تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري
معالي الشيخ د. سعد بن ناصر الشثري

من قوله: "الفصل الثالث في الأحكام" (2)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين. أسأل الله جل وعلا لكم التوفيق لِخَيْرَي الدنيا والآخرة، وأسأل الله أن يرضى عنكم رضا لا يسخط بعده أبدًا، وأسأل الله جل وعلا أن يُعلي مكانة الجميع في جنات الخلد، وأن يرزقهم مرافقة المصطفى في تلك الدار؛ وبعد:

فهذا هو الدرس الثاني الذي نتدارس فيه ما وُجد من رسالة العلَّامة المُعلِّمي في أصول الفقه، وقد تقدم معنا في الدرس الأول البحث في مقدمات هذا العلم؛ من جهة التعريفات، وهل قواعد هذا الفن قطعية أو ظنية. ونتدارس في هذا اليوم مباحث الأحكام الشرعية، ولعلنا نستمع لقراءة هذا الفصل من الشيخ محمد، بارك الله فيه.

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

اللهم اغفر لنا، ولشيخنا، وللحاضرين، وللسامعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

الأحكام الشرعية

قال المصنف رحمه الله تعالى:

الفصل الثاني في الأحكام.

الشيخ: صوابه: الثالث، تقدم معنا فصلان. نعم.
القارئ:

الحُكم في الأصل: القضاء. والمراد به هنا: قضاء الله تعالى على عباده إيجابًا أو تحريمًا أو غيرهما مما يأتي. والأحكام على ضربين؛ الضرب الأول: التكليفي؛ وهو خمسة:
  • الأول: الوجوب؛ وهو الأمر المُحَتَّم، على معنى أنه إن لم يفعل كان عاصيًا.
  • الثاني: الندب؛ وهو المُرَغَّب فيه، على أنه إن فعل فقد أحسن، وإلا فليس بعاصٍ.
  • الثالث: الإباحة؛ وهو الإذن على وجه يُعلَم به استواء الفعل والترك.
  • الرابع: الكراهية؛ وهي التنفير عن الفعل، على أنه إن فعل فقد أساء، ولم يبلغ أن يكون عاصيًا.
  • الخامس: التحريم؛ وهو حظر الفعل، على أنه إن فعل فهو عاصٍ.
وهنا مسائل:
الأولى: لا خلاف أن الوجوب له درجات، يتفاوت بها ما للعامل من الأجر، وما على التارك من الوزر، فوجوب رد السلام ليس كوجوب الصلوات الخمس. والفرض والوجوب يتواردان على معنى واحد، إلا أن الفرض يُشعِر بتأكُّد الوجوب. وقد اصطلح الحنفية على تخصيص الفرض لِمَا ثبت بدليل قاطع، والواجب لِمَا ثبت بدليل ظني، كذا نُقل عنهم، ولهم تفصيل؛ قيل: والخلاف لفظي. أقول: لكنه يتعلق به خلاف معنوي، سنلمّ به في محله -إن شاء الله تعالى-.
المسألة الثانية: الوجوب منه عيني؛ وهو ما لا يسقط الحرج عن المكلَّف بفعل غيره له. وإما كفائي؛ وهو ما يُطلب حصوله، فإذا قام به بعض المكلَّفين، لم يأثم الباقون بتركه.
المسألة الثالثة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ وذلك كغسل شيء من حدود الوجه مع الوجه، والسفر لأداء الحج، وتحصيل ما يستر العورة وسترها للصلاة، ونحو ذلك. فإن الرجل إذا كان هو وولده خارج حجرة مُقفلة فيها مصحف، وهو يعلم ذلك كله، وقال لولده: ناولني المصحف؛ عُلِم من هذا الأمر أمرُه بالحركة إلى الحجرة وفَتْحها، ونحو ذلك، مما لا بُدَّ منه للتوصل إلى مناولة المصحف. فأما ما لا يتم الوجوب إلا به فلا يجب؛ فالتوبة من الذنب واجبة، ولا يتم وجوبها إلا بإتيان الذنب، وليس بواجب. وقضاء الدَّين واجب، ولا يتم وجوبه إلا بأخذ الدَّين، وليس بواجب. وهكذا تحصيل النصاب للزكاة، وغيره.
المسألة الرابعة: الواجب المُخَيَّر، يكفي المكلَّف أن يأتي بواحد مما خُيِّر فيه، وهذا مقطوع به متفق عليه. واختُلف في الثواب والعقاب إذا فَعَلَ اثنين منها فأكثر معًا، أو تَرَكَها كلها. ومما يدل على الحق فيها: أنه لو أتلف زيد سلعةً لعمرو تساوي عشرة دراهم مثلًا، وكان عمرو محتاجًا إلى سكنى دارٍ لزيد، وأُجْرَتُها في الشهر نحو ثلاثة عشر درهمًا، وكان صرف الدينار باثني عشر درهمًا؛ جاز أن يقول الحاكم لزيد: أَسْكِنْ عَمْرًا دارَك شهرًا، أو ادفع إليه دينارًا أو عشرة دراهم. فلا ريب أن الواجب في نفس الأمر هو عشرة دراهم أو ما يَعدِلُها، والتخيير بين ذلك وبين ما زاد عليه هو على طريق الفضل، فإذا لم يفعل شيئًا مما ذُكر لم يكن عليه إثم إلا بمقدار عشرة دراهم، كما لا يخفى.
المسألة الخامسة: الندب تختلف درجاته في التأكيد وعدمه؛ وهو والمسنون والمستحب والمُرَغَّب فيه بمعنى. واصطلح الحنفية على تخصيص كلٍّ منها بدرجة، ولا يتعلق بذلك خلافٌ معنوي -فيما أعلم-.
المسألة السادسة: المكروه تختلف درجاته، وكثيرًا ما يُطلَق على الحرام؛ ويُميزون بينهما بقولهم: "مكروه تنزيهًا" و"مكروه تحريمًا". وفي المنقول عن السلف ما يقتضي أنهم إنما يُطلقون المكروه بمعنى الحرام، حيث لم يكن التحريم منصوصًا، يتباعدون عن مقتضى قوله تعالى: وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ [النحل:116].
المسألة السابعة: الحرمة تختلف درجاتها؛ ويُقْسَم في الجملة إلى قسمين: لَمَمٍ أو صغائر، وكبائر. وجاء في بعض الذنوب أنها من أكبر الكبائر.
المسألة الثامنة: في التحريم المُخَيَّر؛ هناك ثلاث صور:
الأولى: ما يحدث بتعاطي أحد الشيئين مفسدةٌ في تعاطي الآخر، كالمرأة وابنتها في النكاح؛ فإنه إذا نكح البنت حَرُمَت عليه الأم، وإذا نكح الأم ودخل بها حَرُمَت عليه البنت.
الصورة الثانية: ما تكون المفسدةُ في الجمع، كالأختين في النكاح. ومعلوم في هاتين الصورتين أنه قبل تعاطي أحد الأمرين يكون تعاطي كل منهما حلالًا.

