تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

من قوله: "الحمد لله الذي هدانا لدينه الذي ارتضاه.." (1)

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين.

أما بعد، فأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، ونية خالصة، وأسأله جل وعلا أن يُمكِّننا من فهم كتابه وإدراك معاني سنة نبيه .

أما بعد، فإن الله جل وعلا قد جعل الكتاب والسنة واردين لنا بلغة العرب، ومن أراد أن يفهمهما فعليه أن يعرف لغة العرب من جهتين: معاني الألفاظ، ودلالات الكلام. وحينئذٍ كان الناس في عهد النبوة وما بعده من الأزمنة التي قاربت زمانه يعرفون دلالاتهما بما فطرهم الله ​​​​​​​ عليه من معرفة السياق العربي، فلما دخلت العُجمة على الناس؛ احتاج الناس إلى تدوين القواعد التي يُفهَم بها هذا العلم.

ومن هذا المنطلق ألَّف العلماء مؤلفات في قواعد الاستنباط للتفريق بين ما هو دليل وما ليس بدليل، ولمعرفة القواعد التي تُستنبط من خلالها الأحكام من الأدلة، ولمعرفة أحكام المجتهد ومن يُقابله.

وكان من أوائل من ألَّف في ذلك الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب "الرسالة"، وهو كتاب مليءٌ علمًا، غفر الله لمؤلفه، وجزاه عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. ثم تتابعت المؤلفات ما بين مختصر ومطوَّل، وما بين شرح ومشروح واختصار.

من المؤلفات التي أُلِّفت في هذا العلم "رسالةٌ في أصول الفقه" للعلامة عبدالرحمن بن يحيى المعلمي، غفر الله له وأسكنه فسيح جناته، ولعلنا في هذا الدرس الذي نتدارسه في هذا اليوم أن نقرأ هذه الرسالة، وأن نُبيِّن المعاني التي دلت عليها.

فلعل قارئنا الفاضل يبتدئ بالقراءة.

القارئ: نعم.

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين وللسامعين ولجميع المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

سبب تأليف هذه الرسالة

قال الشيخ العلامة عبدالرحمن اليماني رحمه الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله الذي هدانا لدينه الذي ارتضاه، وعلمنا من أصول الفقه ما أوضح لنا سبيل هداه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
فإني ممن عُدَّ لقلة العلماء عالمًا، فصار ينتابني بعض طلبة العلم، فلا يسعني إلا أن أُسعفهم بمرادهم، لا على أنني عالم معلِّم، بل على أني طالبُ علمٍ مِن جملتهم، أذاكرهم على حسب وُسعي.
ومن جملة ما التُمس مني: القراءة في علم أصول الفقه، فوجدت الكتب التي بين أيدي الناس في هذا العلم على دربين:
  • الضرب الأول: كتب الغزالي ومَن بعده.
  • الضرب الثاني: بعض مختصرات لمن قبله، كـ(اللُّمع) للشيخ أبي إسحاق، أو (الورقات) للجويني.
فأما الضرب الأول؛ فإنه قد مُزج بمباحث كثيرة من علم الكلام والأصول المنطقية، وأنا -وإن كان لا يتعسر عليَّ فهم كثير من هذين الفنين- راغبٌ بنفسي عنهما، متحرِّجٌ من الخوض فيهما.
وأما الضرب الثاني؛ فإنه بغاية الاختصار، ولا يخلو مع ذلك من تعقيد.
فرأيت أن أجمع رسالة أُعِدُّها لمن يرغب من طلبة العلم في مطالعة هذا العلم معي، أُسهِّل فيها أمهات المطالب بقدر ما أستطيع، مُعرِضًا عن كثيرٍ من الاصطلاحات والتدقيقات، مقتصرًا من المباحث الكلامية على ما لا بد منه، سالكًا -على قلة بضاعتي- مسلك التحقيق.
وأنا أنصح طلبة العلم دائمًا ألا يَعُدُّوني عالمًا، وألا يعتمدوا على قولي، إلا أنني أقول لهم: مَن اختبرني منكم زمانًا، ثم رأى مِن قولي ما هو موافق لإمامٍ من أئمة العلم، وفَهِم الدليلَ وقَوِيَ في نظره؛ فلا حرج عليه -إن شاء الله تعالى- مِن اعتماده. وأسأل الله تعالى لي ولهم التوفيق.

الشيخ: بيَّن المؤلف رحمه الله في هذه المقدمةِ السببَ الذي دعاه لتأليف هذه الرسالة، وهو طلب بعض طلبة العلم منه أن يُعطيهم كتابًا يقرؤون فيه ويتفهمون منه مباحث علم أصول الفقه، ولكنه وجد أن الكتب المتقدمة لا تفي بغرض هؤلاء الطلبة، وحينئذٍ ارتأى أن يُؤلِّف هذه الرسالة.

فمن المقاصد التي تجعل الناس يُؤلِّفون رسائل جديدة ومؤلفات في الفنون: أن الكتابة السابقة لم يعد يفهمها الناس؛ لمغايرة الاصطلاحات، ولكون مَن يأتي قد لا يعرف أساليب المتقدمين، ومن ثمَّ يُحتاج إلى أن يُكتب كتابةٌ بأساليب الحاضرين، تُمكِّنهم من أن يصلوا إلى مقصودهم من معرفة العلوم التي يُراد التأليف فيها.

ومن المقاصد في ذلك: إبعاد ما مُزج بالعلم مما ليس منه، فإن هذا العلم -وهو علم أصول الفقه- كغيره من العلوم، أدخل فيه بعض المؤلفين مباحث ليست منه، وإنما هي من علوم أخرى لا تخدمه، وحينئذٍ أراد من يريد بالتأليف إخراج هذه المباحث؛ لئلا تُشوش على الطلبة وتَجعلهم لا يُميِّزون المقصود من ذلك العلم. وحينئذٍ نبه المؤلف إلى أنه قد مُزج بعدد من المباحث في أصول الفقه في عدد من الكتب أشياءُ ومباحث من علم الكلام والأصول المنطقية.

المراد بعلم الكلام

والمراد بعلم الكلام: لفظة "علم الكلام" قد يُراد بها معنيان:

الأول: أن يُقصد بها المعتَقد على كافة المذاهب والآراء، وذلك أن من أشهر مسائل المعتقد: مسألة الكلام، هل يُنسب لله هذه الصفة؟ فإن الخلاف فيها متقدم، وتعلمون ما وقع على الإمام أحمد ومَن كان في عصره من المحنة بسبب هذه المسألة: هل يتصف الله بصفة الكلام؟ وبالتالي هل القرآن كلام الله صفةٌ له غير مخلوق أو ليس كذلك؟

على أن بعضهم قال بأنه سُمِّي بهذا الاسم؛ لأنهم كانوا في الزمان الأول في المؤلفات العقدية يكتبون في العناوين "الكلام عن مسألة كذا"، فاشتُهر أن هذا العلم تبدأ مباحثه بهذه الكلمة، فسُمِّي العلم به. وبعضهم قال بأن هذا الكلام لما كان علمًا علميًّا، وليس فيه شيءٌ من التطبيق والعمل؛ سُمِّي كلامًا.

وهناك من أطلق لفظة "علم الكلام" وأراد بها بحث مسائل العقيدة على وفق الأمم، على وفق ما سار عليه أهل الأمم السابقة من اليونان ومَن ماثلهم ممن يبنون عقائدهم على قواعد يظنون أنها عقلية وهي ليست كذلك. وبالتالي ورد عن عددٍ من الأئمة التشنيعُ على أولئك الذين يتكلمون في مسائل العقيدة بطرائق الأمم المتقدمة، حتى قال فيهم من قال بأن من طلب العقيدة بالكلام تزندق[1]، وقال الآخر: "حكمي على أهل الكلام أن يُفعل بهم كذا وكذا"[2].

