تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ طلال بن محمد أبوالنور
فضيلة الشيخ طلال بن محمد أبوالنور

"مكة"؛ تاريخها وخصائصها وفضائلها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لنعمة الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمد لله الذي جعلنا من خير أمةٍ أُخرِجَت للناس، أمة رسول الله وخليل الله محمدٍ بن عبدالله، صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ المَيَامِين.

ثم أما بعد:

أسأل الله أن يصلح قلوبنا، وأن ينير بصائرنا، وأن يلهمنا رشدنا، وأسأله أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأسأله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب غمومنا، وأسأله سبحانه أن يختم لنا جميعًا بالصالحات، فإن ربي هو الجواد الكريم، وإن ربي هو السميع المجيب.

ثم أما بعد: أيها الإخوة الأكارم، في هذه الأيام الفاضلة والزمن الشريف المبارك، الأشهر الحرم وأشهر الحج، فإنه كثيرًا ما يكون الحديث عن أعمال الحج وما يعمله الحاج، فإنه أيضًا من الأمور التي لا بد أن يكون لهذا الإنسان الذي وَفَد إلى بيت ربه وإلى هذه المشاعر المعظمة؛ وقفة مع قَدْر هذا المكان، ومعرفة ما حَظِيَ به من التشريف والرفعة والمكانة والجلال والتقدير.

"مكة" تاريخها وخصائها وفضائلها

فحديثنا في هذه اللقاءات عن هذا البلد المعظَّم، وعن هذا البلد الحرام، وعن هذا البيت العتيق، وعن هذا المسجد المحرَّم، نتكلم عن تاريخه وخصائصه والمزايا التي له، ونتكلم أيضًا عن الفضائل التي جعلها الله في هذا المكان، ونتحدث عن ذاكرةٍ تاريخيةٍ هي أشرف ذاكرةٍ، وأعظم ذاكرةٍ تاريخيةٍ لأي بلدٍ على ظهر هذه البسيطة (الأرض)، ونتحدث -بمشيئة الله- عن آدابٍ وأحكامٍ ارتبطت بهذه البقعة المباركة.

تاريخ مكة ومكانتها

فمكة -شرَّفها الله- بلدةٌ تاريخها مكتوبٌ في أشرف الكتب وأعظمها، وتاريخها قديمٌ قِدَمَ وجود السماوات والأرض، ومكانتها ومنزلتها عظيمةٌ بعِظَم مكانة القرآن والأنبياء، بل بتعظيم الرب الجليل لها، فمكة حبيبة المسلمين، ومكة دار القبلة، ومكة -شرَّفها الله- بلد المَبعث، ومكة أول بقعةٍ في الأرض مسَّ جلدَ الرسول ترابها، ومكة -شرفها الله- فيها أول بيتٍ لعبادة الله على وجه الأرض.

مكة -شرفها الله- هي مَنسك المسلمين، والبيت الذي فيها أول معهدٍ على ظهر الأرض لعبادة الله ، فمكة أرض الهُدى، مكة مهبط الوحي، عليها وفيها ومنها عرج جبريل وميكائيل والملائكة. هذه البلدة التي اختارها الله واصطفاها، وقال ربنا في القرآن العظيم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [القصص:68]، إنها قضيةٌ عقديةٌ رئيسةٌ، أن الذي خلق هو صاحب الحق في الاختيار، أن الذي أوجد من عدمٍ هو صاحب الحق في الاصطفاء، فهو يختار ما يشاء، ويصطفي ما يشاء.

فاختار ربُّنا من بين الأماكن كلها هذا المكان واصطفاه فجعل فيه أول بيتٍ لعبادة الله، اختاره الله واصطفاه، فكان على عَرَصَاته أول مَولدٍ للبشرية كلها، وأول مَوقفٍ في أخذ العهد والميثاق عليهم، كما صحَّ عنه أنه قال: إن الله استخرج من ظهر آدم ذريَّته، ونثرهم بين يديه، وكان ذلك بِنَعْمَانَ أي بعرفة، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] [1].

