- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الأيمان وكفارتها- من قوله: "باب أن من حلف أنه لا مال له.."

جدول المحتويات
- باب أن من حلف أنه لا مال له يتناول الزكاة وغيرها
- الحلف المشروع وألفاظه
- تعريف اليمين وشروطها
- حكمُ الحلفِ بغير الله وخَطَرُه
- تعريف الشرك
- الخوف المشروع والخوف الشركي
- الحب كعبادة لا تكون إلا لله
- من صور التعلق بغير الله وخطرها
- أنواع الحلف من حيث الزمان
- لغو اليمين
- الكفارة في اليمين على المستقبل
- اعتبار العُرف في تفسير ألفاظ اليمين ومعانيها
- دلالة حديث أبي الأحوص على استحباب إظهار النعمة والتحدث بها
- إظهار النعمة من شكر الله لا من الكبر والبطر
- حديث سويد بن هبيرة في فضل المال الصالح
- معنى "مُهرة مأمورة وسِكة مأبورة"
- فضل الزراعة وكسبها
- شمول لفظ المال لكل ما يُملَك من العقار وغيره
- باب من حلف عند رأس الهلال لا يفعل شيئًا شهرًا، فكان ناقصًا
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبد الله ورسوله، بعثه ربنا بالرحمة والهدى، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجعلنا على المَحَجَّة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه الغُرِّ المَيامين، والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا.
ونسألك اللهم علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانا ذاكرًا، وعملًا صالحًا متقبلًا، وتجارة لا تبور.
ونعوذ بك اللهم مِن علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن عينٍ لا تدمع، ومن نفسٍ لا تشبع، ومن دعوة لا يُستجاب لها.
ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين.
باب أن من حلف أنه لا مال له يتناول الزكاة وغيرها
قال رحمه الله تعالى:
هذا بابٌ مِن أبواب الكتاب الذي عَقَده المصنف تحت كتاب: الأَيْمان وكفاراتها، يعني: يتعلق باليمين حينما يحلف المسلم؛ ما هي صفتها؟ ومتى تكون الكفارة؟ وما هي أنواع الأَيْمان؟ وهناك مسائل كثيرة عقد لها المصنف لكثيرٍ من أبوابها.
وسبق معنا أن "الأَيْمان" جمع يمين، أو جمعه "يُمُن" أيضًا؛ تُجمع على "يُمُن" و"أَيْمان". واليمين: الحَلِف، وأيضًا يقال لها: "إيلاء"، ويقال لها: "قَسَم"، وحلفتُ وأقسمتُ وآلَيْتُ تأتي بمعنًى واحد؛ ولهذا: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة:226]؛ يعني: يحلفون، وفي الحديث: آلى رسول من نسائه[1]، بمعنى: حَلَف. فالحَلِفُ والإيلاء والقَسَم كلها بمعنًى واحد.
الحلف المشروع وألفاظه
والحَلِفُ طبعًا... يُقسِم المسلمون بألفاظٍ مخصوصة، الحلف بالله وبأسمائه وصفاته، أو باسم من أسمائه، أو صفةٍ من صفاته، ومرَّ معنا تفصيلُ ذلك، لكن لا مانع أن نعطي موجزًا لأهميته؛ ولأن المسلمين مُبْتلون بالأَيْمان ويحلفون كثيرًا.
والرسول أقسم أقسم كثيرًا، جاء عن الرسول أنه أقسم كثيرًا، خاصة -في- حينما خَطَب خطبة الكسوف: والله لو تعلمون ما أعلم[2]، والله... والله، أقسم أَيْمانًا متتالية في خطبة واحدة.
فالمسلم يحتاج إلى أن يُقسم؛ بمعنى أن يُؤكِّد ما يريد أن يُؤكِّده مِن قولٍ أو فعلٍ فيحلف؛ ولهذا المسلمون محتاجون إلى أن يعرفوا أحكام الأَيْمان، وأيضًا بماذا يحلفون، ولا يحلفون إلا بالله، لا يجوز الحَلِف بغير الله. وسوف تأتي الإشارة إلى هذا إن شاء الله.
تعريف اليمين وشروطها
واليمين: هي توكيدٌ، توكيدٌ لِمَا صَدَر عن المسلم مِن قولٍ أو فعل أو تَرْكٍ: "والله فَعَلْتُه"، "والله ما فعلته"، "والله هذا حصل"، "والله هذا ما حصل"، "والله هذا قلته"، "والله هذا ما قلته"، وهكذا.
