- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الأيمان- من قوله: "باب الحلف بأسماء الله وصفاته.."

جدول المحتويات
- الحلف لا يكون إلا بِمُعَظَّمٍ
- باب الحلف بأسماء الله وصفاته، والنَّهي عن الحلف بغير الله
- حديث: كان أكثر ما كان النبي يحلف: لا ومُقَلِّب القلوب
- مشروعية الحلف بصفات الله في ضوء حديث: «لا وعزتك»
- أسماء الله وصفاته بين الخصوص والإطلاق
- نفي النَّقائص عن الله تعالى وإثبات صفات الكمال
- الصفات الذاتية والفعلية لله تعالى وضابط الحلف بهما
- «لا وعِزَّتك» و«بلى وعِزَّتك»: شواهد نبوية على القسم بصفة العزة
- تصحيح النبي لألفاظ الحلف ودفع ما يُفْضِي إلى الشرك في القول
- ضوابط العطف بين الخالق والمخلوق في ألفاظ المشيئة والحلف
- النَّهي عن الحلف بغير الله
- تعليل النَّهي عن الحلف بغير الله
- باب ما جاء في "وَايْمُ الله، وَلَعَمْرُ الله، وأُقْسِم بالله" وغير ذلك
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا، طيبًا، مُباركًا فيه، كما يُحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وله الحمد والمجد والثناء.
وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمدًا عبدالله ورسوله، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأُمة، وجعلنا على المَحَجَّة البيضاء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه بإحسانٍ.
أما بعد:
فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتها، وكل مُحْدَثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النار.
سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
اللهم عَلِّمْنَا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزِدْنَا علمًا.
ونسألك اللهم علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، وعملًا صالحًا مُتقبَّلًا، وتجارةً لا تَبُور.
وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ [الأعراف:89].
الحلف لا يكون إلا بِمُعَظَّمٍ
..... الحلف لا يكون إلا بِمُعَظَّمٍ؛ ولهذا المسلم لا يُعظِّم غير الله، ولا يجوز أن يحلف قاصدًا التَّعظيم للمحلوف به كما يحلف بالله، لا يجوز؛ ولهذا جاء في بعض الحديث: مَن حلف بغير الله فقد أشرك [1]، ومَن حلف بغير الله فقد كفر [2]، وفي روايةٍ: فقد كفر وأشرك [3]؛ لأنه تعظيمٌ، وإشراك الله بالتَّعظيم نوعٌ من الشرك، وإنما المسلم لا يُعظِّم غير ربه ولو كان مُعَظَّمًا؛ كالأنبياء عليهم السلام، أو الملائكة، أو الصالحين والأولياء.
نعم، هم مُعظَّمون، ومُكرَّمون، ومحبوبون، ويُقتدى بهم، ويُتأسَّى بهم، لكن لا يُحْلَف بهم، لا يجوز الحلف بهم؛ لأنه تعظيمٌ فوق منزلتهم، الحلف بهم رفعٌ لهم فوق منزلتهم، وإن كانوا مُعظَّمين ومحبوبين ويُقْتَدى بهم، ولا شكَّ أن لهم مكانتهم وتكريمهم، لكن لا يجوز أن يُرفعوا إلى منزلة الله ، والحلف بهم هو رفعٌ لمنزلتهم لتكون مُساويةً لمنزلة الله .
تعريف الشِّرك ومفهوم التَّعظيم
ولهذا ما الشرك؟
الشرك: هو مُساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
هذا هو الشرك: مُساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
أن تُعْطِي شيئًا من خصائص الله للمخلوق هذا شركٌ، فلا تُعظِّم غير الله كتعظيم الله.
باب الحلف بأسماء الله وصفاته، والنَّهي عن الحلف بغير الله
من أعظم صور التَّعظيم: الحلف؛ ولهذا قال:
حديث: كان أكثر ما كان النبي يحلف: لا ومُقَلِّب القلوب
قال:
فـ"مُقَلِّب القلوب" هي صفةٌ، فالنبي هنا عليه الصلاة والسلام حلف بصفةٍ من صفات الله، وهي الصفة الخاصة: لا يُقلِّب القلوب إلا الله.
وأيضًا كان من دعائه: يا مُقلِّب القلوب [5]، وأيضًا يا مُصرِّف القلوب [6]، فهذا كله من خصائص الله.
ولهذا المسلم يحلف بالله وبأسمائه: كالحكيم، والعزيز، وذي العِزَّة، والرزاق، والحليم ... إلى آخره.
وسوف نتكلم عن الأسماء والصفات -إن شاء الله- بعد قليلٍ.
