تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ أ.د. سامي بن محمد الصقير
فضيلة الشيخ أ.د. سامي بن محمد الصقير

من قوله: "ينبغي لمَن أراد الحجَّ والعمرة .."

القارئ: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللسامعين، ولجميع المسلمين.

قال الشيخ العلَّامة عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى في كتابه: "رسالةٌ مُختصرةٌ في الحجِّ والعمرة".

آداب مَن أراد الحجَّ والعمرة

بسم الله الرحمن الرحيم.

أن ينوي بهما وجه الله

ينبغي لمَن أراد الحجَّ والعمرة أن ينوي بذلك وجه الله وثوابه، وأن يتوب إلى الله توبةً نصوحًا، وأن يتحلل مَن له حقٌّ عليه، أو بينه وبينه مُعاملةٌ، ويستعين الله في أموره كلها، ويسأله الهداية والتَّسديد والتَّسهيل.
ويعلم أنه قد قصد سفرًا مُباركًا، يُعَدُّ خير الأسفار وأَبْرَكها، فيحتسب كل ما أنفقه في هذا السفر على نفسه ورفقته ومَن يتصل به، وما يُنفقه على فقيرٍ أو مسكينٍ، وما يقضي به حاجة مسلمٍ، غنيًّا كان أو فقيرًا.

الشيخ:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

قال رحمه الله تعالى: "ينبغي لمَن أراد الحجَّ والعمرة".

كلمة "ينبغي" تُستعمل في الأمور الواجبة، وفي الأمور المُستحبة، فهي بمعنى: يُشرع، أو قريبًا منها.

"ينبغي لمَن أراد الحجَّ والعمرة أن ينوي بذلك وجه الله وثوابه" وبهذا يُحقق الإخلاص؛ لأن العبادة لا تكون مقبولةً مَرْضِيةً عند الله ​​​​​​​ إلا بشرطين:

  • الشرط الأول: الإخلاص لله ​​​​​​​.
  • والشرط الثاني: المُتابعة للرسول .

فيُخلص النية في حجِّه، لا يحجّ رياءً، ولا سُمعةً، ولا نُزْهَةً، ولا طَرَبًا، ولا ليكتسب لقبًا، بل تكون نيته هي ابتغاء وجه الله ​​​​​​​.

أن يتوب إلى الله توبةً نصوحًا

قال: "وأن يتوب إلى الله توبةً نَصُوحًا".

التوبة هي: الرجوع إلى الله ​​​​​​​ من معصيته إلى طاعته، وهي واجبةٌ على الفور في كل زمانٍ، وفي كل مكانٍ، قال الله تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31].

فأمر بالتوبة، فهي واجبةٌ على الفور؛ ولأن الذنوب والمعاصي سببٌ لحرمان العبد فضل ربه ​​​​​​​، فالإنسان قد يُحرم فضل الله بسبب ذنوبه ومعاصيه، كما قال الله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا [النساء:160]؛ ولأن الإنسان إذا لم يَتُبْ إلى الله ​​​​​​​ فإنه يألف الذنوب والمعاصي، وإذا ألفها تشبَّث بها، وصعب عليه أن يُفارقها.

فعلى المرء أن يُبادر بالتوبة، وألا يُسَوِّف؛ لأنه لا يدري متى يَفْجَأه الموت.

والتوبة لا تكون نَصُوحًا مقبولةً إلا بشروطٍ خمسةٍ:

  • الشرط الأول: الإخلاص لله ​​​​​​​ بأن يكون الحامل له على التوبة هو الخوف من الله، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه، لا يتوب رياءً، ولا سُمعةً.
  • الشرط الثاني: النَّدم على ما مضى، بحيث يتمنى أنه لم يفعل ذلك الذنب الذي اقترفه.
  • والشرط الثالث: الإقلاع عن الذنب فورًا، فإن كان الذنب بسبب ترك واجبٍ بادر بفعله، وإن كان بفعل مُحرمٍ بادر بتركه، وإن كان مُتعلقًا بحقوق الخلق بادر بردِّ الحقوق إلى أصحابها، فلا تصح التوبة من الذنب مع الإصرار عليه؛ لأن هذا نوعٌ من الاستهزاء بالله ​​​​​​​.
  • الشرط الرابع من شروط التوبة النَّصوح: العزم على ألا يعود إلى ذلك في المستقبل، فمَن تاب من ذنبٍ ونفسه تُحدِّثه أنه متى تيسر له فَعَلَه فهو كاذبٌ في توبته.
  • والشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، ووقت القبول نوعان: عامٌّ وخاصٌّ.
    فأما العامّ فهو: أن يتوب قبل حضور الأجل، قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ۝ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء:17- 18].
    وأما الخاصّ فهو: طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت الشمس من المغرب فإنه لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].
    إذن عندنا وقتان، أنا قدَّمتُ وأخَّرتُ، العامّ هو: طلوع الشمس من مغربها، والخاصّ هو: حضور الأجل، وقد قال النبي : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِر [1].

أن يردَّ الحقوق ويتحلل ممن له حقٌّ

قال: "وأن يتحلل مَن له حقٌّ عليه، أو بينه وبينه مُعاملةٌ".

فإذا كان على الإنسان حقوقٌ فإنه يتحلل من هذه الحقوق، وذلك بأن يردَّ الحقوق إلى أصحابها، أو أن يستحلَّ أصحابها إذا كان ما فعله فيهم بِسَبٍّ أو شتمٍ أو نحو ذلك، وهذا من تمام التوبة.

الاستعانة بالله وطلب الهداية والتوفيق

قال: "ويستعين الله في أموره كلها، ويسأله الهداية والتَّسديد والتَّسهيل".

