- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "فصل فإذا كان يوم التروية"

جدول المحتويات
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللسامعين، ولجميع المسلمين.
أعمال يوم التروية
قال المُصنِّف رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأُصلِّي وأُسلِّم على نبينا محمدٍ، خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقال رحمه الله تعالى في صفة الحج، بعد أن ذكر صفة العمرة: فإذا كان يوم التروية، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة، سُمِّي يوم التروية؛ لأنهم كانوا يتروَّوْن الماء، أي: يتزوَّدون الماء؛ لأن مِنًى في الأزمنة السابقة لم يكن فيها ماء، فكانوا يتزوَّدون الماء قبل خروجهم إلى مِنًى.
أسماء أيام الحج
واعلم أن كل يومٍ من أيام الحج له اسمٌ خاصٌّ:
- فاليوم السابع -مع أنه ليس من أيام المناسك- كانوا يُسمونه: يوم الزينة؛ لأنهم يُزيِّنون مراكبهم ورواحلهم؛ تهيؤًا للذهاب إلى مِنًى.
- واليوم الثامن: يوم التروية بأنهم يتروَّوْن الماء.
- اليوم التاسع يُسمى: يوم عرفة.
- اليوم العاشر يُسمى: يوم النحر، ويُسمى: يوم الحج الأكبر؛ لأن أكثر مناسك الحج تُفعَل فيه، قال الله تعالى: وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ[التوبة:3].
- اليوم الحادي عشر يُسمى: يوم القَرِّ؛ لأن الحُجَّاج قارُّون في مِنًى، ويُسمى أيضًا: يوم الرؤوس؛ لأنهم ينتفعون برؤوس الهدايا والضحايا.
- اليوم الثاني عشر يُسمى: يوم النَّفْر الأول: فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203].
- اليوم الثالث عشر يُسمى: يوم النَّفْر الثاني.
مكان الإحرام للحاجِّ يوم التروية
ولو قال المُؤلِّف رحمه الله: من مكانه لكان أَوْلى، فالإنسان الذي أتى بعمرةٍ وفرغ منها وهو في مكةَ، إذا كان اليوم الثامن فإنه يُحْرِم بالحج من مكانه؛ لقول النبي : ومَن كان دون ذلك فمِن حيث أنشأ، حتى أهل مكةَ من مكةَ[1]، وكذلك مَن كان خارج مكةَ، فإنه يُحْرِم من مكانه.
ثم قال رحمه الله:
نعم، إذا أراد الإحرام بالحج يوم الثامن؛ فإنه يُسَنُّ أن يغتسل ويتنظف ويتطيب، ويلبس إزارًا ورداءً أبيضين نظيفين، كما يفعل عند إحرامه بالعمرة، ثم يُلبي: لبيك اللهم لبيك، يُلبي بالحج، وهذا إذا كان مُتمتِّعًا؛ لأن الأنساك المشروعة ثلاثة أنواعٍ:
أنواع النُّسُك في الحج
تَمتُّعٌ، وقِرانٌ، وإفرادٌ.
فالتمتع: هو أن يُحرِم بالعمرة في أشهُر الحج؛ وهي: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة؛ أن يُحرِم بالعمرة في أشهُر الحج، ثم يفرغ منها، ويُحرِم بالحج في عامه. فلو أن شخصًا أَحرَم بالعمرة في رمضان وحجَّ؛ فليس بمُتمتِّعٍ؛ لأن العمرة لم تكن في أشهُر الحج. ولو أَحرَم بالعمرة في أشهُر الحج، ولكنه لم يَحُجَّ من تلك السنة وإنما حجَّ من قابلٍ؛ فليس بمُتمتِّعٍ، هذا هو التمتع.
النوع الثاني: القِران، ومعناه: أن يَقرِن بين الحج والعمرة.
والقِران له ثلاث صورٍ:
- الصورة الأولى: أن يَقرِن عند إحرامه بين الحج والعمرة، بأن يقول: لبيك عمرةً وحجًّا. هذه صورةٌ.
