- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الزكاة -من قوله: "باب زكاة بهيمة الأنعام .."

جدول المحتويات
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: نعم.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين نبينا محمدٍ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتمُّ التَّسليم.
باب زكاة بهيمة الأنعام
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
الشيخ: "باب زكاة بهيمة الأنعام" بهيمة الأنعام التي تُزَكَّى: هي الإبل والبقر والغنم، إذا كانت سائمةً الحول أو أكثره، وإذا كانت ... الصحيحين من حديث أبي ذَرٍّ : ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤَدِّي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأَسْمَنَه، تَنْطَحُه بِقُرُونها، وَتَطَؤُه بأظلافها [1].
القارئ:
بدأ بها اقتداءً بالشارع وأصحابه؛ لأن أكثر العرب إذ ذاك أهل نَعَمٍ.
وأجمع المسلمون على وجوب الزكاة فيها.
وفي الصحيحين من حديث أبي ذَرٍّ : ما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤَدِّي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأَسْمَنَه، تَنْطَحُه بِقُرُونها، وَتَطَؤُه بأخفافها [2].
عن أنسٍ: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنهما كتب له هذا الكتاب لمَّا وَجَّهه إلى البحرين عاملًا عليها -ولأبي داود: وعليها ختمه -: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة" أي: هذه نسخة فريضة الصدقة، حذف المُضاف للعلم به، وفيه جواز إطلاق الصدقة على الزكاة.
"التي فرضها رسول الله على المسلمين" أي: قدَّر أنواعها وأجناسها، والقدر المُخْرَج منها، وإلا فالإيجاب ثابتٌ بالقرآن.
"والتي أمر اللهُ بها رسوله"، وفي لفظٍ: "التي أمر اللهُ بها ورسولُه".
"فمَن سُئِلَها من المسلمين على وجهها فَلْيُعْطِها، ومَن سُئِلَ فوق ذلك فلا يُعْطِ.
في أربعٍ وعشرين من الإبل" بَخَاتٍ أو عرَابٍ، ذكورٍ أو إناثٍ، إجماعًا، "فما دونها" أي: دون الأربع والعشرين من الإبل فزكاتها "من الغنم، في كل خمسٍ" ذَوْد من الإبل "شاةٌ" من الغنم بصفة الإبل إجماعًا.
ففي خمسٍ إلى تسعٍ كرامٍ سِمَانٍ شاةٌ كريمةٌ سمينةٌ، وفي معيبةٍ شاةٌ صحيحةٌ تنقص قيمتها بقدر نقص الإبل، وفي العشر إلى أربع عشرة شاتان، وفي خمس عشرة إلى تسع عشرة ثلاث شِيَاهٍ، وفي العشرين إلى أربعٍ وعشرين أربع شِيَاهٍ بصفتها.
نِصَاب زكاة الإبل
الشيخ: إذن الخمس والعشرون ... الأربع والعشرون فيها شِيَاهٌ، كل خمسٍ شاةٌ، والأربع والعشرون أو ما فوق العشرين ما فيها شيءٌ، جبر.
القارئ:
الشيخ: بنت مَخَاضٍ، أمُّها تكون مَاخِضًا، يعني: صالحةً للفحل.
القارئ:
وليس شرطًا "فإن لم تكن" أي: توجد عنده بنت مَخَاضٍ "فابنُ لبونٍ" ذكر، ويُجْزِئ عنها إجماعًا، وهو ما استكمل السنة الثانية، ودخل في الثالثة إلى تمامها، سُمِّي بذلك؛ لأن أُمَّه ذات لبنٍ غالبًا.
وجاز العدول إلى ابن اللَّبون عند عدم ابنة المَخَاض.
قال بعضهم: ولا يُجْزِئ عنه بعيرٌ، ولا هما، ولا البقرة، ولا نصفا شاتين عن شاةٍ.
وقيل: يُجْزِئ إذا كان أكثر قيمةً من الواجب. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لحديث أُبَي بن كعب : مررتُ برجلٍ فلم أجد عليه إلا بنت مَخَاضٍ، فقال: لا لبن فيها ولا ظهر، ولكن هذه ناقةٌ سمينةٌ فَخُذْها. فقال له رسول الله : ذاك الذي عليك، فإن تطوعتَ بخيرٍ قبلناه منك، وآجَرَكَ اللهُ فيه [4]، رواه أبو داود بسندٍ صحيحٍ.
