- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
مكانة القلب ومعيار النجاة يوم القيامة

جدول المحتويات
- مكانة القلب ومعيار النجاة يوم القيامة
- تكريم بني آدم وغاية وجودهم
- تسخير الكون وهداية الإنسان
- إقامة الصلة بالقرآن
- النبي مبيِّن الوحي ومجسِّد الهداية
- الإنسان "الحارث الهمَّام" بين وعي العقل وهداية القلب
- توحيد مصدر التلقي وثمرة العلم بالله
- اختبار حال القلب ومؤشرات العطب
- القلوب بين الحياة والمرض والموت
- أعداء القلب الثلاثة: النفس والشيطان والذنوب
- علم القلوب من أوجب العلوم
- غذاء القلب ودواؤه: الإيمان والقرآن
- الصراع الدائم مع إبليس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا ورسولنا وإمامنا وقدوتنا رسول الله محمدٍ، صلى الله عليه وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ المَيَامِين.
ثم أما بعد:
أسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأسأله أن ينير بصائرنا بنور الإيمان، وأن يلهمنا رشدنا، وأسأله جل جلاله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب غمومنا، وأسأله أن يجعل القرآن العظيم شافعًا لنا يوم العرض الأكبر عليه، فإن ربي هو الجواد الكريم، وإن ربي هو السميع المجيب، ثم أما بعد:
مكانة القلب ومعيار النجاة يوم القيامة
أيها الإخوة الأكارم الأفاضل، في هذا اللقاء نَعرِض لأمرٍ عظيمٍ، لأمرٍ يتعلق بالقلب، هذا العضو الذي رفع الله قدره، فذكره في كتابه باسمه، وعلَّق عليه النجاة والفوز يوم القيامة، فقال الله : يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: 88-89].
فلن يُفلِح الإنسان يوم القيامة إلا إذا جاء بقلبٍ سليمٍ، والقلب السليم هو ذلك القلب الذي سَلِم من أمراض الشبهات، وسلم من أمراض الشهوات، القلب السليم الذي امتلأ بالعلم بربه جل جلاله وخشيته وبحبه ، هذه القلوب هي مَحَطُّ نظر الرحمن، فالله مقصوده من عمل العبد: صلاح قلبه.
فنريد أن نقف -أيها الإخوة- مع هذه القضية ما دام أن فوز الآخرة عُلِّق على سلامة القلوب، وحتى نعرض لهذا الأمر؛ فإننا نريد أن نقف مع كتاب ربنا؛ لنستعرض حال هذا الإنسان في القرآن، فإذا وقفنا مع القرآن؛ فإن القرآن يبين لنا أن هذا الكتاب إنما أنزله الله لصلاح هذا الإنسان، فأنت المقصود بإنزال هذا الكتاب، فما أنزل الله القرآن إلا للإنسان.
وهذا القرآن رسالته الهدى؛ لأن الله قال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، وقال الله : ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، فرسالته الهدى، هداية من؟ هداية الإنسان، ولن نجد كتابًا يحدِّثنا عن الإنسان بالصدق والحق كما يحدثنا القرآن، ولن نجد كتابًا يبيِّن لنا قيمة الإنسان وقدر الإنسان كما بيَّنه القرآن، ولن نجد كتابًا يحدثنا عن تاريخنا وعن أصلنا الأول بالحق والصدق، كما حدثنا القرآن.
تكريم بني آدم وغاية وجودهم
فالقرآن أخبرنا عن الأصل الأول لهذا المخلوق (الإنسان)، وأخبرنا الله عن خبر إيجاد هذا المخلوق وعن اسمه، وهو آدم ، فأخبرنا الله أنه خلق آدم بيديه، وأنه خلقه من طينٍ، وأنه نفخ فيه من روحه، وأنه علَّمه الأسماء كلها، وأنه أمر الملائكة أن يسجدوا له، وأن الله أسكنه جنته، وأن ذلك تكريمٌ لهذا المخلوق المكرَّم.