"يستعين الله" هذا من تحقيق قول الله ​​​​​​: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، فيحرص على الاستعانة بالله ​​​​​​​، ولا يتَّكل على نفسه، فالعبد مهما بلغ من القوة والمكانة فهو ضعيفٌ أمام الله ​​​​​​​، فمَن توكل على الله تعالى واستعان به فهو المُعان، ومَن وُكِلَ إلى نفسه فهو المخذول المُهان.

يقول: "ويسأله الهداية" يعني: أن يهديه الله ​​​​​​​، والهداية هنا تشمل: هداية الدَّلالة والإرشاد، وهداية التوفيق، وهي داخلةٌ في عموم قول الله ​​​​​​​: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].

فأنت إذا قلتَ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ما معناها؟

أي: دُلَّني على الخير، ووفقني لسلوكه.

معنى: اهْدِنَا أي: دُلَّنا على الخير.

أنواع الهداية

إذا دَلَّك الله ​​​​​​​ على الخير يهديك إلى سلوك هذا الخير، فالهداية نوعان:

  • هداية دلالةٍ وإرشادٍ: وهذه يملكها كل أحدٍ، كل مَن علَّمك أو أرشدك فقد هداك؛ ولهذا أثبتها الله تعالى للرسول فقال ​​​​​​​: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52].
  • أما هداية التوفيق فهذه لا يملكها إلا الله؛ ولهذا نفاها الله تعالى عن رسوله  فقال ​​​​​​​: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

وسبب ذلك: أن أبا طالب -عمَّ النبي - مرض، فأتاه النبي يعوده ويعرض عليه الإسلام لعله يُسلم، فلما جلس عنده قال: يا عمّ، قُل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجّ لك بها عند الله يعني: تكون حُجَّةً لي أمام الله لأشفع لك وأسأله أن يُدخلك الجنة بسببها.

وكان عنده رجلان من قريشٍ، لما قال النبي لعمِّه: قل: لا إله إلا الله ماذا قالا؟

قالا لأبي طالبٍ: أترغب عن مِلَّة عبدالمطلب؟

وتأمل: لم يقولا: عن مِلَّتنا، بل قالا: عن مِلَّة عبدالمطلب؛ حميةً وجاهليةً.

فأعاد النبي عليه، ثم أعادا عليه، لما قال: قل: لا إله إلا الله، قالا له: أترغب عن مِلَّة عبدالمطلب؟ فكان آخر ما قال: هو على مِلَّة عبدالمطلب [2].

قال النبي : هو في ضَحْضَاحٍ من نارٍ [3]، مُنْتَعِلٌ بنعلين يَغْلِي منهما دماغه [4].

وإنما كان النبي حريصًا على هداية عمِّه أبي طالب نظرًا لما قدَّمه للرسول وللإسلام والمسلمين من الدفاع؛ ولهذا لما مات بعد أن قال: هو على مِلَّة عبدالمطلب. قال النبي : لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك [5]، فصار يستغفر لعمِّه، فأنزل الله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113].

فقال النبي : يا ربّ، إن إبراهيم استغفر لأبيه مع أنه كان كافرًا. فأنزل الله: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114].

فالرسول حرص على هداية عمِّه أبي طالب؛ نظرًا لما قدَّمه للإسلام والمسلمين، وللرسول على وجه الخصوص من الدفاع، مع أن أبا طالب -أيها الإخوة- كان يُقِرُّ بأن دين النبي هو الحقُّ، أن دين الإسلام هو الحق، يُقِرُّ بهذا ويعترف، ويقول في أشعاره:

ولقد علمتُ بأن دين محمدٍ من خير أديان البرية دِينَا
لولا المَلَامَة أو حِذَار مَسَبَّةٍ  لوجدتني سَمْحًا بذاك مُبِينَا [6]

وقال:

لقد علموا أن ابننا لا مُكَذَّبٌ لدينا ولا يُعْنَى بقول الأباطل [7]

لكن ما الذي منعه من الإسلام؟

يخشى أن يُعَيَّر؛ ولهذا في "صحيح مسلم" أنه قال للرسول : "لولا أن تُعَيِّرني قريشٌ، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررتُ بها عينك" [8].

إذن يسأل الله ​​​​​​​ الهداية والتَّسديد والتَّسهيل، يعني: أن يُيَسِّر أمره.

استحضار النية وعظمة الزمان

قال: "ويعلم أنه قد قصد سفرًا مُباركًا".

سفر الحجِّ سفرٌ مُباركٌ، بل هو سفر طاعةٍ.

"يُعَدُّ خير الأسفار وأَبْرَكها، فيحتسب كل ما أنفقه في هذا السفر".

سفر الحجِّ -أيها الإخوة- من أعظم الأسفار؛ لأن الإنسان من حين أن يخرج من بيته إلى أن يرجع وهو في عبادةٍ.

إنسانٌ قدم من أقصى الدنيا، من بلاد روسيا، من أمريكا، من استراليا، من غيرها، هو من حين أن يخرج من بيته في تلك البلاد إلى أن يرجع إليها وهو في عبادةٍ، فيحرص على استحضار ذلك، ويحرص أيضًا على استحضار عظمة الزمان، وعظمة المكان، وعظمة العبادة.

عظمة الزمان: أنه في الأشهر الحُرُم، فذو القعدة من الأشهر الحُرُم، وكذلك ذو الحجة، قال الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة:36].

وقد بيَّن النبي ذلك فقال: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ مُتواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمُحرم، ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان [9].

هذه الأشهر لها خصائص، من أعظم خصائصها: النَّهي عن ظلم النفس فيها.

كيف يكون ظلم النفس؟

ظلم النفس يكون بواحدٍ من أمرين: إما بترك واجبٍ، أو فِعْل مُحرمٍ.

فمَن ترك واجبًا مما أوجبه الله فقد ظلم نفسه، ومَن فعل معصيةً ومُحرمًا فقد ظلم نفسه.

