تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. صالح بن سعد السحيمي
فضيلة الشيخ د. صالح بن سعد السحيمي

اغتنام الأوقات في رمضان

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهد الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

الاستعداد لشهر رمضان

فنسأل الله الكريم رب العرش العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يُهِلَّ علينا هذا الشهر بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام، كما هو دعاء النبي : اللهم أَهِلَّه علينا باليُمن والإيمان والسلامة والإسلام، ربي وربك الله[1].

إخوتي وأحبتي في الله، هذا الضيف المبارك، شهر رمضان المبارك، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185]؛ يجب علينا أن نحترمه وأن نُعظِّمه، لا بالحفلات والمأكولات والمشروبات، ولا بالطبول والزمور، ولا بالزغاريد والمَسيرات، وإنما بصيامه وقيامه على الوجه الذي يُرضي الله تبارك وتعالى، بالجد والاجتهاد في العمل الصالح الذي يُقرِّب إلى الله تبارك وتعالى في هذا الشهر المبارك، أعظم الشهور وأفضلها عند الله، وأجلّها وأكرمها، فالواجب علينا -نحن المسلمين- أن نكرمه وأن نضيّفه، وضيافته إنما تكون بالأعمال الصالحة المقرِّبة إلى الله تبارك وتعالى.

الناس منذ بداية شعبان يتجهزون بشراء المأكولات والمشروبات والمطعومات والملبوسات، بل ربما بشراء بعض المحرمات والملهيات والمشغلات من مرئية أو مسموعة أو مقروءة، وهذا ليس هو تكريم هذا الشهر المبارك، بل هذه إهانة له. وبعض الناس يظن أنه شهر الجوع فيسرف في شراء بعض المأكولات وبعض المشروبات وما إلى ذلك، ولم يستعد له بالتوبة الصادقة المقرِّبة إلى الله ، ولم يستعد له بالجد والاجتهاد بتلاوة القرآن والصدقة والمحافظة على الفرائض والنوافل وما إلى ذلك مما يجب على المسلم أن يستعد له إكرامًا لهذا الشهر.

إذَن، علينا أن نجتهد -يا رعاكم الله- في إكرامه والاستعداد له بأمور حث عليها الله تبارك وتعالى في كتابه، وحث عليها رسوله .

تأملات في آيات الصيام

قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ۝ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۝ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ۝ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ۝ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة:183-187].

تأملوا هذه الآيات وما فيها من توجيهات:

فأولًا: كتب الله علينا صيامه على المستطيع؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ 00تَتَّقُونَ [البقرة:183] يعني: إن كنتم من المتقين.

وثانيًا: هو الشهر الذي أُنزل فيه القرآن، والشهر الذي كان يدارس فيه جبريلُ رسولَ الله القرآنَ.

وثالثًا: كان في البداية يصوم المرء أيامًا غير محددة، حتى شرع الله صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة.

ورابعًا: رخَّص لمَن كان مريضًا أو كان مسافرًا أن يُفطر ويصوم في أيام أُخَر.

وخامسًا: رخَّص الله لكبير السن والمريض أن يُطعِم؛ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].

ثم بيَّن أن مَن تطوَّع -يعني: مَن صام حتى ولو كان مسافرًا- فهو خير له. ثم بيَّن أن الصوم خير من الفطر؛ ولكن الذي عليه جمهور العلماء أن الأمر لا يخلو من ثلاثة أحوال: فإذا وُجدت مشقة فالفطر أفضل، وإذا كان الراجح عدم المشقة فالصوم أفضل، وإن تساوت المشقة وعدم المشقة خُيِّر المرء بين الصوم وبين الإفطار.

ثم بيَّن أنه: أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ، وبيَّن أنه شكرٌ لله ، وبيَّن أنه يُكبَّر في نهايته عند ثبوت هلال شوال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

ثم انظروا إلى نكتة عظيمة في مجيء آية الدعاء بين آيات الصيام؛ قال أهل العلم: إن هذا دليلٌ على أن الدعاء في الصوم مفضلٌ على غيره، فالدعاء في وقت الصوم أفضل منه في غيره؛ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

ثم بيَّن أن المرء يستطيع أن يتمتع بأهله في ليل رمضان ممَّا أَحَلَّ الله له، ثم بيَّن تحريم المباشَرة وقت الاعتكاف.