تعريف الحُكم لغةً واصطلاحًا

الشيخ: ذكر المؤلف هاهنا ما يتعلق بمباحث الأحكام، وعرَّف الحُكم بأنه القضاء. وبعض أهل العلم يقول بأن الحُكم في اللغة: المنع؛ وذلك أن الحُكم يمنع المحكوم عليه من مخالفة ما ورد عليه من الحُكم. وأما القضاء: فإنه يُراد به الفصل بين الخصومات، أو الأمر المُحَتَّم الذي لا بُدَّ من وقوعه. وعرَّف المؤلف الحُكم اصطلاحًا بأنه: قضاء الله تعالى على عباده إيجابًا أو تحريمًا أو غيرهما.

والقضاء مرةً يُطلَق ويُراد به الأمر الكوني؛ كما في قوله تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ... [فصلت:12]. وقد يُراد به الأمر الشرعي؛ كما في قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]. وجمهور أهل الأصول يعرِّفون الحُكم الشرعي بأن المراد به: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلَّفين، بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

فقولهم: "خطاب الله"؛ أي: ما ورد من الله ​​​​​​​ للعباد، وذلك يُخرِج ما تعارف عليه الناس، أو يُخرِج ما أصدره بعضُهم على بعضِهم الآخر.

وقولهم: "المتعلق بأفعال المكلَّفين"؛ لأن ما ليس من الأفعال فلا يُحكم عليه، كالذوات.

وقولهم: "المكلَّفين"؛ يُراد به: العقلاء البالغون؛ لأن مَن لم يكن عاقلًا -كالمجانين- فإنه لا ترد الأحكام على أفعالهم. وهكذا البهائم؛ فإنه لا يُحكم عليها بحُكمٍ لذاتها، وإنما الحُكم بأفعال المكلَّفين التي تتعلق بها وبأفعالها.

