني وبين سعد بن الربيع لما قدمنا المدينة.
وقال أبو جحيفة: آخى النبي بين سلمان وأبي الدرداء[29].

وبه إليه قال:

حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا سفيان، عن حميد، عن أنس أنه قال: قدم عبدالرحمن بن عوف المدينة، فآخى النبي بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعرض عليه أن يُناصفه أهله وماله.

الشيخ: عرض الأنصاري سعد بن الربيع على عبدالرحمن بن عوف أن ينصف -يقسم أو يتقاسم- نصف ماله وأهله، سبحان الله!

القارئ:

فعرض عليه أن يُناصفه أهله وماله، فقال: عبدالرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلَّني على السوق، فربح شيئًا من أقط وسمن، فرآه النبي بعد أيام وعليه وَضَرٌ من صُفرة، فقال النبي : مَهْيَمْ يا عبدالرحمن، قال: يا رسول الله، تزوجت امرأةً من الأنصار قال: فما سُقْتَ فيها؟ فقال: وزن نواة من ذهب، فقال النبي : أَوْلِمْ ولو بشاة[30].

الشيخ: "وعليه وَضَرٌ من صُفرة"، جاء في روايةٍ أخرى في موضع آخر عند البخاري رحمه الله: "وعليه ردغ زعفران"[31]؛ أي: لطخ زعفران.

والظاهر أن هذا اللون جاء من ثوب زوجته التي خالطها، وليس أنه هو يكون قد صبغ بالزعفران؛ لأن الزعفران للرجال أصفر، نُهي عنه.

فقال: أَوْلِمْ ولو بشاة.

القارئ: وبه إليه قال:

إسلام عبدالله بن سلام

حدثني حامد بن عمر، عن بشر بن المفضل قال: حدثنا حميد: حدثنا أنس: أن عبدالله بن سلام بلغه مقدم النبي المدينة، فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنَّ إلا نبي، ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني به جبريل آنفًا، قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة، قال: أما أول أشراط الساعة: فنارٌ تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزعَ الولدَ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعتِ الولدَ. قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. قال: يا رسول الله، إن اليهود قومٌ بُهُتٌ فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي : أيُّ رجل عبدالله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال النبي : أرأيتم إن أسلم عبدالله بن سلام، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم، فقالوا: مثل ذلك، فخرج إليهم عبدالله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قالوا: شرّنا وابن شرّنا، وتنقَّصوه، قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله[32].

 الشيخ: "وإن اليهود قومٌ بُهُتٌ"، في حين ما استحوا؛ في مجلس واحد قلبوا المِجَنّ!

القارئ: وبه إليه، قال:

حدثنا علي بن عبدالله قال: حدثنا سفيان، عن عمرو: أنه سمع أبا المنهال عبدالرحمن بن مطعم قال: باع شريكٌ لي دراهم في السوق نَسِيئة، فقلت: سبحان الله! أيصلح هذا؟! فقال: سبحان الله! والله لقد بعتها في السوق، فما عابه أحد، فسألت البراء بن عازب فقال: قدم النبي ونحن نتبايع هذا البيع، فقال: ما كان يدًا بيد، فليس به بأس، وما كان نَسِيئةً فلا يصلح، والْقَ زيد بن أرقم فاسأله، فإنه كان أعظمنا تجارةً، فسألت زيد بن أرقم، فقال مثله.
وقال سفيان مرة: فقال: قدم علينا النبي المدينة ونحن نتبايع، وقال: نَسِيئة إلى الموسم، أو الحج[33].

الشيخ: ثم نهى النبي عنه إلا يدًا بيد.

القارئ:

باب إتيان اليهود النبي حين قدم المدينة

باب إتيان اليهود النبي حين قدم المدينة
هَادُواْ [البقرة:62]: صاروا يهودًا. وأما قوله: هُدْنَا [الأعراف:156]: تُبنا، هائدٌ تائب[34].

 وبه إليه قال:

حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي  أنه قال: لو آمن بي عشرةٌ من اليهود، لآمن بي اليهود[35].