مكة شرَّفها الله، الله هو الذي حرَّمها ولم يحرِّمها الناس، فكان تحريمها في اليوم الذي خلق الله فيه السماوات والأرض، قال رسول الله فيما رواه عنه ابن عباسٍ رضي الله عنهما عند أهل السنن: إن الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض [2] ففي اليوم الذي خُلقت فيه هذه السماوات والأرض؛ ظهرت مكة للوجود بثلاثة أمورٍ عظيمةٍ:

  • الأول: أنها ظهرت مُسَمَّاةً.
  • والأمر الثاني: أنها ظهرت معلومة الحدود، فهي أول ما خُلق من هذه الأرض، كما صح ذلك من قول ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: "وُضع البيت على أركان الماء، على أربعة أركانٍ قبل أن تُخلق الدنيا بألفي عامٍ، ثم دُحِيَت الأرض من تحت البيت" [3].
  • وظهرت أيضًا معلومة النظام، وهي أنها بلدٌ محرَّمٌ، فهي حرم الإسلام، وهي حِمَى الرحمن .

تاريخ مكة مع الأنبياء

فتاريخها منذ تلك اللحظة قبل ألا يكون إنسانٌ، وقبل أن يُوجَد آدم   فضلًا عن ذريَّته، فإن الله حرَّم هذه البُقعة المباركة.

تاريخها مع الأنبياء تاريخٌ عامرٌ، يقول ابن إسحاق وغيره: "ما من نبيٍّ إلا وحجَّ البيت" [4]، فقد حجَّ البيت -كما ورد في "مسند الإمام أحمد" رحمة الله عليه- هودٌ وصالحٌ، جاء في "المسند" أن النبي عندما مرَّ بوادي عُسْفَان قال: يا أبا بكرٍ، أي وادٍ هذا؟ قال: هذا وادي عُسْفَان، قال: لقد مرَّ به هودٌ وصالحٌ على بَكَرَاتٍ حُمْرٍ خُطُمُها اللِّيف، أُزُرُهم العَبَاء وأَرْدِيَتهم النِّمَار، يُلَبُّون يحجون البيت العتيق [5].

ووَفَدَ إليه أيضًا كليم رب العالمين موسى ، ووفد إليه يونس صاحب الحوت ، في حجَّته مرَّ على وادي الأزرق، وهو مكانٌ قريبٌ من مكانٍ معروفٍ يسمى "خليص"، فقال لأصحابه: أي وادٍ هذا؟ قالوا: وادي الأزرق، قال: كأني أنظر إلى موسى عليه السلام هابطا من الثنية، وله جؤار إلى الله بالتلبية، ثم عندما وصل إلى مكانٍ آخر؛ قال لأصحابه: أي ثنيَّةٍ هذه؟ قالوا: ثنيَّة هَرْشَى، قال: كأني بيونس بن متَّى على دابَّةٍ جَعْدةٍ، خِطام ناقته خُلْبةٌ، وله جُؤارٌ بالتلبية [6].

وأخبر ابن إسحاق في "السيرة" أن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام حجَّ مع أمه سارة من فلسطين إلى بيت الله الحرام [7]، وقال رسول الله : لَيُهِلَّنَّ ابن مريم بِفَجِّ الرَّوحاء، حاجًّا أو معتمرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهما [8] وهو مكانٌ معروفٌ بين مكة والمدينة، يُهِلُّ بالحج أو العمرة، أو يَجمع بينهما في التلبية.

خليل الله إبراهيم وعلاقته بالبيت الحرام

وأما خليل الله إبراهيم فإن أمره مع البيت عظيمٌ، وسيرته مع هذه القبلة، مع هذه الكعبة الشريفة، مع بيت ربنا الأول في هذه الأرض، فإن ارتباطه معه عظيمٌ وجليلٌ، فخليل الله إبراهيم جاء بأهله وولده، وأسكنهم عند هذا البيت في هذا الوادي غير ذي الزرع، ولم يكن أنيسٌ ولا جليسٌ، ولم يكن فيه شيءٌ يدلُّ على الحياة، فأنزل هاجر عليها السلام، أم ولده إسماعيل، أنزلها في هذا المكان، ومعها ابنه، وهو طفلٌ رضيعٌ (إسماعيل )، وترك معهما جِرَابًا من تمرٍ، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم انصرف فتبعته أُمُّنا هاجر وقالت: يا إبراهيم، لمن تتركنا في هذا المكان؟! وهو لا يجيبها، فقالت له بعد مراجعةٍ له، ولم تسمع منه جوابًا: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذنْ لا يُضيِّعنا [9].