أهمية التحقُّق من طلوع الفجر وغروب الشمس

ثم بيَّن أهمية التحقُّق من طلوع الفجر: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187]، وفي هذا توقيتٌ للصوم من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

وهنا أُنبِّه على مسألة: هناك أناس يتطفلون على العلم، ويتقفَّرون العلم وهم لا يعرفون العلم؛ يُطالعنا بعضهم بفتاوى وأفكار غريبة وعجيبة، فيزعمون أن طلوع الفجر الذي هو معلوم -لا سيما في بلادنا- غير صحيح، فيأكلون ويشربون بعده بربع ساعة أو عشرين دقيقة، وهؤلاء أظنهم لم يصوموا يومًا من الأيام بدعوى أن الفجر لم يخرج ولم يتبين، وقد شُكِّلت لجانٌ متتالية متتابعة تبينوا أن تقويم "أم القرى" هو أدقُّ التقاويم، وأنه لا ضير في هذا التقويم، وأن تحري الفجر عنده تمامًا (100%).

وبعضهم آخرون يُفطرون قبل غروب الشمس، وربما كانت الشمس ما زالت حية بدعوى أنها قد غربت، ويتهموننا بأننا نُؤخِّر الفطر؛ وهؤلاء كلهم لا خير فيهم.

أولًا: هم يتطفلون على العلم.

وثانيًا: يَفْتَئِتون على العلماء.

وثالثًا: يتكلمون بغير علم، ويقولون على الله بغير علم.

ورابعًا: عندهم التعالم، وما إلى ذلك من الأفكار التي عشَّشَت في أذهانهم؛ فَلْنَحذر من هذا الأمر.

حكم الاعتماد على الحساب في دخول رمضان

ونُنَبِّه على مسألة أخرى: بعض الدول تعمل بالحساب فقط ولا تلتفت إلى السُّنة، وهذا باطل؛ فالنبي يقول: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له[2]، وفي رواية: فأكملوا عدة الشهر ثلاثين يومًا[3]، إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا[4]؛ فعلينا أن نتقيد بالسُّنة فإنها طريق الجنة، وأن نجتهد فيما يُقرِّب إلى الله .

ثم إنني أسوق إليكم هذه البشائر العظيمة فيما رواه أبو هريرة  عند البخاري ومسلم؛ أن النبي قال: قد جاءكم شهر رمضان...، يُبشِّر أصحابه به، هذه بشارة، قد جاءكم شهر رمضان؛ فيه تُفتح أبواب الجنة، وفيه تُغلق أبواب النار، وفيه تُصفَّد مَرَدَة الجان...؛ تُغَلُّ مَرَدَة الجان فلا تبلغ إلى ما كانت تبلغه قبل رمضان، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر[5]، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك[6]، والخُلُوف: تغيُّر رائحة الفم.

وفي حديثٍ آخر أنه: يُنادي منادٍ في كل يوم: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله في كل ليلة عتقاء من النار[7]، جعلني الله وإياكم من أولئك.

الأمور التي ينبغي العناية بها في رمضان

فتنبهوا لهذا الفضل واهْتَبِلوه، واجتهدوا فيما يُقربكم إلى الله؛ وذلك بأمور:

أولًا: استقباله بالتوبة الصادقة النصوح بشروطها المعروفة؛ الإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة، والندم على ما فات، ورد حقوق الناس التي عندك.

ثانيًا: أداء الفرائض والنوافل؛ فقد قال رسول الله فيما يرويه عن ربه جل وعلا: وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه[8].

ثالثًا: التواضع وحُسن الخُلق وطِيب النفس وحُسن التعامل مع الناس، هذا هو شأن المؤمن وقت الصوم. بعض الناس إذا راجعتَه في أمر يقول: يا أخي اسكت، أنا صائم، يعني لا تتعبني، أنا تعبان -والعياذ بالله-. والمفروض العكس؛ أن تكون نفسه طيبة مطمئنة لما عند الله تبارك وتعالى، نَفْسٌ طيبةٌ، يعني تُخاطب أخاك بأحسن الألفاظ، تستقبله بوجهٍ منطلق، تُحسن إليه، تُساعده، تجتهد في ملاطفته، تُساعده في أموره، تُلين له الجانب، تقضي حاجته.

رابعًا: التصدق؛ الرسول كان جَوَادًا، وكان أكثر ما يكون جُودًا في رمضان، فكان أجودَ من الريح المرسلة عندما يُدارسه جبريل القرآن.