الشيخ: لأنهم كانوا الكبار، والناس على دين ملوكهم كما قال، فكان هؤلاء هم الذين يُقلِّدونهم في كل شيء، حتى العرب الأوس والخزرج أيضًا كانوا يُقلِّدونهم في كثير من الأشياء؛ ولذلك قال النبي : لو آمن بي عشرةٌ من اليهود، لآمن بي اليهود؛ لأن كبار بيوت اليهود كانوا عشرة؛ كانوا أحبارًا، أو كانوا كبارًا في الدنيا من حيث المال.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثني أحمد أو محمد بن عبيدالله الغداني قال: حدثنا حماد بن أسامة، قال: أخبرنا أبو عميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ، أنه قال: دخل النبي المدينة وإذا أناس من اليهود يُعظِّمون عاشوراء ويصومونه، فقال النبي : نحن أحق بصومه، فأمر بصومه[36].

 وبه إليه قال:

حدثنا زياد بن أيوب، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما قدم النبي المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فَسُئِلُوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيمًا له، فقال رسول الله : نحن أولى بموسى منكم، ثم أمر بصومه[37].

وبه إليه قال:

حدثنا عبدان قال: حدثنا عبدالله، عن يونس، عن الزهري قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي كان يَسْدِل شعره، وكان المشركون يَفْرُقُونَ رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يَسْدِلُون رؤوسهم، وكان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء، ثم فَرَقَ النبي رأسه[38].

وبه إليه قال:

حدثني زياد بن أيوب قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: هُمْ أهل الكتاب، جَزَّؤُوهُ أجزاءً، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه؛ يعني: قول الله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91][39].

باب إسلام سلمان الفارسي  

باب إسلام سلمان الفارسي .

وبه إليه قال:

حدثني الحسن بن عمر بن شقيق قال: حدثنا معتمر قال: أبي. وحدثنا أبو عثمان، عن سلمان الفارسي، أنه تداوله بضعة عشر، من رَبٍّ إلى رَبٍّ[40].

 وبه إليه قال:

حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا سفيان، عن عوف، عن أبي عثمان أنه قال: سمعت سلمان يقول: أنا من رام هُرْمُز[41].

وبه إليه قال:

حدثني الحسن بن مدرك، قال: حدثنا يحيى بن حماد، قال: أخبرنا أبو عوانة، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان، عن سلمان أنه قال: فَتْرَةٌ بين عيسى ومحمد سِتُّمئة سنة[42].
بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب المغازي

كتاب المغازي

باب غزوة العُشَيْرَة أو العُسَيْرَة

باب غزوة العُشَيْرَة أو العُسَيْرَة
قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبي : الأبواء، ثم بُواطَ، ثم العُشَيْرَة[43].

وبه إليه قال:

حدثني عبدالله بن محمد، قال: حدثنا وهب قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق: كنت إلى جنب زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبي من غزوة؟ قال: تسع عشرة، قيل: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة، قلت: فأيهم كانت أول؟ قال: العُسَيْرَة أو العُشَيْر، فذكرت لقتادة فقال: العُشَيْر[44].

الشيخ: "فذكرت"؛ مَن القائل هذا؟ هذا شعبة، شعبة هو الذي ذكر لقتادة، شعبة روى هنا عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم. وفي الموضع الآخر شعبة يقول: ذكرت لقتادة، فقال: العُشَيْرة؛ يعني كأنه يقول: الأصل فيه عين، والشين المعجمة، وليست سينًا.

القارئ:

باب ذِكر النبي مَن يُقتل ببدر

باب ذِكر النبي مَن يُقتل ببدر[45]

وبه إليه قال:

حدثني أحمد بن عثمان قال: حدثنا شريح بن مسلمة قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق أنه قال: حدثني عمرو بن ميمون، أنه سمع عبدالله بن مسعود حدث: عن سعد بن معاذ أنه قال: كان صديقًا لأمية بن خلف، وكان أمية إذا مَرَّ بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مَرَّ بمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول الله المدينة انطلق سعد معتمرًا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبًا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنًا، وقد آويتم الصُّباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتُعينونهم...

الشيخ: "الصُّباة" جمع صابئ، والذي كان يدخل في الإسلام كانوا يقولون له: صابئ، صَبَأَ بمعنى: غيَّر دينه الأصل إلى دين باطل، هم كانوا يريدون دينًا باطلًا، ولما أسلم عمر  قالوا: لقد صبأ عمر.