المراد بعلم المنطق

وأما المنطق فالمراد به: القواعد التي تُفهم بها حقائق الأشياء، سواء كانت مفردة، أو صحة النِّسبة بين شيئين. وقد يُعبِّرون عنه بقولهم: إنه آلةٌ منطقية، آلةٌ تعصم صاحبها من الوقوع في الزلل.

وعلم المنطق ينقسم إلى قسمين:

  • الأول: فهم حقائق الأشياء، ويقولون بأن ذلك يكون بطرائق الحدود التي نُسمِّيها "التعريفات"، وله قواعد وشروط.
  • والطريقة الثانية: طريقة البرهان التي تُفهم بها النِّسبة بين شيئين.

فمثلًا لما تقول: "بعض التفاح أحمر"، هنا معرفة كون "التفاح" هذا من القسم الأول، و"أحمر" يُعرف من القسم الأول، لكن النسبة بينهما تكون من القسم الثاني، ومعرفة النِّسبة بين شيئين يُقال لها "التصديق"، وتكون من طرائق البرهان، وله ضروب وأشكالٌ تُميَّز في علم المنطق.

وهذا العلم فيه إشكالية كبيرة؛ ألا وهي أن أصحابه يحصرون طرائق التعلم في القواعد والأصول التي يسيرون عليها، ويزعمون أن ما عداها فإنه لا يمكن به فهم حقائق الأشياء المفردة أو حقائق النِّسبة أو صحة النِّسبة بين شيئين؛ ولذا أراد المؤلف أن يُخلِّص هذا العلم من هذه المباحث التي قد ذكرها بعضهم.

والمعنى الثالث الذي من أجله كان التأليف: إزالة التعقيد، منع الأساليب التي كُتبت بها مؤلفات هذا العلم؛ ولذا أراد المؤلف أن يُسهِّل هذا العلم بهذه الرسالة، ليُعرِض عن كثير من طرائق أهل الفنون الأخرى، على أن علم الكلام فيه قواعد لا يمكن أن يُعرف عددٌ من قواعد الأصول إلا بمعرفة تلك القواعد الكلامية، وهذا الذي حدا بالمؤلف أن يقول: "مقتصرًا من المباحث الكلامية على ما لا بد منه".

وقوله: "سالكًا مسلك التحقيق"؛ أي إنه لا يسير على مذهب إمام متقدم، وإنما ينظر في المسائل التي يبحثها إلى الدليل، فيأخذ هذه القواعد من خلال الدليل الدال عليها.

ثم في هذه المقدمة إشارةٌ أو تنبيهٌ على ما كان يتصف به المؤلف رحمه الله تعالى من التواضع حيث قال: "لا تَعُدُّوني عالمًا".

وأشار إلى أن من فهم الأدلة وقَوِيَ الدليل في نظره فإنه يأخذ بذلك القول الذي ذكره المؤلف؛ اعتمادًا على ما دلَّ عليه الدليل.

الفصول التي احتوت عليها الرسالة

ولعلنا ننتقل إلى المباحث أو الفصول التي في هذا الكتاب.

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

المقدمة:
وفيها فصول:
الفصل الأول: في معنى قولهم: أصول الفقه فيه خمس مباحث:
الأول: العلم في أصل الوضع العربي: هو المعرفة القطعية.
مثال ذلك: أن تُسأل في أواخر النهار: هل غربت الشمس؟ فتكون قد رأيتها بعينك تغرب، أو تراها لم تغرب، أو ترى شعاعها الذي لا مِرية فيه؛ فأنت هنا عالمٌ بغروبها أو بعدم غروبها.
ووراء ذلك حالان:
الأولى: ألا تكون رأيتها تغرب ولا أنت بحيث تراها، ولكن ترى مِن حال الجو ظلمةً وإنارةً ما يُرجح في ظنِّك غروبَها أو عدم غروبها، أو يُخبرك ثقةٌ بأنها غربت أو أنها لم تغرب، أو تكون عندك ساعةٌ ما تستدل بها على الغروب أو عدمه؛ فالحكم الذي في نفسك في هذه الحال يُسمى "ظنًّا"، ومقابله يُسمَّى "وهمًا".
الثانية: ألا يحصل لك ما يُوجب علمًا ولا ظنًّا، وتكون متردِّدًا، وهذا يُسمى "شكًّا" و"جهلًا".
فوائد:
الأولى: قد يُطلق العلم على ما يعم الظن.
الثانية: ينقسم العلم إلى قسمين:
الأول: ما لا يقبل تشكيكًا البتة، مثل العلم بأن الاثني عشر إذا قُسِّمتْ بين اثنين على السواء دون تكسير كان لكُلٍّ منهما ستة، أو بين ثلاثةٍ كان لكُلٍّ منهم أربعة، أو بين أربعةٍ كان لكُلٍّ منهم ثلاثة، أو بين ستةٍ كان لكُلٍّ منهم اثنان، أو بين خمسةٍ أو سبعةٍ أو تسعةٍ لم تنقسم.
الثاني: ما يقبل التشكيك في الجملة، كمن يرى الشمس رائعة النهار، فيُقال له: لعلك مسحور، فأنت تتوهم أنك ترى الشمس توهُّمًا، أو لعلك مصابٌ في عقلك؛ فإن المُصاب في عقله يتراءى له ما لا حقيقة له ولا يشعر بأنه مصاب.
وأمثال هذه التشكيكات لا تقدح في القطع؛ قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ۝ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ [الحجر:14–15]، أخبر بأن هذا التشكُّك عنادٌ منهم وحمقٌ وجهلٌ.
الفائدة الثالثة: كثيرًا ما يشتبه الظن بالعلم، كأن تُحضِرَ بدويًّا لم يسمع بالحاكي (الفونوغراف) ولا المذياع (الراديو)، وتقعده عند باب حجرة فيها مذياع فيسمعه، فإنه يقطع بأن في الحجرة إنسانًا يتكلم.
ومن تفكر في هذا وأمثاله خاف أن يكون كثيرٌ من الأمور التي يَقطع بها ويَرى أنه عالمٌ بها إنما هي ظنون قد تتخلف. وطريق الخلاص من هذا مشروحة في موضع آخر.
الفائدة الرابعة: حكم الذهن الجازم يُسمَّى "اعتقادًا"، وقد يكون عن علم، وقد يكون عن ظن غالب.
والفصل بينهما أن الحكم إن كان خطأً فهو عن ظن، وهذا هو الذي يُسمَّى بـ"الجهل المركب"؛ لأن صاحبه يجهل، ويجهل أنه يجهل؛ أي لا يعلم حقيقة الحال ويرى أنه عالم. وأما الجهل البسيط فهو أن يجهل حقيقة الحال، ويعلم أنه جاهل بها.
وإن كان الحكم صوابًا فللمعتقِد حالان:
الأول: أن يكون بنى اعتقاده على دليلٍ يُفيد العلم؛ سواءٌ أكان دليلًا معيَّنًا، أم مجموع أمور إنما يفيد كلٌّ منها بانفراده ظنًّا ما، ولكنها بمجموعها تُفيد القطع، وسواءٌ استطاع المعتقِد أن يُعبِّر عن ذلك الدليل أم لم يستطع. وهذا كله علم.
الحال الثانية: أن يكون بنى اعتقاده على دليل يجوز أن يتخلَّف ولكنه لم يشعر بجواز تخلفه؛ كالبدوي الذي تقدَّم آنفًا، إذا وَقَفْتَه من حجرة يسمع فيها غناءً، فإنه يقطع بأن فيها إنسانًا يُغنِّي، ودليله قد يتخلف كما مَرَّ، فهذا اعتقادٌ ليس بعلم وإن صادف الواقع.
الفائدة الخامسة: كثيرًا ما يُطلق "الظن" على الخَرْص والتخمين، وهو ما يُبنى فيه الحكم على أمارة ضعيفة محتملةٍ للتخلُّف احتمالًا ظاهرًا، والعاقل لا يبني على مثله إلا حيث لا خطر. ولكن كثيرًا ما يتقوَّى مثل هذا الأمر بجهل الخطر، ثم بهوًى أو بعصبية، فيمنع صاحبه بحرصه عليه عن أن يسمح لنفسه بالتشكُّك به، فيُبنى عليه أمرٌ عظيم الخطأ، فيُسمَّى "اعتقادًا".
الفائدة السادسة: كثيرًا ما يُطلق "العلم" ويُراد به الفن، يقال: هذا الكتاب في علم المعاني؛ أي في فن المعاني.

