- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
كتاب الزكاة- من قوله: "باب زكاة الخارج من الأرض"

جدول المحتويات
الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: سَمِّ الله.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين نبينا محمدٍ، عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتمُّ التَّسليم.
باب زكاة الخارج من الأرض
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
الشيخ: زكاة الخارج من الأرض تشمل أمورًا كثيرةً؛ الخارج من الأرض: الزروع والحبوب والفواكه، وما اسْتُخْرِجَ من الأرض من أمورٍ تخرج من الأرض تُزَكَّى، وأمورٍ لا تُزَكَّى.
القارئ:
الشيخ: كلُّ هذا يُقال له: الخارج من الأرض.
أدلة وجوب زكاة الخارج من الأرض
القارئ:
الشيخ: الكتاب: قال الله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، والسُّنة كما جاء في الحديث، والإجماع: إجماع المسلمين على وجوب زكاة الزروع.
القارئ:
الشيخ: وكذلك الرِّكاز والمعادن، وغير ذلك من الأمور التي فيها الزكاة.
القارئ:
الشيخ: أمَّا العسل ففيه آثارٌ تُوجِب على المسلم أن يُخْرِج زكاة عَسَلِه، وإن كان في بعضها ضعفٌ، وفي بعضها انقطاعٌ، وهكذا.
القارئ:
الشيخ: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ من المال الطيب وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة:267]، أنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، ومما كسبتم، ومما أخرجنا لكم من الأرض، أخرجوا من الطيب الذي تَطِيب به نفوسكم.
القارئ:
قال البغوي وغيره: هذا أمرٌ بإخراج العُشُور من الثِّمار والحبوب.
واتَّفق أهل العلم على إيجاب العُشْر في النَّخيل والكُرُوم وفيما يُقْتَاتُ من الحبوب، وإن كان بِسَانِيَةٍ أو نَضْحٍ ففيه نصف العُشْر.
ورَجَّح الشيخ أنَّ المُعْتَبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادِّخار لا غير؛ لوجود المعنى المُناسب لإيجاب الزكاة فيه، بخلاف الكَيْل فإنَّه تقديرٌ مَحْضٌ، والوزن في معناه.
وَلَا تَيَمَّمُوا تَقْصِدوا الْخَبِيثَ الرَّذل والدَّنِيء وما لا خير فيه مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ أي: الخبيث إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ، فكيف تَرْضَون لي ما لا تَرْضَون لأنفسكم؟!
والمراد: إذا كان المال كلُّه جيدًا، وإلَّا فَمِن جِنْسه إجماعًا.
واعلموا أنَّ الله وإن أمركم بالصدقات فهو غنيٌّ عنها، وما ذاك إلَّا أن يُساوي الغنيُّ الفقيرَ، حميدٌ، محمودٌ في جميع أفعاله وأقواله وشَرْعِه وقَدَره.
وقال تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما وغيره: حقُّه الزكاة المفروضة.
نِصَاب زكاة الحبوب والثِّمار وما يُضَمُّ منها
والأَوْسُق والأَوْسَاق جمع: وَسْقٍ، وَوَسَقْتُ الشيء: ضَمَمْتُ بعضَه إلى بعضٍ.
والوَسْق: ستون صاعًا إجماعًا، وجاء مرفوعًا، وهو المُعْتَمَد في تقديره.
والصَّاع: أربعة أَمْدَادٍ.
فالخمسة الأَوْسَاق: ثلاثمئة صاعٍ بصاع النبي ، وهي ألفٌ وستُّمئة رَطْلٍ عراقيٍّ تقريبًا، وتُعتبر بالبُرِّ الرَّزِين.
ولمسلمٍ: ليس فيما دون خمسة أوساقٍ من ثمرٍ بالمُثَلَّثَة ولا حَبٍّ صدقةٌ [2]، ولأبي داود: زكاة [3].
قال ابن عبدالبر والخطابي والنووي وغيرهم: هذا الحديث أصلٌ في مقادير ما يُحْتَمل حال الأموال من المُواساة وإيجاب الصدقة فيها، وإسقاطها عن القليل الذي لا يَتَحَمَّلها؛ لئلَّا يُجْحَف بأرباب الأموال، ولا يُبْخَس الفقراء حقوقهم، وإذا بلغه النِّصاب وجب الحقُّ، ولا يجب فيما دونه.