القارئ:

وقد آويتم الصُّباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتُعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالمًا، فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنَّك ما هو أشد عليك منه، طريقك على المدينة، فقال له أمية: لا ترفع صوتك يا سعد على أبي الحكم، سيد أهل الوادي، فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت رسول الله يقول: إنهم قاتلوك، قال: بمكة؟ قال: لا أدري، ففزع لذلك أمية فزعًا شديدًا، فلما رجع أمية إلى أهله، قال: يا أم صفوان، ألم تَرَيْ ما قال لي سعد؟ قالت: وما قال لك؟ قال: زعم أن محمدًا أخبرهم أنهم قاتِلِيَّ، فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدري، فقال أمية: والله لا أخرج من مكة.
فلما كان يوم بدر استنفر أبو جهل الناس، قال: أدركوا عيركم؟ فكره أمية أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، إنك متى ما يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي تخلفوا معك، فلم يزل به أبو جهل حتى قال: أما إذ غلبتني، فوالله لأشترينَّ أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان، جهزيني، فقالت له: يا أبا صفوان، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليَثْرِبِيُّ؟! قال: لا، ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبًا، فلما خرج أمية أخذ لا ينزل منزلًا إلا عَقَل بعيره، فلم يزل بذلك حتى قتله الله ببدر[46].

باب قصة غزوة بدر

باب قصة غزوة بدر، وقول الله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ۝ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ۝ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ۝ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ [آل عمران:123-127].
وقال وَحْشِيٌّ: قتلَ حمزةُ طُعَيْمَةَ بن عدي بن الخيار يوم بدر.
وقوله تعالى: وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال:7] الآية، الشوكة: الحَدُّ[47]

وبه إليه قال:

حدثني يحيى بن بكير قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب: أن عبدالله بن كعب، قال: سمعت كعب بن مالك  يقول: لم أتخلف عن رسول الله في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك، غير أني تخلفت عن غزوة بدر، ولم يعاتَب أحدٌ تخلف عنها، إنما خرج رسول الله يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد[48].
باب قول الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ۝ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ۝ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ۝ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ۝ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:9-13][49].

وبه إليه قال:

حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب أنه قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا، لأن أكون صاحبَه أحبُّ إليَّ مما عُدِلَ به: أتى النبي وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي أشرق وجهه وسره. يعني: قوله[50].

وبه إليه قال:

حدثني محمد بن عبيدالله بن حوشب، قال: حدثنا عبدالوهاب، قال: حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: قال النبي يوم بدر: اللهم إني أَنْشُدُك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45][51].

وبه إليه قال:

حدثني إبراهيم بن موسى قال: أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني عبدالكريم، أنه سمع مِقْسَمًا مولى عبدالله بن الحارث يُحَدِّث عن ابن عباس أنه سمعه يقول:لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:95] عن بدر، والخارجون إلى بدر[52].

باب عِدَّة أصحاب بدر

باب عِدَّة أصحاب بدر[53].

وبه إليه قال:

حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء أنه قال: استُصغرت أنا وابن عمر[54].

وبه إليه قال:

حدثني محمود قال: حدثنا وهب، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء أنه قال: استُصغرت أنا وابن عمر يوم بدر، وكان المهاجرون يوم بدر نَيِّفًا على ستين، والأنصار نَيِّفًا وأربعين ومائتين[55].

الشيخ: "استُصغر" يعني: لم يكن بلغ الحُلُم، مع حاجة النبي إلى تكثير الجيش، ما كان يأخذ النساء ولا يُسلِّحُهُنَّ، ولا الصغار؛ لأن الصغير مهما كان صغيرًا، ربما كان متشجعًا، لكن إذا سمع الخوف فهرب من الصف يكون هذا سببًا لهزيمة المسلمين، وربما ينظر الثاني والثالث ورآه يهرب، ولذلك ما كان يأذن النبي إلا مَن كان بلغ من الحُلُم.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا عمرو بن خالد قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء  يقول: حدثني أصحاب محمد ممن شهد بدرًا: أنهم كانوا عِدَّةَ أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمئة. قال البراء: لا، والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن[56].

الشيخ: وما اشترك في بدر إلا المسلمون المؤمنون، ما دخل معهم منافقون أبدًا.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا عبدالله بن رجاء قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كنا أصحاب محمد نتحدث: أن عِدَّة أصحاب بدر على عِدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن، بضعة عشر وثلاثمئة[57].

وبه إليه قال:

حدثني عبدالله بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: وحدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء أنه قال: كنا نتحدث أن أصحاب بدر ثلاثمئة وبضعة عشر بعِدَّة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن[58].

باب دعاء النبي على كفار قريش

باب دعاء النبي على كفار قريش: شيبة وعتبة والوليد وأبي جهل بن هشام، وهلاكهم[59].