وقال النووي وغيره: لو بَذَلَ الحاملَ ونحوها قُبِلَتْ منه عند أهل العلم كافة إلا داود.
وقال في الخمس: واجبها الشاة، فإن أخرج بعيرًا أجزأ. وهو قول جمهور العلماء، وحكى المُوفق وغيره الإجماع على جواز إخراج سِنٍّ أعلى من الفرض الواجب.
"فإذا بلغت" الإبل "ستًا وثلاثين إلى خمسٍ وأربعين ففيها بنت لبونٍ" إجماعًا، وهي: ما تمَّ لها سنتان.
"فإذا بلغت" الإبل "ستًّا وأربعين إلى ستين ففيها حِقَّةٌ طَرُوقَة الجمل" إجماعًا، وهي: ما تمَّ لها ثلاث سنين، سُمِّيتْ بذلك؛ لأنها استَحَقَّتْ أن يَطْرُقَها الفحل، وأن يُحْمَل عليها وتُرْكَب.
"فإذا بلغتْ إحدى وستين إلى خمسٍ وسبعين ففيها جَذَعَةٌ" إجماعًا، وهي: ما تمَّ لها أربع سنين ودخلتْ في الخامسة، سُمِّيتْ بذلك؛ لأنها تَجْذَع إذا سقط سِنُّها، وهي آخر أسنان الزكاة، وأعلى سِنٍّ يجب فيها، وغاية كماله، والأسنان المذكورة باتِّفاق أهل اللغة والأئمة.
"فإذا بلغتْ ستًّا وسبعين إلى تسعين ففيها بنتا لبونٍ" إجماعًا.
"فإذا بلغتْ إحدى وتسعين إلى عشرين ومئةٍ ففيها حِقَّتَان" إجماعًا، حكاه ابن المُنذر والوزير والشيخ وغيرهم ممن يحكي إجماع أهل العلم.
"فإذا زادتْ" أي: الإبل "على عشرين ومئةٍ" أي: واحدة فصاعدًا "ففي كل أربعين" منها "بنت لبونٍ، وفي كل خمسين حِقَّةٌ" [5].
وهذا قول الزهري وأبي ثورٍ وأبي عُبيد وأحمد والشافعي وسائر أئمة الحجاز، وصححه الوزير وغيره، وفي "المُبدع" وغيره هو المختار للعامَّة.
وقال الشيخ: وهو أولى عند العلماء؛ لهذا الخبر، وخبر عمر ، ولفظه: فإذا زادتْ على عشرين ومئةٍ ففي كل خمسين حِقَّةٌ، وفي كل أربعين ابنة لبونٍ [6]، رواه أبو داود، وحسَّنه الترمذي وقال: "العمل على هذا الحديث عند عامة العلماء".
وبهذه الفرائض اشتهرتْ كتب الصدقات عن رسول الله وخلفائه.
وفي مئةٍ وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبونٍ، وليس فيما لا يبلغ العشرة منها شيءٌ حتى تبلغ العشرة.
وفي مئةٍ وثلاثين حِقَّةٌ وبنتا لبونٍ، وفي مئةٍ وأربعين حِقَّتان وبنت لبونٍ، وهكذا.
ولأبي داود عن عمر معناه مُرْسَلًا، وهو مُقتضى حديث أنسٍ .
وقال مالكٌ: "إذا زادتْ واحدةً على عشرين ومئةٍ فالسَّاعي بالخيار بين أن يأخذ حِقَّتين أو ثلاث بنات لبونٍ".
وعند الكوفيين يستقبل الفريضة.
وحُجَّة الجمهور هذه الأحاديث، وما خالفها لا تقوم به حُجَّةٌ.
قال الشيخ أحمد: وأهل الحديث مُتَّبعون في الزكاة لِسُنَّة النبي وخلفائه، آخذون بأوسط الأقوال أو بأحسنها، فأخذوا في أوقاص الإبل بكتاب الصديق ومُتابعته المُتضمن: إن في الإبل الكثيرة في كل أربعين بنت لبونٍ، وفي كل خمسين حِقَّة؛ لأنه آخر الأمرين من رسول الله .
بخلاف الكتاب الذي فيه استئناف الفريضة بعد مئةٍ وعشرين، فإنه مُتقدِّمٌ على هذا؛ لأن استعمال عمرو بن حزم على نجران قبل موته بمدةٍ، وأما كتاب الصديق فإنه كتبه ولم يُخْرِجه إلى العُمَّال حتى أخرجه أبو بكرٍ .