- الصورة الثانية: أن يُحرِم بالعمرة أولًا، ثم يُدخِل الحج عليها؛ ليكون قارِنًا، كما حصل لعائشةَ رضي الله عنها: فإنها أَحرَمت أول ما أَحرَمت على أنها مُتمتِّعةٌ، ثم لمَّا أتاها الحيض أمرها النبي أن تُدخِل الحج على العمرة؛ لتكون قارِنةً.
- الصورة الثالثة: من صور القِران: أن يُحرِم بالحج أولًا، ثم يُدخِل العمرة عليه. ويدل على هذه الصورة الأخيرة: أن النبي أتاه جبريلٌ، وقال له: صلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عُمرةً في حَجَّةٍ[2].
النوع الثالث من أنواع النُّسُك: الإفراد، وهو: أن يُحرِم بالحج وحده.
والمُفرِد والقارِن من حيث الأفعال لا فرقَ بينهما، القارِن والمُفرِد أفعالهما على حدٍّ سواءٍ، وإنما يفترقان في شيئين:
- الأول: أن القارِن يحصل على نُسكين: حجٍّ، وعمرةٍ، وأما المُفرِد فيحصل على نُسُكٍ واحدٍ.
- والثاني: أن القارِن يجب عليه الهدي، وأما المُفرِد فلا هدي عليه.
المبيت بمِنًى ليلة التاسع
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
نعم، السُّنة في يوم التروية: أن يُحرِم بالحج من مكانه؛ إن كان في مكةَ فمن مكةَ، وإن كان في جدةَ فمن جدةَ، وإن كان في المدينة فمن الميقات، وهكذا.
ثم يتوجه إلى مِنًى، يتوجه إليها متى؟ ضُحًى، ضُحى اليوم الثامن، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، يصلي كل صلاةٍ في وقتها، ولا يجمع، ولو جمع المسافر جاز؛ لكن الأفضل ألَّا يجمع ويبيت بمِنًى ليلة التاسع.
والجلوس في مِنًى يوم الثامن والبيتوتة ليلة التاسع سُنةٌ، وليس واجبًا. فلو أن شخصًا -مثلًا- أَحرَم بالحج يوم التاسع، وتوجَّه إلى عرفةَ، ولم يذهب إلى مِنًى يوم الثامن، ولم يَبِتْ بها ليلة التاسع؛ فلا شيء عليه.
نعم.
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
الوقوف بعرفة يوم التاسع
طيب، فإذا طلعت الشمس، من أي الأيام؟ من اليوم التاسع، يصلي الفجر في اليوم التاسع، فإذا طلعت الشمس سارَ إلى عرفةَ، كما صنع النبي ، وشعاره التلبية، يعني: أنه يُكثِر من التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
فإذا وصل إلى عرفةَ صلى بها الظهر والعصر، يَجمَع ويَقصُر.
والسُّنة: أن يخطب الإمام بالناس إذا وصل إلى عرفةَ، يخطب بهم خطبةً، كما خطب النبي بأصحابه خطبةً عظيمةً بليغةً بيَّن فيها دعائم الإسلام وقواعده، وكان مما جاء فيها: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا[3].
ثم بعد أن يفرغ من الخطبة، يُصلي بهم الظهر ركعتين، والعصر ركعتين؛ فالسُّنة: أن يجمع جمعَ تقديمٍ لا جمعَ تأخيرٍ، لماذا؟
أولًا: لأن النبي فعل ذلك، والحكمة منه: لأجل أن يتسع الوقت للدعاء؛ ولأن الناس قد اجتمعوا عند الرسول لسماع الخطبة، فلو أنه صلى بهم الظهر ثم تفرَّقوا، شقَّ جمعهم للعصر مرةً ثانيةً. فلهذين الأمرين جمع الرسول جمعَ تقديمٍ.
الإكثار من الدعاء والتكبير والتلبية في عرفة
ثم بعد أن يفرغ من صلاتي الظهر والعصر، يتفرغ للدعاء، وقد قال النبي : خير الدعاء دعاء يوم عرفةَ، وخير ما قُلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ[4].