مشروعية الحلف بصفات الله في ضوء حديث: «لا وعزتك»
الشاهد قوله: وَعِزَّتك.
والشاهد: أن النبي ذكر هذا مُقِرًّا له، سنةٌ طبعًا، أي: ثابتٌ بالسُّنة، فجبريل قال: وَعِزَّتك، فهو حلف بصفةٍ من صفات الله .
أسماء الله وصفاته بين الخصوص والإطلاق
أسماء الله وصفاته كما هو معلومٌ، الله يقول: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]؛ ولهذا من أعظم أسباب إجابة الدعاء: أن تدعو الله بأسمائه وصفاته، وأعظم أسمائه لفظ الجلالة: الله.
وقيل: إنه هو الاسم الأعظم: الله.
وبقية الأسماء الله يقول: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا، قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110].
وهناك أسماء لا يُسمَّى بها إلا الله؛ كلفظ الجلالة، والرزاق، ولكن الرزاق قد يُطلق على المُكلَّف، لكن الرازق على الحقيقة هو الله : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6]، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:58].
والعليم، وقد يُطلق العليم على الإنسان؛ ولهذا قال: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55].
والله سمَّى نفسه: سميعًا بصيرًا، وسمَّى الإنسان: سميعًا بصيرًا: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:1- 2].
فإذا قال: هو السَّميع، وأراد أنه اسمٌ من أسماء الله يكون حَلِفًا، أما إذا أراد به الإنسان لا يكون حَلِفًا، ولا يجوز أن يقول: هو السَّميع، وهو يريد الإنسان؛ لأن الإنسان سميعٌ، لكن معلومٌ أن سمع الله غير سمع البشر، تعالى الله عن التَّشبيه والتَّمثيل.
وكذلك الحيُّ، فالإنسان حيٌّ، ولكن الله هو الحيُّ، القيوم، وهو الدائم والباقي، فهذه من صفات الله الخاصة: الدائم والباقي؛ ولذلك فإن الإنسان ليس باقيًا، ولا دائمًا.
نفي النَّقائص عن الله تعالى وإثبات صفات الكمال
أما الصفات -صفات الله - فهناك صفاتٌ سلبيةٌ، وهي المنفية عن الله، مثل: الموت والنوم والجهل، تعالى الله: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة:255]، فهذه تُسمَّى: صفات سلبية، والعجز والتَّعب: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38]، تعالى الله ، فهذه لا شكَّ أنها مما نفاه الله عن نفسه ..... ونُثْبِت ضدها على وجه الكمال.
فمُقابل النوم: الحي، القيوم، ننفي عنه النوم، ونُثْبِت له الحياة والقيومية: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، فننفي الصفات السلبية، ونُثْبِت ما يُقابلها على وجه الكمال.
الصفات الذاتية والفعلية لله تعالى وضابط الحلف بهما
قسم العلماء الصفات إلى:
- صفات ذاتية.
- وصفات فعلية.
الصفات الذاتية: هي الصفات اللازمة، والتي لم يَزَل ولا يزال مُتَّصفًا بها: كالعلم، والقُدرة، والسمع، والبصر، والعِزَّة، والحكمة.
فهذه صفاتٌ ذاتيةٌ لازمةٌ ودائمةٌ وثابتةٌ.
الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته ، إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل؛ كالخلق، يخلق ما يشاء، والكلام، يتكلم متى شاء .
فالقسم بالصفات الذاتية لا إشكال فيه، ولم يختلف فيه العلماء؛ لأنها ثابتةٌ ودائمةٌ: كالعلم والقُدرة، وقُدرة الله، وعِزَّة الله.
وأما الصفات الفعلية فبعضهم لا يرى القسم بها باعتبار أنها قد تشترك مع المخلوق، لكن الحقيقة أنه إذا نوى -أي: مقصوده- صفة الله ؛ فإن القسم صحيحٌ، كما يُقال: "وخَلْق الله" ويريد الصفة، ولا يريد المخلوق؛ لأن "خَلْق" المصدر يُطلق على اسم المفعول، ويُطلق على الفعل "خلق": نحن خَلْق الله، يعني: نحن مخلوقون لله، وخَلْق الله بمعنى: قُدرة الله على الخلق.
فالمصدر يمكن أن يكون بمعنى اسم المفعول، وبمعنى الاسم، فإذا قلتَ: "وخَلْق الله" وأنت تقصد الصفة فالحلف صحيحٌ، أما إذا قصدتَ المخلوق فإنه لا يجوز.
على كل حالٍ لا نُطيل في هذا.