أيضًا هذه الأشهر تُضاعف فيها الحسنات، وتَعْظُم فيها السيئات، فالحسنات تُضاعف، والسيئات تَعْظُم، لا نقول: تُضاعف؛ لأن الله ​​​​​​​ قال: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الأنعام:160].

إذن يستحضر المؤمن عظمة الزمان، وعظمة المكان؛ أنه في أماكن مُقدسةٍ، في أماكن مُعظَّمةٍ؛ ولهذا قال النبي في مكة وهو واقفٌ بالحَزْوَرَة: والله إنكِ لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله​​​​​​​، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ [10].

عظمة العبادة؛ فالحجّ من أعظم العبادات، وأجلِّ الطاعات، فهو ركنٌ من أركان الإسلام.

قال: "فيحتسب كل ما أنفقه في هذا السفر على نفسه ورفقته ومَن يتَّصل به" يعني: أنه إذا بذل، أنفق، اشترى ثوبًا، اشترى طعامًا، يحتسبه على الله، هذا من النَّفقة في سبيل الله، وقد قال الله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].

قال: "وما يُنفقه على فقيرٍ أو مسكينٍ، وما يقضي به حاجة مسلمٍ، غنيًّا كان أو فقيرًا".

حكم الاستخارة لمَن أراد الحجَّ

طيب، هل إذا أراد الإنسان أن يُسافر للحجِّ، هل يستخير أو لا؟

إنسانٌ أراد أن يُؤدي الحجَّ، هل يستخير أو لا؟

  • أولًا -أيها الإخوة- يجب أن نعلم الضابط والقاعدة في الاستخارة:

الاستخارة إنما تكون في الأمر الذي يكون الإنسان فيه مُترددًا، الشيء الذي يتردد الإنسان فيه.

إذا كان كذلك فالواجبات لا استخارة فيها؛ لأن الإنسان مُطالبٌ بالفعل.

يعني: إنسانًا أراد أن يذهب إلى المسجد ويُصلي العشاء، وقبل أن يخرج من بيته يقول: أستخير هل أُصلي العشاء أو لا؟

لا.

إذن القاعدة الأولى: جميع الواجبات لا استخارة فيها، كل واجبٍ ليس فيه استخارةٌ؛ لأن الواجب مُطالبٌ به من قِبَل الشرع.

  • ثانيًا: ما ظهرتْ مصلحته ومنفعته.

الشيء الذي منفعته ظاهرةٌ، ومصلحته ظاهرةٌ، لا استخارة فيه.

مثلًا: النكاح من المصالح العامة والمنافع، فهل الإنسان إذا أراد أن يتزوج يستخير؟

نقول: أما في أصل النكاح فلا، وأما في زوجةٍ مُعينةٍ فيستخير.

إنسانٌ -مثلًا- قال: أنا أريد أن أتزوج.

نقول: لا استخارة في الزواج.

لكن قال: أنا أريد أن أتزوج فلانة أو فلانة.

نقول: هنا يستخير.

إذن -أيها الإخوة- الاستخارة إنما تكون في الأمر الذي يتردد الإنسان فيه، إذا همَّ أحدكم بالأمر وتردد فيه، أما ما لا تردد فيه من الواجبات، أو ما ظهرتْ مصلحته؛ فإنه لا استخارة، نعم.

احتساب التَّعب وما يُصيبه من مشقةٍ

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله:

ويحتسب تعبه ونصبه وما يُصيبه من المشقات في هذا السَّبيل، وليحرص على مُرافقة مَن يُعينه في سفره على أمور دينه إن تمكن، من عالمٍ أو طالب علمٍ، فليجتهد في ذلك، وليُحافظ في سفره على الصلوات الخمس.

الشيخ: "ويحتسب تعبه ونصبه وما يُصيبه من المشقات في هذا السَّبيل" فالإنسان في الحجِّ لا بد أن يُصيبه شيءٌ من المشقة؛ لأن الحجَّ نوعٌ من الجهاد في سبيل الله؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، هل على النساء من جهادٍ؟ قال: نعم، عليهنَّ جهادٌ لا قتال فيه؛ الحجّ والعمرة [11]، فيحتسب ما يُصيبه من المشقة، والأجر على قدر المشقة.

ولكن -أيها الإخوة- "الأجر على قدر المشقة" ليست على إطلاقها، بل "الأجر على قدر المشقة" إذا كانت المشقة مُلازمةً للعبادة لا تنفك عنها، بحيث إنه لا يمكن أن يفعل العبادة إلا مع المشقة، أما إذا كانت المشقة مُنفكةً عن العبادة فإنه لا يُثاب على هذه المشقة، بل هو إلى الوِزْر أقرب منه إلى الأجر.

مثاله: إنسانٌ أراد أن يُصلي الظهر في مثل هذه الأيام -حرارة الشمس- وعنده مكانٌ مُظلَّلٌ، مُكيَّفٌ، باردٌ، فقال: لا، أنا أُصلي في العراء؛ حتى أتصبب عرقًا ويعظم الأجر والثواب.

ما رأيكم؟ هل يُثاب؟

لا، لا يُثاب، لماذا؟

لأنه يمكن أن يفعل العبادة من غير مشقةٍ، لكن لو أراد أن يصوم -مثلًا- في هذه الأيام فالصيام فيه مشقةٌ؛ لأنه يتعرض للشمس والحرِّ، فقد يُصيبه شيءٌ من الظَّمأ والجوع والعطش.

نقول: هو لا يمكن أن يصوم إلا مع هذه المشقة، إذن يُثاب عليها.

مثالٌ آخر: إنسانٌ -مثلًا- في الشتاء عنده ماءٌ دافئٌ، وماءٌ باردٌ، ثلجٌ، فقال: أتوضأ بالماء البارد؛ لأنه أعظم للأجر.