 امرأةٌ -نتخيَّل ذلك الموقف- ثم يكون منها هذا الجواب الدالُّ على إيمانٍ صادقٍ، وعلى توكلٍ تامٍّ، وعلى ثقةٍ في العظيم الكريم إلى أن تصل في عبارتها إلى أنها هي التي تبشِّر نفسها، وتطمئن زوجها بأن الفرج سوف يأتي، وأنه لن يصيبها أذًى؛ لأن الله هو الذي أمر، ويشاء الله أن تكون هي النواة الأولى لهذه البلدة، بل لهذا البلد، بل لأم القرى التي سماها الله بذلك أُمَّ الْقُرَى [الأنعام:92].

إن مكة -شرَّفها الله- إذا ذُكِرَت؛ فكل بلدٍ أمامها يكون قريةً، وتكون هي الأم، والأم هي الأكبر، وإنْ طَاوَلَتها أجساد أولادها، إن مكة هي البلد الذي يستحق هذه التسمية؛ لذلك قال الله: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد:1]، وأجمع المفسرون أن المقصود بالبلد: مكة، فإذا ذُكر البلد -هكذا وحده- فلا يقصد به إلا هذا البلد المعظم المقدس، (مكة) شرفها الله.

إبراهيم خليل رب العالمين ارتبط تاريخه بالبيت العتيق، فابتلاه الله ابتلاءً عظيمًا قبل أن يَسكن أهله هذا البيت، وعند سُكْناهم، وبعد سكناهم، ابتلاءً؛ لأن الله أراد أن يكون هذا النبي الكريم إمامًا للناس إلى يوم القيامة، قال الله في سورة البقرة: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة: 124]، فكأن سائلًا يقول: ماذا كان موقف إبراهيم  من ذلك البلاء؟ فيأتي الجواب: فَأَتَمَّهُنَّ [البقرة:124]، وَفَّى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم:37]، فَأَتَمَّهُنَّ.

فينشأ سؤالٌ ثانٍ: ما هي المكافأة التي حصل عليها الخليل إبراهيم بعد ذاك البلاء ثم النجاح؟ فيأتي الجواب مباشرةً: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [البقرة:124]، فينشأ سؤالٌ ثالثٌ: كيف يكون الخليل إبراهيم إمامًا للناس؟ فيكون الجواب: حين يُربط تاريخه بالبيت، حين يُؤمر بأن يرفع قواعد البيت، وعندما يضع الحجر في ذلك الركن، وعندما يقف على المَقام ليرفع قواعد البيت، إنها الشواهد التي أبقاها الله في البلد الأمين؛ ليبقى الخليل إبراهيم  إمامًا للناس.

والبلد الأمين من معانيه: أنه مُؤتمَنٌ على ما أُودِع فيه من وديعةٍ غاليةٍ، هي ميراث الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وديعةٌ غاليةٌ، هي صِمام أمان الدنيا بأكملها هذه الوديعة، فما دام هذا البيت موجودًا، وهذا البناء للكعبة الشريفة قائمًا في هذا المسجد الحرام، وهذا الوادي المبارك؛ فالإسلام باقٍ على ظهر الأرض، والحياة باقيةٌ للناس.

الخليل إبراهيم بوَّأ اللهُ له مكان البيت، فرفع قواعده، وأعانه على ذلك ابنه النبي البارُّ إسماعيل : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ [البقرة:127]، فرفع البناء -ولنا وقفةٌ مع وصف ذلك البناء الذي بناه الخليل إبراهيم - وبعد أن أتم البناء أمره ربه بأن يضع حد الحرم، فإن مكة -شرَّفها الله- لها حدودٌ، أرضها حرمٌ حرامٌ، تلك الحدود أول من وضع أنصابها خليلُ الله إبراهيم ، ليس باجتهادٍ من عند نفسه، ولكن بوحيٍ من عند ربه.

أخبر ابن عباسٍ رضي الله عنهما فيما رواه عنه الإمام الفاكهي بسندٍ صحيحٍ أن جبريل أتى الخليل إبراهيم ، وأَرَاه حدَّ الحرم، فكان جبريل يعلم إبراهيم بحدود الحرم، والخليل إبراهيم يضع الأنصاب، وهكذا حتى وَضَعَ أنصاب الحرم على محيط مكة من جميع أطرافها [10].

فمكة حرمٌ؛ أرضها وسماؤها إلى عرش الرحمن، ثم بعد أن وضع الأنصاب؛ أمره الله هو وابنه إسماعيل أن يُطهِّرا هذا البيت، يطهراه من أي رجسٍ ودنسٍ وشركٍ، يطهراه ليكون مهيأً لفئةٍ محدودةٍ من البشر، إنهم أهل الإيمان، أهل الإسلام، إنهم حجاج بيت الله الحرام: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ [البقرة:125]، فهذا أمر الله .