ولا تكون إلا بالذي مرَّ معنا، أنها لا تكون إلا من: المكلف وهو المسلم العاقل البالغ، مختار يعني: غير مكره، وأيضًا قاصد اليمين فما تكون لغو يمين، يعني: حلف وهو مستحضرٌ ما يقصد من اليمين.
أما ما يجري على ألسنة الناس: "والله ما رأيته"، "والله رأيته"، "والله تدخل عندنا"، "والله تتفضل عندنا"، هذا غالبًا الإنسان ليس قصده يمينًا، إنما بأنها تجري على اللسان؛ لأنها تجري على اللسان؛ ولهذا لا يكون اليمين يمينًا إلا إذا كان اقترن به القصد، يعني: قصد المسلم أن يحلف وقصد فعلًا أن يقسم بالله ليُؤكِّد، يريد أن يُؤكِّد، أو لينفي ما يريد أن ينفيه.
وكما قلنا، اليمين تكون بالله، وباسمٍ مِن أسمائه كالعليم والعزيز والحكيم، أو صفة من صفاته كقدرة الله وعظمة الله وعزة الله، فهذا أيضًا قَسَمٌ.
حكمُ الحلفِ بغير الله وخَطَرُه
والحلف بغير الله لا يجوز، لا بالنبي ولا بالملائكة ولو كانوا معظَّمين؛ لأن المقصود بالحلف.. يعني الإنسان حينما يحلف بأن يُؤكِّد على ما يريد فعله أو نفيه أو قوله أو عدم قوله؛ لا يكون التأكيد إلا بشيءٍ معظَّم، ولا يجوز للمسلم أن يكون شيءٌ عنده أعظم من الله ، مهما كانت منزلة هذا المعظم، سواء كان أباه أو نبيه محمدًا .
ومعلوم أن نبينا محمدًا هو أفضل الخلائق على الإطلاق، ومقامه عند الله عظيم، ومقامه عندنا نحن المسلمين عظيم، عليه الصلاة والسلام، ونحن نُعظِّمه ونُحبُّه، أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا.
لكن هذا كله لا يُجيز لنا أن نحلف به، أن نحلف بالنبي، فما بالكم بغيره من الأولياء والصالحين وأصحاب القبور، لا يجوز بأيِّ حال، بل قال العلماء: إنه لو حلف بغير الله، وقصد تعظيمه كتعظيم الله: أنه يكفر[3]، شركٌ هذا، لو عظَّم غير الله كتعظيم الله: هذا شرك ويُخرج من المِلَّة، نسأل الله السلامة، أو اعتقد أن له مكانةً تساوي مكانة الله، هذا هو الشرك بعينه.
تعريف الشرك
ما هو الشرك؟ الشرك: هو مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله. هذا هو الشرك.
مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، بمعنى: أن تساوي غير الله بالله، سواء كان نبيًّا، أو كان صالحًا، أو وليًّا، أو صاحب قبر؛ تجعله بمنزلة الله. هذا الشرك بعينه. أو تصرف له ما لا يجوز إلا لله، هذا اسمه شرك: أن تُقدِّم له من الأعمال ما لا يجوز تقديمه إلا لله؛ هذا لا يجوز، كالذبح لا يجوز للمسلم أن يذبح إلا لله.
الخوف المشروع والخوف الشركي
الخوف؛ لا تَخَفْ إلا من الله، الذي هو الخوف الديني، ليس الخوف الجِبِلِّي، لا، الخوف الطبيعي، طبيعي أن تخاف من الذئب، أو تخاف من السبع، أو تخاف من الظالم، هذا خوف طبيعي لا إشكال فيه، الله يقول: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67]، وإبراهيم لما دخل عليه الضيوف أَوْجس منهم خيفة.
فهذا خوف رهبة طبيعية، ليس كخوف الله؛ فالإنسان يخاف من الظلام، أو يخاف من الجن، أي بمعنى الخوف الجِبِلِّي، أو يخاف من الظالم، يخاف من السبع، من الأسد، أو من الذئب، أو من الحيوانات المفترسة. هذا لا إشكال فيه، إنما المقصود: الخوف الذي تجعله كخوف الله.
الحب كعبادة لا تكون إلا لله
وحتى الحب، الحب أيضًا من أنواع العبادة، لا يجوز أن تحب أحدًا كحب الله، الله يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].