وأخبرنا الله أن فرع هذا المخلوق كُرِّم كما كُرِّم الأصل، فقال : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، فالأصل مُكرَّمٌ، والفرع مُكرَّمٌ، وأخبرنا الله في القرآن أنه خلق هذا الإنسان خِلقةً سويةً، فخلقه في أحسن تقويمٍ، وأن الله فطره على الفطرة السوية، فقال : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وأخبرنا الله في كتابه الكريم أنه خلق هذا الإنسان لغايةٍ، فقال : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، وأخبرنا الله في القرآن أنه خلق هذا الإنسان، وخلق هذه الحياة بهذا النظام لهذا الإنسان لحكمة، فقال الله : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2].
تسخير الكون وهداية الإنسان
وأخبرنا الله في القرآن أنه خلق ما في السماوات وما في الأرض لهذا الإنسان، وأنه سخَّر له هذه المخلوقات: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الجاثية:13]، وأخبرنا الله في القرآن أنه من كمال رحمته وعدله جل جلاله: أنه ما ترك الإنسان بدون إنزال هداه عليه، فقال الله للأبوين عند نزولهما إلى هذه الأرض: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].
وقال : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى [طه:123]، وأخبرنا الله في القرآن أن هذا الإنسان موقوفٌ بين يدي الله للحساب والجزاء، وأن بعد هذه الحياة حياةً، وأن المكافأة جنةٌ أو نارٌ، وأن ذلك بما كسبت يداك، فقال الله : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47] وقال الله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7-8]، وقال الله : فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185].
إقامة الصلة بالقرآن
وأخبرنا الله في القرآن أن هذا الإنسان هو المكلف بأمر الله ، فأنت المَورِد لهذه الأوامر الربانية القرآنية، فإذا استعرضنا القرآن؛ نجد كل هذه الأمور في كتاب الله ، وعلى هذا الأساس لا يمكن للإنسان أن يحقق صلاح نفسه، الصلاح الذي أراده الله، الصلاح الذي يثمر الفوز بالجنة والنجاة من النار، الصلاح الذي يثمر رضوان الله، لا يمكن أن يصل الإنسان إليه ما لم يصلح نفسه وحاله بهذا الكتاب العظيم (القرآن الكريم).
قراءة القرآن وسماعه سبيل الصلاح
فلذلك ما أحوج الإنسان إلى أن يقف مع القرآن، وأن يؤدي حقوق هذا الكتاب كما افترض الله ذلك على العباد، وأن نقيم العلاقة الصحيحة فيما بيننا وبين القرآن، حينما أُمِرنا أن نقرأ القرآن، وأن نُقرئ القرآن، وأن نسمع القرآن، ولا تقوم علاقة مع القرآن بدون ذلك.
فكان أول ما نزل من القرآن: اقْرَأْ [العلق:1]، وقال الله : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20]، وقال الله : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وقال الله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2]، وقال الله : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:18].
إذنْ لا بد من أن نقرأ القرآن، ولا بد من أن نَسمع، ولا بد من أن نُسمَع، وهذا الحق الأول، وهذا الأمر الأول الذي به نحقق العلاقة مع القرآن؛ لكي تكون الثمرة صلاح هذه النفوس.
تدبُّر القرآن سبيل الفهم والإيمان والعمل
والأمر الثاني: هو أن نتدبر ما قرأنا، وأن نتدبر ما سمعنا، وأن نتدبر ما نُسمِع غيرنا من القرآن، وأن هذا محور الانتفاع بالقرآن، فقال الله : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، فإذا تدبرت لكي تصل إلى الثمرة، وهي الفهم، أن تفهم ما هو مراد الله ، فالتدبر يعين على ذلك؛ ولذلك جاء النهي والتحذير من قراءة القرآن بدون تدبرٍ.
لذلك يقول ابن مسعودٍ : "اقرءوا القرآن ولا تَهُذُّوه هذَّ الشِّعر، ولا تنثُروه نثر الدَّقَل [1]، قفوا عند عجائبه وحرِّكوا به القلوب [2].
فإذا ما تدَبَّرْتَ وفهمت؛ فلا بد من الإيمان واليقين، الإيمان بأن كلام الله حقٌّ، وأن قول الله صدقٌ، والله قال: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، والجواب: لا أحد، فإذا حصل الإيمان واليقين؛ يأتي الحق الرابع، وهو الخضوع والعمل، فبهذه الأمور الأربعة تتحقق العلاقة الصحيحة مع القرآن، والله أخبرنا أنه أمر نبيه أن يُسمِع الناس القرآن، وجعله الغاية الأولى من بعثته ، كما سمعنا قول الله : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2].