خامسًا: الإكثار من تلاوة القرآن؛ وهنا أُنبِّه: تقرأه يا عبدالله بتدبر وتأمل وخشوع وخضوع، وتقف عند كل آية، وتعمل بمحكمه، وتؤمن بمتشابهه، وتقف عند حدوده، لا تُهَذْرِم به هَذْرَمَةً كما يفعل بعض الناس، هذا ليس جريدة ولا صحيفة تقرأها، إنما هو كتاب الله تقرأه بترسُّل.

بعض الناس يريد أن يختم في كل ليلة، فيُهَذْرِم بكلام لا يُفهَم، وربما أكل بعض الحروف ولا تظهر، هذا خطأ كبير، أقل ما يُمكِن أن يُختم فيه في ثلاثة أيام، لا أقل منها، ومَن زعم أنه يختم في ليلة فإن هذا أمرٌ مستبعَد. نعم، قد يختم لكن بدون تدبر وبدون تأمل، فاقرأه بتدبر وتأمل، ليس المهم أن تختم في وقت سريع، إنما المهم أن تقف عند آياته، وأن تتدبرها، وأن تعمل بها، وأن تؤمن بها، وأن تعمل بأحكامها، وأن تقف عند حدود الله، وأن تسأل الله من رحمته إذا مررت بآية رحمة، وتستعيذ به إذا مررت بآية عذاب، هكذا هَدي النبي . أما الذين يُنَمْنِمُون فهذه ليست قراءة، هذا لعب، لعبٌ بالقرآن الكريم، ليست جريدة تهُذُّها هذًّا كما تهُذُّ أيَّ كتاب، لا، هذا كتاب الله .

يقول التابعي الجليل أبو عبدالرحمن السلمي رحمه الله تعالى: كان الذين يُقرؤوننا القرآن أُبَيُّ بن كعب وعثمان بن عفان وزيد بن ثابت ، لا يجاوزون بنا عشر آيات حتى نتعلم ما فيهنَّ من العلم والعمل؛ فتعلمنا العلم والعمل جميعًا.

إذَن، اجتهد في تلاوته؛ خيركم مَن تعلم القرآن وعلَّمه[9]، في كل حرف لك عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف؛ يقول : لا أقول {الم} حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف[10]؛ فاجتهد يا عبدالله.

سادسًا: المحافظة على التهجد والتراويح والقيام، والأَولى هو أن نُصلِّي إحدى عشرة ركعة، لكن لو زدت فلا حرج؛ لقول النبي : صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى واحدة تُوتِر له ما صلى[11]، وثبت أنه يُصلِّي ثلاث عشرة ركعة أيضًا؛ فإذَن لا بأس بالزيادة، لكن بترسُّل وبهدوء وبطمأنينة.

سابعًا: حفظ اللسان من الآفات؛ من الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور والسب والشتم وما إلى ذلك، يقول النبي : إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابَّه أحد؛ فَلْيَقل: إني امرؤ صائم[12]. وصح عنه أنه قال: مَن لم يَدَعْ قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يَدَعَ طعامه وشرابه[13]. فأمسِك لسانك يا عبدالله، احفظ لسانك؛ لئلا يُرْدِيك، لئلا يُوقعك في متاهات لا تُحمد عقباها.

واجتهد في تعلُّم أحكام الصوم بمعرفة المفطرات وما إلى ذلك.

واجتهد في الصلاة مع الإمام؛ يقول النبي : مَن قام مع الإمام حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة[14]؛ يلاحَظ -حتى في المسجد النبوي- أن البعض من الناس لا يُصلُّون التراويح مع الإمام بدعوى أنه يريد أن يُصلِّي إحدى عشرة ركعة، طيب، اذهب إلى بيتك، أما تجلس وتُشوِّش على الناس، وربما أشغَلوا أوقاتهم بقصص وحكايات والناس يُصلُّون! والنبي صلى التراويح جماعة، ثم تأخر خشية أن تُفرض على الأمة، حتى إذا كان عهد عمر أعاد الناس إلى إحياء هذه السُّنة خلف أُبَيّ بن كعب رضي الله عنهما، أما دعوى أن الزيادة بدعة فهذا محل نظر، ولا يُوافق مَن يقول ذلك.