ما تقولون؟

أحد الطلاب: لا يُثاب على هذا.

الشيخ: لا يُثاب؛ لأنه يمكن أن يتوضأ بالماء الدَّافئ من غير أن يشقَّ على نفسه.

إذن الأجر على قدر المشقة متى؟

إذا كانت المشقة مُلازمةً للعبادة، بحيث إنه لا يمكن فعل العبادة إلا مع هذه المشقة.

يقول: "وليحرص على مُرافقة مَن يُعينه في سفره على أمور دينه".

أولًا: مَن عزم على الحجِّ ينبغي له، بل يجب عليه أن يتفقه في دين الله ​​​​​​​، أن يتفقه في الدين، وأن يعرف أحكام الله ​​​​​​​ فيما يتعلق بالحجِّ؛ لأجل أن يعبد الله على بصيرةٍ، إذ لا يستوي مَن يعبد الله على علمٍ ومَن يعبده على جهلٍ.

وليحرص أيضًا في رحلته -في رحلة الحجِّ- على أن يكون رفيقًا لعالمٍ أو طالب علمٍ؛ لأجل أن يُعلمه ويُصحح ما يقع فيه من الأخطاء؛ ولهذا قال: "وليحرص على مُرافقة مَن يُعينه في سفره على أمور دينه إن تمكن، من عالمٍ أو طالب علمٍ، وليجتهد في ذلك".

واليوم -بحمد الله- معرفة المناسك والتعليم أو تعلم أحكام المناسك أمرٌ مُيَسَّرٌ -ولله الحمد- فهناك مناسك مطبوعة، وهناك -يعني- برامج وفيديوهات في وسائل التواصل يمكن للإنسان أن يستفيد منها، ولكن لا يأخذ العلم إلا ممن يُوثَق به، فليس كل مَن تصدر العلم يكون عالمًا، قد يكون هذا الشخص عنده بدعٌ، أو عنده خُرافات، أو عنده أخطاء علمية، أو أخطاء عقدية، فأنت لا تتبع أو تقرأ إلا لمَن تثق في علمه ودينه وأمانته وعقيدته. نعم.

المُحافظة على الصلوات والإكثار من ذكر الله

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله:

وليُحافظ في سفره على الصلوات الخمس، وإقامة شروطها وحدودها، وليُكثر من ذكر الله في جميع سفره، فإن أفضل الحُجَّاج أكثرهم لله ذكرًا.

الشيخ: طيب، يقول المؤلف رحمه الله: "وليُحافظ في سفره على الصلوات الخمس"، الصلوات الخمس أمر الله تعالى بالمُحافظة عليها سفرًا وحضرًا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238].

وقال النبي في الصلوات لما ذكرها يومًا، قال: مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يُحافظ عليها لم يكن له نورٌ، ولا برهانٌ، ولا نجاةٌ، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبَي بن خلف [12].

فيجب على المؤمن أن يُحافظ على الصلاة، وذلك بأن يُصلي الصلاة في وقتها مع الجماعة إن كان ممن تجب عليه الجماعة؛ ولهذا قال: "وإقامة شروطها وحدودها".

"وليُكثر من ذكر الله في جميع سفره"، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا [الأحزاب:41].

وذكر الله -أيها الإخوة- يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح.

ذكر الله لا يقتصر على النُّطق باللسان، بل ذكر الله يكون بالقلب واللسان والجوارح.

فذكر الله تعالى بالقلب هو: التَّفكر والتَّأمل.

الذي يتفكر في آيات الله الكونية: السماوات والأرض والجبال والأنهار والأشجار والأودية وغيرها، يتفكر في قُدرة الله، وفي حكمته، هذا ذكرٌ لله ​​​​​​​ بماذا؟

بالقلب.

الذكر لله ​​​​​​​ باللسان: كالتَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير، وقراءة القرآن، وتعليم العلم، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر.

ذكر الله ​​​​​​​ بالجوارح: كعيادة المرضى، واتِّباع الجنائز، وبِرِّ الوالدين، وصِلَة الأرحام.

ذهابك -مثلًا- إلى عيادة مريضٍ هذا من ذكر الله بالجوارح، وذهابك إلى تشييع جنازةٍ هذا من ذكر الله بالجوارح.

إذن ذكر الله تعالى بالقلب: كل تَفَكُّرٍ يُقربك إلى الله.

ذكر الله تعالى باللسان: كل نُطقٍ يُقرب إلى الله.

ذكر الله تعالى بالجوارح: كل عملٍ تعمله بجوارحك ومشي فهو من ذكر الله بالجوارح.

يقول: "فإن أفضل الحُجَّاج أكثرهم لله ​​​​​​​ ​​​​​​​ذكرًا"؛ لأن ذكر الله تعالى سببٌ لطمأنينة القلوب، والقُرب من علَّام الغيوب، وسببٌ لِبُعْد وساوس الشياطين، وما قد يُوسوس به إلى العبد؛ ولهذا كلما ابتعد الإنسان عن ذكر الله ​​​​​​​ تسلَّطتْ عليه الشياطين؛ فَتَؤُزّه أَزًّا: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ۝ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ [مريم:83- 84].

إذن احرص على الأذكار، ولا سيما أذكار الصباح والمساء: أصبحنا وأصبح الملك لله.. [13]، أعوذ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خلق [14]، بسم الله الذي لا يضرُّ مع اسمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السَّميع العليم [15]، إلى غير ذلك: أن تقرأ آية الكرسي، وأن تقرأ المُعوذات ثلاث مراتٍ صباحًا ومساءً.

هذه -بأمر الله وبإذن الله- تحفظك من وساوس الشيطان. نعم.