فإذا تباينتْ أسنان الإبل في فرائض الصدقات فقد قال : مَن بلغتْ عنده من الإبل صدقة الجَذَعَة، وتقدم أنها تجب في إحدى وستين إلى خمسٍ وسبعين وليست عنده جَذَعَةٌ في ملكه، أو عنده وكانت معيبةً، وعنده حِقَّةٌ، فإنها تُقْبَل منه الحِقَّة عِوَضًا عن الجَذَعَة، ويجعل معها أي: مع الحِقَّة توفيةً لها شاتين إن استَيْسَرَتَا له أي: تَسَهَّلَتَا له أو عشرين درهمًا [7] إذا لم تتيسر له الشَّاتان.
ويجب على المُصَدِّق قبوله جَبْرًا؛ لتفاوت ما بين الحِقَّة والجَذَعَة، وليس له تكليفه غير ما وجد اتِّفاقًا، ويُجْزِئ شاةٌ وعشرة دراهم.
ومَن بلغتْ عنده صدقة الحِقَّة وهي تجب في ستٍّ وأربعين إلى ستين، وليست عنده الحِقَّة، وعنده الجَذَعَة؛ فإنها تُقْبَل منه، وإن كانت زائدةً على ما يلزمه، فلا يلزمه تحصيل ما ليس عنده، ويُعطيه المُصَدِّق أصله: المُتَصَدِّق، أي: يُعطيه العاملُ على أخذ الزكاة شاتين، أو عشرين درهمًا مقابل ما زاد عنده.
ومَن بلغتْ عنده صدقة الحِقَّة، وليست عنده، وعنده ابنة لبونٍ فإنها تُقْبَل منه، ويجعل معها شاتين إن استَيْسَرَتَا له، أو عشرين درهمًا [8].
قال الخطابي وغيره: "يُشْبِه أن يكون النبي إنما جعل الشَّاتين أو عشرين درهمًا تقديرًا في جُبْرَان الزيادة والنُّقصان، ولم يَكِل الأمر في ذلك إلى اجتهاد السَّاعي ولا غيره؛ لأن السَّاعي إنما يأخذ منهم الزكاة عند المياه غالبًا، وليس هناك حاكمٌ ولا مُقَوِّمٌ يفصل بينهما إذا اختلفا، فَضُبِطَتْ بقيمةٍ شرعيةٍ قطعًا للنزاع".
ولا دخل لِجُبْرَانٍ في غير إبلٍ؛ لأن النصَّ إنما ورد فيها فَيُقْتَصَر عليه.
"ومَن لم يكن عنده إلا أربعٌ من الإبل فليس فيها شيءٌ" [9] أي: ليس فيها زكاةٌ واجبةٌ إجماعًا.
وفي الصحيحين: ليس فيما دون خمس ذَوْدٍ صدقةٌ [10].
"إلا أن يشاء ربها" [11] أي: إلا أن يتطوع. رواه البخاري، ورواه مالكٌ وغيره من حُفَّاظ الإسلام، واعتمدوه وعَدُّوه من قواعد الإسلام، وقالوا: إنه أصلٌ عظيمٌ يُعتمد.
وقال أحمد: لا أعلم في الصدقة أحسن منه.
وفيه دليلٌ على أنه ليس في الأوقاص شيءٌ.
الشيخ: الوَقْص: ما كان بين فريضتين.
يعني: من خمسٍ إلى عشرٍ هذا يُسمَّى: وَقْصًا، إلى تسعٍ.
ومن خمسٍ وعشرين إلى ستٍّ وثلاثين كلها وَقْصٌ، وهكذا.
فَالوَقْص: ما كان بين فريضتين ليس فيه شيءٌ.
القارئ:
وفي السنن نحوه من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما [13].
والوَقْص: ما بين الفريضتين، كما بين خمسٍ وعشرٍ، يُستعمل فيما لا زكاة فيه؛ كأربعٍ.
حكم الزكاة في المَعْلُوفة
قال الجوهري وغيره: سَامَتِ الماشيةُ: راعَتْ، وأَسَمْتُهَا: أخرجتُها للمَرْعَى.
وتكلم بعضهم في بَهْزٍ، وقال ابن معين: سنده صحيحٌ.
وحكى الحاكم الاتِّفاق على تصحيح حديث بَهْز، عن أبيه، عن جدِّه، ونصَّ عليه أحمد وغيره.