وقولهم: "بالاقتضاء"؛ أي: الطلب. وقد يكون الطلب جازمًا للفعل فيكون إيجابًا، وقد يكون الطلب جازمًا بالترك فيكون تحريمًا، وقد يكون الطلب غير جازم للفعل فيكون ندبًا واستحبابًا، وقد يكون الطلب للترك غير جازم فيكون كراهةً.

وأما التخيير: فيُراد به الإباحة.

وأما الوضع: فيُراد به ارتباط الحُكم الشرعي بأمرٍ يُلازمه؛ سواء كان مقدمةً له، أو كان وصفًا له، أو كان أثرًا من آثاره.

أقسام الأحكام

وذكر المؤلف أن الأحكام على ضربين؛ وذكر الضرب الأول: وهو التكليف، والضرب الثاني: وهو الوضع. والبحث في الوضع لم نجده في الرسالة المطبوعة؛ مما يدل على أن هذه الرسالة لم يستكمل المؤلف فيها مراده من التأليف في العلم الأصولي. ولذا؛ تجدون هذا واضحًا في ثلاثة مواطن، هذا أحد هذه المواطن.
وثانيها: في الفرق بين الفرض والواجب؛ حيث قال المؤلف: "سنلمّ به في محله -إن شاء الله تعالى-" ولم يَرِد ذِكره.
وثالثها: في آخر الرسالة، عندما ذكر أن صور التحريم المخيَّر ثلاث، وذكر منها اثنتين، ولم يذكر الصورة الثالثة.

الحُكم التكليفي وأنواعه

وقوله هنا: "الضرب الأول: التكليفي"؛ والحُكمُ التكليفيُّ حُكمٌ شرعيٌّ، وهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلَّفين، بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع؛ وينقسم إلى خمسة أقسام:

الوجوب

  • أولها: الوجوب؛ وهو خطاب الشارعِ الطالبِ للفعل على سبيل الجزم، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]؛ فهذا خطاب بطلب الفعل على جهة الجزم. ومن أثر الوجوب: أن يكون الفعل متحتمًا على المكلَّف الذي خوطب بذلك الخطاب، بحيث يُعَدُّ فاعله على سبيل القربة ممتثلًا مأجورًا، ويُعَدُّ تاركه قصدًا آثمًا عاصيًا. ومن أمثلة ذلك: ما ذكرنا من وجوب الصلوات الخمس، ووجوب زكاة المال، ووجوب صلاة الجمعة وصلاة الجماعة.

الندب

  • والحُكم التكليفي الثاني: الندب؛ وهو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلَّفين بطلب الفعل على غير سبيل الجزم والتحتُّم، وهو المُرَغَّب فيه؛ أي: الذي رغَّب الشارع فيه، فإن فَعَله المكلَّف فإنه يُعَدُّ مُحسِنًا مأجورًا، وإلا لا يُعَدُّ عاصيًا.

صِيَغ الوجوب

والوجوب له صِيَغ؛ منها: الصيغة الصريحة بالوجوب؛ كقوله: "أوجبَ اللهُ عليكم" وما ماثَلَها، كقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة:183]، وسُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا [النور:1]. وكذلك صِيَغ الأوامر، ومنها صيغة "افعل"؛ كقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]. والفعل المضارع المسبوق بلام الأمر؛ كقوله: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]. وهكذا من صِيَغ الوجوب: ترتيب العقوبة على ترك الفعل. وأما الندب فإن من صِيَغه: الترغيب في الفعل وترتيب الثواب عليه، من غير ترتيب عقاب على تركه.

الإباحة

  • وأما الإباحة؛ فالمراد بها: خطاب الشارع بتخيير المكلَّف بين الفعل والترك، غير مقترن بالمدح ولا الذم لذاته؛ ومن أمثلته: المشي والنوم الذي لا يكون المرء مضطرًا إليه. وحُكمه: أن فاعله لا يُؤجر ولا يُعاقب عليه لذاته. ومن الصِّيَغ الدالة عليه: "لا جناح"؛ كقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]، وقوله: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61]، وكذلك من صِيَغه: الإباحة بالتخيير بين الفعل وعدمه؛ كقوله لمَّا سُئل: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ فقال: إن شئتم[1]. وهكذا أيضًا مما يدل على الإباحة: ألَّا يَرِد حُكم للفعل؛ فيُؤخذ منه أن الفعل على الأصل في الإباحة، لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29].