النبي مبيِّن الوحي ومجسِّد الهداية
وكذلك أمره أن يبين للناس هذا الكتاب، فيبين لهم ذلك بالبيان القولي، ويبين لهم ذلك بالبيان الفعلي، ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خُلُق رسول الله ماذا قالت؟ قالت: "كان خلقه القرآن" [3].
فإذا أدركنا هذا الأمر، وأردنا أن نعرف كيف نهتدي بهذا الكتاب، وأن نعرف عن أنفسنا بما عرضه هذا الكتاب الكريم، وهذا البيان العظيم من النبي ، فإن الكتاب والسنة كلًّا منهما أخبرنا عن الإنسان وعن طريق صلاحه وإصلاحه.
فهذا المخلوق المكرم، الذي خلقه الله إن من قرأ القرآن وقرأ السنة، فإنه يدرك أن الله الذي خلقك وأوجدك من العدم، والذي أمرك، واختار لك أشرف الغايات، وهي عبادة الله، فإنه أخبرك عن نفسك وعرفك بها، وعرفك كيف تنتج هذه الأعمال، وعرفك كيف تصلح ذاتك.
الإنسان "الحارث الهمَّام" بين وعي العقل وهداية القلب
فمما علمنا الوحي (الكتاب والسنة): أن هذا الإنسان خلقه الله حارثًا همَّامًا، ما معنى "حارث همام"؟ أي: خلق هذا الإنسان مريدًا مفكرًا فاعلًا، كل إنسانٍ بهذه الكيفية خُلق، فالنبي قال: أحب الأسماء إلى الله: عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها: حارثٌ وهمَّامٌ [4].
ما معنى: أصدقها؟ بمعنى: أنه ليس هناك اسمٌ إن سميتَ به كل إنسانٍ فينطبق معناه على المسمَّى، إلا هذين الاسمين، هل كل من تسميه شجاعًا يكون شجاعًا؟ الجواب: لا، قد يكون شجاعًا وقد لا يكون، ولكن كل من سمَّيته من بني آدم همَّامًا فهو همَّامٌ، وكل من سميته حارثًا فهو حارثٌ، بمعنى: لو سميت من آدم إلى يوم القيامة كل إنسانٍ بأحد هذين الاسمين؛ لانطبق المعنى على المسمى، فإن هذا المخلوق -الذي هو الإنسان- هو حارثٌ همامٌ، دائمًا يفكر، ودائمًا يسعى للعمل، طيب هذا الهم التفكير، وهذا الحَرْث أين يتجه؟ فإن الإنسان همه وحرثه يتجه لتحصيل النافع ودفع الضار.
كل إنسانٍ يفكر ويعمل؛ من أجل أن ينفع نفسه، ومن أجل أن يدفع عن نفسه الضُّر، هذه العملية بين الهم والحرث نحو تحقيق النافع ودفع الضر، ما هو الأمر أو الشيء الذي في نفسك؟ لأنك عندما تنظر إلى الناس وهم يعملون؛ فكل إنسانٍ يريد أن يحقق لنفسه منفعةً، وأن يدفع عن نفسه مضرةً، لكن هل الناس وهم يتجهون إلى المنفعة ودفع المضرة ينظرون إلى الأشياء بميزانٍ واحدٍ؟ الجواب: لا، نرى تفاوتًا عظيمًا يصل إلى التضاد، فنرى ما يراه فئةٌ من الناس أنه نافعٌ، فئةٌ أخرى ترى أنه ضارٌّ.
ما هي الجهة التي في الإنسان المُنَاطٌ بها تحديد النافع والضار؟ العقل، هذه القوة، هذه الآية المبهرة التي خلقها الله فيك دورها ما هو؟ إدراك الأشياء، وهذا الإدراك الهدف منه الوصول إلى إدراك ما هو النافع وما هو الضار، فإذا أدركت أن هذا نافعٌ؛ تحَرَّكَت أدوات العمل لتحصيله، وإذا أدركت أن هذا ضارٌّ؛ تحركت أدوات العمل نحو دفعه، وأن هذا العقل أين محله؟
أخبرنا القرآن والسنة أن محل ذلك هو القلب: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج:46]، فهذه القلوب التي هي محلٌّ للعقول، هي التي يكون منها إدراك الأشياء، وتصوُّر ما فيها من النافع والضار، وهذا العقل الله خلقه هذه الخلقة؛ ولذلك قال الله : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ [النحل:78]، فإذنْ هذه أدوات التعلم، فالإنسان يسمع، والإنسان يرى، ويصل ذلك إلى القلب، والقلب هو الذي يدرك هذه الأشياء.