فيُكثِر من الضراعة والدعاء في هذا اليوم، يوم عرفة -أيها الإخوة- يومٌ عظيمٌ من أيام الإسلام، ومن أيام الدِّين، يومٌ لا يُعوَّض، ربما تُدرِك هذا اليوم في هذه السنة ولا تُدرِكه في سنواتٍ أُخَرَ. كم من الناس الذين كانوا يُؤمِّلون أن يُدرِكوا شهر ذي الحجة وأن يحجوا، ولكنهم لم يحصل لهم ذلك!
فعلى المرء أن يحرص على اغتنام هذا اليوم، تغتنمه بماذا؟ بالدعاء والذِّكر، ولا سيَّما الدعاء، واحرص عند دعائك لله تعالى أن تكون مُخلِصًا لله ، وأن تكون مُوقِنًا بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ، كما قال النبي : ادعوا الله وأنتم مُوقِنون بالإجابة[5].
لا ينفع أن يقول: أدعو الله، أُجرِّب؛ لعل الله أن يُجيب دعوتي. هذا ليس من الإيقان؛ بل أَحسِن الظن بالله، وأَيقِن الإجابة.
ثم أيضًا من آدابه: أن تُلِحَّ على الله بالدعاء. والإلحاح معناه: التكرار، تُكرِّر، فإن الله تعالى يُحب المُلِحِّين في الدعاء؛ ولأن الإلحاح في الدعاء دليلٌ على صدق الرغبة فيما عند الله .
وليكن الإنسان حال دعائه لله : رافعًا يديه، مُخبِتًا إليه، مُستقبِلًا القبلةَ، ويحرص على أن يأتي بالأدعية الجامعة من كِتاب الله ومن سُنة رسوله ، ويستمر على الدعاء إلى أن تَغرُب الشمس؛ ولهذا قال: "وقف بها مُستقبِلَ القبلة، خاضعًا خاشعًا لله تعالى، يدعو الله بكل ما أَحبَّ".
فتدعو لنفسك، وتدعو لوالديك، وتدعو لأولادك بالهداية والصلاح، وتدعو لإخوانك، وتدعو لمن تشاء من المرضى. فالإنسان لا يخلو من الحاجات، كل إنسانٍ له حاجةٌ عند الله، بل بعضهم عنده ضرورةٌ عند الله ، فكل إنسانٍ لا يخلو من حاجةٍ: إما له، وإما لولده، وإما لزوجه. كم من إنسانٍ عنده من المرضى من المبتلين، فيستغلَّ هذا اليوم في الدعاء؛ فخير الدعاء دعاء يوم عرفةَ.
واعلم أن كل من أَقْبَل على الله تعالى، بصدقٍ وإخلاصٍ ورغبةٍ، وأَظْهَر الفاقة والافتقار إلى الله تعالى؛ فإن الله تعالى لا يُخيِّب من رجاه، ولا يَرُدُّ من دعاه؛ لأنه أكرم الأكرمين، أَمَرَ عباده بدعائه ووَعَدَهم بالإجابة، فقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، وقال : وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].
وقال النبي : إن ربَّكم حييٌّ كريمٌ، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يَرُدَّهما صِفرًا[6]، يعني: خاليتين. فأَحسِن الظن بالله وأَبشِر بالخير.
أنواع الدعاء
يقول: "ويُكثِر من قوله: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ".
"لا إله إلا الله": هذه كلمة التوحيد؛ ولهذا كانت خير الدعاء.
إذا قال قائلٌ: النبي قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفةَ، وخير ما قُلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له[7]، هذه الجملة هل فيها دعاءٌ؟
نقول: نعم، فيها دعاءٌ. الدعاء أيها الإخوة نوعان: دعاءُ عبادةٍ، ودعاءُ مسألةٍ.
- فدعاء العبادة: هو سؤال الله تعالى بلسان الحال.