الكراهة

  • والحُكم الرابع: هو الكراهة؛ والمراد بها: طلب الشارع لترك الفعل على غير سبيل الجزم. وحُكمها: أن فاعلها لا إثم عليه، وتاركها قصدًا يريد الثواب والقُربة له الأجر والثواب. ومن أمثلة ذلك: أن يدخل المرء بشماله في المسجد.

التحريم

  • والحُكم الخامس: هو التحريم؛ والمراد به: خطاب الشارع بطلب ترك الفعل على سبيل الجزم؛ ومن أمثلته قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء:32]، وقوله جل وعلا: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، وقوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]. ومَن فَعَله فهو عاصٍ آثم متى كان عالمًا به، ومَن تَرَكه بقصد التقرب لله فإنه مأجور مُثاب.

درجات الوجوب

والوجوب له درجات؛ فليست الواجبات على مرتبة واحدة، بل تتفاوت بتأكيد الطلب عليها، وتتفاوت بحسب ما رُتب على فعلها من الأجر، وتتفاوت بحسب ما رُتب على تركها من العقاب؛ ومثَّلَ لذلك: بالتفاوت بين رَدِّ السلام وبين أداء الصلوات الخمس المفروضة.

الفرق بين الواجب والفرض

وهنا مسألة؛ وهي: هل هناك فرق بين الفرض والواجب؟ فالجمهور يقولون: لا فرق بينهما، لكنهم يجعلون الواجبات متفاوتة الرتبة. والحنفية قالوا: إن الواجبَ المرادُ به طلب الشارع فِعله على سبيل الجزم لكن بدليل ظني، ورتَّبوا عليه أن مَن جحده فإنه لا يُعَدُّ كافرًا، بخلاف الفرض؛ فهو ما طلب الشارع فِعله على سبيل الجزم بدليل قطعي، وقالوا: إن مَن أنكره فإنه يُعَدُّ كافرًا -إذا عَلِمَ أن الشارع قد طلبه-. وبقية العلماء يقولون: إن الواجبات متفاوتة الرتبة؛ وبالتالي تعود أقوالهم إلى قولٍ واحدٍ عند أكثر الأصوليين، والمؤلف يرى أن الخلاف معنوي، وأَرْجى بحثَ الآثار المترتبة على هذا الخلاف في محله.

فرض العين وفرض الكفاية

ثم هذا الواجب ينقسم باعتبار طريقة المُطالَبة به إلى:

  • فرض عين.
  • وفرض كفاية.

فرض العين: هو الذي يتعلق الوجوب فيه بعين المكلَّف، بحيث لا يُجزئ المكلَّف إلا أن يقوم به بنفسه؛ ومن أمثلة ذلك: الصلوات الخمس. وتلاحظون أن فرض العين لا يلزم أن يكون جميع الناس قد طُولِبوا به؛ ولذلك الحائض مثلًا لا تُطالَب بأداء الصلوات الخمس، مع أن هذا الواجب من فروض الأعيان.

ويقابله فرض الكفاية: وهو الذي يقصد فيه الشارعُ إيقاع الفعل بغض النظر عن الفاعل؛ ومن أمثلة ذلك: تغسيل الميت؛ الشارع أراد أن يُغسَّل الميت، فحينئذٍ هذا واجب، لكن وجوبه على سبيل الكفاية، فإذا وُجد مَن يقوم بتغسيل الميت فحينئذٍ نال هؤلاء المُغسِّلون أجر ذلك الفعل، وأما إذا تَرَكه الجميع فإن كل مَن علم بحاله يُعَدُّ آثمًا. ومن ذلك مثلًا: الصلاة على الميت، تكفين الميت، دفن الميت، وهكذا صلاة العيد -على الصحيح من أقوال أهل العلم-، وصلاة الكسوف.

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب

والواجبات؛ منها ما يجب لذاته كالصلوات الخمس، ومنها ما وجوبه لأنه وسيلة للواجب الأول، بحيث لا يمكن فعل الواجب الأول إلا بفعله. ومن أمثلة ذلك: صلاة الجمعة واجبة، ولا يمكن أن تُؤدَّى صلاة الجمعة إلا بالذهاب إلى المسجد، فيكون الذهاب إلى المسجد من الواجبات؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وتلاحظون أن صلاة الجمعة هنا قد تعلقت بذمة المكلَّف ولو لم يمشِ ولو لم يذهب إلى المسجد، فوجوبها متقرر في ذمة المكلَّف قبل وجود الوسيلة.