يا إخواني، أيُّ عمل يصدر منك أو قول نحو غير الله، وتجعله في مقام الله، أو تُعطيه منزلة لا تصلح إلا لله؛ فهذا هو الكفر، وهذا هو الشرك، بمعنى أنك أشركت غير الله مع الله، فجعلته شريكًا له، يعني: ندًّا له مثله، نظيرًا له؛ هذا شرك، ترفع منزلة هذا العبد إلى أن يكون في مقام الله.
من صور التعلق بغير الله وخطرها
وإذا نظرتَ لبعض المسلمين الذين يتعلَّقون بالقبور تُلاحظ أنهم يجعلون لهم منزلةً تُقارب.. إن لم يجعله مثل الله، أو حتى أحيانًا قد يكون أعظم من الله ، نسأل الله السلامة؛ وهذا كفر مُخرِج من المِلَّة: أن يخافه أو يرجوه أو يُؤَمِّل فيه أكثر مما يُؤمِّل في الله. أعوذ بالله.
لكن... هذا جهل، وإلا لا أتصور أن مسلمًا يجعل أحدًا فوق منزلة الله، لكن لجهله -ترى- يخافه ويحبه ويُقرِّبه ويرجوه ويأمل منه، هذا لا يجوز؛ هو مقبور، هو في قبر. نعم هو صالح من الصالحين ونحبه ونُقدِّره ونقتدي بأعماله الصالحة هذا شيء، يعني حب الصالحين وتقديرهم ومعرفة فضلهم هذا لا إشكال فيه، وأيضًا الكرامات لهم لا إشكال فيها، كرامات الأولياء وكرامات الصالحين هذه حَقٌّ، لكن لا تُعطيهم حقًّا ولا تجعل لنا مُسوِّغًا أن نجعلهم مثل الله أو في منزلة الله ، تعالى الله.
أما حبهم، والاقتداء بأعمالهم الصالحة، والتقرب إلى الله بأن نعمل مثل أعمالهم، هذا لا إشكال فيه، بل هذا هو هذا المطلوب، المطلوب أن نقتدي بالأخيار، ونعمل مثل أعمال الصالحين، سواء في عباداتهم، في صدقاتهم، في إحسانهم، في حبهم، في أخلاقهم، في تواضعهم، في خدماتهم للناس، هذه أمورٌ طيبة، ونقتدي بأعمالهم الصالحة. لكن أن نخافهم، أو نحبهم، أو نرجوهم، أو نتعلق بهم كتعلقنا بالله، هذا هو الذي يقودنا إلى الكفر، ويقودنا للشرك، ويقودنا إلى أن نُعظِّمهم كتعظيم الله، تعالى الله .
ومن هنا كان الحلف بغير الله ممنوعًا؛ لأنه قد يترقَّى بالمسلم إلى أن يحلف بغير الله ليجعله بمنزلة الله، ولو أنه عظَّمه كتعظيم الله -طبعًا- كَفَر وهذا بإجماع المسلمين، بإجماع العلماء أنه لو عظَّم غير الله كتعظيم الله أنه يخرج من المِلَّة. نسأل الله السلامة؛ ولهذا الحلف بغير الله مُحرَّم لا يجوز، وقلنا: قد يقود إلى الكفر ويُخرِج من المِلَّة.
إذًا هذا فيما يتعلق بالحلف بغير الله والحلف بالله.
أنواع الحلف من حيث الزمان
الحلف أيضًا: إما أن يحلف الإنسان على ماضٍ شيءٍ سبق، أو على شيءٍ سوف يأتي، أو على حاضر.
الحلف على الماضي: إذا كان لا يدري، لو قال مثلًا: هل فلان مات؟ هو ميت طبعًا، يقول: لا، والله ما مات، وهو يظن أنه ما مات، هذا لا حاجة عليه، الحلف على الماضي، وقالوا: إنه أيضًا لا كفارة فيه، ولو لم يكفر.
لكن لو حلف على ماضٍ وهو يعلم أنه لم يقع هذا كذب، وهذا يُسمى "اليمين الغموس"، مثلًا لو قال: "والله ما رأيته"، وهو قد رآه، وهو يعلم أنه قد رآه؛ هذا لا يجوز، هذه من كبائر الذنوب، وتُسمى "اليمين الغموس".