«لا وعِزَّتك» و«بلى وعِزَّتك»: شواهد نبوية على القسم بصفة العزة
ثم حديث أبي هريرة الثاني:
بمعنى: أن الله كما هو معلومٌ: أن المسلم والمؤمن وأصحاب الكبائر تحت المشيئة، إن شاء عذَّبهم، ثم مآلهم الجنة، وإن شاء غفر لهم ويُدْخِلهم الجنة.
فهذا مُسلمٌ ويقول:
ويقول:
بمعنى: أكتفي يا ربِّ بأن تُخْرِجني من النار.
ومع هذا بعدما يُخْرِجه يقول: يا ربِّ، أدخلني الجنة.
لكن الشاهد قوله: لا وعِزَّتك، فهو أقسم بِعِزَّة الله، فهو قسمٌ بصفةٍ من صفات الله .
كما تعلمون: أيوب ابتُلِيَ ومرض: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:41- 42]، فأمره الله أن يغتسل حتى يُشْفَى، فلمَّا اغتسل وشُفِيَ سأل الله بعض الأمور فقال:
قال: ألم تطلب وأعطيتُك؟ قال: بلى، ولكن ليس لي غِنًى عن بركتك.
الشاهد قوله: بلى وعِزَّتك، فأيوب أقسم بِعِزَّة الله .
تصحيح النبي لألفاظ الحلف ودفع ما يُفْضِي إلى الشرك في القول
وهي أنصاريةٌ، صحابيةٌ.
اليهودي يقول للنبي .....: إنَّكم نِعْمَ القوم.
الرسول قال له: أنتم يا يهود نِعْمَ القوم، ولكنكم تقولون: عزيرٌ ابن الله، فقال له هو: وأنتم نِعْمَ القوم، ولكنكم تُنَدِّدون وتُشركون.
فاليهودي نَبَّه إلى أن المسلمين يقعون في نوعٍ من الشرك.
"تُنَدِّدون" يعني: تجعلون لله أندادًا.
"وتُشْرِكون" أي: تُشْرِكون مع الله غيره.
هذا هو الشاهد.
لا يقولون: والكعبة، بمعنى: لا يحلفون بالكعبة.
وكذلك لا تقل: والنبي، وإنما تقول: وربِّ النبي، ولا تقل: ومحمد، وإنما: وربِّ محمد.
فالإنسان لا يقل: ما شاء الله وشئتَ.
ولا شكَّ أن الإنسان له مشيئةٌ، ولكن مشيئة الله هي المُقدَّمَة، فلا تَعْطِف بالواو، لا تقل: ما شاء الله وشئتَ، أو: أنا بالله وبك، لا؛ لأن هذا تشريكٌ، وهذا تنديدٌ، كما قال اليهودي، والرسول أقرَّه، حينما قال: "إنكم تُنَدِّدون وتُشركون" أقرَّه النبي ، كأنه قال: ما تقوله صحيحٌ؛ ولهذا أمر النبي المسلمين وأصحابه أن يُغيِّروا الصيغة، وأن يُصحِّحوا، فَصَحَّح لهم النبي ، قال: قولوا: ما شاء الله ثم شئتَ، وقولوا: وربِّ الكعبة، ولا تقولوا: والكعبة، يعني: القسم.
ضوابط العطف بين الخالق والمخلوق في ألفاظ المشيئة والحلف
العطف بالواو -كما هو معلومٌ- يقتضي التَّشريك، ويقتضي المُساواة: ما شاء الله وشئتَ، أو أنا مُتوكِّلٌ على الله وعليك، لا، وإنما "ثم" حتى لا تجعل المخلوق مُساويًا للخالق.
صحيحٌ أن المخلوق له مشيئةٌ، والله له مشيئةٌ، لكن مشيئة الله غالبةٌ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30].
والمقصود: هو ألا يُعْطَف بالواو إذا كان فيه الْتِبَاسٌ، أو إذا كان مما يخصُّ الله ، لكن إذا كان ليس فيه الْتِبَاسٌ لا مانع؛ ولهذا جاء في التنزيل العزيز: وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [التوبة:74]، هنا أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وأيضًا في الآية التي في الأحزاب: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ [الأحزاب:37].
فإذا كان ما فيه الْتِبَاسٌ لا مانع، أما إذا كان الْتِبَاسٌ لا؛ ولهذا قال في الآية الأخرى أيضًا في سورة التوبة: وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ [التوبة:59]، ما قالوا: حسبنا الله ورسوله؛ لأن الحَسْبَ خاصٌّ بالله: وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ.
كذلك الآية في سورة الأنفال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال:64].