ومثَّل المؤلف لذلك بغسل شيء من حدود الوجه مع الوجه؛ الوجه يجب استيعابه في الوضوء، ولا يمكن استيعاب الوجه إلا بغسل شعرات من الرأس في أطراف الرأس، فيكون غسل هذه الشعرات -التي في المقدمة- من الواجبات لا لذاته وإنما لكون الواجب الأول -وهو استيعاب الوجه بالغسل- لا يتم إلا بغسل هذه الشعرات. وهكذا غسل القدمين واجب إلى الكعبين، ولا يتم ذلك إلا بغسل جزء يسير مُلاصِق من الساق، فيكون غسل ذلك الجزء من الواجبات؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

والحج واجب؛ لقوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] ولكن هذا الواجب لا يمكن أن يفعله المكلَّف إلا بالسفر، فيكون السفر واجبًا، فوجوب الحج متقرر قبل فعل الوسيلة -التي هي السفر-؛ فيكون السفر واجبًا. وهكذا يجب على المكلَّف أن يُصلي، والصلاة لا تصح إلا بستر العورة، فحينئذٍ يكون ستر العورة واجبًا؛ لأنه لا يتم فعل الواجب الأول -وهو الصلاة- إلا بستر العورة؛ فيكون سترها للصلاة من الواجبات.

واستدل المؤلف لهذا بدليل عقلي؛ قال: فإن الرجل إذا كان هو وولده خارج حجرة، وتلك الحجرة قد قُفلت، وفيها مصحف، وهو يعلم ذلك كله، فحينئذٍ لمَّا قال الوالدُ لولده: ناولني المصحف، كأنه قال له: اذهب إلى الحجرة، ثم افتح الحجرة، ثم بعد ذلك خذ المصحف، ثم ائتني به وناولني، فإن مناولة الولد للوالد بالمصحف لا تتم إلا بهذه الأمور وهذه الأفعال.

ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب

ويقابل هذه القاعدة: "ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب"؛ وهذه تعني أن الواجب لم يتعلق بفعل المكلَّف قبل وجود تلك الوسيلة، فإذا كان الوجوب لم يتعلق بذمة المكلَّف قبل الوسيلة فإن الفعل لا يكون واجبًا؛ ومن أمثلة ذلك: أنه لا يجب على الإنسان الزكاة إلا إذا مَلَك النصاب، فقبل مِلك النصاب لم تكن الزكاة واجبةً عليه، لا يتم وجوب الزكاة إلا بمِلك النصاب؛ فلا يكون مِلك النصاب واجبًا عليه. لكن الذهاب إلى الفقير لإعطائه الزكاة واجب؛ لأن الزكاة كانت واجبة قبل الذهاب، فيكون الذهاب واجبًا لأنه لا يتم فعل الواجب -وهو دفع الزكاة للفقير- إلا بالذهاب إليه. ومن أمثلة ذلك: أن وجوب صلاة الجمعة لا يتم إلا بحضور العدد المشترَط -سواء قلنا: ثلاثة، أو قلنا: اثنا عشر، أو قلنا: أربعون أو خمسون- لكن إحضار العدد ليس بواجب؛ لماذا؟ لأن صلاة الجمعة لم تجب إلا عند وجود العدد، فقبل وجود العدد لم تكن صلاة الجمعة متعلِّق وجوبُها بذمة المكلَّف.

وهكذا الذنب؛ يجب على العبد أن يتوب منه، ولكن لا نقول بأنه يجب عليه أن يذنب ليتوب؛ لماذا؟ لأن التوبة هنا إنما تعلقت بذمة المكلَّف بعد وجود الذنب، أما قبل وجود الذنب فلم تتعلق به؛ والمراد: التوبة الخاصة من ذلك الذنب، وإلا فإن التوبة تجب على المكلَّف باعتبار حاله؛ لأنه ما من أحد من الناس إلا وعنده تقصير وتفريط وعنده غفلة، وكم من الأوقات أمضيناها في غير ما خُلقنا لها، فنستغفر الله ونتوب إليه من التقصير في مثل ذلك.

وهكذا؛ إذا كان في ذمتك دَينٌ وَجَبَ عليك أن تقضيه، وأن تذهب إلى صاحب الدَّين لتعطيه حقه، لكن قبل أن يتعلق الدَّين بذمتك لا نقول: يجب عليك قضاء الدَّين، ولا نقول: استدِن من أجل أن يجب عليك قضاء الدَّين؛ لأنه قبل هذا الفعل لم يكن هذا الواجب متعلقًا بذمة المكلَّف.