وبه إليه قال:

حدثني عمرو بن خالد قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله بن مسعود  أنه قال: استقبل النبي الكعبة، فدعا على نفر من قريش: على شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأبي جهل بن هشام، فأشهدُ بالله لقد رأيتهم صرعى، قد غيَّرتهم الشمس، وكان يومًا حارًّا[60].

 باب قتل أبي جهل

باب قتل أبي جهل[61].

وبه إليه قال:

حدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا إسماعيل قال: أخبرنا قيس، عن عبدالله : أنه أتى أبا جهل وبه رَمَقٌ يوم بدر، فقال أبو جهل: هل أَعْمَدُ من رجل قتلتموه[62]؟

الشيخ: يعني: هل أفضل من رجل قتلتموه؟ يعني: كأنه وهو يُعالج سكرات الموت، لكن نخوته وحماقته؛ يقول: هل قتلتم أفضل مني؟ حماقة!

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا سليمان التيمي: أن أَنَسًا حدثهم قال: قال النبي . قال: وحدثني عمرو بن خالد قال: حدثنا زهير، عن سليمان التيمي، عن أنس ، أنه قال: قال النبي : مَن ينظر ما صنع أبو جهل؟، فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنَا عفراء حتى برد.

الشيخ: "حتى برد"؛ يعني: في الغالب يكون لمعنى أنه مات وبرد، لكن هنا المقصود منه لا يقدر يتحرك، لكنه فيه رمقٌ.

القارئ:

قال: أأنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته، قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو رجل قتله قومه؟ قال أحمد بن يونس: أنت أبو جهل[63].

الشيخ: جاء في روايات السيرة أنه لما أمسك عبدالله بن مسعود لحيته ليَحُزَّ رأسه، قال: حُزّ من أسفل؛ حتى يعرف أنه رأس الرئيس، هكذا جاء في روايات السيرة أيضًا.

أحد الطلاب: في الجاهلية كانوا يربّون اللحى؟

الشيخ: نعم؛ لأنها كانت علامة الرجولة، وهو لا شك من بقايا دين إبراهيم ، كانوا يعملون بها.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثني محمد بن المثنى قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان التيمي، عن أنس  أنه قال: قال النبي يوم بدر: مَن ينظر ما فعل أبو جهل؟، فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل قتله قومه؟ أو قال: قتلتموه؟

وبه إليه قال:

حدثني ابن المثنى قال: أخبرنا معاذ بن معاذ، قال: حدثنا سليمان قال: أخبرنا أنس بن مالك نحوه[64].

الشيخ: هذا من روايات البخاري وغيره؛ لما قال: جثا على صدره عبدُالله بن مسعود، وأخذ لحيته ليَحُزَّ رأسه، فقال: "لقد ارتقيتَ مرتقًى صعبًا يا رُوَيْعِيَّ الغنم"[65]؛ لأن عبدالله بن مسعود كان قصير القامة، فلما بدأ يقطع رأسه، يقول: "لو غير أكَّار قتلني"[66]، أكَّار زَرَّاع، سبحان الله! كله جاهلية، ومملوءٌ من الجاهلية، حتى عند موته، "لو غير أكَّار قتلني"، الزَّرَّاع، وأهل المدينة كانوا يُعرفون بالمزارعين، وهؤلاء أهل التجارة، فكأنه يقول: هذه خسيسة عليَّ أن يقتلني زَرَّاع.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثنا علي بن عبدالله قال: كتبت عن يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم، عن أبيه، عن جده في بدر؛ يعني: حديث ابنَي عفراء[67].

وبه إليه قال:

حدثني محمد بن عبدالله الرقاشي قال: حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول: حدثنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول مَن يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس بن عباد: وفيهم أنزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19]، قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر؛ حمزة، وعلي، وعبيدة -أو أبو عبيدة بن الحارث-، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة[68].

وبه إليه قال:

حدثنا قبيصة قال: حدثنا سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر أنه قال: نزلت: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] في ستة من قريش؛ علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة[69].

وبه إليه قال:

حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف قال: حدثنا يوسف بن يعقوب -كان ينزل في بني ضُبَيْعَةَ، وهو مولًى لبني سَدُوس-، قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد أنه قال: قال علي : فينا نزلت هذه الآية: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19][70].