فلذلك هذه الأمور تُعرَض على القلب، والقلب يتخذ القرار، قال النبي : تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عُودًا عُودًا، فأي قلبٍ أُشْرِبَها؛ نُكِت فيه نكتةٌ سوداء، فإن تاب سُقِل، وإن عاد نُكت فيه نكتةٌ أخرى [5].
إذنْ هذه القلوب هي المكان الذي يقرر، والمكان الذي يدرك النافع والضار في الأشياء، ومن هنا أصبح للقلب هذه المكانة العظيمة العالية؛ لأنه أُنِيطَ به أعظم الأشياء: إدراك ما في الأمور من النفع والضر؛ لذلك جاء وحي السماء ليجعل أعظم مقصودٍ في الإصلاح، هو ماذا؟ هو قلب الإنسان، هو قلبك، وأن الله بهذا الوحي أعظم مراد هو: أن يَصلح هذا القلب، ونطق النبي بذاك القول العظيم: ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت؛ صلح الجسد كله، وإذا فسدت؛ فسد الجسد كله، ألا وهي القلب [6].
توحيد مصدر التلقي وثمرة العلم بالله
فإذا أدركنا أن الوحي علَّمنا أن الإنسان حارثٌ همَّامٌ، خُلق بهذه الخِلقة، وأن حرثه وهمه يتجه نحو تحقيق النافع ودفع الضار، وعلمنا أن العقل هو الجهة المُنَاط بها إدراك الأشياء، وما فيها من المنافع والمضار؛ فمن هنا كانت عناية الوحي بإصلاح هذا الميزان وهذا القلب الذي أُنِيطَ به هذا الأمر، وهو إدراك حقائق الأشياء، فإن مقصود الوحي في إصلاحه هو أن القلب يُدرِك أنه لا يستطيع وحده أن يدرك الأشياء وما فيها من المنافع والمضار، وأن الذي يقدر على ذلك إنما هو الله ، فيكون أعظم إصلاح للعقل هو توحيده لمصدر التلقي، أن يعلم أن وحي السماء هو المصدر الذي يستقي منه ما هو النافع والضار، وأن الطريق إلى الوصول إلى هذه النتيجة أصلٌ عظيمٌ، وهو علمه بالله .
فبقدر ما يكون في قلبك من العلم بالله؛ بقدر ما يكون في قلبك من الخضوع والقبول لأمره ونهيه، والتسليم له، وبقدر ما يكون عند القلب من الانصراف عن تلقي أمر السماء؛ بقدر ما ندرك أنه يعيش حياة الجهل بالله .
فكلما ازداد العلم بالله؛ ازداد الخضوع والتسليم لله، وكلما قلَّ العلم بالله؛ فإن هذا القلب ينصرف عن الله، قال الله : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7]، يومَ أن يظن أنه مستغنٍ عن ربه ؛ فإنه يطغى، لا يقبل أمر الله، فأدركنا بذلك أن عنوان صلاح القلوب: علمها بربها علام الغيوب، وأدركنا أن هذا العلم أعظم ثمرته: توحيد مصدر التلقي، أنه يتلقى عن ربه .
فإذا صار قلبك سليمًا؛ فما الذي ستجد في حياتك؟
الذي ستجد في حياتك: أن كل شيءٍ تريد أن تعمله، فإن قلبك يقول: استفت ربك، وارجع إلى وحي السماء، يقول حاتمٌ الأصم، قرين الإمام أحمد: "نظرت إلى الناس فوجدت أن كل واحدٍ منهم اتخذ لنفسه عدوًّا -كل واحدٍ يصارع أحدًا من الناس- قال: فقلت: يا حاتم، من عدوك؟ -أنت تعادي من؟- قال: فرجعت إلى كتاب ربي -رجعت إلى أين؟ إلى القرآن، أسأله؛ لأن القلب سليمٌ، وأن العداوة ليست قضيةً بهواك- فوجدت فيه أنه ليس مَن ضربني عدوِّي، وليس من شتمني عدوي، وإنما عدوي مَن إذا وجدني على طاعة الله أراد أن ينقلني منها إلى معصية الله، وذاك عدو الله إبليس، فاتخذته عدوًّا" [7].