الواجب المعيَّن والواجب المخيَّر

ثم ذكر المؤلف تقسيم الواجبات إلى:

  • واجب مُخيَّر.
  • وواجب مُعيَّن.

الواجب المُعيَّن: هو الذي لا بُدَّ أن يفعله المكلَّف، ولا بديل له؛ كالصلوات الخمس، وصيام رمضان.

والواجب المُخيَّر: هو الذي له بديل، بحيث إذا أراد الإنسان ترك أحد البديلين وجب عليه الآخر. ومن أمثلة ذلك؛ في قوله تعالى بالنسبة للمُحرِم: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة:196]؛ فخُيِّر المُحرِم الذي حلق رأسه بين ثلاث خصال: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يُطعم ستة مساكين بمكة، أو يذبح شاة بمكة لمساكينها؛ وحينئذٍ المُتعيِّن على المكلَّف هو إحدى هذه الخصال. وإذا فعل واحدةً أُثيب ثواب الواجب، وإذا فعل الثانية؛ فهل يُثاب على الثانية ثواب الواجب أو يُثاب ثواب المستحب؟ الله أعلم بمثل ذلك.

قال المؤلف: "ومما يدل على الحق في هذه المسألة: أنه لو أتلف زيد سلعةً لعمرو تساوي عشرة دراهم مثلًا" فحينئذٍ قال القاضي: إما أن تعطيه عشرة دراهم، أو تُسكِنه في الدار التي أُجْرَتها في الشهر ثلاثة عشر درهمًا، فهنا خيَّره بين خصلتين؛ إحداهما أعلى من الأخرى، وكلتاهما تُجزئه شرعًا. ولكن في هذا المثال نظر؛ لأنه لو قال صاحب الحق: أنا لا أريد السكنى في الدار، وإنما أريد مثل ما أتلفه عَلَيَّ؛ فحينئذٍ يلزمه أن يؤدي إليه العشرة الدراهم.

ولكن مثال آخر أوضح من هذا؛ وهو: لو أنه أتلف له مالًا غير مِثْلِيّ، كما لو أتلف ساعته، وحينئذٍ كان هناك عملتان: ذهب وفضة، فإن القاضي يقول له: إما أن تؤدي له قيمتها بالذهب، وإما أن تؤدي قيمتها بالفضة، وأنت بالخيار بينهما، ولا يلزمك أن تؤدي الاثنين معًا، فهذا مثال صحيح لهذا النوع من الواجبات، وهو الواجب المُخيَّر.

الواجب باعتبار الوقت: مضيَّق وموسَّع

وهناك تقسيم آخر للواجب؛ وهو تقسيمه إلى:

  • واجب مُضَيَّق: لا يتسع الوقت إلا لفعل الواجب مرة واحدة؛ كصوم رمضان، لا يمكن أن تصوم في اليوم الواحد إلا مرة واحدة.
  • وإلى واجب مُوَسَّع: يمكن للمكلَّف فعل الواجب فيه أكثر من مرة؛ مثل وقت صلاة الظهر، الذي يبتدئ من زوال الشمس، وينتهي إلى صيرورة ظل كل شيء إلى مثله؛ فحينئذ يمكن للمكلَّف أن يفعل الواجب -وهو صلاة الظهر- في هذا الوقت مرارًا. فإن فَعَله في أول الوقت أجزأ، وإن فَعَله في وسطه أجزأ، وفي آخره يُجزئ، ولا حرج عليه في شيء من ذلك؛ مما يدل على أن الوجوب تعلَّق بجميع الوقت، وليس بأوله أو آخره فقط.

درجات الندب في التأكيد وعدمه

ثم قسَّم المؤلف الندب إلى درجات؛ فهو ليس على رتبة واحدة، بل منها ما هو أحسن مِن قسمها الآخر؛ ومن أمثلة ذلك: تفاوُت المندوبات باعتبار أثرها؛ فَفَرْقٌ بين صدقة بماء على شخص ظمآن وصل إلى حد درجة الهلاك، وبين إعطاء حلوى لطفل صغير، وكلاهما مندوب إليه، لكن الأول يسدّ ضرورة، والآخر يسدّ أمرًا تحسينيًّا.