لماذا؟
قالوا: لأن النبي قال: تغمس صاحبها في النار؛ فلا يجوز للمسلم أن يحلف بالله كاذبًا، ولهذا هذا المثال لمن حلف بالماضي أو على الماضي.
أما المستقبل فهذا هو الغالب: أنَّ الإنسان يحلف على شيءٍ سوف يحدث، فالحلف التي فيها الكفارة هي الحلف على المستقبل، بمعنًى نأتي إليه بعد قليل.
أولًا إما حلف على ماضٍ، أو حلف على مستقبل، أو لغوًا.
لغو اليمين
اللغو ما المقصود به؟
كما قلنا هو ما يجري على اللسان من غير قصد الحلف: رأيت فلانًا؟ لا، والله ما رأيته. تفضل عندنا. لا، والله مشغول.
العبارة هذه ما يقصد الحلف، إنما جرت على اللسان؛ ولهذا قال العلماء: هذا من لغو اليمين.
ولغو اليمين لا أجر فيه، ولا إثم، ولا كفارة، لغو اليمين ليس فيه أجر، ولا إثم، ولا كفارة.
الكفارة في اليمين على المستقبل
أما حلف المستقبل: وهو على ما سوف يأتي، مثلًا: والله لأفعلن كذا، والله لأتزوج فلانة، والله لأحققن الشيء الفلاني، والله لأفعلن كذا. على شيءٍ سوف يأتي، هذا إن فعله بَرَّت يمينه، وإن لم يفعله فإنه يكون عليه كفارةُ يمين، إذا كان قال ذلك قاصدًا مختارًا فإن عليه كفارة اليمين، وإذا لم يستطع أو لم تقع يمينه فهو الذي يكون قد حَنَثَ في يمينه، حَنَثَ بمعنى أنه لم تتحقق يمينه، قال: والله لأتزوجن فلانة، ما تزوجها؛ إذًا حَنَثَ. فهذا عليه الكفارة، وكل ذلك سبق معنا بيانه، وسوف يأتي له مزيد إيضاح.
اعتبار العُرف في تفسير ألفاظ اليمين ومعانيها
هذه المسألة التي بين أيدينا اليوم في قول المصنف رحمه الله: "باب أن من حلف أنه لا مال له يتناول الزكاة وغيره".
يعني: أن المال، هو -الشيخ- يريد أن يقول: إن ألفاظ الناس في أَيْمانهم على ما اعتادوا عليه وعلى ما عليه عاداتهم وأعرافهم، لو قال: والله لا آكل لحمًا، الغالب أن اللحم عندنا هو لحم الغنم، ولحم البقر، ولحم الجواميس مثلًا.
لكن الآن أنت لمَّا تقول: لا آكل لحمًا، أحيانًا الدجاج لا يدخل، السمك ما يدخل، وإن كان السمك لحمًا والدجاج لحمًا، لكنَّ عادةَ الناس أن اللحم لا يُطلَق إلا على الإبل والغنم والبقر، لحم الغزال لحم، لكن لو قلت مثلًا: فلان دعانا إلى وليمة وكانت جميلة جدًّا، وكان فيها لحم فاخر، ما يرد على بالك لحم فاخر إلا أنه إما غنم أو إبل أو بقر، ما يرد على بالك أنه لحم غزال مثلًا، أو أنه سمك، أو أنه دجاج؛ لأنه عادةً لما يكون دجاجًا تقول دجاجًا، أو لحم دجاج، تُضيف الاسم: لحم دجاج، أو سمك، الناس ما يقولون: لحم سمك، يقولون: سمك، وإن كان الله سماه لحمًا طريًّا، حينما امتن علينا بالبحر، وتستخرجون منه لحمًا طريًّا، أو تأكلون منه لحمًا طريًّا، فهو لحم لكن الناس لا يُسمونه لحمًا في أعرافهم.
المقصود: أن اللفظ الذي تحلف عليه يتعلق بعادات الناس وأعرافهم، إذا قال: والله مثلًا لا أطأ فراشك، الفراش المعروف أنه الفرش الذي في بيتك، بينما الله سمى الأرض فراشًا، وسماها بناءً، والأرض فراشًا أو مهادًا، لكن لا تُسمى الأرض فراشًا، فلو قال: "والله لا أطأ فراشك" ووطئ أرضه لا يحنث؛ لأن الفراش هو السجاد مثلًا، وقد يكون فراش السرير، وأحيانًا فراش السرير يُسمى فراشًا أيضًا أحيانًا، لكن هذا يكون على: لو سألنا قلنا: أنتَ قلتَ: "والله لا أطأ فراش فلان"، نسأله: ما مرادك؟ هل مرادك أثاث البيت أو مرادك فراش السرير؛ لأنها محتملة.