- ودعاء المسألة: هو سؤال الله تعالى بلسان المقال.
فأنت حينما تصوم أو تصلي أو تتصدق، ماذا ترجو؟ ترجو ثواب الله والأجر؛ فهذا دعاءُ عبادةٍ.
وإذا رفعت يديك إلى الله تقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني؛ فهذا دعاءُ مسألةٍ.
وقد اجتمع النوعان في الصلاة، فالصلاة فيها دعاءُ عبادةٍ ودعاءُ ومسألةٍ؛ فالقيام والقعود والركوع والسجود: هذا دعاءُ عبادةٍ. وقول المصلي في ما بين السجدتين: ربي اغفر لي، ودعاؤه أيضًا في آخر التشهد: هذا دعاءُ مسألةٍ.
معنى لا إله إلا الله
"لا إله إلا الله": ما معنى "لا إله إلا الله"؟ أي: لا معبودَ حقٌّ إلا الله.
ليس معناها: لا خالقَ إلا الله، ولا مُخترِعَ إلا الله؛ وإنما معنى "لا إله إلا الله" أي: لا معبودَ حقٌّ إلا الله.
لماذا نقول: حقٌّ؟ نقول: لأننا لو قلنا: "لا إله إلا الله" أي: لا معبودَ إلا الله؛ لم يصح؛ لأن هناك آلهةً تُعبَد من دون الله لكنها باطلةٌ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ
إذن؛ "لا إله إلا الله" أي: لا معبودَ حقٌّ إلا الله.
"وحده": توكيدٌ للإثبات.
"لا شريك له": توكيدٌ للنفي.
إذن؛ هذه الكلمة "لا إله إلا الله": هي كلمة التوحيد، اشتملت على إثباتٍ ونفيٍ؛ فأين الإثبات؟ الإثبات: إلا الله، والنفي: لا إله، ففيها إثباتٌ ونفيٌ؛ لماذا اشتملت على الإثبات والنفي؟
نقول: لأن الإثبات لا يمنع المشاركة، الإثبات المحض لا يمنع المشاركة؛ فإذا قلت: زيدٌ في المسجد، فهذا لا يمنع أن يكون عمرٌو وبكرٌ وخالدٌ ومحمدٌ؛ كلُّهم في المسجد.
والنفي المحض عدمٌ؛ فإذا قلت: "لا إله" فهذا نفي. النفي المحض عدمٌ، والعدم ليس شيئًا، فضلًا عن أن يكون إلهًا. فأنت إذا قلت مثلًا: لا رجلَ في المسجد إلا زيدٌ؛ فقد أثبتَّ الوجود لزيدٍ، ونفيتَه عمَّن سواه.
إذن هنا: "لا إله إلا الله" أي: لا معبودَ حقٌّ إلا الله.
"وحده": لا شريك له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
"له الملك، وله الحمد": له المُلك المُطلَق من جميع الوجوه.
"وله الحمد" يعني: أنه المُستحِقُّ للحمد. والحمد: هو وصف المحمود بالكمال حُبًّا وتعظيمًا، وهو على كل شيءٍ قديرٌ.
صفة القدرة لله سبحانه
"وهو على كل شيءٍ قديرٌ": فكل موجودٍ فالله قادرٌ على إعدامه، وكل معدومٍ فالله قادرٌ على إيجاده؛ ولهذا قال : وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120].
فالقدرة: وصفٌ يَتمكَّن به الفاعل من الفعل بلا عجزٍ، والقوة: وصفٌ يَتمكَّن به الفاعل من الفعل بلا ضعفٍ، وهذا هو الفرق بين القوة والقدرة؛ فالقوة والقدرة الفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن القدرة: وصفٌ يَتمكَّن به الفاعل من الفعل بلا عجزٍ، فالذي يقابل القدرة هو العجز، قال الله تعالى وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر:44]. وأما القوة: فهي وصفٌ يَتمكَّن به الفاعل من الفعل بلا ضعفٍ، فالذي يقابل القوة هو الضعف: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54].