وهو مذهب جماهير العلماء: مالك والشافعي وأحمد، وغيرهم.
وتُضَمُّ أنواعٌ كثيرةٌ، وتُضمُّ أنواعُ ثمرة الجنس من العام الواحد وزَرْعه بعضُها إلى بعضٍ في تَكْمِيل النِّصاب.
وقال الشيخ: يُضَمُّ القمح والشَّعير والسُّلْت في الزكاة، وتُضَمُّ القَطَانِيُّ بعضُها إلى بعضٍ في تَكْمِيل النِّصاب.
قال ابن القيم: والسُّلْت نوعٌ غير البُرِّ، أدقُّ منه حَبًّا.
مقدار الزكاة في الزروع بحسب طريقة السَّقْي
قال الشيخ وغيره: العَثَرِيُّ ما تسقيه السماء، وقيل: ما يُجْمَع له ماء المطر، فيصير سَوَاقٍ يتصل الماء بها.
قيل: سُمِّي "عَثَرِيًّا"؛ لأنه يُجْعَل في مَجْرَى الماء عَاثُورًا، فإذا صدمه الماء تَرَادَّ فدخل تلك المجاري فتستقيه.
وقال الجمهور: المراد منه هاهنا ما يشرب بعروقه من غير سَقْيٍ، سُمِّي "عَثَرِيًّا"؛ لأنَّه عَثَرَ على الماء حيث كان قريبًا من وجه الأرض، فهو البَعْل.
وفي "الموطأ" وغيره: فيما سَقَت العيون والبَعْل [6].
قال الشيخ أيضًا وغيره: البَعْل هو ما شَرِبَ بعروقه، يمتدُّ بها في الأرض النَّدية، ولا يحتاج إلى سَقْيٍ، من الكَرْم والنَّخْل، وهو ظاهرٌ؛ لِعَطْفِه على "ما سَقَت السماء"، والعَطْف يقتضي المُغايرة.
وفيما سُقِيَ بالنَّضْح أي: السَّانية، من إبلٍ أو بَقَرٍ، وغيرها من الحيوانات، جمع: ناضحٍ، سُمِّي بذلك لأنَّه يَنْضَح الماء، أي: يَصُبُّه، أو بالدَّوالي يُسْتَقَى بها الماء من بئرٍ ونهرٍ للزرع والنَّخيل والأشجار وغيرها نصفُ العُشْر [7] رواه البخاري وغيره.
ولمسلمٍ من حديث جابرٍ: وفيما سُقِيَ بالسَّانِيَة نصفُ العُشْر [8].
وللشافعي وغيره: "ما سُقِيَ بالدَّوالي نصف العُشْر" [9]، والمراد: ما كان بِتَعَبٍ وعَنَاءٍ.
قال النووي وجماعةٌ: هو قول أهل العلم، ويجب ثلاثة أرباع العُشْر فيما يشرب نِصْفَين بِمَؤُونةٍ، وبلا مَؤُونةٍ.
قال في "المُبْدِع" وغيره: بلا خلافٍ.
وإن كان أحدهما أكثر فالحكم له اتِّفاقًا، ومع الجَهْل العُشْر؛ لِيَخْرُج من عُهدة الواجب بيقينٍ.
ويجتمع العُشْر والخراج في أرضٍ خراجيَّةٍ؛ لأنَّ العُشْر حقُّ الزرع، والخراج حقُّ الأرض، وهو مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد، وأهل الحديث، وغيرهم.
مشروعية الخَرْص في زكاة الثِّمار وتقديرها قبل الجَدَاد
وفي روايةٍ: "كان يبعث على الناس مَن يَخْرُص عليهم كُرُومَهم وثمارهم" [11].
وظاهره أنَّ خَرْصَ النَّخل كان معروفًا عندهم؛ ففي الصحيحين: أنَّه خَرَصَ حديقة امرأةٍ عشرة أَوْسُقٍ [12].
وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله كان يبعث عبدالله بن رواحة إلى يهود خيبر يَخْرُص عليهم النَّخل حين يَبْدُو صلاحه، وقبل أن يُؤْكَل منه، فيقول: في ذِهْ كذا وكذا، ثم يُخير يهود: يأخذونه بذلك الخَرْص، أو يدفعونه إليهم بذلك الخَرْص؛ لكي يُحْصِي الزكاة قبل أن تُؤْكَل أو تُفَرَّق [13] رواه أحمد وأبو داود، وصحَّ عن عمر أنَّه أمر بذلك.
وله شواهد تدلُّ على مشروعية بَعْث الإمام خارِصًا إذا بدا صلاحُ الثَّمَر، وهو مذهب مالكٍ والشافعي وأحمد، وجماهير أهل العلم.
ويُقاس عليه غيره مما يُمْكِن ضبطه بالخَرْص من الحبوب وغيرها.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: "فخرصها عليهم"، وحديث عائشة، وحديث جابرٍ عند أبي داود [14]، وغيرهما مما يدلُّ على مشروعية الخَرْص مما يمكن ضبطه به كالزرع.
وقال بعضهم: لا تُخْرَص الحبوب.
وعَمَل المسلمين على خلافه؛ لإمكانه فيه كالثمر.
وفائدة الخرص: أَمْنُ الخيانة من ربِّ المال؛ ولذلك يجب عليه البينة في دَعْوَى النَّقص بعد الخَرْص، ومُطالبة القابض بِقَدْر ما خَرَصَ، ويكون الخَارِص عالمًا بالخَرْص، عَدْلًا.
قال ابن القيم: والصحيح في الخارص الاكتفاء بالواحد، كالمُؤذِّن والمُخْبِر بالقِبْلة؛ ولاجتزائه بعبدالله بن رواحة .
ما يُترك لأهل الثِّمار عند الخَرْص وتقدير الزكاة
ولا يُسمَّى: زبيبًا وتمرًا إلا اليابس، وقِيْسَ عليهما ما سواهما من الثِّمار، وكذا الحبوب يجب إخراجها مُصَفَّاةً إجماعًا.
قال الشيخ وغيره: ويُعْتَبر عندهم اليُبْس والتَّصفية في الحبوب، والجفاف في الثِّمار.
وما لا يُزَبَّب من العنب، ولا يُتَمَّر من الرُّطَب تُخْرَج زكاته من ثمنه أو غيره.
وفي "الإنصاف": إن احْتِيجَ لِقَطْعِه قبل كماله أخرج منه رَطْبًا وعنبًا، وتجب فيه إجماعًا، وإن قَطَعَه قَبْلُ سَقَطَتْ، وفِرارًا تجب. انتهى.
ولا يستقرُّ وجوب الزكاة إلا بِجَعْله في البَيْدَر، فإن تَلِفَ بغير تَعَدٍّ سَقَطَتْ، ويَحْرُمُ شراء زكاته أو صدقته بعد دفعها؛ لحديث عمر: لا تَشْتَرِهِ، ولا تَعُدْ في صدقتك؛ فإن العائد في صدقته كالعائد في قَيْئِه [16] متفقٌ عليه.
لا بإرثٍ ونحوه؛ لحديث بُريدة: وجب أجرُكِ، ورَدَّها عليكِ الميراثُ [17] رواه مسلم.
ولهم -أي: للخمسة- إلَّا ابن ماجه عن سَهْل بن أبي حَثْمَةَ مرفوعًا إلى النبي أنَّه قال: إذا خَرَصْتُم أي: حَزَرْتُم الثِّمار على أهلها، وحَزْر الخارص باطِّراد العادة كالمكيال، فَخُذُوا أي: الزكاة من المَخْرُوص إن سَلِمَ من الآفة، جوابٌ للشرط تقديره: إذا خرصتُم فَبَيِّنوا مقدار الزكاة، ثم خذوا ثُلُثَيْ ذلك المقدار، وَدَعُوا أي: اتركوا الثُّلث لأهل المال، فإن لم تَدَعُوا الثُّلث لهم مما تخرصونه فَدَعُوا الرُّبع [18]؛ تَوْسِعَةً لأجل ما يخرج من الثَّمرة لِضَيْفٍ ونحوه.