ثم بعد أن هُيِّئ المكان وبُني البيت ووضعت حدوده وطهرت أرضه؛ جاء الأمر من الله بأن يؤذِّن في الناس بالحج، فقال الله : وأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27]، قال الخليل إبراهيم : يا رب، من يسمع ندائي؟! من يسمع هذا النداء من شيخٍ جاوز التسعين من عمره، في وادٍ غير ذي زرعٍ؟! فجاءه الجواب: عليك الأذان وعلينا البلاغ [11]، قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "فأنفذ الله صوته أصلاب الرجال وأرحام النساء"، فكلُّ مَن قُدِّر له الحج إلى يوم القيامة أجابه مُلَبِّيًا: أجبناك أجبناك، لبيك اللهم لبيك [12].

قال رسول الله : فكلُّ مَن لبَّى في ذلك اليوم فهو يحج على قدر ما لبَّى [13]، فمن كرَّر التلبية، فمن ذكرها مرةً؛ حج مرةً واحدةً، ومن كرَّرها مرتين؛ حج مرتين، وهكذا على قدر ما لبَّى.

الخليل إبراهيم  أعلن حُرمة هذا البيت، وجعله معلومًا في الناس مشهورًا بهذه الخَصِيصة (التحريم)؛ لذلك قال النبي : إن إبراهيم حرَّم مكة، وإني أحرِّم المدينة [14] والمقصود بتحريم إبراهيم : إعلان ذلك للناس، وإلا فقد قلنا: إن الله هو الذي حرَّم مكة شرَّفها الله.

أسماء مكة في القرآن الكريم

مكة ذكرها الله في كتابه، وذكرها بأسماءٍ؛ وذلك دلالة على شرفها وعلو مكانتها وقدرها عند ربنا ، فالله أخبر بأنها هي "مكة"، وهي "بكة"، وهي "أم القرى"، وهي "المسجد الحرام"، وهي "البلد"، وهي "البلدة"، وهذا كله من أسمائها التي ذُكرت في القرآن العظيم، وفي هذا دلالةٌ على شرف مكانتها وعلو قدرها.

خصائص مكة المكرمة

مكة -شرفها الله- ذكرها الله بخصائص، وتلك الخصائص هي مزايا تميَّزت بها هذه البلدة عن سائر بلاد الدنيا:

فمكة جعلها الله وجعل البيت الذي فيها هُدًى للعالمين، وما ذُكر هذا الوصف لأي مكانٍ آخر، والهُدى وتحصيل الهداية أعظم مقصود الإنسان، وغاية الغايات لهذا الإنسان: أن يهتدي بهُدى الله، وأن يكون من المهتدين، والله جعل الهُدى للناس في أصولٍ ثلاثةٍ:

  • أولها: القرآن العظيم، قال الله في صدر سورة البقرة: الم ۝ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، وقال الله في الإسراء: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، فالقرآن هُدًى، والقرآن يهدي، وهذا الأصل الأعظم في هداية الدلالة والبيان والإرشاد للناس.
  • أما الأصل الثاني الذي جعل الله فيه الهُدى للناس: فهو رسول الله ؛ في حياته: بقوله وفعله وتقريره، وبعد مماته؛ بسُنَّته وسيرته، صلوات ربي وسلامه عليه، قال الله مُخبِرًا عن ذلك: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الشورى:52]، فالنبي يهدي.
  • وثالث أصول الهداية للناس: بيت الله العتيق، قال الله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96].

فهذه هي الأصول التي تُحقِّق للناس الهدى، هدى البيان والإرشاد والدلالة، وهي منهجٌ أكمل (القرآن الكريم)، وتطبيقٌ أمثل، وهو (فِعله )، ومكانٌ معظَّمٌ فاعلٌ، وهو (بيت الله العتيق).

من خصائص هذه البقعة المباركة: أن الله جعلها بلدًا مُحرَّمًا، قال الله : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]، وقال: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ [النمل:91]، فهي بلدٌ مُحرَّمٌ، لا يُسفك فيه دمٌ، ولا يُنَفَّر فيه صيدٌ، ولا يُقطَع فيه شجرٌ، ولا تُلتَقط لُقَطَته إلا للتَّعريف، ولا يَحل حمل السلاح فيه، إلا لضرورةٍ شرعيةٍ.