معنى العلم

الشيخ: ذكر المؤلف هنا ما يتعلق بكلمة "العلم"، والناظر في النصوص وفي كلام أهل العلم يجد أن لفظة "العلم" تُطلق ويُراد بها عددٌ من المعاني:

مرة يُراد بها الاعتقاد الجازم المبني على دليل، ومن ذلك قوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:98]؛ فهنا الأمر بالعلم يُراد به الإدراك، الأمر بالإدراك الجازم الموافق المبني على دليل. وهذا هو الغالب في كلمة "العلم"، وهي التي أشار إليها المؤلف هنا.

ولكن يُلاحَظ أن هذا العلم ليس على مرتبة واحدة، بل هو على مراتب متعددة، بعضها أرجح وأقوى من بعض؛ ولذا قال الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260]، فكان عنده علمٌ بقدرة الله على البعث والخلق مرة أخرى، لكنه أراد زيادة علم، ومنه قول النبي : أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له[3]، فدل هذا على أن العلم قد يزيد، وأنه ليس على رتبة واحدة.

ومن معاني كلمة "العلم": أن يُراد بها الفن، فيقال: علم كذا؛ أي الفن الفلاني، سواءٌ كان قطعًا أو كان ظنًّا.

ومن معاني "العلم": الظن، فإنه مرة يُطلق "العلم" ويُراد به الإدراك الغالب، وليس المراد به الإدراك الجازم، ومن ذلك قول الله : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ [الممتحنة:10]، مع أنهم لا يستطيعون أن يجزموا بذلك، لكنه يغلب على ظنونهم.

ومرة يُطلق "العلم" ويراد به المعلومات الشرعية، ومن هذا قوله جل وعلا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، وقوله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

ومرة يُطلق "العلم" ويُراد به المعرفة القطعية، وهو الذي يتوافق مع أصل المعنى اللغوي.

ومن معاني هذه الكلمة أيضًا أن تُطلق على معرفة الأشياء الطبيعية؛ كقوله تعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

وبذلك نعرف الإطلاقات في كلمة "العلم"، وقد أشار المؤلف هنا إلى مراتب الإدراك.

مراتب الإدراك

ومراتب الإدراك تنقسم ثلاثة تقسيمات:

التقسيم الأول: من جهة المطابقة للواقع وعدم المطابقة له:

وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ومنهم من يجعله قسمين:

  • الأول: الإدراك المطابق، وهذا يُقال له "صدق"، وهو معرفة الشيء على ما هو عليه.
  • والثاني: الكذب، وهو كون الإدراك على خلاف واقعه، على خلاف صفته التي هو عليها.

وهناك شيء يُقال له "انتفاء الإدراك"، وهذا يُقال له الجهل البسيط؛ لأن الجهل ينقسم إلى قسمين: الجهل البسيط: وهو عدم المعرفة. والجهل المركب: وهو جزءٌ من الإدراك المخالف للواقع؛ لأنه إدراكٌ مخالف للواقع يظن صاحبه أنه يعلم به. فهذا يقال له "الجهل البسيط".

والتقسيم الثاني: الإدراك من جهة بنائه على الدليل:

فهناك إدراكاتٌ تُبنى على الأدلة ومنها العلم، وهناك إدراكاتٌ لا تُبنى على العلم -على الدليل- وإنما تقع في النفس -نفس صاحبها لا- على غير دليل، وهذا منه الوهم، ومنه التخمين، ونحوهما.

والتقسيم الثالث من تقسيمات الإدراك بحسب مراتبه في النفس:

فهناك جزم، وهناك ظن، وهناك احتمال، وهناك شك.

فأما الجزم فهو الإدراك الجازم، وقد يُسمَّى "القطع"، ويكون في بعض الأحوال يقينًا متى كان مطابقًا مبنيًّا على دليل.

والنوع الثاني: الظن، وهو الطرف الراجح من طرفي الإدراك، بحيث يكون عند الإنسان احتمالان أحدهما أرجح من الآخر، فالاحتمال الراجح يُقال له "الظن".

والثالث عند المقابل للظن، وهذا يُقال له احتمال، وبعضهم يسميه وهمًا، ولكن الوهم هو إدراكُ جزمٍ لكنه مخالفٌ للواقع، إدراكٌ يُقال: وَهِمَ فلان، بمعنى أنه أدرك الأمر على غير حقيقته، وهو جازم به أو غالبٌ على ظنِّه.

ويبقى رتبةٌ، وهي رتبة الشك؛ بأن يكون الاحتمالان متساويين، ليس لأحدهما مزية على الآخر.

معنى الظن

إذا تقرَّر هذا، فإن كلمة "الظن" في النصوص الشرعية تُطلق على ثلاثةِ معانٍ:

  • المعنى الأول: بمعنى الإدراك الجازم غير المبني على الحس، ومن ذلك قوله جل وعلا: يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة:46]؛ أي: يجزمون بذلك لكنهم لم يبنوا هذا الجزم على دليلٍ حسي.
  • والثاني: إطلاق لفظة الظن ويراد به الراجح من الاحتمالات الواردة، ومن ذلك قوله جل وعلا: فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة:230]، فهنا يُراد بكلمة "الظن" الاحتمال الراجح.
  • ومرة يُطلق الظن ويُراد به الاعتقاد الذي لم يُبنَ على دليلٍ، وإنما هو من باب الأوهام، ومنه قوله تعالى: إِن يَظُنُّونَ إِلَّا ظَنًّا وَمَا هُمْ بِمُسْتَيْقِنِينَ [الجاثية:32]، ونحو ذلك من النصوص التي وردت في ذم الظن.

هذا خلاصة ما يمكن أن يُلخَّص به هذا المبحث المتعلِّق بالإدراك.

وقوله هنا "العلم"، مثال العلم: أن تُسأل: هل غربت الشمس؟ وتكون قد رأيتها بعينك تغرب، أو كنت ترى شعاعها الذي لا مرية فيه؛ فحينئذٍ تقول بأن الشمس في الحالة الأولى غربت يقينًا، وتعلم أن الشمس لم تغرب يقينًا في الحال الثاني. وأما إذا لم تكن رأيتها غربت، لكن الجو فيه ظلمة، وحينئذٍ يغلب على ظنِّك أن الشمس قد غربت، وإن كنت لا تجزم به وقد تكون متردِّدًا فحينئذٍ تكون جاهلًا أو شاكًّا في هذا الباب.