وقال المؤلف: "وهو والمسنون"؛ يعني: أن للندب أسماءً متعددةً؛ منها: المسنون، وإن كان بعض العلماء يقول: بأن لفظة "السُّنة" يُراد بها كل ما هو مشروع، فيدخل الواجب فيها؛ لقول النبي : فعليكم بسُنتي وسُنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي[2]؛ والمراد بذلك: الأمر المشروع، بما يدخل فيه الواجب. ولكن اصطلاح الفقهاء في هذه الكلمة على المستحب فقط، وهذا اصطلاح عندهم، وإن كان بعض أهل العلم يجعل هذا اللفظ في مقابلة ما هو مبتدَع؛ فيقول: السُّنة هي الطريقة المشروعة، والبدعة هي الطريقة المخترَعة في عبودية الله جل وعلا.

وبعض الفقهاء يخص المسنون بالمستحب الذي يجب بكليته، وإن لم يجب بأجزائه وأفراده؛ فيقول مثلًا: الأكل مسنون، وأكل التفاحة هذا الأكل مسنون، لو تركه بالكلية لَعُدَّ مخالفًا عاصيًا، لكنَّ أجزاءه وأفراده ليست بواجبة. ويمثِّلون له مثلًا بصلاة الوتر، بعض العلماء يقول: هي من السنن؛ بمعنى أنه لو تركها مرةً أو مرتين لم يلحقه مأثم، أما إذا تركها بالكلية فإنه يلحقه إثم بذلك، وبهذا نعرف معنى قول المالكية عن صلاة الجماعة بأنها سُنة؛ يعني: لو تركها مرةً أو مرتين لم يأثم، لكن إذا تركها كليةً أثم عندهم. وغيرهم يرى أن صلاة الجماعة من الواجبات؛ لقول الله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، ولقول النبي : هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب[3].

وهكذا من أسماء المندوب: المستحب، والمرغَّب فيه. وبعضهم يقول: "الرغيبة" و"النافلة"، وإن كان بعض العلماء قد يُفرِّق؛ فمثلًا: السُّنة الراتبة يُراد بها ما يُشرع قضاؤه عند فوته، وأما النافلة فإنه لا يُشرع قضاؤها عند فوتها، كصلاة الضحى، إذا فاتت لا يُشرع قضاؤها، بخلاف السنن الرواتب كالسُّنة التي تكون قبل صلاة الظهر، أما السُّنة التي قبل العصر فهي نافلة لا يُشرع قضاؤها.

درجات المكروه

وأما المسألة السادسة؛ فهي في المكروه، والمكروه أيضًا تختلف درجاته، ولفظة "المكروه" تُراد مرةً فيما يَرْغَب الشارعُ من المكلَّف أن يتركه، وحينئذٍ تُطلَق على ما هو محرم وما هو مُرغَّب في تركه ترغيبًا غير متعيِّن، وهذا قد يرد في إطلاقات الشارع وإطلاقات بعض العلماء. ولكن كلمة "المكروه" في مرات تُستخدم ويُراد بها التحريم؛ كما في قوله تعالى: كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38] أي: محرمًا، وقد عَدَّ المحرمات من عقوق الوالدين، وقتل النفس، إلى غير ذلك من المحرمات. وحينئذٍ نجد أن بعض العلماء قد يتورَّع في كلمة "المحرم" فلا يستعملها، ويكتفي بكلمة "المكروه" اتباعًا للفظ الشرعي، وبعض العلماء يقول بأن لفظ "المكروه" هو ما دل على تحريمه دليلٌ غير نَصي، وحينئذٍ لما وقع فيه الاجتهاد لم يَجزم فيه بالتحريم، واحتاط من لفظ التحريم، وأطلق عليه لفظ الكراهة، وهو يُريد بذلك المنع من هذا الفعل.

ولذلك؛ إذا وردت الكراهة في كلام عدد من الأئمة فإنهم يُريدون بها التحريم. وبعضهم يقول: "المكروه تحريمًا" بخلاف "المكروه تنزيهًا". أما الحنفية فإنهم إذا قالوا: "المكروه تحريمًا" فالمراد به عندهم: ما لا يجوز فعله، ويأثم فاعله، لكن دل عليه دليلٌ ظني؛ والحرام عندهم: ما يأثم فاعله، ولا يجوز فعله، لكن دل على تحريمه دليلٌ قطعي، بحيث يُعَدُّ مُنكِره كافرًا؛ لأنه قد خالف الدليل القطعي.