هذه آيةٌ لا بد أن نقف عندها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، العطف هنا على الضمير: الكاف، يعني: حسبك وحسب مَن اتَّبعك من المؤمنين، وليس: حسبك هو حسب المؤمنين، لا.
وقد قال الإمام ابن القيم عن هذا في أول كتابه الهَدْي "زاد المعاد" ..... جدًّا: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ يعني: حسبك وحسب مَن اتَّبعك.
المقصود: أنه إذا كان الفعل خاصًّا بالله ويُعْطَف عليه المُكلف؛ لا بد أن يكون العطف بـ"ثم"، كالمشيئة والتَّوكل، ونحو ذلك.
تقولون: ما شاء الله وشئتَ، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة.
لماذا؟
لأننا قلنا لكم يا إخواني: إن الحلف تعظيمٌ، وصحيحٌ أن المقصود التَّأكيد، لكنه تعظيمٌ، والمسلم لا يحلف إلا بِمُعَظَّمٍ، وليس عنده مُعَظَّمٌ غير الله ، ولا يُعَظِّم أحدًا كتعظيم الله؛ ولهذا إذا حلفتَ بغير الله فكأنك جعلتَ منزلة هذا المحلوف به كمنزلة الله ، فلا يجوز أن تحلف بغير الله ولو كان مُعَظَّمًا -كما قلنا- ولو كان حقُّه التَّعظيم والتَّكريم: كالأنبياء والأولياء والصالحين، لكن لا يُحْلَف بهم، ولا يجوز الحلف بهم، وإنما تَحْلِف بالله وبأسمائه وصفاته.
النَّهي عن الحلف بغير الله
فلا يجوز الحلف بالآباء، تقول: وأبيك، أو: وأمك، أو: وأخيك، أو: ورأسك -يعني: رأس فلانٍ- أو: وحياتك.
فهذا كله لا يجوز؛ لأن هذا حلفٌ بغير الله ، ومنه: وحياة أبيك، ومنه: وحياة أمك، كل هذا لا يجوز.
كان من عادة قريش أنها تحلف بآبائها: وأبيك، وأبيه .. إلى آخره.
وفي حديث أبي هريرة الآخر قال:
وسيأتي الكلام على اليمين الغَمُوس؛ لأن المسلم إذا حلف لا يحلف إلا وهو صادقٌ، يعني: يغلب على ظنِّه أن ما يحلف عليه حقٌّ.
تعليل النَّهي عن الحلف بغير الله
لهذا قال الإمام الشوكاني في شرحه: "السر في النَّهي عن الحلف بغير الله: أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة -في الحقيقة- إنما هي لله وحده، فلا يحلف إلا بالله وذاته وصفاته، وعلى ذلك اتَّفق الفقهاء" [14].
باب ما جاء في "وَايْمُ الله، وَلَعَمْرُ الله، وأُقْسِم بالله" وغير ذلك
القارئ:
عن أبي هريرة ، عن النبي قال: قال سليمان بن داود: لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً كلها تأتي بفارسٍ يُقاتل في سبيل الله. فقال له صاحبُه: قُلْ: إن شاء الله. فلم يَقُلْ: إن شاء الله، فطاف عليهنَّ جميعًا، فلم تحمل منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ، فجاءتْ بِشِقِّ رجلٍ، وَايْمُ الذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون [15].
وهو حُجَّةٌ في أن إلحاق الاستثناء ما لم يَطُلِ الفصلُ ينفع، وإن لم يَنْوِهِ وقت الكلام الأول.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال في زيد بن حارثة: وَايْمُ الله، إن كان لَخَلِيقًا للإمارة [16]، متفقٌ عليهما.
وفي حديثٍ مُتَّفقٍ عليه: لمَّا وُضِعَ عمر على سريره جاء عليٌّ فترحم عليه، وقال: "وَايْمُ الله، إن كنتُ لأظنّ أن يجعلك الله مع صاحبيك" [17].
وقد سبق في حديث المَخْزُومية: وَايْمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمدٍ سرقتْ لقطع محمدٌ يدها [18].
وقول عمر لِغَيْلَان بن سلمة: "وَايْمُ الله، لَتُرَاجِعَنَّ نساءك" [19].
وفي حديث الإفك: فقام النبي فَاسْتَعْذَر من عبدالله بن أُبَيّ، فقام أُسَيد بن حُضَير فقال لسعد بن عُبادة: "لَعَمْرُ الله، لَنَقْتُلَنَّهُ" [20]، وهو مُتَّفقٌ عليه.