المقصود أن الشيخ هنا يقول: إذا قال: "المال"؛ تدخل جميع الأموال وليس فقط أموال الزكاة التي هي النقدان والسائمة، لا، كل ما يملكه الإنسان يُسمى مالًا.
دلالة حديث أبي الأحوص على استحباب إظهار النعمة والتحدث بها
ثم أتى بالأحاديث: حديث:
"شَمْلَة" يعني: مثل العباءة.
يعني: من كل ما الأموال التي سخرها الله للناس.
رقيق يعني: عبيد... كله يسمى أموالًا. فالشيخ يقول: إنه إذا قال: "مال" فهو يدخل فيه كل هذه الأموال.
وفي ضبط آخر: فلْيُرَ عليك نعمه، بضم الياء وفتحها، "فليُر" أو "فليَر"، يعني: الله فلير عليك نعمه.
إظهار النعمة من شكر الله لا من الكبر والبطر
وهذا دليلٌ على أن الإنسان إذا أنعم الله عليه أنه يُظهر نعمة الله عليه؛ لأن الله يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، بمعنى أن الله إذا وسَّع عليك، فَلْتُظهر نِعَم الله عليك؛ في ثيابك، في بيتك، في أثاثك، في لباس أولادك، في لباس أهلك. هذا من التحدُّث عن نعم الله؛ ولهذا قال النبي قال: فإذا آتاك الله مالًا، فليَرَ عليك نعمَه، أو: فليُرَ عليك نعمُه[5]، يعني: أظهر نعمة الله عليك.
والباب في هذا واسع، وهو أنه ليس من الدين لِبْس المُرَقَّعات أو الاستقذار أو أن هذا من الزهد، لا، ليس من الزهد أن تتعمد وتلبس قذرًا، أو تكون رائحتك سيئة، أو... وتقول: هذا زهد، لا، إذا كنت غير قادر هذا شيءٌ آخر، أما إذا كنت قادرًا فلا؛ تلبس اللباس الحسن نعم، من غير فخر ولا خُيلاء ولا كبر، ترى ليس هناك تعارض بين أن تلبس لباسًا جميلًا وحسنًا، ما دام أن الله قد بسط عليك في الرزق فلْيَر منك أو عليك.
وليس هذا من الكبر، لماذا؟
أولًا: يا إخواني الكبر قلبيٌّ، والكبر كما قال النبي : بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس[6].
بَطَرُ الحق يعني: أكل الحق وتجاوز الحق.
وغَمْطُ الناس يعني: إهانة الناس، هذا الكبر والاستعلاء والاستكبار، واستحقار الناس.
وأحيانًا الاستحقار قد يكون قلبيًّا، وأحيانًا لا، تفهم من الألفاظ أن تستحقر الناس بلفظك أو بنظراتك؛ هذا لا يجوز.
لماذا لا يجوز؟
لأن ما أنت فيه هو من الله، والله في طرفة عين يسلب كل ما عندك، فلماذا الطغيان؟! وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53]، ولا تقل كما قال قارون: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78]، لا، الله أعطاك ولم يُعْطِ غيرك، ويسلبه منك ويُعطي غيرك؛ فلهذا الكبر في الحقيقة لا داعي له أبدًا؛ لأن ما أنت فيه من خير وما أنت فيه من سَعَةِ رزقٍ وما أنت فيه من رغد عيش؛ هذا من الله، والله يسلبه في لحظة، تُصبح غنيًّا ثم تُمسي فقيرًا، وكم رأيتم ممن أفلسوا ما بين عشية وضحاها.
لكن إذا أنعم الله عليك فلتُظهر نعمة الله عليك، ولتتحدث بنعم الله من غير بَطَرٍ، ومن غير استحقار، ومن غير -أيضًا- جحد لحق الله؛ فإن نعم الله فيها حقٌّ للفقراء والمساكين، والشكر والتواضع.. إلى آخره.
ولهذا؛ قال العلماء: يُستحب من الغني أن يلبس من الثياب ما يليق به؛ ليكون إظهارًا لنعمة الله.