الوجه الثاني: أن القدرة: لا يُوصَف بها إلا من كان له شعورٌ وإحساسٌ. وأما القوة: فيُوصَف بها ذو الشعور وغير ذي الشعور؛ فتقول مثلًا: رجلٌ قادرٌ، ولا تقول: جدارٌ قادرٌ، لكن تقول: جدارٌ قويٌّ، ورجلٌ قويٌّ.
فالقوة: يُوصَف بها من كان له شعورٌ.
يعني: الجمادات وغير الجمادات، تقول: سيارةٌ قويةٌ، لكن ما تقول: سيارةٌ قادرةٌ؛ لأن القدرة لا بُدَّ فيها من أيش؟ الشعور.
يقول:
نعم.
الإفاضة من عرفات.. والمبيت بمزدلفة
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله تعالى:
طيب، فإذا دفع من عرفة، ولا يدفع منها حتى تغرب الشمس، يدفع من عرفة إلى مُزدلِفة، فإذا وصل مُزدلِفة صلى بها المغرب والعشاء: فإن وصل في وقت المغرب صلى المغرب والعشاء جمعَ تقديمٍ، وإن وصل في وقت العشاء صلى المغرب والعشاء جمعَ تأخيرٍ، وإن خشي أن يخرج وقت الصلاة -يعني: بسبب الزحام ونحوه- وألَّا يصل إلى مُزدلِفة إلا بعد منتصف الليل؛ فإنه يصلي ولو في طريقه، أفهمتم؟
إذن؛ السُّنة: أن يصلي الحاجُّ المغرب والعشاء في مُزدلِفة.
أما إذا كان يخشى خروج الوقت؛ يعني: مثلًا دفع من عرفة، ولكن بسبب الزحام تأخَّر وأوشك الليل أن ينتصف؛ فحين إذن يُصلي في أي مكانٍ، حتى لو كان في السيارة أو الحافلة أو غيرها؛ لئلا يُخرِج الصلاة عن وقتها، ثم يضطجع تلك الليلة.
ذِكْر الله عنه المَشعر الحرام
فإذا طلع الفجر من يوم النحر من اليوم العاشر؛ فإنه يصلي الفجر في أول الوقت، ثم يأتي المَشعَر الحرام إن تيسَّر، أو في مكانه.
والمَشعَر الحرام: هو موضع المسجد الموجود الآن في مُزدلِفة، عنده جبلٌ يُسمى قُزَحًا، فالمسجد الموجود الآن في مُزدلِفة هو المَشعَر الحرام، فيأتيه، ويدعو الله ويذكره ويتضرع إليه؛ حتى يُسفر جدًّا، ثم يَدْفَع إلى مِنًى.
الدفع من مُزدلِفة إلى مِنًى
إذن؛ دَفْعُه من مُزدلِفةَ إلى مِنًى قبل طلوع الشمس، يعني: الآن تأمَّل: الدفع من مِنًى يوم التاسع إلى عرفةَ بعد طلوع الشمس، والدفع من عرفةَ إلى مُزدلِفةَ بعد غروب الشمس، والدفع من مُزدلِفةَ إلى مِنًى بعد أن يُسفِر جدًّا.
ويجوز للضَعَفة ونحوِهم ومَن احتاج أن يدفع بعد منتصف الليل، يعني: ليلة العاشر؛ فالإنسان بالخيار: إن شاء ليلة مُزدلِفةَ دفع بعد منتصف الليل، وإن شاء بقي ودفع بعد طلوع الفجر.
وكل مَن جاز له الدفع من مُزدلِفةَ بعد منتصف الليل فإنه يجوز له الرمي، يجوز أن يرمي؛ لأن النبي أَذِنَ لأزواجه رضي الله عنهن الضَعَفَة منهن، فرَمَيْنَ قبل طلوع الفجر، ومنهن: أم سلمةَ رضي الله عنها؛ فالنبي أَذِنَ لها أن تدفع، فدفعت ورمت قبل أن يطلع الفجر.