ومن خصائصها: أنها بلدٌ آمِنٌ، قال الله : أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا [القصص:57]، وقال الله : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]، وقال الله : وَالتِّينِ وَالْزَيْتُونِ ۝ وَطُورِ سِينِينَ ۝ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [التين:3]، والأمن في مكة أمنٌ قدريٌّ، وأمنٌ شرعيٌّ، والأمن القدري هو: أمنٌ تكفَّل الله به، فهو موجودٌ قائمٌ لا يَحتاج إلى جهد البشر، ولا يؤثِّر فيه طاعة البشر أو عصيانهم.

من ذلك الأمن القدري: أن الله حفِظ هذا البيت، وأمَّنه من كل غازٍ ظالمٍ يريد هدمه وبَوَاره؛ لذلك امتنَّ الله على قريشٍ وقد كانت كافرةً بالله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ۝ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ۝ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلً ۝ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّنْ سِجِّيلٍ ۝ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٌ الفيل:1-5] فهو بلدٌ آمِنٌ.

من الأمن القدري: أن مكة -شرَّفها الله- مؤمَّنةٌ من أعظم فتنةٍ على دين البشر كلهم، فتنة المسيح الدجال، فالمسيح لا يدخل مكة، كذلك المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

ومن الأمن القدري: أن مكة لا ينتشر فيها الطاعون، أخبر عن ذلك رسول الله بقوله: لا يدخلها الدجال ولا الطاعون [15].

ومن الأمن القدري الذي جُعِل لمكة شرفها الله: أن مكة ستبقى دار إسلامٍ، وستبقى مركز الإسلام إلى يوم القيامة، وسيبقى أهلها أهل إسلامٍ، فقال النبي يوم الفتح: لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيةٌ، وإذا استُنفرتم فانفروا [16].

لا هجرة بعد الفتح، بمعنى: أن مكة لن يتسلط عليها أهل الكفر، فيَحتاج أهلها أن يخرجوا مهاجرين منها، ولن تُغزَى من أهل الكفر، قال النبي  كما في "صحيح البخاري"، قال يوم الفتح أيضًا: لا تُغزَى هذه بعدها أبدًا إلى يوم القيامة [17]، فهي لن تُغزَى من كافرٍ كفرًا صريحًا إلى يوم القيامة، وهذا أمنٌ قدريٌّ جعله الله لهذه البلدة المباركة، فهذه خَصِيصَةٌ لمكة.

ومن خصائصها أيضًا: أنها قبلة المسلمين، وأقول: "المسلمين" كما قرَّر علماء التحقيق، فهي قبلة الله في الأرض، وليس لله قبلةٌ غير الكعبة في الأرض، فهي قبلة الأنبياء، أليس الأنبياء قد حجوا إليها؟! أليس الأنبياء قد صلوا عندها، وفي صحن المطاف؟! فهي القبلة، فالنبي عندما دخل مكة ودخل الكعبة وصلى في جوفها، فعندما خرج؛ استقبل الناس وأشار للكعبة وقال: هذه القبلة [18]، وهذا قول الله : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:144].

هذه القبلة، هذه القبلة التي ما حَسَدَنا أهل الكتاب من اليهود والنصارى على شيءٍ كما حسدونا على هذه القبلة التي ضلوا عنها، وهدانا الله لها، فالقبلة خَصِيصَةٌ من خصائص هذه البلدة المباركة.

من خصائص مكة -شرفها الله- والبيتِ العتيق الذي فيها: أن الله جعله مَثَابَةً للناس، و"المَثَابَة" بمعنى: الرجوع إلى المكان بعد الصدور عنه، هذا الأمر العجيب العظيم الدالُّ على كمال قدرة الرب ، عَطَفَ القلوبَ على هذا البيت، تحن له الأفئدة، ويُبذل في طريقه كل غالٍ ونفيسٍ، وتُتحمل من أجل الوصول إليه كل المشاقِّ، فإذا ما وصلت وأشبعت نفسها بالنظر إليه والجلوس عنده، وعبادة الرب  في هذا المكان، ما إن تعود وترجع إلى دارها؛ حتى يتجدد الشوق مرةً أخرى نحو البيت؛ لأن الله ​​​​​​​ قال: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125]، لا يقضون منه وطرًا، لا يشبعون، فها هو الحج، ما يقارب خمسة آلاف سنةٍ، منذ أن حج الخليل إبراهيم  ولم ينقطع ركب الحجيج، من الذي علَّق القلوب بهذا المكان؟ إنه الذي قال: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ [البقرة:125].