مناسك العمرة

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى:

فإذا وصل إلى الميقات اغتسل وتنظَّف، وتطيب في بدنه، ولبس إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين ونعلين، ثم صلَّى الفريضة الحاضرة، وإلا صلَّى ركعتين نَفْلًا، فإذا صلَّى وعليه ثياب إحرامه نوى بقلبه الإحرام بالعمرة، فيقول: لبيك عمرةً، هذا أحسن ما يُقال في عقد الإحرام.

الإحرام آدابه وشروطه

الشيخ: الإحرام: هو نية الدخول في النُّسُك.

الإحرام معناه: نية الدخول في النُّسك، لا نية أن يحجَّ ويعتمر، ولا لبس ملابس الإحرام.

إنسانٌ -مثلًا- من أهل الشام قال: سأحجُّ هذه السَّنة. هل نيته هذه تُعتبر إحرامًا؟

لا.

طيب، لبس ملابس الإحرام هل يُعتبر إحرامًا؟

لا.

ما الإحرام؟

نية الدخول في النُّسك، يعني: أن ينوي بقلبه أنه الآن أحرم، وأنه يَحْرُم عليه الطِّيب، ويَحْرُم عليه حلق الشعر، ويَحْرُم عليه تقليم الظُّفر، ويَحْرُم عليه الصيد، إلى غير ذلك من محظورات الإحرام.

إذن الإحرام: نية الدخول في النُّسك.

السُّنة عندما يريد الإنسان أن يُحْرِم أولًا: أن يغتسل، وصفة الغُسل كصفة غُسل الجنابة، والدليل على الاغتسال: أن النبي تجرد لإهلاله واغتسل [16]، وهذا الاغتسال أحد الأغسال المشروعة.

"اغتسل وتنظَّف" ما معنى "تنظَّف"؟

يعني: نظَّف بدنه بأن يغسل بدنه بـ(الشَّامبو)، الصابون، وغير ذلك من المُنظفات.

"وتطيب في بدنه" يعني: بعد أن يغتسل يتطيب، والطِّيب بالنسبة للذكر يكون في رأسه، وفي لحيته.

يقول: "ولبس إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين ونعلين".

الإحرام يكون في إزارٍ ورداءٍ، والإزار: ما يُلبس أسفل البدن، والرداء: ما يُلبس أعلى البدن.

والأفضل أن يكونا أبيضين، فلو أحرم بإزارٍ ورداءٍ أسودين جاز، أخضرين جاز؛ ولهذا النبي طاف وعليه بُرْدٌ أخضر [17]، لكن الأفضل أن يكونا ماذا؟

أن يكونا أبيضين، "نظيفين" يعني: لا مُتَّسخين، والأولى أن يكونا جديدين أيضًا.

"ونعلين" يعني: يُحْرِم بنعلين.

قال: "ثم صلَّى الفريضة الحاضرة، وإلا صلَّى ركعتين".

الإنسان إذا أراد أن يُحْرم إن كان الوقت وقت صلاةٍ مفروضةٍ فإنه يجعل إحرامه عقب الصلاة المفروضة.

فمثلًا: أراد أن يُحْرم والوقت وقت العصر، فإنه يغتسل ويتنظَّف ويتطيب ويلبس ملابس الإحرام، ثم يُصلي، ثم يُحْرم.

وأما إذا كان الوقت ليس وقت صلاةٍ مفروضةٍ، كما لو أراد أن يُحْرم الضُّحى -مثلًا- فإنه يُصلي الضُّحى، ثم يُحْرم.

أما إذا كان الوقت ليس وقتًا لصلاةٍ مشروعةٍ، كبعد العصر -مثلًا- وأراد أن يُحْرم بعد العصر، هل يُصلي؟

الجواب: لا يُصلي؛ لأن الإحرام -أيها الإخوة- ليس له صلاةٌ تخصّه، الإحرام ليس له صلاةٌ، إن كان الوقت وقت فريضةٍ أحرم عقب الفريضة، وإن كان الوقت مما تُسَنُّ فيه صلاةٌ مثل: الضحى، صلَّى الضحى، أو توضأ وصلَّى سُنة الوضوء، أما أن يُصلي ركعتين ينوي بهما الإحرام فهذا لا أصل له.

إذن يُحْرم عقب الفريضة.

قال: "فإذا صلَّى وعليه ثياب إحرامه نوى بقلبه الإحرام بالعمرة، فيقول: لبيك عمرةً".

"إذا صلَّى وعليه ثياب إحرامه" المراد بالثوب ليس القميص، الثوب في اللغة العربية هو: القطعة من القماش، الثوب هو: القطعة من القماش، والمراد هنا: "إذا صلَّى وعليه ثياب إحرامه" يعني: إزارًا ورداءً.

و"نوى بقلبه الإحرام بالعمرة، فيقول: لبيك عمرةً"، لبيك اللهم لبيك، ولا يُسَنُّ أن ينطق بذلك، يعني: لا يُسَنُّ أن يقول: اللهم إني نويتُ عمرةً، اللهم إني أريد العمرة. هذا لا أصل له، بل ينوي بقلبه ويُلبي فيقول: لبيك عمرةً، لبيك اللهم لبيك.

التَّلبية والاستمرار فيها

قال: "ثم يُلبِّي فيقول: لبيك اللهم لبيك".

ما معنى "لبيك"؟

"لبيك" لها معنيان:

  • المعنى الأول: إجابةً لك بعد إجابةٍ.
  • والمعنى الثاني: أنا مُقيمٌ على طاعتك، "لبيك" يعني: أنا مُقيمٌ على طاعتك.

وعلى هذا فمعنى "لبيك اللهم لبيك" أي: أنا مُجيب دعوتك، ومُقيمٌ على طاعتك؛ ولهذا يُقال: الحُجَّاج وفد الله، دعاهم فأجابوا دعوته.