اختاره الشيخ وغيره، وقال: هذا الحديث جارٍ على قواعد الشريعة ومحاسنها، مُوافقٌ لقوله: ليس في الخضروات صدقةٌ [19]؛ لأنَّها قد جَرَت العادة أنَّه لا بد لربِّ المال بعد كمال الصلاح أن يأكل هو وعياله، ويُطْعِم الناسَ ممَّا لا يُدَّخَر، فكان ما جرى العُرْف بإطعامه وأكله بمنزلة الخضروات التي لا تُدَّخر.
ورُوِيَ أنَّه قال: خَفِّفوا على الناس؛ فإنَّ في المال الوَطِيَّة والأَكَلَة والعَرِيَّة [20] رواه سعيدٌ.
وأمر عمرُ عمَّاله أن يتركوا لهم ما يأكلونه.
وقال ابن عقيل والآمدي وغيرهما: يَتْرُك قَدْر أَكْلِهم وهَدِيَّتهم بالمعروف بلا تحديدٍ؛ للأخبار الخاصَّة، وللحاجة للأكل والإطعام، وغير ذلك، وهو قول أكثر أهل العلم.
قال الشيخ: وتسقط فيما خرج منه مَؤُونةً للزرع والثمرة؛ لأن الشارع أَسْقَط في الخَرْص زكاة الثُّلث والرُّبع من أجل ما يخرج من الثمرة بالإقراء ونحوه، وهو تَبَرُّعٌ، فما يخرج عنه لمصلحته التي لا يحصل إلَّا بها أولى بإسقاط الزكاة عنه.
قال في "الخلاف": وأسقط أحمد عن أرباب الزرع الزكاة في مقدار ما يأكلون، كما أسقط في الثِّمار.
وإن ترك السَّاعي شيئًا من الواجب وجب إخراجها؛ لأنَّها لا تسقط بتركه، ولا يُزَكِّي ما نقص عما قال الخارص؛ لأنَّه لا زكاة عليه فيما ليس في ملكه.
حكم زكاة الخضروات والفواكه
وللأثرم عن موسى بن طلحة، ورُوِيَ بألفاظٍ مُتعدِّدةٍ عن عدَّةٍ من أصحاب النبي .
وقال الترمذي: لا يصحُّ فيه شيءٌ، والعمل عليه عند أهل العلم: أنَّه ليس في الخضروات صدقةٌ.
وقال البيهقي: إلَّا أنَّها من طرقٍ مختلفةٍ يُؤكِّد بعضُها بعضًا، ومعها أقوال الصحابة.
وقال الخطابي: يُسْتَدَلُّ بحديث: ليس فيما دون خمسة أَوْسُقٍ صدقةٌ [23] أنها لا تجب في شيءٍ من الخضروات، وهو دليلٌ في أنها إنما تجب فيما يُوسَقُ ويُدَّخَر من الحبوب والثِّمار دون ما لا يُكال ولا يُدَّخر من الفواكه والخضروات ونحوها، وعليه عامَّة أهل العلم. انتهى.
وتَرْكُه أَخْذَ الزكاة منها، وخُلفاؤه من بعده، والناس يزرعونها بجوارهم، ولا يُؤدُّون زكاتها، هو السُّنة المُتَّبَعة.
زكاة العسل ومقدار الواجب فيها
وفيهما ضعفٌ؛ الأول ضعَّفه الترمذي وغيره، وَاعْتُضِدَ بغيره، والثاني له شاهدٌ عند الترمذي من حديث ابن عمر: في عشرة أزقاقٍ زِقٌّ [25]، وفيه ضعفٌ.
وعن أبي سيَّارة المُتَعِيِّ: قلتُ: يا رسول الله، إنَّ لي نَحْلًا. قال: فَأَدِّ الْعُشْرَ، قلتُ: احْمِ لي جبلها. فحمى لي جبلها [26] رواه أحمد وابن ماجه، وفيه ضعفٌ أيضًا.
وعن أبي ذئابٍ نحوه.
قال ابن المُنذر: ليس في الباب شيءٌ ثابتٌ.
وذهب إليه الشافعي ومالكٌ.
وقال أحمد: أذهب إلى أنَّ في العسل زكاةً العُشْر، قد أخذها منه عمر.
يُشير إلى قوله: "إنْ أَدَّيْتُم صَدَقَتَها من كل عَشْرِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا حَمَيْتُها لكم" [27].
وقاله ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وعمر بن عبدالعزيز، وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة وإسحاق، وأحد قولي الشافعي.
حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم.
فإذا حصل له من ملكه أو مَوَاتٍ ثلاثون صاعًا -مئةٌ وستون رَطْلًا- ففيه عشرة.
قال شيخ الإسلام: أَوْجَبَها أحمد في العسل؛ لما فيه من الآثار التي جَمَعَها، وإن كان غيره لم يبلغه إلَّا من طريقٍ ضعيفٍ، وتسويةً بين جنس ما أنزل الله من السماء، وما أخرجه من الأرض؛ ولكونه يبقى ويُدَّخَر، فَأَشْبَه التَّمر.
حكم الزكاة فيما ينزل من السماء وما لا يُحْصَد إلا مرةً
ولا تجب الزكاة في المُعَشَّرات بعد الأول؛ لأن الله علَّق وجوب الزكاة بحصاده، والحصاد لا يتكرر.
وهذا قول العلماء كافَّةً إلَّا ما رُوِيَ عن الحسن، وقال الماوردي: خالف الإجماع.
زكاة ما يُسْتَخْرَج من الأرض من معادن ورِكَازٍ
المعادن: جمع مَعْدِن، والمَعْدِن: المكان الذي عُدِنَ فيه شيءٌ من جواهر الأرض، سُمِّي: مَعْدِنًا؛ لِعُدُون ما أَنْبَتَه الله فيه.
والقَبَلِيَّة -بفتحتين- اسم موضعٍ من ناحية "الفُرُع" القرية المشهورة بين مكة والمدينة من جهة البحر، أَقْطَعَهُ إياها رسول الله ؛ ليعمل فيها، ويُخْرِجَ منها الذهب والفضة لنفسه، فأخذ منها الصدقة.
وقال ربيعة عن غير واحدٍ: فتلك المعادن لا يُؤخذ منها إلَّا الزكاة إلى اليوم [29] رواه مالكٌ وغيره.
وهو داخلٌ في قوله تعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة:267]، فإن كان ذهبًا أو فضةً ففيه رُبع عُشْرِه إنْ بلغ نِصَابًا في الحال إجماعًا.
وقال الشيخ: هو مذهب مالكٍ والشافعي وأحمد وغيرهم، وأمَّا أبو حنيفة فيجعل فيه الخُمس.
وإن كان غير الذهب والفضة فَرُبع العُشْر قيمته إن بلغتْ نِصَابًا في الحال وفاقًا بعد السَّبْك والتَّصْفِية.
وقال ابن الجوزي: أُحْصِيَتِ المعادن فوجدوها سبعمئة مَعْدِنٍ.
قال أحمد: وكل ما وقع عليه اسم "مَعْدِنٍ" ففيه الزكاة، حيث كان في ملكه أو البَرَاري، لا البحار اتِّفاقًا، إذا كان المُخْرِج له من أهل وجوب الزكاة.
وعن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ... فذكر الحديث، وفيه: وفي الرِّكاز الخُمُس [30]، متفقٌ عليه.
والرِّكاز: هو ما وُجِدَ من دَفْن الجاهلية.
قال المُوفَّق وغيره: وقال مالكٌ: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعتُ أهل العلم يقولون: إنما هو دَفْنٌ يوجد من دَفْنِ الجاهلية، ما لم يُطالب بمالٍ، ولم يُكلَّف فيه بنفقةٍ، ولا كبير عَمَلٍ، ولا مَؤُونةٍ.
سُمِّي "رِكَازًا"؛ لأنَّه رَكَزَ في الأرض، أي: أُقِرَّ فيها، أو من الرُّكوز، وهو التَّغْييب.
وأَلْحَقَ الشيخ وغيره بالمدفون حُكْمًا: الموجود ظاهرًا بِخَرَابٍ جاهليٍّ، أو طريقٍ غير مَسْلُوكٍ ونحوه، عليه أو على بعضه علامةُ كُفْرٍ لا إسلامٍ، ففيه الخُمُس في قليله وكثيره في الحال إجماعًا إلَّا ما رُوِيَ عن الحسن؛ ولأنَّه مالٌ مَظْهُورٌ عليه من مال الكفار، فوجب فيه الخُمُس كالغنيمة، وسواءٌ كان واجِدُه ذِمِّيًّا أو صغيرًا أو مجنونًا.