ويأتي خبر أنسٍ في سائمة الغنم والإبل في معناها.
قال شيخ الإسلام: "إذا كانت راعيةً أكثر الحول -في أظهر قولي العلماء- فلا تجب في معلوفةٍ أكثر الحول، ولا إذا اشترى لها ما تأكل، أو جمع لها من المُباح ما تأكله".
وعن عليٍّ : "ليس في العوامل صدقةٌ" [15]، رواه أبو داود.
وجاء عن جماعةٍ من الصحابة، ولا مُخالف لهم منهم، وهو قول أهل الحديث وفقهاء الأمصار.
فإن المراد بها إذن الانتفاع بظهرها، لا الدَّرّ، ولا النَّسْل، أشبهت البغال والحمير، وإنما تجب الزكاة فيها إذا كانت للدَّرِّ والنَّسْل والنَّماء؛ لأنها تكثر منافعها.
الشيخ: السَّائمة: هي التي ترعى في البرية، وما تحتاج إلى علفٍ.
يعني: التي ترعى في البرية وما تحتاج إلى علفٍ هي سائمةٌ، وما لم تكن سائمةً، وكانت يُحْضَر لها العلف، فإنها لا زكاة فيها حينئذٍ.
القارئ:
زكاة البقر
الشيخ: زكاة البقر لا تجب فيما دون الثلاثين، ما دون الثلاثين ليس فيها شيءٌ، وما فوق الثلاثين ففيها الزكاة.
القارئ:
والأصل فيها السُّنة والإجماع.
وتقدم ذكر الوعيد في تركها.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : أنه إذا لم يُؤَدِّ حقَّ الله فيها بُطِحَ لها في صعيدٍ قَرْقَرٍ، فَوَطِئَتْهُ بأظلافها، ونَطَحَتْهُ بِقُرُونها، إذا مَرَّ عليه آخرها كَرَّ عليه أولها، حتى يرى مصدره: إما من الجنة، وإما من النار، وذكر الإبل والبقر والغنم [16].
نِصَاب زكاة البقر
والبقر اسم جنسٍ يشمل العِرَاب والجواميس، والذكور والإناث، وكذا البقرة تقع على الذكر والأنثى، دخلتْ عليها الهاء على أنها واحدة البقرات.
"تبيعًا" وهو ما له سنةٌ، ودخل في الثانية، وهو جَذَع البقر، سُمِّي: تبيعًا؛ لأنه يتبع أُمَّه في المسرح وقد حاذى قرنُه أذنَه غالبًا.
"أو تبيعةً" أي: المُخْرِج والسَّاعي مُخَيَّرٌ بينهما.
"ومن كل أربعين" بقرة "مُسِنَّة" أي: صارت ثَنِيَّةً لها سنتان فأكثر [17]، رواه الخمسة، وحسَّنه الترمذي، وصححه النَّسائي وابن حبان والحاكم، وقال ابن عبدالبر: هو حديثٌ مُتَّصلٌ ثابتٌ.
ولا خلاف بين العلماء: أن السُّنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذٍ ، وأنه النِّصاب المُجْمَع عليه.
وقال الشيخ: قد ثبت عن معاذٍ : أن النبي لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ صدقة البقر من كل ثلاثين تَبِيعًا، ومن كل أربعين مُسِنَّةً.
وكذا في كتاب النبي الذي كتبه لعمرو بن حزم ، ورواه مالكٌ في "مُوطئه" عن معاذٍ ، ومن حديث عليٍّ مرفوعًا، ومن حديث ابن مسعودٍ .
وحكى أبو عبيدٍ وابن المُنذر والوزير والمُوفق وغيرهم الإجماع عليه.
حكم زكاة الجواميس
زاد أحمد من حديث معاذٍ : "ومن الستين تَبِيعين، ومن السبعين مُسِنَّةً وتَبِيعًا، ومن التسعين ثلاثة أتباعٍ، ومن المئة مُسِنَّةً وتَبِيعين، ومن العشر ومئةٍ مُسِنَّتَيْن وتَبِيعًا" [18]، ومن العشر ومئتين مُسِنَّتَيْن وأربعة أتباعٍ، وهو معنى ما تقدم.
وإذا بلغتْ ما يتَّفق فيه الفرضان خُيِّر اتِّفاقًا.