وعن عبدالرحمن بن صفوان -وكان صديقًا للعباس-: أنه لما كان يوم الفتح جاء بأبيه إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، بايعه على الهجرة. فأبى، وقال: إنها لا هجرة، فانطلق إلى العباس، فقام العباس معه، فقال: يا رسول الله، قد عرفتَ ما بيني وبين فلانٍ، وأتاك بأبيه لتُبايعه على الهجرة فَأَبَيْتَ. فقال النبي : لا هجرة، فقال العباس: أقسمتُ عليك لتُبايعنَّه. قال: فبسط رسول الله يده، فقال: هاتِ، أَبْرَرْتُ عمِّي، ولا هجرة [21]، رواه أحمد وابن ماجه.
وعن أبي الزَّاهرية، عن عائشة رضي الله عنها: أن امرأةً أَهْدَتْ إليها تمرًا في طبقٍ، فأكلتْ بعضَه، وبقي بعضُه، فقالت: أقسمتُ عليكِ إلا أكلتِ بقيته. فقال رسول الله : أَبِرِّيها، فإن الإثم على المُحْنِث [22]، رواه أحمد.
وعن بُريدة قال: قال رسول الله : ليس منَّا مَن حلف بالأمانة [23]، رواه أبو داود.
شرح ألفاظ القَسَم ومعانيها وتطبيقاتها الشرعية
الشيخ: هذا الباب فيه ألفاظٌ يُقْسَم بها، وألفاظٌ لا يُقْسَم بها: "وَايْمُ الله، وَلَعَمْرُ الله، وأُقْسِم بالله"، وغير ذلك، التي هي ألفاظٌ إذا أتى بها المسلم هل يكون قَسَمًا أم لا؟
طبعًا هذه جاءتْ في السُّنة وفي غيرها، فلو أن إنسانًا قال: أُقْسِم الله، أو أحلف بالله، أو عليَّ كذا ... إلى آخره، وسيأتي الكلام في هذا.
فقال: "عن أبي هريرة ، عن النبي قال: قال سليمان بن داود: لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً كلها تأتي بفارسٍ يُقاتل في سبيل الله".
بمعنى: أنه أقسم سليمان قال: لَأَطُوفَنَّ، فاللام لام القسم، وكأنَّ هذا يعني ... هذه الصيغة كأنَّك قلتَ: لَأَذْهَبَنَّ، وتنوي قَسَمًا، فيكون قَسَمًا.
لو قلت: لَأَدْخُلَنَّ بيتك، وتنوي قَسَمًا، قال العلماء: يكون قسمًا وإن لم تأتِ بأداة القسم والمُقْسَم به.
إذن ..... يكون قَسَمًا.
وهنا سليمان قال: لَأَطُوفَنَّ، ولم يَقُلْ: والله، فَعُدَّ هذا قَسَمًا: لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً كلها تأتي بفارسٍ يُقاتل في سبيل الله، ومُراده: التَّقرب إلى الله .
بمعنى: أن عنده نساء، قد يكن جواري، وقد يكن ... إلى آخره.
ومما لا شكَّ فيه أن هذا قد يكون في شرعه؛ أن تكون له زوجات ..... قد يكون في شرعهم، وليس في شرعنا، أو تكون جواري مملوكات.
لَأَطُوفَنَّ الليلة على تسعين امرأةً كلها تأتي بمعنى: يُجامعها، كلها تأتي بفارسٍ يُقاتل في سبيل الله. فقال له صاحبُه يعني: جليسه، قُلْ: إن شاء الله يعني: تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا، فلم يَقُلْ: إن شاء الله، فطاف عليهنَّ جميعًا، فلم تحمل منهنَّ إلا امرأةٌ واحدةٌ، فجاءتْ بِشِقِّ رجلٍ يعني: بحملٍ ضعيفٍ، و"شِقّ" ..... أو نصف أيضًا.
فالنبي قال: وَايْمُ الذي نفس محمدٍ بيده الرسول أقسم لو أن سليمان قال: إن شاء الله؛ لَبَرَّتْ يمينه، ولجاءه تسعون، وكانوا فرسانًا يُجاهدون في سبيل الله أجمعون.
فقال النبي : وَايْمُ الذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون، يعني: صاحبه قال له: قُلْ: إن شاء الله، لكنه لم يَقُلْ.
طبعًا لا تظنوا أن سليمان لم يَقُلْهَا بمعنى: أنه نوعٌ من العصيان، لا، قد يكون نوعًا من الثقة بالله .....
يعني: أنت لو حلفتَ وقلتَ: والله لا أدخل البيت. أو: والله لَأَدْخُلَنَّ البيت. فيُقال لك: قُلْ: إن شاء الله. وما قلتَ، ليس فيه إشكالٌ؛ لأنك لو قلتَ: "إن شاء الله" انْحَلَّت اليمين.