هل العلم يقبل التشكيك؟

وقد بيَّن المؤلف أن العلم منه ما يقبل التشكيك ومنه ما لا يقبل التشكيك، وذلك أن بعض أهل العلم قال عن اليقين أو العلم: إنه معرفة الشيء على ما هو عليه، بحيث لا يقبل تشكيكًا، أو قال بأنه لا احتمال فيه. بينما آخرون توسعوا في مفهوم العلم، وقالوا بأنه يشمل ما جُزم به مما لم يرد عليه احتمالٌ مستند إلى دليل.

وبالتالي يُدخلون شيئين:

  • الأمر المتيقن الذي لا يرد عليه احتمال البتة.
  • ويُدخلون فيه ما ورد عليه احتمالٌ لكنه لم يستند إلى دليل.

وقد اختلف أهل العلم في ورود الاحتمال المجرد: هل ينتفي به العلم أو لا ينتفي؟ على ثلاثة أقوال:

  • منهم من يقول: أيُّ احتمال يَرِدُ على الدليل فإنه ينتفي به العلم، وينتقل الشخص به إلى الظن. وهذا مبنيٌّ على قولهم بأن العلم رتبة واحدة، وأنه ليس فيه مراتب وأنه لا يتفاوت.
  • وهناك من قال بأن الاحتمال الذي يكون من جنس المسألة التي فيها الدليل ينتفي به العلم، أما الاحتمال الذي لا يكون من جنسه فإنه لا ينتفي به العلم.
  • والقول الثالث بأن مجرد الاحتمال لا ينزل به الإدراك عن رتبة العلم حتى يستند إلى دليلٍ يُؤيِّده ويشهد له.

وهذا المنهج هو الذي اختاره المؤلف؛ ولذلك قسم العلم إلى قسمين: ما يقبل التشكيك وما لا يقبل التشكيك، ومراده بـ"ما يقبل التشكيك": أي ما يرد عليه احتمال غير مستند إلى دليل. وأورد له أمثلة، ولكن من الأمثلة الواضحة: ما لو شاهد الإنسان ماءً في الصحراء، فالغالب أنه ماء، ولكن قد يأتيه من يأتيه فيقول: هذا الذي تُشاهده سرابٌ وليس بماء، لكنه يغلب على ظنِّه بمعرفته أن هذا الزمن زمن برد لا زمن حر، وأنه زمن نزول الأمطار، فيغلب على ظنه بل يجزم بأنه ماء، وإن ورد عليه احتمال أن يكون من السراب.

وأورد المؤلف أنه في مرات قد يجزم الإنسان بشيءٍ ولا يكون الأمر على ما جزم به، وحينئذ يقول المؤلف بأن هذا من ظن بعض الناس: أن الظن علم، ومثَّل له بالمثال.

المراد بالاعتقاد

وأما كلمة "الاعتقاد" فإنها مأخوذة من عقْدِ الشيء على آخر؛ كأن القلب قد عقد على ذلك الأمر، وبالتالي أصبح داخل القلب.

وبعض أهل العلم يقسم الجزم إلى قسمين:

  • اعتقاد.
  • ويقين أو علم.

فيقول: اليقين والعلم هو ما استند إلى دليل، وأما الاعتقاد فهو ما جزم به الإنسان ولم يأخذه عن دليل، وإنما أخذه تقليدًا. لكن هذا التقسيم لا يدل عليه كلام العرب، ولم يَسِرْ عليه أوائل الأمة ممن صنف في فنون الاعتقاد.

وذكر المؤلف أن الصواب قد يُبنى على دليل، وبالتالي يسمى علمًا، والدليل قد يكون دليلًا جزئيًّا كدليل من الكتاب، وقد يكون أدلة يُعضِّد بعضها بعضًا حتى يصل إلى درجة اليقين.

فمثلًا: عندما نجد دليلًا في دلالته شيء، ثم يعتضد بدليل ثانٍ وثالث ورابع؛ فهذا يُفيدنا قطعًا وجزمًا بمفاد هذه الأدلة. وفي مراتٍ قد يعتقد الإنسان شيئًا بناءً على دليل، لكنه يحتمل أن يكون ذلك الدليل قد تخلَّف.

هذا خلاصة ما ذكره المؤلف هنا.

قد يُطلق العلم ويراد به الفن

وفي الفائدة الأخيرة قال بأن العلم قد يُطلق ويراد به الفن، الفنون التي تُطلق، مثلًا: كلمة "الفقه"، أو كلمة "الحديث"، أو "التفسير"، تُطلق ويُراد بها ثلاثة معانٍ:

المعنى الأول: المعرفة التي تكون عند المختص بذلك الفن، يُقال عنها فقه مثلًا.

الثاني: إطلاقه على المعلومات.

  • الأول: إطلاقه على المصدر الذي يكون عند الإنسان.
  • والثاني: إطلاقه على المفعول، الذي هو المعلومات.
  • والثالث: إطلاقه على المَلَكة التي تكون عند المختص في ذلك الفن.

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

المبحث الثاني
الأصول: جمع أصل، وأصل الشيء: ما يقوم أي ينبني عليه؛ كأصل الشجرة وهو جرثومتها النابتة في الأرض، وأصل الجدار وهو أساسه.
قال الراغب: "أصل الشيء قاعدته التي لو تُوُهِّمَتْ مرتفعة لارتفع بارتفاعه سائره لذلك، قال تعالى: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24]".
المبحث الثالث
الفقه في اللغة: العلم وحُسن الفهم.
قال الراغب: "هو التوصل إلى علمٍ غائب بعلم شاهد، وهو أخص من العلم، قال تعالى: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78]".
والفقه في العُرف: العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية.
قالوا: والمراد بالعلم هنا ما يشمل الظن؛ لأن غالب أدلة الأحكام الشرعية ظنِّيٌّ.
تنبيه: عُلم مما ذُكر أن الفقيه هو المجتهد، فالمقلد ليس بفقيه، ولكن الفقه كثيرًا ما يُطلق على كلام المجتهد وما بُني عليه، فإذا عرف المقلد ذلك قيل له "فقيه"، بمعنى أنه عارف بما حصل عن فقه المجتهد.
فائدة: "الدليل" فعيلٌ بمعنى فاعل، مِن دلَّ على كذا؛ أي أوصل إلى معرفته، ومنها: دللت فلانًا على الطريق، والدخان يدل على النار، وعرضُ القفا يدلُّ على البلادة. وقد تكون الدلالة قاطعة، وقد تكون ظنية، وتخصيص بعضهم "الدليل" بما يُعطي القطعَ اصطلاح. 
المبحث الرابع
قولهم: "أصول الفقه"، معناه: الأشياء التي ينبني عليها الفقه.
والفقه ينبني على أمور:
أولها: أصول الدين.
ثانيها: علم اللسان.
ثالثها: الكتاب والسنة وما دَلَّا عليه من الأدلة الإجمالية، وما اشتمل عليه ذلك من الأدلة التفصيلية.
رابعها: قواعد كلية يتوقف عليها فهم الأحكام من الأدلة التفصيلية. وهذه هي "أصول الفقه" اصطلاحًا، وذلك كقولنا: "ظاهر القرآن حجة"، و"الأمر يقتضي الوجوب"، و"النهي يقتضي التحريم" و"الخاص يخص العام"، و"العام حجة فيما بقي"، وأشباه ذلك.
المبحث الخامس
قد عُرف مما تقدم معنى قولهم "علم أصول الفقه"، فلا نُطيل ببيانه.

تعريف أصول الفقه

الشيخ: لما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بكلمة "علم"، ابتدأ بتعريف "أصول الفقه".