من خصائصها: أنها بلدٌ مباركٌ، والبركة بمعنى: الثبات والديمومة، والبركة بمعنى: النماء والزيادة، وكلا المعنيين في مكة؛ فالثبات والديمومة مكة -شرفها الله- لا تنقطع فيها العبادة، فالطواف لا يتوقف، وإذا توقف الطواف؛ فإنما يتوقف لأَجْل التوجه إليه بصلاة الفرض، والتوجُّهُ إليه بالصلاة من كل مكانٍ في الدنيا لا يتوقف، فهذا من معاني الثبات والديمومة.

ومن معاني الثبات والديمومة: أن مكة هي خط الإسلام الأخير في بقائه على ظهر الأرض؛ فلذلك آخر بلدٍ يبقى للإسلام فيه وجودٌ: هذا البلد، هذا من الدوام ومن الثبات.

وأما النماء والزيادة؛ فمن معانيه: تلك المضاعفات التي أعطاها الله للعباد عند بيته العتيق؛ فالصلاة كما -صح عنه - في الحرم تعدل مئة ألف صلاةٍ، فرضٌ واحدٌ تصليه في الحرم؛ لتجد مثله في الأجر في مكانك خارج الحرم؛ تحتاج إلى أن تصلي أربعًا وخمسين سنةً وستة أشهرٍ وعشرين ليلةً، لتُساوِي في الأجر أجر فرضٍ واحدٍ صليته هنا، فأي بركةٍ أعظم من هذه؟!

ثم أيضًا: بركة الأعمال الصالحة، فباتفاق العلماء: أن أجر العمل الصالح في مكة ليس كأجر العمل الصالح في أي مكانٍ آخر، بل من العلماء من يرى أن الأجر بمئة ألف عامٍ في كل الأعمال الصالحة، وهذا اختيار الإمام أحمد -رحمة الله عليه- وعددٍ من العلماء.

إن من البركة ما هو أعظم، فإن هذا في حق الفرض، ولكن في حق البشرية والأمة: فإن الحج إلى هذا البيت صِمَام أمانٍ لأهل الأرض كلهم، فما دام الناس يحجون البيت؛ فالحياة باقيةٌ لهم، لو انقطع ركب الحجيج عامًا واحدًا؛ لقامت على الناس القيامة، قال النبي فيما رواه أبو يعلى بسندٍ صحيحٍ في "مسنده": لا تقوم الساعة حتى لا يُحَجَّ البيت [19] قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "لو أن الناس تركوا الحج سنةً واحدةً؛ لقامت عليهم القيامة" [20]، هذه بركةٌ من بركات هذا البيت التي جعلها الله فيه، وقال الله : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96].

ومن خصائصه: أن الله جعله قيامًا للناس، قال الله : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97]، وما ذكر الله القيام للناس في القرآن إلا مرتين وفي أمرين:

  • أما الأمر الأول: المال، قال الله : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء:5]، والناس يقولون: المال قَوَامُ الحياة.
  • والأمر الثاني الذي جعل الله فيه القيام للناس: هو هذه الكعبة، جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97]، ولكن هل وقفنا يومًا وسألنا أنفسنا: ما هو القيام الذي في الكعبة؟ هل هو قيامٌ لأهل البلد فقط، أو هو قيامٌ للمسلمين فقط، أو هو قيامٌ للبشر فقط، أو ما هو القيام الذي ربُط بالكعبة؟ هل هو مثل القيام الذي في المال، أو أقل منه، أو أكبر منه؟
    إن القيام الذي جُعل في الكعبة أمرٌ عظيمٌ جليلٌ: قيام الدين، وقيام المال، وقيام الأبدان.