لماذا؟
لأن الملبوس هو الذي يُبيِّن، الملبوس هو أعظم ما يُفرِّق بين الأغنياء والفقراء. أما جحدٌ وكفرانٌ وأنت كاتمٌ لنعم الله؛ فهذا لا شك أنه كفر؛ كفرُ نعمة، ليس كفرًا بالله، هذا كفر نعمة.
ولهذا قال العلماء: ليس من الزهد ولا من التواضع أنَّ الإنسان يلبس لباس الفقراء، أو لباس المساكين؛ لماذا؟ لأن الله أحل لنا الطيبات، وامتن علينا بالطيبات: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ... قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ.. [الأعراف:32-33]، فالمحرم الفواحش، أما الزينة لا، الزينة والطيبات فهي حلال، بمعنى أن الله امتن بها علينا، ولا يمتن إلا بالنعم، فإذا أنعم الله عليك أو فتح الله عليك فهذا -يعني- عليك أن تشكر، وعليك أن تُظهر نعم الله عليك من غير بَطَر، وأن تُؤدِّي حق الله من الزكاة ومن الصدقة ومن صلة الرحم.. إلى آخره.
وأيضًا إظهار النعمة والغنى حتى يراك المحتاجون، وقد يقصدونك أيضًا، وتُعطيهم مما أعطاك الله؛ ولهذا الله يقول: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور:33]، فالمال هو مال الله، هو أعطاك، وهو يسلبه منك إذا لم تُؤَدِّ حقه.
إذًا إظهار النعم مما يحبه الله: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:11]، وهنا قال: فليُرَ عليك نعمه، أو: فليَر عليك نعمه[7].
إذًا المقصود: أنَّ المالَ كلُّ ما يُتَمَوَّل، وليس فقط مقصورًا على المال الزكوي، لا، الغنم والإبل والرقيق والخيل.. إلى آخره، والملابس والثياب والمزروعات والأراضي والعقار، كل هذه مال.
حديث سويد بن هبيرة في فضل المال الصالح
أيضًا هذا المقصود، بمعنى أن هذا كله يُسمى مالًا.
معنى "مُهرة مأمورة وسِكة مأبورة"
المهرة: هي أُنثى الخيل.
مأمورة مِن "الأَمَر"، يعني: عظيمة، بمعنى أنها كثيرة النَّسْل؛ ولهذا قال أبو سفيان -حينما زار أو حينما كان مع كسرى وسأله عن حال النبي وبيَّنه وأخبره، فكسرى عظَّم أَمْر النبي - فقال أبو سفيان: "لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة"[9]، يعني: عظُم أمره، "أَمِرَ" يعني: عَظُم أمره.
أو سِكَّة مأبورة، السكة: من السَّكِّ، العملة يقال لها سِكَّة، والطريق يقال لها سكة، والصف -أي: الطابور- يُسمى أيضًا سكة. فهنا سكة مأبورة بمعنى: صفٌّ من النخل أو صف من الأشجار.. هذا كله بمعنى أن هذا من خير مال المسلم، بمعنى أن يكون عنده أشياء فيها ما يدل على ثرائه، وعلى قوتها ووفرتها؛ لأنه أحيانًا حينما تكون الزراعة ناجحة تكون طبعًا أشجارها وارفة، وتكون مصفوفة، وتكون خضراء، وتكون.. إلى آخره، فالمقصود أن الزراعة أيضًا من خير ما يتموله المسلم.
فضل الزراعة وكسبها
ولهذا بعض العلماء يقولون: إن أفضلَ الأعمالِ الزراعةُ، أفضل أنواع المكاسب، قال بعض العلماء: الزراعة أفضل من التجارة -وأفضل من- لماذا؟
قالوا: لأنه قال فيها النبي : ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، فيأكل منه إنسان، أو طير، أو دابة؛ إلا كان له فيه أجر[10]، أو كما قال الرسول ، وهذا يدل على فضله.
وقيل غير ذلك على كل حال.
شمول لفظ المال لكل ما يُملَك من العقار وغيره
الشاهد أنه قال: "لم أُصِب مالًا"، فدل على أن العقار يُسمى مالًا، وأن الأرض تُسمى مالًا.
وهو -يعني- الحائط، الحائط يعني: البستان، الحائط هو البستان، فسمَّاه مالًا.