تعريف الأصل

"أصول" جمع "أصل"، والأصل في لغة العرب يُراد به الأساس، فأصل الشيء أساسه؛ ولذلك يُقال: "فلانٌ ليس له أصل ولا فصل"، "ليس له أصل" يعني ليس له أساس من الآباء ممن يُعرفون ويكون لهم مجد، "ولا فصل"، ما معنى فصل؟ أي: ليس له لسان يستطيع أن يُحاجَّ به، وأن يُثبت نفسه عند غيره. هذا معنى "الأصل" في لغة العرب.

وبعضهم قال: "أصل الشيء ما يُبنى عليه"، وهذا فيه نظر؛ فإن السقف يُبنى على الحيطان وليست أساسًا له.

وبالتالي نعلم أن الصواب في معنى كلمة "الأصل" يُراد بها الأساس، ومنه قوله تعالى: أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24].

والأصل في اصطلاح علماء الشريعة قد يُطلق على معانٍ متعددة:

من تلك المعاني إطلاق لفظة "الأصل" على الدليل، فتقول: أصل هذه المسألة كذا وكذا، الكتاب والسنة والإجماع، فهذه الكلمة -كلمة "الأصل"- هنا استُعملت وأُريد بها الدليل، وهذا هو المراد في هذا الفن.

والإطلاق الثاني: إطلاق كلمة "الأصل" على القاعدة المستمرة، ومن ذلك قولهم: "الأصل تحريم الميتة"؛ أي إن القاعدة المستمرة حرمة الميتة، مع وجود مستثنيات لذلك كما في حال الاضطرار، ويقولون: "الأصل بقاء ما كان على ما كان".

والمعنى الثالث من معاني الأصل: إطلاقه على المسألة المقيس عليها، كما تقول: الخمر أصل نقيس عليه النبيذ في التحريم؛ لوجود الإسكار، فهنا أُطلق لفظ "الأصل" وأُريد به المحل الذي يُقاس عليه.

وقد يُطلق لفظ "الأصل" ويُراد به "المستصحب"؛ أي الذي نُصاحبه ويبقى معنا، كما لو قلت: "الأصل في المياه الطهارة"، يعني أن الحكم الذي تستصحبه طهارة الماء حتى يثبت ما يُقابله.

وكذلك يُطلق لفظ "الأصل" على أصول الإنسان من الآباء والأجداد ونحوهم، يقول: جهات الميراث ثلاث، أولها: نَسَب، والنَّسَب ينقسم إلى أقسام: أصولٌ وفروعٌ وحواشٍ؛ فهنا أطلقنا لفظة "الأصل" وأردنا بها الآباء والأجداد ومن تَكوَّن منهم الإنسان.

تعريف الفقه

وأما معنى "الفقه" في لغة العرب:

فبعضهم قال: الفقه هو العلم. وبعضهم قال: هو الفهم. وبعضهم قال: الفهم الدقيق، بأن يعرف معنى المسألة وحكمتها، ومن ذلك قوله تعالى: لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78]؛ أي: لا يكادون يفهمون، ومنه قوله تعالى عن قوم شعيب : إِنَّا لَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91]، وقوله : وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

وقال الراغب: "إن الفقه هو التوصل إلى علمٍ غائب بعلمٍ شاهد"، وهذا قَصْرٌ للفقه على أخذ الشيء بطريق القياس.

وعرَّف المؤلف "الفقه" في الاصطلاح بأنه: "العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية".

تقدم معنا أن الفنون تُطلق على ثلاثة معانٍ:

  • مرة تُطلق على الإدراك الذي يكون عند صاحب هذه العلوم، ومنه قول المؤلف هنا: "العلم بالأحكام الشرعية العملية".
  • وقد تُطلق ويراد بها "المعلوم"، كما لو قلت: "الفقه هو الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية".
  • وقد يُراد بالفقه "المَلَكة" التي تكون عند المتمرِّس في هذا الفن، بحيث يعرف مراد الله جل وعلا وحكمه فيما يرد عليه من المسائل.

شرح تعريف الفقه

والمراد بـ"الأحكام": "خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع".

ومن أمثلة ذلك مثلًا: أن الخطابات المتعلقة بأفعال البهائم لا تدخل معنا هنا، لماذا؟ لأنهم ليسوا مكلفين. وهكذا ما يتعلق بوصف ما في الكون، هذا ليس فيه شيءٌ من الأحكام، وبالتالي لا يدخل معنا. ويختص هذا بالعَمليات، أما العِلميات فإنها تُبحث في علوم العقائد لا في هذا العلم.

وقوله: "من أدلتها التفصيلية"؛ أي لا يكون الإنسان فقيهًا إلا إذا استطاع استخراج الأحكام من الأدلة الجزئية؛ لأن الدليل على نوعين:

  • دليلٌ إجمالي كلي، كما لو قلت: القرآن، السنة، الإجماع، فهذه أدلة كلية.
  • وهناك أدلة تفصيلية أو جزئية، كالآية الواحدة من الكتاب، أو الحديث الواحد من سنة النبي .

وعلى ذلك، من لم يكن عنده قدرة على استنباط الأحكام من الأدلة فإنه لا يُسمى فقيهًا.

وقال المؤلف بأن قوله في تعريف الفقه هو "العلم بالأحكام"، قال: يشمل الظن؛ لأن بعض مسائل الفقه ظنية.

وآخرون قالوا بأن "العلم" يُطلق ويُراد به معرفة أو الجزم بأن الله قد أوجب علينا العمل بالمسائل الفقهية؛ فهذا تخريجٌ لبعضهم.

قال: وعلى ذلك فالفقيه هو المجتهد، والمجتهد هو الذي يستنبط الأحكام من الأدلة؛ وعليه من لم يكن يستنبط الأحكام من الأدلة فإنه يُسمَّى "مقلِّدًا"، والعلماء لا يعدونه من الفقهاء ولو كان حافظًا لكتب الفروع، وإنما يُقال عنه "فروعي"، ولا يُقال عنه "فقيه". ولكن المؤلف يقول بأن بعضهم تسامح في هذا، فأطلق على من كان من هذا الصنف اسم "الفقيه"، بمعنى أنه عارف بما حصل عن فقه الفقيه المجتهد، وفي هذا نظر، والصواب أنه يُسمى "فروعيًّا" ولا يُسمى "فقيهًا".

مراتب من ينتسبون إلى العلم

إذا تقرر هذا، فإن من ينتسبون إلى العلم على خمس مراتب:

  • أولها: من كان مستقلًّا في أصوله وفروعه، لا يتبع أحدًا من الأئمة، لا في الأصول ولا في الفروع، وهذا يُقال له "المجتهد المطلق".
  • والثاني: من كان متقيِّدًا بأصول إمام، لكنه في الفروع لا يتقيد بمذهبه، وقد يُرجح خلاف ما في المذهب؛ فهؤلاء يُقال لهم "أصحاب الوجوه" جمع "وجه".
    ما المراد بالوجه؟ قولٌ لأحد علماء المذهب لم يقل به الإمام، لكنه مبنيٌّ على أصوله.
  • إذا تقرر هذا، فإن القسم الثالث: هم أصحاب الترجيح، وهم الذين يلتزمون في الأصول إمامَهم، وفي الفروع لا يخرجون عن الروايات الواردة عن الإمام، لكنهم يُرجِّحون بينها، فيقولون: الرواية الأولى أرجح من الثانية، من الروايات الواردة عن الإمام. أصحاب القسم الثالث هؤلاء يُسَمَّون "أصحاب الترجيح".
  • القسم الرابع: من كان يقيس على أقوال الأئمة، أو يقيس على ما في المذهب، أو يُفرِّع على قواعد المذهب، فهؤلاء يُقال لهم "أصحاب التخريج"، يُخرِّجون المسائل الجديدة على الأصول الواردة عن الإمام.
  • والقسم الخامس: هم "أصحاب الحفظ" الذين يحفظون ما في المذاهب، ويعرفون مواطن بحث المسائل، وهم الذين تكلم عنهم المؤلف هنا، وقال: إنهم في الحقيقة مقلدون، وليسوا بمجتهدين ولا فقهاء.