"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك"، لا شريك لك في ماذا؟

في ألوهيتك، في ربوبيتك، في أسمائك وصفاتك، فهو لا شريك له في جميع الأمور.

"إن الحمد والنِّعمة لك والملك"، فالحمد والنِّعمة والمُلك لله ​​​​​​​ "لا شريك لك".

قال: "ولا يزال يُلبِّي حتى يشرع في طواف العمرة" يعني: إذا أحرم بالعمرة على أنه مُتمتعٌ يُلبِّي من حين أن يُحْرم؛ ولهذا قال النبي : أتاني جبريل أتاه جبريل فأمره أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال [18]، يعني: بالتَّلبية. نعم.

استحضار الخضوع والخشوع لله

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى:

وينبغي أن يستحضر في إحرامه خضوعه وخشوعه لله تعالى، وأنه وافدٌ على ربه، يرجو من ربه مغفرة ذنوبه، وستر عيوبه، وصلاح دينه، وصلاح دنياه.

الشيخ: نعم، ينبغي أن يستحضر في إحرامه الخضوع، بمعنى: أنه يكون حال إحرامه خاضعًا، خاشعًا، مُتذللًا لله ​​​​​​​؛ لأنه في زمنٍ مُعظَّمٍ، وفي مكانٍ مُعظَّمٍ، وفي عبادةٍ مُعظَّمةٍ، لا يجعل أوقاته للعب واللهو والضحك والغفلة.

الإنسان ترك أمواله، وترك أولاده وأزواجه لله ​​​​​​​، جاء إلى هذا المكان يريد ماذا؟

يريد مغفرة الذنوب والخطايا، وزيادة الحسنات، ورفعة الدرجات، فهي أيامٌ معدودةٌ، لا تُضيع هذه الأيام وهذه الفرصة، فربما تَسْنَح لك هذه الفرصة الآن، ولكن لا تستطيع أن تأتي فيما بعد.

فليحرص كل واحدٍ منا -أيها الإخوة- على أن يستغلَّ كل لحظةٍ من لحظات وجوده في هذه الأماكن المُقدسة والمشاعر المُعظَّمة أن يستغلَّها في طاعة الله ​​​​​​​ والتَّقرب إليه من الذكر، وقراءة القرآن، والصلاة، والدعاء، إلى غير ذلك. نعم.

الطواف والأذكار التي تُقال فيه

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله:

فإذا وصل مكة ابتدأ بطواف العمرة، فإذا دخل المسجد ورأى الكعبة رفع يديه وقال: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام.

الشيخ: طيب، تقدم أنه إذا أحرم فإنه يُلبِّي.

إلى متى يستمر في التَّلبية؟

إلى أن يشرع في الطواف، المُعتمر إذا أحرم بالعمرة يُلبِّي: لبيك اللهم لبيك، إلى أن يبدأ في الطواف.

فإذا وصل المسجد الحرام فإنه يدخل منه كسائر المساجد؛ يُقدِّم رِجْلَه اليمنى ويقول: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك [19]، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم [20]، كسائر المساجد.

وأما قول المؤلف رحمه الله: "فإذا دخل المسجد ورأى الكعبة رفع يديه" فهذا قد ورد فيه حديثٌ عن ابن عباسٍ [21]، لكنه ضعيفٌ.

فالصواب أنه لا يرفع يديه عند دخول المسجد، وإنما يقول ما تقدم: بسم الله، والسلام على رسول الله ....

ثم بعد ذلك يستلم الحجر الأسود إن تيسر، والغالب أنه لا يتيسر بسبب الزحام، فَيُشِير إليه بيده، فيقول إذا حاذى الحَجَر: "الله أكبر"، الحَجَر أمامه الآن يستقبله ويقول: "الله أكبر"، ويرفع يديه، ولا يقول: "بسم الله"، يقول: "الله أكبر"، وإن قال: "بسم الله" لا بأس.

ثم يبدأ الطواف، فماذا يقول في الطواف؟

لم يرد شيءٌ معينٌ، فَيُسَنُّ أن يذكر الله تعالى بما شاء من ذكرٍ ودعاءٍ: تسبيح، تحميد، تكبير، تهليل، قراءة قرآنٍ، المهم أن يشتغل بالذكر، والأولى أن يكون بالدعاء؛ لأن الدعاء في هذا الموضع له شأنٌ.

فيطوف بالبيت ويجعل الكعبة عن يساره، فإذا وصل إلى الركن اليماني -وهو الركن الذي قبل الحجر الأسود- فإنه إن تيسر أن يستلمه بيده -أن يمسحه من غير تقبيلٍ- وإلا فإنه لا يُشِير إليه، الذي يُشار إليه ويُقَبَّل هو ماذا؟

الحجر الأسود، أما الركن اليماني فَيُسْتَلم فقط، فلا يُقَبَّل، ولا يُشار إليه.

فإذا مسح الركن اليماني إن تيسر يقول فيما بين الركنين -فيما بين الركن اليماني والحجر الأسود-: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، لكن ماذا يقول في ابتداء طوافه؟

يقول: "اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعًا لسُنة نبيك محمدٍ " إن تيسر أن يقول ذلك فهو حسنٌ.

ثم إذا وصل إلى الحجر الأسود يكون قد فرغ من الشوط الأول، فيقول: "الله أكبر"، ويبتدئ الشوط الثاني حتى يُكمل سبعة أشواطٍ. نعم.

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله:

وليس في الطواف والسعي دعاءٌ مخصوصٌ، بل أي دعاءٍ دعا به العبد حصل به المقصود.
وينبغي أن يُكثر في طوافه وسعيه من ذكر الله والتَّسبيح والتَّحميد والصلاة على النبي .