وإن كان عليه علامة المسلمين فَلُقَطَةٌ أو لم تكن عليه علامةٌ؛ تغليبًا لحكم دار الإسلام.
وإن وجده في فَلَاةٍ أو في مُلْكٍ أَحْيَاه فَلَهُ.
وإن وجده في أرض الحرب فَرِكَازٌ، وبجماعةٍ لهم مَنَعَةٌ فغنيمةٌ.
الشيخ: يكفي، فإن كان في طريقٍ مَسْلُوكٍ أو مكانٍ معلومٍ فإنَّه يُعْتَبر لُقَطَةً، يُعَرَّف لمدة سنةٍ، ثم يَمْلِكُه صاحبه.
هذا، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
| ^1, ^23 | رواه البخاري: 1447، ومسلم: 979. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 979. |
| ^3 | رواه أبو داود: 1559. |
| ^4, ^8 | رواه مسلم: 981. |
| ^5, ^7 | رواه البخاري: 1483. |
| ^6 | رواه مالك: 33 بلفظ: فيما سَقَت السماء والعيون والبَعْل العُشْر. |
| ^9 | رواه النسائي: 2490، وابن ماجه: 1818، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2335، وروى الشافعي في "مسنده": 739 من قول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: "وما كان منه يُسْقَى بالنَّضْح ففيه نصف العشر". |
| ^10 | رواه أبو داود: 1603. |
| ^11 | رواه الترمذي: 644، وابن ماجه: 1819. |
| ^12 | رواه البخاري: 1481، ومسلم: 1392. |
| ^13 | رواه أبو داود: 1606، وأحمد: 25305. |
| ^14 | رواه أبو داود: 3414. |
| ^15 | رواه أبو داود: 1603، والترمذي: 644، والنسائي: 2618، وابن ماجه: 1819. |
| ^16 | رواه البخاري: 1490، ومسلم: 1620. |
| ^17 | رواه مسلم: 1149. |
| ^18 | رواه أبو داود: 1605، والترمذي: 643، والنسائي: 2491، وأحمد: 15713. |
| ^19 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 5921، والدارقطني في "سننه": 1911، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5411. |
| ^20 | رواه أبو داود في "مراسيله": 118 بلفظ: خَفِّفوا على الناس في الخَرْص؛ فإن في المال العَرِيَّة، قال غيره: والوَطِيَّة. |
| ^21 | رواه الترمذي: 638 بلفظ: عن معاذٍ: أنه كتب إلى النبي يسأله عن الخضراوات -وهي البقول- فقال: ليس فيها شيءٌ، ورواه الدارقطني في "سننه": 1916 بلفظ: ليس في الخضراوات زكاةٌ. |
| ^22 | حديث عليٍّ رواه الدارقطني في "سننه": 1907 بلفظ: ليس في الخضراوات صدقةٌ، أما حديث عائشة رضي الله عنها فرواه الدارقطني في "سننه": 1908 بلفظ: ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاةٌ. |
| ^24 | رواه أبو داود: 1601 واللفظ له، وابن ماجه: 1824 بلفظ: "عن النبي أنه أخذ من العسل العُشْر"، وأبو عبيد في "الأموال": 1489 بلفظ: "أنَّ رسول الله كان يُؤْخَذ في زمانه من قِرَبِ العسل من عشر قِرَبَاتٍ قِرْبَةٌ من أوسطها"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 810. |
| ^25 | رواه الترمذي: 629 بلفظ: في العسل في كل عشرة أَزُقٍّ زِقٌّ. |
| ^26 | رواه ابن ماجه: 1823، وأحمد: 18069. |
| ^27 | رواه عبدالرزاق في "مصنفه": 6970 بلفظ: أنَّ عمر أتاه ناسٌ من أهل اليمن فسألوه واديًا، فأعطاهم إياه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنَّ فيه نحلًا كثيرًا. قال: "فإنَّ عليكم في كل عشرة أَفْرَاقٍ فَرَقًا". |
| ^28 | رواه الحاكم في "المستدرك": 1481، والبيهقي في "السنن الكبرى": 7712. |
| ^29 | رواه أبو داود: 3061، ومالك في "الموطأ": 8. |
| ^30 | رواه البخاري: 1499، ومسلم: 1710. |