قال: "وأمرني ألا آخذ فيما بين ذلك شيئًا إلا أن يبلغ مُسِنَّةً أو جَذَعًا، وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها" [19].
وللبيهقي وغيره: "أمرني ألا آخذ من البقر شيئًا حتى تبلغ ثلاثين" [20]، وأُتِيَ بما دون ذلك فأبى.
وهو قول جمهور العلماء إلا ما حُكِيَ عن ابن المُسيب والزهري، والنصوص دالَّةٌ على خلافه.
زاد أبو داود عن عليٍّ : "وليس في العوامل صدقةٌ" [21]، أي: ليس في التي يُسْقَى عليها ويُحْرَث وتُسْتَعْمَل في الأثقال زكاةٌ. صححه الدارقطني.
ولابن ماجه عن ابن مسعودٍ نحوه، ولهما شواهد لا تخلو من مقالٍ، وظاهرها سواء كانت سائمةً أو معلوفةً.
وشرط السَّوم فيها مَقِيسٌ على ما ثبت في الإبل والغنم من حديث أنسٍ عند البخاري [22]، وحديث بَهْز [23]؛ ولأن النَّماء مُعتبرٌ في الزكاة، ولا نماء في غير السَّائمة.
زكاة الغنم
"وعن أنس بن مالك في كتاب الصدقات" الذي كتبه له أبو بكر الصديق لمَّا وجَّهه إلى البحرين عاملًا عليها: "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله على المسلمين"، وذكر الإبل، وقال: "وفي صدقة" أي: زكاة "الغنم" ضَأْنًا كانت أو مَعْزًا، ذكورًا أو إناثًا، سُمِّيت غنمًا؛ لأنها ليس لها آلة الدفاع، فكانت غنيمةً لكل طالبٍ.
و"في سائمتها" أي: الراعية الحول أو أكثره عند جماهير أهل العلم، وحُكِيَ أنه إجماع الصحابة.
قال البغوي: "فيه دليلٌ على أن الزكاة إنما تجب في الغنم إذا كانت سائمةً، فأما المعلوفة فلا زكاة فيها".
الشيخ: أما المعلوفة فلا زكاة فيها، لا بقر، ولا غنم، ولا إبل، كلها لا زكاة فيها.
القارئ:
نِصَاب زكاة الغنم
الشيخ: أتانا مُصَدِّقُ رسول الله .
القارئ:
الشيخ: يعني: أخذ الصدقة منا لرسول الله .
القارئ:
"إلى عشرين ومئةٍ شاةٌ" فليس فيها إلا شاةٌ، "فإذا زادتْ على عشرين ومئة" شاةٍ ففيها شاتان إجماعًا.
قال الوزير وغيره: أجمعوا على أن أول النِّصاب في الغنم أربعون، ففيها شاةٌ، وأنه لا شيء في زيادتها إلى مئةٍ وعشرين، فإذا زادتْ واحدة وجب فيها شاتان إلى مئتين ففيها ...
الشيخ: إلى مئتين، فليس فيها إلا شاتان إجماعًا، حكاه غير واحدٍ.
إذا زادتْ على المئتين -ثلاثمئةٍ- ففيها ثلاث شِيَاهٍ.
القارئ:
"فإذا زادتْ على مئتين إلى ثلاثمئةٍ ففيها ثلاث" شِيَاهٍ إجماعًا، حكاه الوزير وغيره على أنها إذا زادتْ على المئتين ففيها ثلاث شِيَاهٍ إجماعًا.
"فإذا زادتْ على ثلاثمئةٍ" أي: مئةً أخرى، فصارتْ أربعمئةٍ، استقرت الفريضة "في كل مئةٍ شاةٌ"، ففي أربعمئةٍ أربع شِيَاهٍ.
قال البغوي: هو قول عامَّة أهل العلم.
وفي خمسمئةٍ خمس شِيَاهٍ، وهكذا.
وعند بعض الكوفيين: إذا زادتْ على ثلاثمئةٍ واحدةً ففيها أربع شِيَاهٍ.
وللخمسة إلا النَّسائي: "فإذا كَثُرَت الغنم ففي كل مئةٍ شاةٌ" [25].
"فإذا كانت سائمةُ الرَّجُل ناقصةً من أربعين" شاة "شاةً واحدةً فليس فيها صدقةٌ" أي: واجبة إجماعًا "إلا أن يشاء ربها" [26] أي: إلا أن يتطوع ربُّها بإخراجها نَفْلًا.