الشيخ: نعم، ليس في الطواف والسَّعي ذكرٌ مُحدَّدٌ مُعيَّنٌ إلا في ابتدائه، وفيما يُقال بين الركنين، وكذلك في الصفا والمروة عندما يرقى الصفا، أما أثناء الطواف فيُكثر من الذكر والتَّسبيح والتَّحميد والدعاء إلى غير ذلك.

قال: "فإذا وصل الركن اليماني استلمه بيده وكبَّر، ولا يُقَبِّله، ويقول بينه وبين الحَجَر: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]" كما تقدم.

فإذا طاف سبعة أشواطٍ وفرغ من طوافه فإنه يتقدم إلى مقام إبراهيم ، فَيُسَنُّ أن يقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]، فيُصلي ركعتين خلف المقام، ولا يُشترط أن يكون مُلاصقًا للمقام، فمتى جعل المقام بينه وبين الكعبة -حتى لو كان بينه وبينها مئة مترٍ أو مئتا مترٍ- فإنه يُجزئ، فيبتعد عن الزحام وعن الطائفين؛ حتى يُصلي صلاته بخشوعٍ وحضور قلبٍ، حتى لو صلَّى في السطح، أو صلَّى في الدور الثاني، أو صلَّى في رواق المسجد، كله مُجزئٌ.

هاتان الركعتان يُسَنُّ -أولًا- أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون]، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، والسُّنة أيضًا تخفيفهما، السُّنة أن يُخَفِّفهما؛ ليُفسح المجال لغيره، فما يفعله بعض الناس من كونه يُطيل الصلاة هنا نقول: هذا خطأٌ.

فإذا فرغ من صلاته قام فاستلم الحَجَر إن تيسر، وبهذا يكون قد فرغ من الطواف. نعم.

السعي وما يُقال فيه من ذكرٍ

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله تعالى:

فإذا خرج إلى الصفا ليطوف طواف العمرة، فيرقى عليه أو على بعض دَرَجِه، ويستقبل الكعبة، ويُكبر ثلاثًا، ويقرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة:158]، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده [22] يُكرر هذا ثلاث مراتٍ وهو واقفٌ على الصفا، ويدعو الله في ذلك الموقف.

الشيخ: إذا فرغ من الطواف وصلَّى الركعتين خلف المقام فالسُّنة أن يُبادر بالسعي، ولكن هذا ليس شرطًا، يعني: لا تُشترط المُوالاة بين الطواف والسعي، فلو أنه طاف -مثلًا- في أول النهار، وسعى في آخر النهار؛ أجزأه ذلك.

لو أن شخصًا طاف في أول النهار، ثم ذهب ونام، ورجع من الفندق وسعى، نقول: يُجزؤه ذلك، فالموالاة بين الطواف والسعي ليست شرطًا.

الشرط: أن يُوالي بين الطواف؛ أجزاء الطواف، وأجزاء السعي.

يعني: لا يصح -مثلًا- أن يطوف شوطًا، ثم يجلس عشر دقائق، ربع ساعة، ثم يأتي بالشوط الثاني، ثم يجلس، ثم يأتي بالشوط الثالث، لا، هذا لا يصح، لا بد أن يُوالي بينها، اللهم إلا أن تكون هناك ضرورةٌ من تعبٍ أو إعياءٍ.

إذا فرغ من صلاة الركعتين يخرج إلى الصفا من بابه، فإذا دنا من الصفا -دنا يعني: قرب من الصفا- قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158] أبدأ بما بدأ الله به [23]، يقرأ هذه الآية أو الجزء من الآية: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.

بعض الناس يُكمل الآية: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ، وهذا لا أصل له، وإلا نقول: أكمل بعد: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... [البقرة:159]! كمِّل البقرة!

نقول: هذا لا أصل له، عند الصفا يقرأ ماذا؟

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فقط، كما فعل النبي ، ويقول: أبدأ بما بدأ الله به.

فيرقى الصفا، إلى أي حدٍّ يرقى الصفا؟

نقول: حتى يرى البيت، فإذا رأى الكعبة كفى، ويرفع يديه رَفْع دعاءٍ هكذا، يرفعها رَفْع دعاءٍ، فيحمد الله، ويُكبره، ويُهلله، ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو الله ​​​​​​​ بما شاء، ثم يُعيد هذا الذكر: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...، ثم يدعو، ثم يُعيده ثالثةً، ثم ينزل إلى السعي أو يسعى.

إذن هذا الذكر كم مرةٍ يُقال؟

ثلاث مراتٍ، والدعاء مرتان، فيسعى؛ ولهذا المؤلف رحمه الله يقول: "فَيَرْقَى عليه أو على بعض دَرَجِه، ويستقبل الكعبة، ويُكبر ثلاثًا، ويقرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ".

أيضًا عندكم: "فمَن حَجَّ" هذه خطأٌ.

ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده يُكرر هذا ثلاث مراتٍ وهو واقفٌ على الصفا، ويدعو الله في ذلك الموقف"، وهذا أحد المواقف التي وقفها النبي في الحجِّ للدعاء.

الوقفات التي وقفها النبي  للدعاء في الحجِّ

الوقفات التي وقفها النبي للدعاء في الحجِّ ستٌّ، ستة مواقف:

  • الأول: على الصفا.
  • والثاني: على المروة.
  • والثالث: في عرفة.
  • والرابع: في المُزدلفة، في المشعر الحرام.
  • والخامس: بعد أن رمى الجمرة الصغرى أول أيام التَّشريق والثاني.
  • والسادس: بعد رمي الجمرة الأولى، وبعد رمي الجمرة الثانية.

أُعيدها: المواقف ستةٌ:

  • أولًا: على الصفا.
  • ثانيًا: على المروة.
  • ثالثًا: في عرفة.
  • رابعًا: في المُزدلفة.
  • خامسًا: بعد رمي الجمرة الأولى.
  • سادسًا: بعد رمي الجمرة الثانية.