وبه إليه قال:

حدثنا يحيى بن جعفر قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد أنه قال: سمعت أبا ذَرٍّ يُقسِم: لنزلت هؤلاء الآيات في هؤلاء الرهط الستة يوم بدر نحوه[71].

وبه إليه قال:

حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد، أنه قال: سمعت أبا ذَرٍّ يُقسِم قَسَمًا: إن هذه الآية: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ[الحج:19] نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيد بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنَي ربيعة، والوليد بن عتبة[72].

الشيخ: المبارزة تكون قبل الحرب، العدوَّان إذا تصافَّا، فكانت العادة أنهم يُرسلون واحدًا من هنا وواحدًا من هناك حتى يتبارزَا، كأنه مقدمة الحرب، ثم إذا خرج اثنان مع اثنين، أو ثلاثة مع ثلاثة، فهذه المبارزة، فبرز عليٌّ لعتبة وقتله، كذلك عبيدة بن الحارث للوليد بن عتبة، كما جاء في الروايات.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثني أحمد بن سعيد أبو عبدالله قال: حدثنا إسحاق بن منصور السلولي قال: حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، أنه سأل رجلٌ البراءَ وأنا أسمع، قال: أشَهِدَ عليٌّ بدرًا؟ قال: بارَزَ وظاهَرَ[73].

 وبه إليه قال:

قتل أمية بن خلف

حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله قال: حدثني يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبدالرحمن أنه قال: كاتبت أمية بن خلف، فلما كان يوم بدر، فذكر قتله وقتل ابنه، فقال بلال: لا نجوت إن نجا أمية[74].

وبه إليه قال:

حدثنا عبدان بن عثمان قال: أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبدالله ، عن النبي أنه قرأ: وَالنَّجْمِ [النجم] فسجد بها، وسجد مَن معه، غير أن شيخًا أخذ كفًّا من تراب فرفعه إلى جبهته، فقال: يكفيني هذا، قال عبدالله: فلقد رأيتُه بعدُ قُتل كافرًا[75].

وبه إليه قال:

أخبرني إبراهيم بن موسى قال: حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر أنه قال: أخبرنا هشام، عن عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات بالسيف، إحداهنَّ في عاتقه، قال: إن كنت لأُدخل أصابعي فيها، قال: ضُرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك. قال عروة: وقال لي عبدالله بن مروان حين قتل عبدالله بن الزبير: يا عروة، هل تعرف سيف الزبير؟ قلت: نعم، قال: فما فيه؟ قلت: فيه فَلَّةٌ فُلَّها يوم بدر، قال: صدقت، بهنَّ فُلُولٌ من قِراع الكتائب، ثم رَدَّهُ على عروة، قال هشام: فأقمناه بيننا ثلاثة آلاف، وأخذه بعضُنا، ولوددت أني كنت أخذته[76].

الشيخ: قال: تعرف سيف ابن الزبير، قال: فبماذا تعرفه؟ فيه علامة، قال: فَلَّةٌ فُلَّها يوم بدر؛ أي: كُسِرَ كسرةً يوم بدر، قال: صدقت. مَن الذي يقول: صدقت؟ عبدالملك بن مروان. "بهنَّ فُلُولٌ من قِراع الكتائب" هذا من شعر النابغة الذبياني:

كِليني لهمٍّ يا أُميمةَ ناصِبِ وليلٍ أُقاسيه بَطيءِ الكواكبِ
ولا عيب فينا.............. ....................................

هذا عيب، مدح في صورة الذم.

ولا عيب فينا غير أن سيوفنا بهنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائب[77]

فاستشهد بهذا: "بهنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائب".

فهذا من قصيدة النابغة الذبياني: "لا عيب فينا غير أن سيوفنا"، أو: "لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنَّ فُلولٌ"؛ أي: كسر. "من قِراع الكتائب"؛ أي: مُجالدة السيوف مع الجيوش.

 وبه إليه قال:

حدثنا فروة قال: حدثنا علي، عن هشام، عن أبيه أنه قال: كان سيف الزبير بن العوام محلى بفضة، قال هشام: وكان سيف عروة محلى بفضة[78].

 وبه إليه قال:

حدثنا أحمد بن محمد قال: حدثنا عبدالله، قال: أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه، أن أصحاب رسول الله قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشُدُّ فنشُدُّ معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم، فقالوا: لا نفعل، فحمل عليهم حتى شَقَّ صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد.