تعريف الدليل

ثم انتقل المؤلف إلى الكلام عن "الدليل"، فقال بأنه "فعيلٌ" بمعنى "فاعل".

كلمة "فعيل" تُطلق ويُراد بها مرة ما يكون بمعنى "فاعل"، ومرة ما يكون بمعنى "مفعول". ومن أمثلة هذا مثلًا: تقول "كريم" هنا (اسم فاعل)، وتقول "قتيل" هنا (اسم مفعول). مِن دلَّ على كذا؛ أي أوصل إلى معرفته.

والدليل يُطلق على أنواع:

  • الأول: المرشد الذي يدلك على الطريق، فهذا يُقال له "دليل".
  • والثاني: الآلة التي تحصل بها الدلالة، مثل العلامات التي توضع في الطريق أو الآلة التي تستخدمها.
  • والثالث: إطلاق لفظة "الدليل" على واضع العلامة التي استُدل بها.

فهؤلاء كلهم يُطلق عليهم لفظة "الدليل".

وقال المؤلف: "ومنها: دللت فلانًا على الطريق"، هذا من المعنى الأول، و"الدخان يدل على النار"، هذا من المعنى الثاني.

قال: "وعرض القفا يدل على البلادة"، عندما يقول شخص لشخص: "بأنه عريض القفا"، معناه أنه لا يفهم فهمًا سريعًا؛ ولذلك لما نزل قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187]، ظن بعضهم أن المراد به خيط أبيض وخيط أسود، فأتى بخيطين فوضعهما تحت وِسَادِه، فكان ينظر إليهما ويأكل حتى يتبين له التمييز بينهما، فقيل له: "إنك لعريض الوساد"[4] أو "عريض القفا"، يعني لما وضع سواد الأفق وبياض الأفق تحت رأسه وتحت قفاه، قيل له: إذا كان ما تحتهما يتسع لما بين السماء والأرض، فحينئذ أنت عريض القفا. وهذا مَثَلٌ يُطلقونه على البلادة.

والدليل قد يكون قطعيَّ الدلالة على مدلوله، وقد يكون ظنيًّا؛ لأن الجميع يُسمَّى في لغة العرب "دليلًا".

بعض العلماء قصر اسم "الدليل" على ما كان قطعيًّا، وما دلَّ بجهة ظنية سماه "أمارة". وهذا الكلام له منشأ؛ ألا وهو: أن استفادة العلم هل هي لصفاتٍ في النفس، أو هي لخصائصَ في الدليل؟ أيش تقولون؟ هل استفادة العلم من أجل الدليل الذي ورد عليك، أو لخصائص في نفسك؟

الأشاعرة قالوا بأنه لخصائص النفس؛ ولذلك نفوا حقائق الأشياء، وقالوا: الدليل لا يُفيد يقينًا ولا ظنًّا لذاته، وإنما الاستفادة من الصفات التي في نفس الإنسان؛ ولذلك لو عُرض الدليل على شخصين قد يتفاوتان في فهمه وفي استفادة اليقين والظن منه، دليلٌ واحدٌ أو شاهدٌ واحدٌ يُعرَض على فلان فيستفيد منه اليقين والثاني يستفيد الظن والثالث لا يستفيد منه يقينًا ولا ظنًّا. هكذا قال الأشاعرة.

والمعتزلة يقولون: الإدراك الذي في النفس هو حاصلٌ من ذات الدليل الخارجي، فأنت لم تستفد العلم بوجود فلانٍ إلا برؤيته، لا بما في نفسك من سمات التصديق وصفات التكذيب.

وقالوا بأن هذا في بقية الأشياء: الاستفادة من ذات الدليل، وإلا لما قام لله حجةً على العباد، ولما كانت الاستدلالات التي في الكتاب والسنة ليس لها أيُّ ثمرة على قول الأشاعرة؛ لأنهم يقولون: استفادة اليقين والظن إنما هي بصفات النفس، وبالتالي كأنهم يقولون: هذه الأدلة لا تأثير لها في تحصيل مراتب اليقين، لا وجودًا ولا عدمًا، لا نفيًا ولا إثباتًا. هذا ما يقوله المعتزلة.

أنتم ماذا تقولون؟ نقول: الدليل، لكن لصفات النفس أثرٌ في تحصيله؛ ولذلك نجد أن الشخصين يُعرَض عليهما الدليل الواحد، فتختلف درجات الإدراك عندهما، فالدليل مؤثرٌ، وهذا ينبني عليه شيءٌ آخر: هل الدليل مؤثرٌ في تحصيل العلم أو لا؟

قال المعتزلة: نعم، هو مؤثرٌ بنفسه. وقال الأشاعرة: لا تأثير له، فالعلم شيءٌ يقع في النفوس.

ما رأيكم؟ أجيبوا، أيش هو أساس المسألة؟ هل الدليل مؤثرٌ أم لا؟

الأشاعرة يقولون: غير مؤثر. والمعتزلة يقولون: مؤثرٌ بنفسه.

أهل السنة يقولون: الدليل مؤثرٌ بجعْلِ الله له كذلك، بجعْلِ الله، خلق الله فيه صفاتٍ في ذات الدليل جعلها الله مؤثرةً على النفوس، فليس التأثير لذات الدليل، وإنما التأثير بما جعله الله في الدليل. وهذه مبنية على قاعدة الأسباب.

واحد أتى بسكين وأتى بذبيحة، السكين لها أثرٌ في الذبح أم ليس لها أثر؟

الأشاعرة يقولون: ليس لها أثر، وجودها وعدمها سواء، ميت ميت، الله قدَّر أنها تموت، خلاص تموت، سكين فيه أو ما فيه.

والمعتزلة يقولون: السكين هي التي نتج عنها الموت بذاتها.

ونسوا أن السكين ممسوكة بيد الذابح الذي لا يخرج عن قدر الله وأمره وخلقه، وبالتالي نُثبت الأسباب لكن ليس لها تأثيرٌ لذاتها، إنما تأثيرها بما جعل الله فيها.

ثم ذكر المؤلف "أصول الفقه"، وقال بأنه تقدم معنا أن الصواب أنه يُراد بها أدلة الفقه، وهي هذه الأدلة؛ قد تكون الأدلة وقد تكون قواعد الاستنباط.

الأمور التي ينبني عليها أصول الفقه

وقال بأن "أصول الفقه" ينبني على أمور، كلمة "والفقه" هنا خطأٌ مطبعي، صوابها "وأصول الفقه". "ينبني على أمور"، أو أنها باقية.

قال: الفقه ينبني على أمور:

  • أولها: أصول الدين، أصول الدين هي مسائل العقائد التي انبنى عليها الدين، ولا يمكن أن يُؤدِّي الإنسان عملًا فروعيًّا إلا إذا كانت الأصول متقررة عنده.
  • والثاني: علم اللسان، أي اللغة العربية؛ لأن النصوص لا تُفهم إلا بلغة العرب.
  • والثالث: الكتاب والسنة، يعني الأدلة الدالة عليها، الدالة على الأحكام.
  • والرابع: القواعد الكلية، قواعد الفهم، التي منها مثلًا قواعد المنطوق والمفهوم، والأوامر والنواهي، مما هي علم أصول الفقه.