"ولا يُجْمَع" بالبناء للمفعول "بين مُتَفَرِّقٍ".
الشيخ: يعني: ما دون الأربعين ليس فيها شيءٌ إلا أن يشاء المالك، يقول: خذوا مني الزكاة. فيأخذونها منه، وأما إذا ما أعطاهم زكاةً فلا يُؤْخَذ منها شيءٌ دون الأربعين، فإذا بلغت أربعين ففيها شاةٌ.
حكم الجمع بين المُتَفَرِّق أو التَّفريق بين المُجْتَمِع
القارئ:
فهو خطابٌ للمالك من جهةٍ، وللسَّاعي من جهةٍ، فأمر كل واحدٍ ألا يُحْدِث شيئًا من الجمع والتَّفريق خشية الصدقة.
فَرَبُّ المال يخشى أن تكثُر الصدقة، فيجمع أو يُفَرِّق؛ لِتَقِلَّ.
والسَّاعي يخشى أن تَقِلَّ الصدقة، فيجمع أو يُفَرِّق؛ لِتَكْثُر.
كما لو كان لثلاثةٍ مئةٌ وعشرون شاةً، وجمعوها، أو كان لهم تسعون فَفَرَّقُوها، أو لكلِّ واحدٍ أربعون فَفَرَّقها السَّاعي.
ومُقتضاه أن للخُلْطَة ...
الشيخ: "لا يُجْمَع بين مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّق بين مُجْتَمِعٍ"، فإذا كانت الزكاة -مثلًا- ثلاثمئةٍ من الغنم ففيها شاتان، وهكذا إذا كانت الزكاة ... فلا يُجْمَع بين مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّق مُجْتَمِعٌ، أحيانًا يكون مُتفرقًا، فلا يُجْمَع بينها، وأحيانًا مُجْتَمِعٌ، فلا يُفَرَّق بينها.
القارئ:
"وما كان من خليطين" أي: شريكين من أهل وجوب الزكاة "فإنَّهما يتراجعان بينهما" أي: يرجع أحدهما.
الشيخ: الخُلْطَة في المالين تُوجب الزكاة فيه كاملًا، فإذا كان -مثلًا- واحدٌ عنده عشرون شاةً، والآخر عنده خمسٌ وعشرون شاةً، ويجتمعن في الرعي والسَّرْح وهكذا، ففيهما زكاةٌ: شاةٌ واحدةٌ.
وإذا كان واحدٌ عنده أربعون، وواحدٌ عنده خمسون، ففيها زكاةٌ واحدةٌ: أقلَّ من شاةٍ واحدةٍ.
فلا يُجْمَع بين مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّق بين مُجْتَمِعٍ من أجل الزكاة.
القارئ:
ولا فرق بينهما أن يكون المال مُشتركًا بينهما شركة أعيانٍ، أو خُلْطَة أوصافٍ وجوارٍ.
الشيخ: مئةٌ وعشرون فيها شاةٌ واحدةٌ إذا كانت مُجتمعةً، وإذا كانت مُتَفَرِّقةً ففيها ثلاث شِيَاهٍ، واضحٌ؟
لا يُجْمَع بين مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّق بين مُجْتَمِعٍ من الزكاة.
القارئ:
وحكى أبو حامد وغيره الإجماع على أنه لا فرق بين الخُلْطَتين في الإيجاب أو الإسقاط.
والخليطان: ما اجتمعا في الحوض والفَحْل والراعي، هذا مذهب الجمهور.
ولا بد أن يكونوا من أهل الزكاة، وأن يكون نِصَابًا، وأن تكون في ماشيةٍ، وأن تكون الخُلْطَة جميع الحول أو أكثره، وأن يشتركوا في مَحْلَبٍ ومَسْرَحٍ ومَرْعًى، واشتراط الفَحْل إن اتَّحَدَ النوع.
وأما خُلْطَة الأعيان فَيُزَكِّي الشُّركاءُ مالَهم زكاة خُلْطَةٍ، ولو لم يشتركوا في شيءٍ من ذلك.
وللسَّاعي أخذ الزكاة من أيِّ مالي الخليطين شاء اتِّفاقًا، وإن أخذ فوق الواجب بتأويلٍ، أو أخذ القيمة أجزأتْ، ورجع على شريكه بذلك.
واستظهر الشيخُ وغيره أنه يرجع عليه بما أخذ منه ظلمًا لأجل ماله.