الشيخ: قال: "إني إن شددت كذبتم"؛ يعني: تأخرتم أنتم، كأنه قصد بهذا أنكم لن تكونوا معنا؛ ولذلك حمل عليهم حتى شَقَّ صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد.

القارئ:

فجاوزهم وما معه أحد، ثم رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربةٌ ضُرِبها يوم بدر. قال عروة: كنت أُدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير، قال عروة: وكان معه عبدالله بن الزبير يومئذٍ وهو ابن عشر سنين، فحمله على فرس، ووكَّل به رجلًا[79].

وبه إليه قال:

حدثني عبدالله بن محمد: أنه سمع روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أن نبي الله أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدر خبيثٍ مُخْبِث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكِيِّ، فجعل يُناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله؛ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟، قال: فقال عمر : يا رسول الله، ما تُكَلِّم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله : والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم. قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقيمةً وحسرةً وندمًا[80].

الشيخ: نعم، هناك ناس يستدلون بقول النبي : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، والحديث إذا لم يُجمع من ثلاثين طريقًا لا يُفهم، والأحاديث جاءت؛ أولًا الآية: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل:80]، كذلك: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22]، فقد وقر في علم الصحابة أن الموتى لا يسمعون، فلما خاطبهم النبي قال عمر : يا رسول الله، ما تُكَلِّم من أجساد لا أرواح لها؟ يعني: هل يسمعون كلامك؟ فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم؛ يُفسِّره قول قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، وجاء في رواية أخرى: إنهم الآن يسمعون ما أقول[81]؛ فهنا الآن يُفسِّره قول قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله؛ معجزةً للنبي ، حتى أسمعهم توبيخًا وتصغيرًا.

وبه إليه قال:

حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [إبراهيم:28]، قال: هم والله كفار قريش، قال عمرو: هم قريش، ومحمد نعمة الله، وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28]؛ قال: النار يوم بدر[82].

الشيخ: هم قريش، والإسناد كله أيضًا مكي، قريش من مكة، والإسناد كله مكي: الحميدي، سفيان، عمرو بن دينار، عطاء، ابن عباس.

القارئ: وبه إليه قال:

حدثني عبيد بن إسماعيل قال: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه: أنه قال: ذُكِر عند عائشة رضي الله عنها: أن ابن عمر رفع إلى النبي : إن الميت يُعذَّب في قبره ببكاء أهله، فقالت: إنما قال رسول الله : إنه لَيُعَذَّب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن، قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، إنما قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنتُ أقول لهم حق[83].

الشيخ: هذا تفسيره الآن، يعني: معجزة للنبي ، أحياهم الله فأسمعهم لما كان يقول.

القارئ:

ثم قرأت: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80]، وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22]. يقول: حين تبوَّؤوا مقاعدهم من النار.

وبه إليه قال:

حدثني عثمان قال: حدثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: وقف النبي على قَلِيب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟، ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول، فذُكِر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي : إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنتُ أقول لهم هو الحق، ثم قرأت: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80]، حتى قرأت الآية[84].

الشيخ: كأنها كانت تُنكر معنى "أسمع" بمعنى "يعلمون"؛ يعني: ما قَبِلَتْ أن الموتى يسمعون.

فالحاصل على كل حال؛ أن الموتى لا يسمعون، هذا هو الصحيح، والآية: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22] هنا حين تبوَّؤوا مقاعدهم من النار، هنا قالوا إن ذلك قبل أن يُدخلوه في القبر، فهو يسمع، ويقول: أين تذهبون بي؟ قدِّموني قدِّموني. لكن العموم يدل على أنه بعدما يموت الإنسان -سواء دُفن أو لم يُدفن- لا يسمع شيئًا، إلا معجزةً للنبي ، أسمعهم.

نكتفي إلى هنا بارك الله فيكم، وندعو الله تبارك وتعالى لنا ولكم التوفيق والسداد في كل شيء.

ولعل لقاءنا بعد هذا يكون بعد العيد -إن شاء الله-، فندعو الله تبارك وتعالى أن يُوفِّقنا لاكتساب بقية شهر رمضان، وجميع شهور السنة بالصلاة والتقوى والخير.

وندعو الله تبارك وتعالى أن يُحيينا حياة طيبة ونلقاه.