تفاوت درجات الحرمة

والمسألة السابعة؛ يقول: "إن الحرمة تختلف درجاتها"؛ فالفعل الواحد من المحرمات يختلف باختلاف ما يَقترن به، والمحرمات تختلف باختلاف درجاتها؛ ومن أمثلة ذلك: ما جاء في الشريعة من تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر؛ كما في قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ... [النساء:31].

ومن هنا، الكبائر أيضًا تتفاوت؛ ولهذا قال النبي : اجتنبوا السبع الموبقات...[4] وعدَّ أكبرَ الكبائر، فذكر ثلاثةً، مما يدل على أن الكبائر متفاوتة الرتبة والدرجة. وتفاوُت الرتبة قد يكون لذات الفعل، وقد يكون لِمَا يَقترن به؛ ومن أمثلة ما يَقترن مثلًا: أن الزنا كبيرة من كبائر الذنوب، وفاحشة عظيمة، ويَعظم إثمها إذا كان مَن زنا بها المرءُ امرأةً متزوجةً، فأفسد فراش الزوجية، ويعظم بكون الزاني مُحصنًا، ويعظم بكونها قريبةً للزاني؛ فهنا هذا الذنب العظيم عَظُم إثمه وكَبُر جُرمه بسبب ما يَقترن به.

وقد يتفاوت باختلاف المحل والمكان؛ ولهذا قال تعالى: وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج:25] وقد يتفاوت التحريم بحسب مَن يقع عليه الفعل، وقد يتفاوت بحسب مَن يقع منه الفعل، وقد يتفاوت بحسب صفة المكلَّف حال الفعل، فالذنب في الصيام أعظم من الذنب قبل الصيام، والذنب في الإحرام أعظم من الذنب قبل الإحرام.

المحرَّم باعتبار التعيين والتخيير

ثُمَّ ذكر المؤلف تقسيم المحرمات إلى:

  • مُحرَّم معيَّن.
  • ومُحرَّم يلحقه التخيير.

فالمُحرَّم المُعيَّن: الذي يُحرَّم في كل الحالات. وأما المُحرَّم المُخيَّر: فهو الذي لا تَحرُم جميع خصاله مطلقًا، إنما يَحرُم عليه إحدى الخصلتين؛ وذكر لذلك صورًا:

  • فالصورة الأولى: أنه ما كان تحريمه على سبيل البدلية، فإذا فعل أحدَ الفعلين، حَرُم عليه الفعل الآخر أبدًا. ومن أمثلة ذلك: نكاح المرأة وابنتها، فإذا نكح المرأةَ، حَرُم عليه أن ينكح ابنتها مطلقًا وأبدًا، وبقي الأول على ما هو عليه من الإباحة.
  • والصورة الثانية: ما كان تحريمه على سبيل الجمع؛ بحيث إذا فعل أحد الفعلين حَرُم عليه الآخر ما دام فاعلًا للأول مُبقيًا لأثره، فإذا ما زال أثر الفعل الأول جاز له أن يفعل الثاني. ومن أمثلة ذلك: الجمع بين الأختين، فإنه لا يجوز للإنسان أن يجمع بين اثنتين، فإذا تزوج بامرأة حَرُم عليه أن يتزوج بأختها، ما دامت الأولى في ذمته. فإذا ماتت الأولى أو فُسِخ نكاحها، فإنه يجوز له أن يتزوج بالأخرى.
  • وأما الصورة الثالثة من المحرمات المُخيَّرة: فما كان على سبيل الاشتباه، بحيث إذا تبيَّنت حقيقة الحال جاز له أن يفعل ما مُنع منه ابتداءً.

فهذه رسالة الشيخ رحمه الله تعالى، وقد وصل فيها إلى نهاية الحُكم التكليفي، وبقي ما يتعلق بالحُكم الوضعي، والأدلة الشرعية، وقواعد الاستنباط، ومباحث الاجتهاد والتقليد، والتعارض والترجيح.

أسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لكل خير، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، كما نسأله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا خالصًا.

اللهم كن معنا في كل خير، مؤيدًا ناصرًا.

اللهم يا حي يا قيوم، اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك وعبدك محمد ، وعبادك الصالحون؛ ونعوذ بك مما استعاذك منه نبينا محمد ، وعبادك الصالحون.

هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

^1 رواه أحمد: 20925، وأصله في صحيح مسلم باختلاف يسير، وقال محققو المسند: صحيح لغيره.
^2 رواه أبو داود: 4607، وأحمد: 17185، باختلاف يسير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 937.
^3 رواه مسلم: 653.
^4 رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©