    • أما قيام الدين: فما دامت الكعبة باقيةً؛ فاعلم علم اليقين أن الإسلام باقٍ على ظهر الأرض، وأن المسلمين باقون على ظهر الأرض، والرمز: هذا البيت.
      ولذلك قال العلماء: ما دام البيت باقيًا؛ فالإسلام باقٍ، فإن ذهب البيت، ورفع ميراث الخليل من هذا البيت؛ فلا إسلام على ظهر الأرض، وبقاء البيت؛ ببقاء من يعظِّمه، ببقاء هذا الوفد المبارك، هذا الحاج الذي يأتي من أقاصي الدنيا، هذه المرأة العجوز، وهذا الشيخ المسن الكبير، هذا الذي يُدفع بالعربة، وهذا الذي يَتحمل من أجل ذلك كل المشاق، هذا جعله الله صِمَام أمان هذا البيت، لن يَسقط البيت ويوجد من يتجه لهذا البيت مصليًا، ومن يؤم هذا البيت حاجًّا أو معتمرًا، فهذا قيام الدين.
    • أما قيام الأبدان: فكما قلت: لن تقوم الساعة والبيت باقٍ؛ فلذلك هو صِمَام أمانٍ لحياة البشر، هل يُدرِك الناس بعمومهم من المسلمين وغيرهم هذه الحقيقة الربانية؟ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97]، هل يدركون هذه الحقيقة؟ وهل يعرف الناس قيمة هذا الوافد ومكانته عند الله؟
    • وأما الثالث: قيام الأموال، قال النبي : تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكِير خَبَث الحديد [21]، علاجٌ ربانيٌّ لفقر العالم، وقال النبي : ما أَمْعَرَ حاجٌّ قط، قيل لجابرٍ: ما معنى: ما أمعر؟ قال: أي: ما افتقر [22].
      فمن حج حجًا صادقًا، وبقي بعد حجه على ما تأدب به من حجه، فليعلم أن هناك ضمانة له ألا يمعر بعد حجه، ألا يفتقر، فإذًا هذه خصيصة لهذا البيت، ولهذا البلد، ذكرها الله في كتابه الكريم: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97].

ومن خصائصه: أنه بلد الطهر، لا يناسبه إلا الطهر، الطهر معنًى، فلا يصح ولا ينبغي أن يكون عند البيت وفي الأرض الحرام ما يضاد الإيمان والتوحيد من الشرك بالله ، وكذلك الطهر الحسِّي، فلا يليق به النجس والقذر؛ ولذلك يتفكر الإنسان ويتذكر أنه عهدٌ من الله لخليل رب العالمين أن يُطهِّر هذا البيت.

فهذه خصائص ذُكرت في كتاب ربنا عن مكانة هذا البيت وعن منزلته، وكل خَصِيصةٍ من هذه الخصائص الثماني هي تحتاج إلى وقفةٍ وتأملٍ؛ لندرك ماذا عندنا؟ عندما جئنا إلى البيت، وعندما جاورنا البيت، وعندما سكنَّا عند البيت، وعندما نقول: ذهبنا إلى الحرم، وعندما نقول: ذهبنا إلى مكة حاجِّين، وإذا رجعنا نقول: نحن الحُجَّاج!

ماذا عرفنا عن أماكن مناسك الحج؟ ماذا في قلوبنا من تعظيمٍ وتقديرٍ لهذه الأماكن؟ ماذا نعلم من أدبٍ مطلوبٍ ينبغي أن نتعامل به ونحن نسير في هذه الأرض؟ ماذا يجول في خواطرنا ونحن نتحرك في أماكنَ جبريلُ  مَشَى عليها، وميكائيل تَحَرَّك فيها، إبراهيم  طاف حول البيت ورفع البيت، وموسى طاف هنا، ويونس والأنبياء ثم رسول الله محمدٌ ؟

هلا تفكرنا ونحن نتحرك في أماكنَ هذا تاريخُها؟ هل قلت لنفسك: قد أضع جبهتي في مكانٍ ربما وضع فيه رسول الله قدمه، أو خليل الله إبراهيم، أو موسى، أو يونس، أو إسحاق، أو غيرهم من الأنبياء؟ هل جال بخاطرك وأنت تتحرك في هذا المكان؟

إذا تفكر الإنسان فيما في يده من مخلفاتٍ أو غيرها، تفكروا أن خليل الله إبراهيم يده امتدت هو وابنه إسماعيل عليهما السلام لتطهير المكان وتنظيفه، فهل أنت الذي تفعل شيئًا يدنس طهره ونظافته؟ هل يتفكر الإنسان بمثل هذه المعاني؟

فإذنْ أقول: هذا المكان الذي له هذا التاريخ في كتاب ربنا ، حاجتنا إلى أن نقف في لقاءاتنا هذه مع شيءٍ من التفصيل لخبر هذا البيت وتاريخه وأحكامه وآدابه؛ لنتكلم عن الآيات البينات، الله يخبرنا أن في بيته الحرام آياتٍ بيناتٍ.