لو قلتَ: والله إن شاء الله لَأَذْهَبَنَّ كذا وكذا. هذه إذا قالها ليست يمينًا؛ لأن فيها استثناءً، هذا يُسمَّى: استثناء.
فلو قلتَ: والله إن شاء الله لأفعل. هذا لا يكون يمينًا؛ لأنك كما يقول العلماء: لا تكون هذه يمينًا، بمعنى: أنه انْحَلَّت اليمين، ولو لم تَقُلْ ما يوجد إشكالٌ.
فكون سليمان لم يَقُلْ لا حرج عليه في ذلك، لكن لو قال لَبَرَّتْ يمينه، لكنها لم .....
ولهذا قال نبينا محمدٌ : وَايْمُ الذي نفس محمدٍ بيده، وَايْمُ هذا هو الشاهد؛ لأن المُصنف يقول: "باب ما جاء في: وَايْم الله".
"وَايْم" الأفصح والذي عليه الجمهور أنها همزة وصلٍ: وَايْم، وجاء "وَأَيْم" عند الكوفيين بالهمز: "وَأَيْم الله"، لكن الأفصح والأسهل "وَايْمُ الله"، بمعنى: أنها همزة وصلٍ.
"وَايْم" قيل: إن أصلها: وأَيْمَن الله، يعني: يمين الله، أو أيمان الله، فهي من ألفاظ القسم: وَايْمُ الله، وَيُمْنُ الله، ويمين الله، وأيمان الله، كلها بمعنًى.
ومحمدٌ يقول: وَايْمُ الذي نفس محمدٍ بيده، طبعًا الذي نفس محمدٍ بيده هو الله.
وَايْمُ الذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله؛ لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون، بمعنى: لَبَرَّتْ يمينه وتحقَّقتْ وجاؤوا شبابًا يُقاتلون في سبيل الله.
قال المُصنف: "وهو حُجَّةٌ في أن إلحاق الاستثناء ما لم يَطُل الفصلُ ينفع، وإن لم يَنْوِهِ وقت الكلام الأول" بمعنى: قلتَ أنت: والله لا أُكلمك. فجاء واحدٌ من زملائك وقال: قُلْ: إن شاء الله، وقلتَ: إن شاء الله؛ انْحَلَّ اليمين، وإن كنت عند القسم ما كنت ناويًا أن تقول: إن شاء الله، ولا على بالك أن تقول: إن شاء الله، وإنما لمَّا ذَكَّرك أو هَدَّأك زميلك أو بيَّن لك تراجعتَ وقلتَ: إن شاء الله، ولو كان بعد القسم.
ولهذا الشيخ يقول: "وهو حُجَّةٌ في أن إلحاق الاستثناء" يعني: إن شاء الله "ما لم يَطُل الفصل ينفع" يعني: ما دام في المجلس، أو دقائق؛ ما يضرُّ، "وإن لم يَنْوِهِ وقت الكلام الأول" يعني: وإن كنت لم يَرِد على بالك الاستثناء، إنما كنت جازمًا في اليمين: والله لا أُكلم فلانًا، فقال صديقك: قل: إن شاء الله.
ولعلك أيضًا قد صارتْ بينك وبينه مُرَادَّةٌ في الكلام، ثم قلتَ: إن شاء الله، فإنك إذا قلتَ: "إن شاء الله" تَنْحَلُّ اليمين وتُكَلِّمه، ولا كفَّارة عليك، هذا مُراد كلام الشيخ.
قال: "وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي أنه قال في زيد بن حارثة: وَايْمُ الله، إن كان لَخَلِيقًا للإمارة".
يعني: طبعًا كان زيدٌ شابًّا، والرسول أمَّره على جيشٍ، وكان شابًّا صغيرًا، وكان الناس تكلموا فيه، يعني: انتقصوا منه، أو أنه هل هو جديرٌ أو غير جديرٍ؟ فقال النبي : وَايْمُ الله، إن كان لَخَلِيقًا أي: جديرًا بالإمارة.
"وفي حديثٍ مُتَّفقٍ عليه: لمَّا وُضِعَ عمر على سريره" يعني: مُتوفًّى، لمَّا وُضِعَ على السرير -جنازةً - "جاء عليٌّ فترحم عليه" على عمر، وقال: "وَايْمُ الله، إن كنتُ لأظنّ أن يجعلك الله مع صاحبيك".
الشاهد قوله: "وَايْمُ الله" يعني: أن تكون مع صاحبيك في القبر؛ لأنه دُفِنَ بجوار النبي .