وذلك كقولنا: "ظاهر القرآن حجة"، القرآن المراد به: "كلام رب العزة والجلال، الذي نزل على محمد، المتعبَّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة الناس".

قال: "ظاهر القرآن"؛ القرآن قد تكون دلالة الآية فيه "نصًّا" على معناها لا احتمال فيها، أو ليس فيها احتمال متأيِّد بدليل فهي صريحة في دلالتها. وقد يكون هناك "ظاهرٌ" بأن يكون لِلَّفْظ احتمال أن يدل على معنيين، لكن دلالته على أحد المعنيين أرجح، فحينئذ يجب العمل بذلك المعنى الأرجح.

ومثله قولهم: "الأمر يقتضي الوجوب"، والأمر المراد به: "اللفظ الجازم الذي يُطلب به الفعل". مثل ماذا؟ "تَكَلَّموا"، هذا مثالٌ صحيح للأمر يقتضي الوجوب، "اسكتوا" كذلك، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة:43] كذلك، أعفوا اللحى[5] كذلك.

"يقتضي" يعني يطلب، "الوجوب" يعني الطلب الجازم الذي يأثم تاركه قصدًا.

"والنهي"، ما المراد بالنهي؟

لا، ليس هو "طلب الترك بالقول"، هذا مذهب أشعري؛ لأن القول نفسه هو النهي، فأنتم جعلتم القول هو الأداة، بينما تقول: القول الجازم الذي يُطلب به ترك الفعل، أليس كذلك؟ فقولك:"لا تتكلم"، هذا هو نفسه النهي، وليس النهي الطلب النفسي أو المعنى النفسي الذي أشعرَ به اللفظ.

"والخاص يخص العام"، المراد بـ"العام": "اللفظ الدال على جميع أفراده، اللفظ المستغرق لجميع أفراده"، "والخاص" المراد به: "ما لم يشمل جميع أفراد العام". فإذا وردنا خاص وعام، فحينئذ نقول بالعمل بالخاص في محل الخصوص، ونعمل بالعام فيما عداه.

وهكذا عندما قلت: "العام حجة فيما بقي"، يعني أن الأفراد الباقية بعد التخصيص يُعمل فيها بالحكم العام، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]؛ فإن لفظة "المطلقات" لفظ عام؛ لأنه جمعٌ مُعرَّف بـ"أل" الاستغراقية فأفاد العموم، ثم وردنا أن المطلقات قبل الدخول لا عدة عليهن، في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49]، وهكذا ورد التخصيص في الكبيرة والصغيرة وصاحبة الحمل في سورة "التحريم"، فيبقى ما عدا هذه الصور المخصوصة على الحكم العام في أن العدة في حقهن ثلاثة قروء.

قال: "وأشباه ذلك"، وعلى ذلك يكون "علم أصول الفقه" يُراد به: "القواعد التي تُستخرج بها الأحكام من الأدلة التفصيلية"، وبعضهم عرَّفه بأن "أصول الفقه" أي: أدلة الفقه وقواعد الاستنباط، أو كيفية الاستفادة منها وحال المستفيد الذي هو المجتهد.

قواعد أصول الفقه هل هي ظنية أم قطعية؟

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

الفصل الثاني
في أن أصول الفقه لا بد أن تكون قطعية.
شاع بين أهل العلم أن أصول الفقه لا يكفي فيها غلبة الظن، بل لا يصح البناء عليها حتى تكون قطعية.
ونازع فيه بعض أهل العلم؛ بأن كثيرًا من القواعد التي تُذكر في أصول الفقه ظني، كيف وغالبها مختلَفٌ فيه بين أهل العلم، ونجد العالم منهم إنما يحتج لقوله بحجة ظنية، وكثيرًا ما يُعبِّرون بما يُفيد أنه ليس عندهم إلا الظن، كقولهم: الأصح، الظاهر، الراجح، وغير ذلك.
وقد أُجيب بأن من القواعد ما هو قطعيٌّ بمجموع أدلةٍ كُلٌّ منها بانفراده ظنيٌّ، فيعترض بعضُ الناس كُلَّ دليلٍ منها بانفراده، فيتوهم أن تلك القاعدة ظنية.
وهذا جوابٌ قد يصح في بعض القواعد لا جميعها، فإن كثيرًا منها ترتفع دلالة أدلته بمجموعها عن الظن.
وقد يُجاب بأن تلك القواعد وإن لم تكن قطعية في صحتها، فهي قطعية في وجوب الأخذ بها.
فقولنا: "الأمر يقتضي الوجوب"، إذا لم يتيسر للمجتهد القطع بصحتها؛ فإنه قد يتتبع عدةَ أوامرَ خاليةٍ عن القرينة المقتضية للوجوب والصارفة عنه، فيستظهر اقتضاءها الوجوبَ، وأن اقتضاء الوجوب مقتضى الأمر، فيلزمه قطعًا الأخذ بذلك؛ لاندراجه تحت أصل قطعي، وهو وجوب حمل الكلام على ظاهره ما لم يصرف عنه صارف.
ولا شك أن المراد بالظاهر هنا ما يشمل الظاهر للمجتهد: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].
وقد يُقدح في هذا الجواب بوجهين:
  • الأول: أن ظاهر عبارات مشترطي قطعية الأصول وصريح كلام بعضهم: أن مرادهم قطعية الصحة لا قطعية وجوب الأخذ.
  • الوجه الثاني: أن قطعية وجوب الأخذ عامة في جزئيات الشريعة، فلا وجه لتخصيص الأصول منها.
وبيانه أنه ليس للمجتهد أن يقول في الدين إلا بما رآه دليلًا شرعيًّا، والأخذ بما رآه دليلًا شرعيًّا واجب قطعًا، فيقول في كل جزئية: أرى هذا دليلًا شرعيًّا، والأخذ بما أراه دليلًا شرعيًّا واجب عليَّ قطعًا.
نعم، قد يُستفاد من هذا جواب آخر: وهو أن القواعد التي تُذكر في أصول الفقه على ضربين:
  • الأول: الأصول الحقَّة.
  • الثاني: ضوابط تُحيط بجزئياتٍ تندرج تحت أصلٍ من الضرب الأول.
فكما أن المجتهد إذا سمع قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ [النور:33]، فرأى أن ظاهر الكلام وجوب المكاتبة بشرطها؛ لزمه القول بها قطعًا؛ للقطع بوجوب حمل الكلام على ظاهره ما لم يصرف عنه صارف.
فقد وجب الأخذ هنا قبل استحضار قولنا: "الأمر يقتضي الوجوب"، غاية الأمر أنه قد يتبع عدة أوامر إلى آخر ما تقدم، فيضع هذا الضابط: "الأمر يقتضي الوجوب". وعلى هذا؛ فتسمية هذه الضوابط "أصولًا" لا يخلو من تسمُّح.
ويُجاب بأن كثيرًا من القواعد إنما هي ضوابط لجزئيات كثيرة تندرج كلها في أصول قطعية، فمن هذا قولُهم: "الأمر يقتضي الوجوب"، و"النهي يقتضي التحريم"؛ فإن الجزئيات التي تدخل تحت كل منهما تدخل تحت أصل: "الكلام محمول على ظاهره ما لم يصرف عنه صارف".
ولا ريب أن "الظاهر" هنا يشمل الظاهر عند المجتهد وقد خالفه غيره، ويشمل الظاهر عنده ظنًّا: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7].
فإذا نظر المجتهد في نصٍّ فيه أمرٌ ظاهر، فوجد الظاهر اقتضاء الوجوب، علم أن تلك الجزئية داخلة في أصل: "الكلام محمول على ظاهره... إلخ"؛ فلزمه القول فيها بالوجوب.
ثم ينظر في أوامر أخرى فكذلك، فينظر في سبب ظهور اقتضاء الوجوب في تلك النصوص فيجده الأمر، فينتظم له ضابط: "الأمر يقتضي الوجوب"، فإن تيسر القطع في هذا فذاك، وإلا كفى فيه الظن. وقِس على هذا قولهم: "النهي يقتضي التحريم".
وربما يندرج تحت الأصل القطعي قاعدة، وتندرج تحت هذه القاعدة قاعدة أخرى، وقد تتعدد الوسائط.