ونوصيكم أيضًا -والأمة تمُرُّ بأيام صعبة جدًّا- ألَّا ننسى في دعواتنا إخوانَنا الذين الآن تحت نار الظلم من الكفار الرافضة وغيرهم، فلا بُدَّ أن نخصَّ وقتًا للدعاء لهم، ولا يرد القضاء إلا الدعاء. ثم لا ننسى الدعاء لهذه الدولة المباركة ولأهلها آل سعود حفظهم الله، ندعو الله تبارك وتعالى أن يُقيم هذه الدولة ويُديمها إلى يوم أن يرث الله الأرض ومَن عليها، وكذلك أهلها -إن شاء الله-، فقد أعطوا الدنيا كل خير، وأحيوا السنة والقرآن والدين ما لم يُحْيَ في ثمانية قرون، فيجب على المسلمين أن يدعوا لهم أيضًا بأن يُقيمهم الله، ويُعطيهم الله الفتح والنصر والغلبة على كل مَن يُناوئهم، ومَحَقَ اللهُ المفسدين في داخل البلاد وخارجها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

^1 رواه البخاري: 3916.
^2 رواه البخاري: 3917.
^3 رواه البخاري: 3919.
^4 رواه البخاري: 3920.
^5 ثلاثية البردة بردة الرسول ، لحسن حسين: ص176.
^6 رواه مسلم: 2102.
^7 رواه البخاري: 3921.
^8 ربيع الأبرار، للزمخشري: 4/ 350.
^9 رواه البخاري: 3922.
^10 رواه البخاري: 3923.
^11 صحيح البخاري: 3/ 488.
^12 رواه البخاري: 3924.
^13 رواه البخاري: 3925.
^14 رواه البخاري: 3926.
^15 رواه البخاري: 3927.
^16 رواه البخاري: 3928.
^17 رواه البخاري: 3929.
^18 رواه البخاري: 3930.
^19 رواه البخاري: 3931.
^20 رواه الطبراني في المعجم الأوسط: 3544، والبيهقي في دلائل النبوة: 2/ 509.
^21 رواه البخاري: 3932.
^22 صحيح البخاري: 3/ 492.
^23 رواه البخاري: 3933.
^24 رواه البخاري: 3935.
^25 صحيح البخاري: 3/ 493.
^26 ديوان جرير، بشرح محمد بن حبيب: 2/ 862، 863.
^27, ^28 رواه البخاري: 3936.
^29 صحيح البخاري: 3/ 494.
^30 رواه البخاري: 3937.
^31 رواه البخاري: 1387، ومسلم: 941.
^32 رواه البخاري: 3938.
^33 رواه البخاري: 3939.
^34 صحيح البخاري: 3/ 496.
^35 رواه البخاري: 3941.
^36 رواه البخاري: 3942.
^37 رواه البخاري: 3943.
^38 رواه البخاري: 3944.
^39 رواه البخاري: 3945.
^40 رواه البخاري: 3946.
^41 رواه البخاري: 3947.
^42 رواه البخاري: 3948.
^43, ^45 صحيح البخاري: 3/ 499.
^44 رواه البخاري: 3949.
^46 رواه البخاري: 3950.
^47 صحيح البخاري: 3/ 501.
^48 رواه البخاري: 3951.
^49 صحيح البخاري: 3/ 502.
^50 رواه البخاري: 3952.
^51 رواه البخاري: 3953.
^52 رواه البخاري: 3954.
^53 صحيح البخاري: 3/ 503.
^54 رواه البخاري: 3955.
^55 رواه البخاري: 3956.
^56 رواه البخاري: 3957.
^57 رواه البخاري: 3958.
^58 رواه البخاري: 3959.
^59 صحيح البخاري: 3/ 504.
^60 رواه البخاري: 3960.
^61 صحيح البخاري: 3/ 505.
^62 رواه البخاري: 3961.
^63 رواه البخاري: 3962.
^64 رواه البخاري: 3963.
^65 الروض الأنف، للسهيلي: 5/ 99.
^66 رواه البخاري: 4020.
^67 رواه البخاري: 3964.
^68 رواه البخاري: 3965.
^69 رواه البخاري: 3966.
^70 رواه البخاري: 3967.
^71 رواه البخاري: 3968.
^72, ^73 رواه البخاري: 3969.
^74, ^75 رواه البخاري: 3970.
^76 رواه البخاري: 3973.
^77 مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، لسبط ابن الجوزي: 2/ 471.
^78 رواه البخاري: 3974.
^79 رواه البخاري: 3975.
^80 رواه البخاري: 3976.
^81, ^84 رواه البخاري: 3980.
^82 رواه البخاري: 3977.
^83 رواه البخاري: 3978.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©