والشاهد أن عليًّا أقسم أو حلف بهذا اللفظ: "وَايْمُ الله".
"وقد سبق في حديث المخزومية" التي سرقَتْ قول النبي : "وَايْمُ الله، لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقتْ لقطع محمدٌ يدها".
الشاهد قوله: وَايْمُ الله، أن رسول الله أقسم: لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقتْ لقطع محمدٌ يدها، وحاشاها رضي الله عنها أن تفعل ذلك، لكن الرسول يُبيِّن أنه كما قال: إنما أَهْلَكَ الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ [24]، فقال: وَايْمُ الله، لو أن فاطمة بنت .. إلى آخره على سبيل التَّنَزُّل، وإلا حاشاها رضي الله عنها.
"وقول عمر لِغَيْلَان بن سلمة"، هذا كان عنده أكثر من أربع نسوةٍ، فقال: "وَايْمُ الله، لَتُرَاجِعَنَّ نساءك".
الشاهد قوله: "وَايْمُ الله" يعني: حلف بهذه اللَّفظة.
"وفي حديث الإفك: فقام النبي فَاسْتَعْذَر من عبدالله بن أُبَيٍّ".
طبعًا لأن عبدالله بن أُبَيٍّ -رأس النفاق- فرح بقصة الإفك، وهي اتِّهام عائشة رضي الله عنها -وهي بريئةٌ- بالفاحشة، ففرح بهذا.
"فقام النبي فَاسْتَعْذَر" يعني: طلب الإعذار بحيث إنه يُوقِع فيه مَن يُوقِع.
"فقام أُسَيد بن حُضَير فقال لسعد بن عبادة: لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّهُ".
الشاهد قوله: "لَعَمْرُ الله" يعني: لحياة الله، وبقاء الله، فـ"عَمْرُ الله" صيغةٌ من صيغ القسم، "لَعَمْرُ الله" يعني: لحياة الله، وبقاء الله، كأنه يقول: وحياة الله، أو بقاء الله، أو دوام الله.
"وعن عبدالرحمن بن صفوان -وكان صديقًا للعباس-: أنه لمَّا كان يوم الفتح جاء بأبيه" يعني: عبدالرحمن بن صفوان جاء بأبيه إلى رسول الله ، "فقال: يا رسول الله، بايعه على الهجرة. فأبى النبي أن يُبايعه"؛ لماذا؟
لأنه انتهت الهجرة، بعد فتح مكة انتهت الهجرة، ورسول الله قال بعد الفتح: لا هجرة بعد الفتح [25]، يعني: انتهت الهجرة.
يعني: الكافر إذا أسلم في دار إسلامٍ لا يُهاجر، بخلاف ما لو أسلم في دار كفرٍ، فله أن ينتقل إلى دار الإسلام، فالهجرة نوعان:
الهجرة التي كانت في عهد النبي ، وهي: أن مَن أسلم لا بد أن يُهاجر إلى المدينة، ويكونون مُهاجرين، ولهم فضل الهجرة، وهم الذين قال فيهم: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8].
فالهجرة كان لها مكانٌ، ولها شأنٌ، ولها فضلٌ، فإذا هاجر الذي دخل في الإسلام، وانتقل إلى المدينة؛ يكون له حقُّ الهجرة، وفضل الهجرة، وصفة الهجرة، فلما فتح الله مكة لنبيه قال: الآن انتهت الهجرة، يعني: لا تُهاجروا إلى المدينة، فقال: لا هجرة بعد الفتح.
أما من دار الكفر فهي مفتوحةٌ إلى يوم القيامة، وهذا هو النوع الثاني.
لو أن إنسانًا أسلم في بلاد الكفر -بلاد النصارى أو اليهود- فإنه يُهاجر ..... وهي الانتقال، كما يقول العلماء: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهذه باقيةٌ إلى يوم القيامة.
لكن هنا حينما أسلم بعد الفتح -أبو عبدالرحمن بن صفوان أسلم بعد الفتح- وأبوه صاحب العباس ، والعباس عمُّ النبي ، فلما كان يوم الفتح جاء بأبيه -عبدالرحمن بن صفوان جاء بأبيه- إلى رسول الله ، فقال: "يا رسول الله، بايعه على الهجرة"، فأبى الرسول وقال: إنها لا هجرة، بعد فتح مكة لا هجرة، فانطلق إلى العباس .