هذه ستة مواطن ينبغي للإنسان أن يحرص فيها على الدعاء.

قال: "ثم ينزل ماشيًا" يعني: يمشي في السعي "حتى يصل العلم الأخضر" يعني: بطن الوادي، وهو ما بين العلمين الأخضرين.

وقد جعلت الحكومة -وفَّقها الله- إضاءةً خضراء، الإضاءة الخضراء هذه هي بطن الوادي.

"فَيُسَنّ الإسراع" يُسَنّ إن تيسر أن يُسرع.

وقد كان النبي يُسرع شديدًا حتى إن إزَارَه ليدور به من شدة سعيه.

وقد رُوِيَ عن ابن مسعودٍ أنه كان يقول في السَّعي الشديد بين العلمين، أو في بطن الوادي: "ربِّ اغفر وارحم، إنك أنت الأعزُّ الأكرم" [24]، إن أتى بهذا فهو حسنٌ.

طيب، إذا وصل إلى المروة -الآن هو من الصفا إلى المروة- يَرْقَى المروة أيضًا، فيرفع يديه ويقول الذكر السابق: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو.

ولا يقرأ الآية عند المروة، الآية إنما تُقرأ فقط عند الصفا، أول ابتدائه في السعي.

فيقول هذا الذكر، ثم يدعو، ثم يقوله، ثم يدعو، ثم يقوله، ثم ينزل ماشيًا ويسعى.

إذن يكون ذهابه من الصفا إلى المروة شوطًا، ورجوعه من المروة إلى الصفا شوطًا.

بعض العامة قد يُخطئ، يظن أن من الصفا إلى الصفا شوطًا، يعني: يظن أن ذهابه ورجوعه هذا شوطٌ واحدٌ، وهذا خطأٌ، والذي يفعل هذا يكون قد سعى أربعة عشر شوطًا.

لا، نقول: من الصفا إلى المروة هذا الشوط الأول، والشوط الثاني من المروة إلى الصفا.

إذن يكون ابتداؤه على الصفا، وانتهاؤه على المروة.

كم مرةٍ يقف على الصفا؟

أحد الطلاب: أربع مراتٍ.

الشيخ: أربعٌ، وعلى المروة؟

أحد الطلاب: ثلاثٌ.

الشيخ: ثلاثٌ، نعم.

يعني: لو أن إنسانًا طاف سبعة أشواطٍ، ثم انتهى به السعي على الصفا، نقول: أنت إما زائدٌ أو ناقصٌ؛ إما أنه زاد شوطًا، أو نقص شوطًا.

إذن يكون الابتداء من الصفا، والانتهاء عند المروة.

إذا فرغ من سعيه إذا كان مُعتمرًا فإنه يحلق أو يُقَصِّر، والتَّقصير أفضل إذا كان زمن الحجِّ قريبًا؛ لأجل أن يُوفر الشعر للحجِّ.

ثم بعد ذلك يحلُّ له كل شيءٍ، إذا طاف المُعتمر وسعى وحلق أو قَصَّر حلَّ له كل شيءٍ.

كيف حلَّ له كل شيءٍ؟

يعني: المُحرمات تكون حلالًا؟

لا، "حلَّ له كل شيءٍ" يعني: مما كان مُحرمًا عليه بسبب الإحرام.

وليس معنى قول العلماء: "حلَّ له كل شيءٍ" أن المُحرمات تكون حلالًا.

أفهمتم؟

نعم.

إذن بهذا تكون تَمَّتْ عُمرته.

أَكْمِلْ.

الحلق أو التَّقصير

القارئ: أحسن الله إليكم.

قال رحمه الله:

ويُكثر في سعيه من قول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، ويدعو الله بما أحبَّ من خير الدين والدنيا والآخرة، وليس له دعاءٌ مخصوصٌ، فإذا فرغ حلق رأسه أو قصَّره، وبذلك تَمَّتْ عُمرته، وحلَّ من إحرامه.

الشيخ: إذا طاف وسعى وحلق أو قصَّر فإنه يكون قد أتمَّ عُمرته، فيتحلل، ثم يُحْرِم بالحجِّ اليوم الثامن، كما سيأتي، إن شاء الله.

^1 رواه الترمذي: 3537 وحسَّنه، وأحمد: 6160.
^2, ^5 رواه البخاري: 3884، ومسلم: 24.
^3 رواه البخاري: 3883، ومسلم: 209.
^4 رواه مسلم: 212.
^6 "تهذيب اللغة" للأزهري: 10/ 111.
^7 "سيرة ابن هشام": 1/ 280.
^8 رواه مسلم: 25.
^9 رواه البخاري: 4662، ومسلم: 1679.
^10 رواه الترمذي: 3925 وصححه، والنسائي في "السنن الكبرى": 4238.
^11 رواه ابن ماجه: 2901، وأحمد: 25322، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2534.
^12 رواه أحمد: 6576، وحسَّنه مُحققو "المسند".
^13 رواه مسلم: 2723.
^14 رواه مسلم: 2709.
^15 رواه أبو داود: 5088، والترمذي: 3388 وصححه.
^16 رواه الترمذي: 830 وحسنه.
^17 رواه أبو داود: 1883، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1645.
^18 رواه أبو داود: 1814، والترمذي: 829 وصححه.
^19 رواه ابن ماجه: 771، وصححه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه": 632.
^20 رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 485.
^21 رواه الشافعي في "مسنده": 948 مُنْقَطِعًا إلى ابن جُريجٍ، وله شاهدٌ مُرسلٌ عن مكحولٍ رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 9287.
^22, ^23 رواه مسلم: 1218.
^24 رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": 16281.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©