رمي جمرة العقبة
أحسن الله إليكم، قال رحمه الله:
نعم.
طيب، إذا دفع من مُزدلِفة إلى مِنًى فإن أول شيءٍ يبدأ به: السُّنة: أن يبادر برمي جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصياتٍ مُتعاقباتٍ، يُكبِّر مع كل حصاةٍ. وليس من السُّنة أن يقول: بسم الله، وإنما يُكبِّر فقط: "الله أكبر"، ويرمي.
وللتكبير مع الرمي صفتان:
الصفة الأولى: أن يَقرِن بين التكبير والرمي، فيقول: الله أكبر.
والصفة الثانية: أن يرمي ثم يُكبِّر. وكلتاهما جاءت به السُّنة.
بكم يرميها؟ بسبع حصياتٍ مُتعاقباتٍ، يُكبِّر مع كل حصاةٍ.
الحلق أفضل من التقصير
ثم إذا فرغ من الرمي: إن كان معه هَدْيٌ نَحَرَه، أو وَكَّل من ينحره، ثم يحلق رأسه أو يُقصِّر، والحلق أفضل، أن يحلق رأسه أفضل؛ لماذا كان الحلق أفضل؟
نقول: أولًا: لأن الله تعالى قدَّمه، فقال : لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، ولا يبدأ إلا بما كان أفضل وأهم.
ثانيًا: أن الرسول حلق رأسه، ولا يفعل النبي إلا ما كان أكمل وأفضل.
وثالثًا: أنه دعا للمُحَلِّقين: اللهم ارحم المُحَلِّقين، اللهم ارحم المُحَلِّقين، وفي روايةٍ: اغفر[8]، فدعا لهم قال: اللهم ارحم المُحَلِّقين، اللهم ارحم المُحَلِّقين، اللهم ارحم المُحَلِّقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمُقَصِّرين[9]، فيكون قد دعا للمحلقين كم؟
أربع مراتٍ، صحيحٌ أنه في الحديث: اللهم ارحم المُحَلِّقين، اللهم ارحم المُحَلِّقين، اللهم ارحم المُحَلِّقين، ثلاثًا، من أين جبت الرابعة؟
نقول: لمَّا قال الصحابة: "والمقصرين؟" قال النبي عليه الصلاة والسلام: والمُقَصِّرين[10] هذا يُسمى في اللغة: العطف التلقيني؛ أي: ارحم المُحَلِّقين والمُقَصِّرين، وقد جاء مُصرَّحًا به في بعض الروايات أنه جعلهم أربعًا.
الوجه الرابع مما يدل على أفضلية الحلق: أنه أبلغ في تعظيم الله، ولا سيَّما في الزمن السابق، حينما كان الشعر يُتخذ جمالًا وزينةً، فكانت إزالته أبلغ في تعظيم الله تعالى؛ ولهذا قال بعضهم: "حَلَقُوا له الرؤوس، ولو رضي منهم لَحَلَقُوا له النفوس"، يعني: حَلَقوا له الرؤوس تعظيمًا، ولو رضي منهم لَحَلَقوا له النفوس، يعني: لقتلوا أنفسهم لأجل الله .
إذن؛ هذه أربعة أوجهٍ تدل على أفضلية الحلق.
أعمال يوم النحر بالترتيب
بعد أن يَحلِق أو يُقصِّر، يطوف ثم يسعى.
والسُّنة: أن يتطيَّب قبل ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: كنت أُطيِّبُ النبيَّ لإحرامه قبل أن يُحرِم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت[11].
إذن؛ يوم النحر خمسة أنساكٍ تُفعَل، وتُرتَّب هكذا: رميٌ، ونحرٌ، وحلقٌ، وطوافٌ، وهناك سعيٌ لمن لَمْ يسعَ مع طواف القدوم، أما من سعى فيكفيه. والأفضل أن يرتبها هكذا، كيف؟
يرمي، ثم ينحر، ثم يَحلِق، ثم يطوف؛ وتُجمَع في كلمة: "رن حط".