نصيحة للأئمة والمؤذِّنين

أيضًا، وصية خاصة للأئمة والمؤذِّنين؛ أنا عندي نصيحة للأئمة والمؤذِّنين بعنوان "همسةٌ في آذان الأئمة والمؤذِّنين"، لعلها تُصوَّر -إن شاء الله تعالى- وتُرسل إلى مَن استطعتم، أوردتُّ فيها ما ثبت عن السلف في ذلك.

يُلاحَظ ارتكاب بعض البدع من الأئمة؛ منها الإطالة في دعاء القنوت، وهذا خلاف السُّنة، حذَّر منه الصحابة والتابعون، ومنها الترنُّم والغناء والتغنِّي بذلك، حتى إنك لا تكاد تفرق أحيانًا بين الغناء وبين أصوات بعض الأئمة، وبعض الناس مفتون، قد يكون عنده إمام جيد، يعني يرتل ويقرأ قراءةً جيدة، لكن يذهب إلى مكان بعيد من أجل اللحن فقط، نعم، ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن[15]، لكن التغنِّي الموافق للشرع، أما تغنِّي أصحاب المقامات فهذه بدعة، وربما لا تصح الصلاة به، فانتبه!

كذلك السجع المتكلَّف، والأدعية المتكلَّفة؛ احرص على اختيار جوامع الكلم الثابتة عن النبي ، احرص على اختيار الأحاديث النبوية الثابتة، ولا تسترسل في الأدعية المتكلَّفة المَسْجُوعة؛ فإن النبي حذَّر من السجع الذي هو أقرب ما يكون إلى سجع الكُهَّان، وما حصل من سجعٍ في الأحاديث فإنه أتى عَرَضًا بدون تكلُّف؛ فاحذر يا عبدالله!

ثم التقعُّر بالصوت بالقراءة؛ ترفع صوتك أحيانًا، وتخفضه أحيانًا، لا، اجعل صوتك معتدلًا منتظمًا، لا تُزعج الناس بهذه الطلعات والنزلات.

أيضًا تكلُّف البكاء، هذا أيضًا لا يجوز، نعم، إذا حصل شيءٌ دون تكلُّف ودون إغراق في ذلك فلا بأس، قد يحصل من بعض الناس عنده خشوع، لكن لا يسترسل في ذلك ويتقعَّر ويرفع صوته بالبكاء كأنه نائحة، لا، هذا كله خلاف السُّنة. بل قد يضطرهم بعض التقعُّر إلى مَدِّ ما لا يستحق المد، وإلى ترك بعض المدود في القرآن الكريم.

وفي ذلك أيضًا الاعتداء في الدعاء؛ سمع الصحابيُّ الجليل عبدالله بن مغفل ابنَه يقول: اللهم ابْنِ لي قصرًا في الجنة بعد الباب الأيمن من الجنة؛ فحذَّره! قال: يا بُني، إياك وهذا الكلام، اسأل ربك الجنة، والجنة فيها كل ما تريد، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اسأل الله الفردوس الأعلى من الجنة، أما أن تقول: يا رب ابْنِ لي القصر الفلاني فهذا تكلُّفٌ واعتداء. والنبي يقول: ما من دعاء ليس فيه اعتداءٌ ولا قطيعةُ رحم؛ إلا أعطى الله صاحبه إحدى ثلاث خصال: إما أن يُجيب له سؤاله، وإما أن يدخره له في حسناته، وإما أن يحُطَّ عنه به من سيئاته[16].

فاحذر يا عبدالله، وأجْمِل في الطلب؛ يقول النبي : اتقوا الله، وأجْمِلوا في الطلب[17]؛ يعني: لا تُطيلوا في الدعاء، لا سيما إذا كنت تؤم الناس، أما إذا جلست وحدك فأطِلْ كما شئت بدون تكلُّف أيضًا، واخترْ جوامع الكلم التي ثبتت عن رسول الله .

فهذه نصيحة أوجِّهها للأئمة.

أخطاء يقع فيها بعض المؤذنين

أما المؤذِّنون؛ فإني أذكِّرهم ونفسي بتقوى الله ، لعلهم يكونون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة، كما هو وَعْد الله على لسان رسوله [18]؛ ولكني أذكِّرهم بأمور:

البُعد عن المبالغة في التطريب، فقد حذَّر منه ابن عمر وابن عباس ، وحذَّر منه الصحابة والتابعون؛ جاء مؤذِّنٌ إلى عمر بن عبدالعزيز فقال له: ادْعُ الله لي، أنا مؤذِّنٌ وأذاني جيد، قال: بل سأدعو عليك، قال: لماذا؟! قال: لأنك تطرب في الأذان؛ أي: يغنِّي بطرب في الأذان!