"آيةٌ": علامةٌ واضحةٌ ذات دلالةٍ بليغةٍ على أعظم أمرٍ، وهو الإيمان بالله، والعلم به، وعبادته وتوحيده وتعظيمه وإجلاله ، فيقول الله لنا: في هذا البيت العتيق آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ [آل عمران:97] ترشدكم إلى ربكم، وتعلمكم عن إلهكم وعن الذي خلقكم .

هل وقفنا وتأملنا وسألنا أنفسنا: ما هي الآيات البينات؟ وكيف نستفيد منها؟ وكيف نهتدي بالهُدى الذي جعله الله في هذا البيت؟ جاء الخبر بالمصدرية، أي كأن البيت هو الهُدى، هل وقفنا وسألنا أنفسنا كيف؟ مقام إبراهيم أحد هذه الآيات البينات، كيف يكون ذلك؟

إذنْ قضيةٌ نحتاج أن نقف ونتأمل فيها، وأن نستعرض هذه الذاكرة التاريخية التي أخبرنا الله عنها في كتابه، لله آياتٌ في كتابه كثيرةٌ تحدثنا عن بيته الحرام، وعن المسجد الأول، وأحاديث كثيرةٌ تخبرنا عن بيت الله الأول، وتخبرنا عن عظمة هذا الحَرَم، وتخبرنا عن آثاره، وتخبرنا عن قيمة الوفود إلى هذا البيت.

فإذنْ نحاول في هذه اللقاءات أن نقف وقفةً مع هذه القضية؛ لأن الإنسان يتذاكر شيئًا من ذلك على حال البُعد، ولكن أحسب أنه إذا كان على حال القرب؛ فإن الأمر سوف يكون له أثرٌ عظيمٌ، ووقعٌ كبيرٌ على نفس الإنسان، وهو يرى ذلك بأم عينيه؛ ولذلك كما يقول المفسر الزمخشري رحمه الله: "لقد جرَّبنا وجرَّب أوَّلونا بأنه ليس في الدنيا مكانٌ أَعْوَنُ على عبادة الله -يعين الإنسان على عبادة الله- وعلى طاعة الله مثل مجاورة هذا البيت العتيق" [23].

فإذا كان الإنسان الآن في هذا المكان؛ فهل يجد هذا المعنى في نفسه؟ هل يجد هذه المفاهيم حاضرةً أمام عينيه يتأملها وهو يتحرك في هذا المكان؟

فإذنْ هذه بإذن الله تكون وقفتنا في لقاءاتنا، وأسأل الله أن يجعلني وإياكم من المعظِّمين لحرماته، وأن يجعلنا من الذين أدَّوا حقه في كل مكانٍ، وعند بيته العتيق، إنه جوادٌ كريمٌ.

وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 رواه أحمد: 2455، والنسائي في السنن الكبرى: 11127، والحاكم: 4042، وصححه الألباني في صحيح  الجامع: 1701.
^2 رواه البخاري: 4313.
^3 رواه الطبري في جامع البيان (2/ 553)، وأبو الشيخ في العظمة (4/ 1381).
^4 السير والمغازي (ص 95).
^5 رواه أحمد: 2067.
^6 رواه مسلم: 166.
^7 ينظر فتح الباري لابن حجر (6/ 406).
^8 رواه مسلم: 1252.
^9 رواه البخاري: 3364.
^10 أخبار مكة (2/ 275).
^11 رواه الطبري في جامع البيان (16/ 514-515)، والبغوي في معالم التنزيل (3/ 334)، والحاكم: 3503.
^12 ينظر أخبار مكة للفاكهي (1/ 446)، وصححه ابن حجر في فتح الباري (6/ 406) بعد أن عزاه للفاكهي.
^13 رواه الفاكهي في أخبار مكة (1/ 446).
^14 رواه مسلم: 1362.
^15 رواه البخاري: 7133.
^16 رواه البخاري: 2783، ومسلم: 1864.
^17 رواه الترمذي: 1611، وأحمد: 19020، وصححه الألباني.
^18 رواه البخاري: 398، ومسلم: 1330.
^19 رواه البخاري: 1593، وأبو يعلى (2/ 277): 991.
^20 عزاه السيوطي في الدر المنثور (2/ 276) لسعيد بن منصور.
^21 رواه أحمد: 3669، وقال محققو المسند: صحيح لغيره.
^22 رواه الطبراني في المعجم الأوسط: 710، والبزار كما في كشف الأستار: 1080، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 208) بعدما عزاه للطبراني في الأوسط والبزار: رجاله رجال الصحيح.
^23 الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (3/ 461).

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©