الراء لأي شيء؟ رمي، والنون: نحر، والحاء: حلق، والطاء: طواف. إذا أَشْكَل عليك تذكَّرْ كلمة: "رن حط".
طيب، ثم يطوف بعد ذلك، ثم بهذا يتحلل التحلل الأول: إذا رمى جمرة العقبة وحَلَقَ أو قصَّر، حلَّ التحلل الأول؛ فيَحِلُّ له كل شيءٍ كان مُحرَّما عليه إلا النساء، إلا النساء إذا رمى وحلق.
أما إذا طاف وسعى: بأن رمى وحَلَقَ وطاف وسعى، حَلَّ الحِلُّ كله.
فيبيت في مِنًى ليلة الحادي عشر، ويرمي يوم الحادي عشر ويوم الثاني عشر الجمرات الثلاث، والسُّنة: أن يرميها بعد الزوال.
والرمي في أيام التشريق صفته:
- أن يأتي إلى الجمرة الأولى -وهي الجمرة الصغرى- إن تيسَّر أن يجعل الجمرة بينه وبين القبلة، بأن يستقبل القبلة حال الرمي؛ فهذا أفضل، وإن لم يتيسَّر رماها من أي جهةٍ، فيرميها بسبع حصياتٍ مُتعاقباتٍ، يُكبِّر مع كل حصاةٍ. فإذا فرغ من رمي الجمرة الأولى، تقدَّم قليلًا جهة اليمين حتى يُسْهِل، يعني: يبتعد عن المرمى، ثم يقف للدعاء، يدعو الله ؛ ولهذا قلنا: الوقفات التي وقفها النبي كم؟
ستٌّ، ومنها: الوقوف للدعاء بعد رمي الجمرة الأولى.
- ثم يأتي الجمرة الثانية -وهي الوسطى- فيرميها بسبع حصياتٍ مُتعاقباتٍ، يُكبِّر مع كل حصاةٍ، ثم يأخذ ذات الشمال.
انظر: في الجمرة الأولى يأخذ ذات اليمين، وفي الجمرة الوسطى يأخذ ذات الشمال، ثم يقف طويلًا للدعاء.
- ثم يأتي إلى جمرة العقبة، فيرميها بسبع حصياتٍ مُتعاقباتٍ. والأفضل إن تيسَّر في جمرة العقبة: أن يستقبلها، يعني: يجعل الجمرة هنا، يستقبل الجمرة، فتكون مِنًى عن يمينه والكعبة عن يساره، ومن أي جهةٍ رماها أجزأ.
وإذا رمى جمرة العقبة لا يقف للدعاء؛ لأن الرسول وقف للدعاء بعد الأولى وبعد الثانية.
وبهذا يكون قد أتمَّ الحج، إذا رمى اليوم الحادي عشر والثاني عشر؛ إن أراد أن يتعجل تعجَّل، وإن أراد أن يبقى إلى الثالث عشر فهو أفضل، فإذا فعل ذلك فقد أتمَّ مناسك الحج، فلا يخرج من مكةَ حتى يطوف للوداع.
وبهذا يكون قد أتم المناسك.
والله أعلم
جزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم.
| ^1 | رواه البخاري: 1524، ومسلم: 1181. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 1534 و2337. |
| ^3 | رواه البخاري: 1741، ومسلم: 1679. |
| ^4 | رواه الترمذي: 3585، وأحمد في المسند: 6961؛ وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع: 1102. |
| ^5 | رواه الترمذي: 3479، وأحمد في المسند: 6655، والبزار في مسنده: 10061؛ وحسَّنه الألباني في صحيح الجامع: 245. |
| ^6 | رواه أبو داود: 1488، والترمذي: 3556 وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ"؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1757. |
| ^7, ^10 | سبق تخريجه. |
| ^8 | رواه البخاري:1728، ومسلم:1302. |
| ^9 | رواه البخاري:1727، ومسلم:1301. |
| ^11 | رواه مسلم:1189. |