حكم إخراج ذات العيب في الزكاة
"ولا ذات عَوَارٍ" بفتحٍ، أي: عيب أصلًا، وتُضم، وبالفتح تشمل ذات العيب، ويدخل في ذلك المرض.
"ولا تَيْس" فَحْل الغنم "إلا أن يشاء المُصَّدِّق" بتشديد الصاد: المالك، واختاره أبو عبيدٍ، وضُبِطَ بتخفيفها، وهو السَّاعي؛ تفويضًا إلى اجتهاده. رواه البخاري وأهل السُّنن وغيرهم [29].
ولأبي داود وغيره من حديث عبدالله بن معاوية الغَاضِرِي -من غَاضِرَة قيسٍ، صحابي شامي-: أن رسول الله قال: لا يُعْطِي الهَرِمَة، ولا الدَّرِنَة، ولا المريضة، ولا الشَّرَطَ اللَّئيمة، ولكن من أوسط أموالكم [30].
قال شيخ الإسلام وغيره: وعليه جماعة فقهاء الأمصار؛ لأن المأخوذ في الصدقات العدل، كما قال عمر : "عدلٌ من عدل المال وخياره" [31].
قال تعالى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة:267]، ولا تُؤْخَذ كرائم المال "فإن الله" تعالى "لم يسألكم خياره"، فلا تُؤخذ الحامل، ولا الربا، ولا طَرُوقَة الفَحْل، ولا الأَكُولة، ولا الكريمة إلا أن يشاء ربها.
وفي الصحيحين: إياك وكرائم أموالهم.
الشيخ: يعني: ليس للمُصَّدِّق أن يقول: آخذ هذه، أو لي هذه، أو لي هذه. لا، وإنما ما يُعطيه ربها، يُعطيه الجائزة منها، وله أن يأخذ الطيبة بإذن صاحبها، وأما بدون إذنه فلا يجوز له: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة:267].
القارئ:
"ولم يأمركم بِشِرَاره" وقال: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ، فلا تجعلوا له ما تكرهون.
وتُؤخذ مريضةٌ من مِرَاضٍ إجماعًا، وكذا مَعِيبةٌ من مَعِيباتٍ؛ لأن الزكاة مُواساةٌ، ودَلَّت الأحاديث: أنها تُخْرَج من أوساط المال، لا من خِيَاره، ولا من شِرَاره، ولا نزاعَ في ذلك.
الشيخ: "زكاة الخارج" نقف على هذا.
هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ.
| ^1, ^2 | رواه البخاري: 1460، ومسلم: 990. |
|---|---|
| ^3, ^5, ^9, ^11, ^22, ^26 | رواه البخاري: 1454. |
| ^4 | رواه أبو داود: 1583، وأحمد: 21279، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1411. |
| ^6 | رواه أبو داود: 1568، والترمذي: 621. |
| ^7, ^8 | رواه البخاري: 1453. |
| ^10 | رواه البخاري: 1405، ومسلم: 979. |
| ^12 | ينظر: "نصب الراية" للزيلعي: 2/ 351. |
| ^13 | رواه الدارقطني في "سننه": 1928، والبيهقي في "السنن الكبرى": 7293. |
| ^14, ^23 | رواه أبو داود: 1575، والنسائي: 2444، وأحمد: 20016، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1407. |
| ^15, ^21 | رواه أبو داود: 1572، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1404. |
| ^16, ^24 | رواه البخاري: 1402، ومسلم: 987. |
| ^17 | رواه أبو داود: 1576، والترمذي: 623، والنسائي: 2452، وابن ماجه: 1803، وأحمد: 22013. |
| ^18, ^19 | رواه أحمد: 22084. |
| ^20 | رواه النسائي: 2453، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2301. |
| ^25 | رواه أبو داود: 1568، والترمذي: 621، وابن ماجه: 1805، وأحمد: 4634. |
| ^27 | رواه البخاري: 1450. |
| ^28 | رواه البخاري: 1451. |
| ^29 | رواه البخاري: 1455. |
| ^30 | رواه أبو داود: 1582، والبيهقي في "السنن الكبرى": 7351. |
| ^31 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 6395، والبيهقي في "السنن الكبرى": 7378، كلاهما بلفظ: "وذلك عدلٌ بين غذاء المال وخياره". |
| ^32 | رواه البخاري: 1496، ومسلم: 19. |