المراد بالقطعي والظني

الشيخ: اعتنى المؤلف هنا بالنظر في قواعد هذا الفن: هل هي ظنية أو قطعية؟

ولا بد أن نُميِّز ما المراد بالقطع والظن على ما تقدم.

فهل القطع ينتفي بمجرد الاحتمال؟ أو لا ينتفي إلا باحتمالٍ مستند إلى دليل؟ وحينئذٍ قد يتوسع مفهوم القطع عندنا.

وقد ذكر المؤلف أن كثيرًا من أهل العلم نصُّوا على أن أصول الفقه لا تثبت إلا بالقطع.

والقطعية لها ثلاثة أوجه:

  1. قطعيةٌ في حجية الدليل.
  2. وقطعيةٌ في سند الدليل.
  3. وقطعيةٌ في فهم الدليل.

مثال ذلك: لو جاءك شخصٌ بقول صحابي؛ فحينئذٍ قول الصحابة  ليس أمرًا مقطوعًا بحجيته. وهكذا لو جاءك بخبرٍ حسنِ الإسناد؛ لم تقطعْ بحجيته وإن كنت تظن ذلك.

  • فالأول: ناتجٌ من ذات حجية الدليل.
  • والثاني: ناتجةٌ الظنيةُ فيه من إسناده، وإلا فإننا نجزم بأن السنة حجة؛ لكن نزلنا من رتبة القطع إلى الظن هنا لوجود شيءٍ في الإسناد.
  • والثالث: من جهة الدلالة.

فالدلالات ليست على رتبة واحدة، بل هي متعددة الرتبة؛ منها ما هو يقيني ومنها ما هو مظنون.

ومن أمثلة هذا: أن النصَّ قطعيُّ الدلالة، لكن مثلًا "دلالة الإشارة" أو "دليل الخطاب" هذه ظنية، وبالتالي ليست مماثلة للأولى.

والاستفادة هنا، يعني أن مفهوم الخطاب في هذين النوعين: دليل الخطاب ودلالة الإشارة، إنما يُستفاد منه الظن؛ ولذلك قد يكون الدليل قطعيًّا لكننا لا نستفيد منه إلا الظن.

حجية مثلًا "مفهوم الموافقة" قطعية، لكن في بعض مسائل "مفهوم الموافقة" لم نستفد منها إلا الظن.

وحينئذٍ نعرف أن العلماء لهم ثلاثة أقوال فيما يتعلق بقواعد علم الأصول: هل هي قطعية أو ظنية؟

  • واحد يقول: هي قطعية.
  • والآخر يقول هي ظنية، أو منها ما هو ظنِّي.
  • والثالث يقول: أصلها قطعي، وتفريعاتها وجزئياتها قد يكون منها ما هو ظنِّي.

فإذا عرفت هذه الأشياء الثلاثة: حقيقة الظن والقطع، ومنشأ القطع والظن، وما يتعلق بالنظر في أصل المسألة أو في تفريعاتها؛ حينئذٍ يمكن أن تجعل هذه الأقوال يقترب بعضها من بعضها الآخر.

وحينئذٍ أشار المؤلف إلى ثلاث مسائل:

  • المسألة الأولى: أن تكون هناك مسألةٌ فيها دليلٌ ظنيٌّ، لكن تلك القاعدة لم تثبت بذلك الدليل الظني وحده، بل ثبتت بأدلةٍ ظنيةٍ متعددة، هذه الأدلة عندما اقترن بعضها مع بعضٍ ارتقت إلى أن تكون مفيدةً للقطع.
  • والأمر الثاني فيما يتعلق بهذا الباب: أن يُلاحظ أنه قد يكون مفادُ القاعدة الظنَّ، لكن الدليل الذي قام على حجية ذلك الدليل قطعي.

ونُمثِّل في هذا بالإجماع، فإنك لو نظرت إلى الدليل الواحد من أدلة الإجماع لقلت: لا يدل إلا على ظن حجية الإجماع، فإذا جمعت هذه الأدلة اكتسبت من مجموعها استفادة القطع بحجية الإجماع.
ثم هذا الإجماع في مرات قد يكون باقيًا على أصله، وقد يكون اعتراه أشياء جعلته ينزل عن رتبة القطع؛ كإجماعٍ رُوي من طريق الآحاد، أصل الإجماع قطعي، لكنه لما لم يُروَ إلا من طريق خبر الواحد، حينئذٍ كان ظنيًّا.

  • والأمر الثالث: أن دلالة القاعدة قد تكون قطعية، لكن تطبيقاتها على جزئياتها تكون ظنية.

فمثلًا: قد يأتيك من يقول: دلالة الأمر قطعية في وجوب الإتيان به، بدلالة أن دليلها الذي قام عليها قطعي، لكن هذا الأمر يمكن أن يَرِدَ عليه قرائن تُحوِّله من الأصل -وهو الوجوب- إلى شيءٍ آخر، فأصل القاعدة: هو استفادة الوجوب من الأمر قطعي، لكن هذا الأمر بجزئيته في دلالته على الوجوب ليس قطعيًّا لاحتمال وُرُود القرائن أو لوجود ما أضعفَ دلالته.

فتُلاحظون هذه الأمور، وبعض أهل العلم طعن في قطعية بعض الأشياء بوجود الخلاف فيها؛ وهذا لا يصح، فكم من أمرٍ قطعي ومع ذلك يوجد الخلاف فيه، بل انظر إلى أصل التوحيد بوجوب إفراد الله بالعبادة، وُجد من خالف فيه، هل معنى هذا أن نقول: هذه قاعدة ليست قطعية؟! فالخلاف لا يصح أن يُجعل سببًا للحكم على المسألة بأنها ليست قطعية بل ظنية.

وهكذا كون بعض الناس أو بعض العلماء قال: الظاهر في هذه المسألة، والأظهر، والراجح، لا يعني أن ذلك القول ليس بقطعي، فإن هذا مستند إلى ذلك الشخص.

وحينئذٍ نفهم ما كان في كلام المؤلف في هذا الفصل، مثَّل المؤلف لذلك بحمل الظاهر على المعنى الراجح، هذه قاعدة أصلية دليلها قطعي لكن تطبيقها على جزئياتها هو الذي تعتريه الظنية، ومن ثَمَّ فاعتراء الظنِّية في التطبيقات لا يعني أن أصل القاعدة ظني.

هذا شيءٌ مما يتعلق بهذا، ويبقى عندنا البحث في الفصل الثاني في الأحكام، لعلنا نجعل له درسًا آخر بعد صلاة المغرب.

وفقكم الله لكل خير، وجعلكم الله من الهداة المهتدين.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

^1 ينظر: "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة: ص113.
^2 ينظر: "جامع بيان العلم" لابن عبد البر: 2/ 941.
^3 رواه البخاري: 5063، ومسلم: 1110.
^4 عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالا أبيض وعقالا أسود، أعرف الليل من النهار؟ فقال رسول الله : إن وسادتك ‌لعريض. رواه البخاري: 4509، ومسلم: 1090 واللفظ له.
^5 رواه البخاري: 5893، ومسلم: 259.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©