فقام العباس معه، فقال: "يا رسول الله، قد عرفتَ ما بيني وبين فلانٍ"، يعني: أنه صاحبي، وعزيزٌ عندي، وكريمٌ عندي، "وأتاك بأبيه لتُبايعه على الهجرة فَأَبَيْتَ"، فقال النبي : لا هجرة يعني: انتهت الهجرة، فقال العباس -وهو عمُّه-: "أقسمتُ عليك"، هذا الشاهد، يعني: الشاهد قوله: "أقسمتُ عليك"، وهذا نوعٌ من اليمين: "أقسمتُ عليك لتُبايعنَّه" يعني: يتوسط له ويحلف أن يُبايعه، يعني: تُحْسَب له هجرة.
قال: "فبسط رسول الله يده، فقال: هَاتِ، أَبْرَرْتُ عمِّي" يعني: أَبَرُّ قسم عمِّي حتى لا يَحْنَث، ولا هجرة، نعم، أُبايعك، لكن لا هجرة، فأنا أَبَرُّ قسم عمِّي، وأمدُّ يدي وأُبايعك، لكن لا هجرة.
وسيأتي معنا -إن شاء الله- إبرار المُقْسِم، يعني: الباب الذي بعد هذا: إبرار المُقْسِم، وأن الإنسان إذا حلف ينبغي أن تَبَرَّ قسمه، وألا تجعله يَحْنَث، كما سيأتي -إن شاء الله- في الباب الذي بعد هذا.
"وعن أبي الزَّاهرية، عن عائشة رضي الله عنها: أن امرأةً أَهْدَتْ إليها تمرًا" إلى عائشة "في طبقٍ، فأكلتْ بعضَه، وبقي بعضُه، فقالت: أقسمتُ عليكِ إلا أَكَلْتِ بقيته. فقال رسول الله : أَبِرِّيها" يعني: أجيبي قسمها وكُلِي، "فإن الإثم على المُحْنِث" يعني: لا ينبغي أن تجعله يَحْنَث في القسم.
المقصود من هذا ..... وإن كان الحديث فيه ضعفٌ.
"وعن بُريدة قال: قال رسول الله : ليس منَّا مَن حلف بالأمانة" بمعنى: أنه لا يجوز الحلف بالأمانة؛ لماذا؟
لأن الأمانة ليست اسمًا من أسماء الله، ولا صفةً من صفات الله؛ لأن الأمانة لها عدة معانٍ، تأتي بمعنى: المسؤولية، وغالبًا هي المسؤولية -الأمانة- فتقع الأمانة على المسؤولية، وعلى العبادة، وعلى الطاعة، وعلى الوديعة، وعلى الأمان؛ ولهذا لا يُقْسَم بها؛ لأنها ليست اسمًا من أسماء الله، ولا صفةً من صفاته؛ ولهذا قال: ليس منَّا مَن حلف بالأمانة.
والله أعلم.
وصلى الله على محمدٍ وآله وصحبه وسلم.
| ^1 | رواه أبو داود: 3251، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6204. |
|---|---|
| ^2 | رواه الحاكم في "المستدرك": 45. |
| ^3 | رواه أحمد: 6072، والحاكم في "المستدرك": 8048. |
| ^4 | رواه البخاري: 7391. |
| ^5 | رواه الترمذي: 3522، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2091. |
| ^6 | رواه أحمد: 6610. |
| ^7 | رواه أبو داود: 4744، والترمذي: 2560، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3669. |
| ^8 | رواه البخاري: 806، ومسلم: 182. |
| ^9 | رواه البخاري: 279. |
| ^10 | رواه النسائي: 3773، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3533. |
| ^11 | رواه البخاري: 6646، ومسلم: 1646. |
| ^12 | رواه البخاري: 3836، ومسلم: 1646. |
| ^13 | رواه أبو داود: 3248، والنسائي: 3769، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3529. |
| ^14 | "نيل الأوطار" للشوكاني: 15/ 329. |
| ^15 | رواه البخاري: 6639، ومسلم: 1654. |
| ^16 | رواه البخاري: 3730، ومسلم: 2426. |
| ^17 | رواه البخاري: 3685، ومسلم: 2389. |
| ^18 | رواه البخاري: 6788، ومسلم: 1688. |
| ^19 | رواه أحمد: 4631، وصححه مُحققو "المسند". |
| ^20 | رواه البخاري: 4141، ومسلم: 2770. |
| ^21 | رواه ابن ماجه: 2116، وأحمد: 15551. |
| ^22 | رواه أحمد: 24835، والبيهقي في "السنن الكبرى": 19919. |
| ^23 | رواه أبو داود: 3253، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2954. |
| ^24 | رواه البخاري: 3475، ومسلم: 1688. |
| ^25 | رواه البخاري: 2783، ومسلم: 1353. |