المقصود أن كل ما يُتموَّل، وكل ما يُملَك فهو مال، سواء كان أرضًا، سواء كان حيوانًا، سواء كان نقدًا، النقدين الذهب والفضة، أو كان ورقًا.. إلى آخره، فإنه هذا كله يُسمى مالًا.
فالمقصود: أنه إذا حلف، أو قال: والله لا مال عندي، وعنده أراضٍ يحنث، هذا المقصود بهذا الباب، نعم.
باب من حلف عند رأس الهلال لا يفعل شيئًا شهرًا، فكان ناقصًا
القارئ:
حكم من حلف شهرًا فكان الشهر ناقصًا
الشيخ: هذه أيضًا مسألةٌ من مسائل الحلف واليمين، وهي أنه لو قال: والله لا أكلمك شهرًا، أو لا أزورك إلا بعد شهر. طبعًا الشهر الهجري، الشهر القمري يعني، والشهر القمري كما قال النبي يكون تسعة وعشرين أو يكون ثلاثين، فلو قال: شهرًا، ثم كان الشهر ناقصًا تسعة وعشرين، فإنه يُسمى شهرًا.
فالشيخ يقول: "باب: من حلف عند رأس الهلال لا يفعل شيئًا شهرًا فكان ناقصًا"، بمعنى: مِن أول شهرٍ قال: والله لا أكلمك هذا الشهر، من أول محرم، أو أول صفر، قال: والله مِن الأول شُفْتُ أنه أول يوم من صفر، والله لا أكلمك الشهر كله، فصار الشهر تسعة وعشرين يومًا، طبعًا بعد تسعة وعشرين يومًا ينتهي الشهر، فيكلمه؛ فلا يحنث. هذا هو المقصود.
حديث أم سلمة في إيلاء النبي ، وبيان أن الشهر في اليمين قد يكون ناقصًا
ثم أورد في ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها: "أن النبي حلف"[13]، طبعًا حينما آلى من نسائه في قول الله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1]، في القصة المعروفة.
"على بعض أهله شهرًا"، وفي لفظ: "آلى من نسائه شهرًا": «آلى» يعني: أقسم، كما قلنا: الحَلِف، والقَسَم والإيلاء كلها بمعنى اليمين.
"آلى من نسائه شهرًا، فلما مضى تسعة وعشرون يومًا غَدَا عليهم أو راح"، بمعنى: أنه لم يحنث في يمينه، لمَّا يجيء تسعة وعشرون انتهى الشهر، وليس ثلاثين.
"فقيل: يا رسول الله، حلفت ألا تدخل عليهن شهرًا؟" يعني: كأن الصحابة فهموا أن الشهر بمعنى ثلاثون يومًا، لا، الشهر ثلاثون أو تسعة وعشرون، فإذا صادف أن هذا الشهر تسعة وعشرون انتهى خلاص، أما إذا كان تامًّا فلا بد من ثلاثين، إذا كان الشهر هذا تامًّا، سواء كان "محرم"، أو "صفر"، أو "ربيع"، أو "رمضان"، أو "شوال"، فصار ثلاثين أو تسعة وعشرين، بمعنى: أنه ليس لفظ "شهر" خاصًّا بالثلاثين يومًا، لا، لفظ "شهر" يعني: ثلاثين أو تسعة وعشرين، هذا بالقمري.
ولو حلف ميلاديًّا، طبعًا بعض الميلادي واحد وثلاثون يومًا، فلو قال: من سبتمبر أو أغسطس، فحَسَب وكان ثلاثين أو واحدًا وثلاثين فلا بد أن يكون الشهر كاملًا، ويكون واحدًا وثلاثين.
والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
| ^1 | رواه البخاري: 2469. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6631، ومسلم: 901. |
| ^3 | ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس: 4/ 105. |
| ^4 | رواه أبو داود: 4063، والنسائي: 5224، وأحمد: 15888، وصححه الألباني في "صحيح النسائي": 5239. |
| ^5, ^7, ^13, ^14, ^15 | سبق تخريجه. |
| ^6 | رواه مسلم: 91. |
| ^8 | رواه أحمد: 15845، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": 9320 وقال: "رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات". |
| ^9 | رواه البخاري: 2978، مسلم: 1773. |
| ^10 | رواه البخاري: 2320، ومسلم: 1553. |
| ^11 | رواه البخاري: 1910، ومسلم: 1085. |
| ^12 | رواه أحمد: 12229، وصححه الألباني في "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام": 410. |