وبعض المؤذِّنين الآن حتى في المساجد الكبيرة -وربما حتى في الحرمين- يمد بسبب التكلف والإطراب؛ فيقول مثلًا: "الله أكبار" هذه ألف زائدة، يقول: "حيا على الصلاة" فيه ألف زائدة، "أشهد أن لا إلها إلا الله" فيه ألف زائدة، "لا إلها إلا الله"، "الصلاتو خير من النوم" فيه واو زائدة؛ كل هذا محرم، كل هذه بدع، احذر من البدع يا عبدالله!

يقول النبي : مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ[19]؛ فانتبه يا عبدالله، واحذر من هذه التكلُّفات التي ما أنزل الله بها من سلطان! 

فاحذروا التكلُّف في الأذان أو الإطراب الزائد الذي كأنه غناء! بعض الناس صوته كأنه صوت ربابة أو كَمَنْجَة!

فانتبه يا عبدالله، واجتهد فيما يُقرِّبك إلى الله، واجتهد في هذا الشهر بالصيام والقيام؛ فـمَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه[20].

أسأل الله الكريم رب العرش العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، أن يُوفقني وإياكم لصيام هذا الشهر وقيامه على الوجه الذي يُرضيه، وأسأله أن يعتق رقابنا وإياكم من النار، وأسأله تبارك وتعالى أن يُوفقنا لتلاوة كتابه على الوجه الذي يُرضيه.

اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم؛ ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه عبدك ورسولك محمد ، ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد .

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول وعمل.

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا.

اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يُستجاب لها.

اللهم إنا نسألك أن تحفظ دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم وأنفسهم.

اللهم احفظ دماء المسلمين في فلسطين. اللهم احفظ دماء المسلمين في فلسطين.

اللهم عليك باليهود الغاصبين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا، ولا تغادر منهم أحدًا، اللهم عليك بهم، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.

اللهم احفظ إخواننا في فلسطين، اللهم اكْسُ عاريهم، اللهم أطعم جائعهم، اللهم الْطف بهم، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم احفظهم بحفظك، اللهم اخذل أعداءهم، اللهم اخذل أعداءهم، اللهم اخذل أعداءهم، يا حي يا قيوم.

اللهم وفق وليَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، واجزه عن الإسلام والمسلمين خير ما تجزي به عبادك الصالحين، ووفق وليَّ عهده لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.

اللهم انصر بهما دينك وأَعْلِ بهما كلمتك، ووفِّقهما لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

غدًا -إن شاء الله- سنبدأ في كتاب "التوضيح والبيان لشجرة الإيمان" للشيخ السعدي، تعليقات خفيفة؛ لأنه لا يتسع الوقت للإطالة في كل ما يتعلق بمسائله، وهو كتاب عظيم، لم يُكتب في بيان أصول الإيمان وشجرته مثله قطُّ.

وفقني الله وإياكم لكل خير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

^1 رواه الترمذي: 3451، وأحمد: 1397، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1816.
^2 بنحوه رواه البخاري: 1906، ومسلم: 1080.
^3 بنحوه رواه البخاري: 1909، ومسلم: 1081.
^4 رواه البخاري: 1900، ومسلم: 1080.
^5 بنحوه رواه النسائي: 2106، وأحمد: 7148، وصححه الألباني في المشكاة: 1962.
^6 رواه البخاري: 7492، ومسلم: 1151.
^7 رواه الترمذي: 682، وابن ماجه: 1642، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 759.
^8 رواه البخاري: 6502.
^9 رواه البخاري: 5027.
^10 رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في شعب الإيمان: 1983، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
^11 بنحوه رواه البخاري: 990، ومسلم: 749.
^12 رواه البخاري: 1904، ومسلم: 1151.
^13 رواه البخاري: 1903.
^14 رواه أبو داود: 1375، والترمذي: 806، والنسائي: 1364، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
^15 رواه البخاري: 7527.
^16 بنحوه رواه البخاري في الأدب المفرد: 710، وأحمد: 11133، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد.
^17 رواه ابن ماجه: 2144، وابن حبان: 3239، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 2742.
^18 رواه مسلم: 387.
^19 رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718.
^20 رواه البخاري: 2014، ومسلم: 760.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©