اختبار حال القلب ومؤشرات العطب
إذنْ هو منهجٌ، إذا وجدت أن قلبك يطاوع نفسك؛ فتعمل الجوارح أعمالًا، ولو سئلت: هل هذا الأمر يرضي الله، أو لا يرضي الله؟ لا تجد عندك جوابًا، إذنْ اعلم أن هذا القلب لا يعمل بصورةٍ صحيحةٍ، وأن هناك إشكالًا، إذا وجدت أن النفس تأمرك وتوجهك أن تعمل شيئًا لا يرضي الله، وتجد أن القلب لا يتألم ولا ينكر، ولا يلومك على ما فعلت؛ فاعلم أن القلب فيه مشكلةٌ، وأنك لم تَبْنِ قلبك بناءً صحيحًا سليمًا، ويوم القيامة قال الله : يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89].
إذا وجدت أنك ترى أن الله يُعصى من الناس، وتجد أنه ليس لذلك الأمر أثرٌ على نفسك؛ فاعلم أن القلب فيه مشكلةٌ.
القلوب بين الحياة والمرض والموت
يقول سفيان الثوري: إني أرى المنكر، المعصية يفعلها غيري من الناس، قال: فلا أطيق تغييرها -لا أستطيع- قال: فأبول الدم؛ كمدًا من الحزن [8].
فإذنْ هذا القلب الذي أُنِيطَ به هذا الأمر، وهذه المعالم التي أشرت إليها، هي قضيةٌ نحتاج إلى أن نقف ونتأمل، هل نحن فعلًا ننظر إلى هذه القلوب، وندرك أن أوجب الواجبات علينا في هذه الدنيا أن نحمل قلوبًا سليمةً؛ لأن هذا القلب أخبرنا القرآن كما أن هناك قلبًا سليمًا؛ فإن هناك قلبًا مريضًا: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32]؛ إذنْ هناك قلوبٌ مريضةٌ، وهناك قلوبٌ ميتةٌ قاسيةٌ.
فإذا كان الإنسان لا يعرف مِن القلب إلا هذه المضغة التي تضخ الدم فقط؛ فهذا إشكالٌ كبيرٌ، وإذا ما أدرك أن هناك أوصافًا أخرى للقلب جاءت في كتاب الله بأن هذا القلب يوصف بأنه قلبٌ حيٌّ صحيحٌ سليمٌ، ويوصف بأنه قلبٌ مريضٌ، ويوصف بأنه قلبٌ قاسٍ ميتٌ، قلبك من أي الأنواع هذه؟ كيف تقيس وضع قلبك؟
ويوم القيامة لن ينفعك أن تأتي بأموالٍ ولا بأولادٍ، وإنما الذي ينفعك -وَفق ميزان الله- أن تأتي بهذا القلب سليمًا، هذا القلب الأصل في خلقته ماذا؟ السلامة؛ لأنه محل الفطرة: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30].
فالأصل في هذا القلب أنه خُلِق وفيه الإقرار بوحدانية الله والتسليم له، وهذا الأمر أين تكميله؟ تكميله بشريعة الله التي ينزلها الله على الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، لذلك الدين ما هو؟ فِطَرٌ سويةٌ مُكَمَّلةٌ بشِرعةٍ مستقيمةٍ، فإذا بقيت القلوب على فطرتها السوية، وكُمِّلت بالشرعة المستقيمة؛ كان الإنسان المؤمن صاحب القلب السليم.
أعداء القلب الثلاثة: النفس والشيطان والذنوب
الخوف على هذا القلب وانحرافه من أين؟ يأتي من ثلاثة أمورٍ:
العدو الأول: النفس الأمارة بالسوء
الأول ما هو؟ الأول: النفس، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53]، فالخوف على القلب من جاره -هذه النفس- والنفس أمارةٌ بالسوء، قلنا: حكمة الوجود ما هي؟ الابتلاء، الله جعل لنا غايةً، ما هي غاية وجودنا؟ عبادة الله، ما هي حكمة هذا الوجود؟ الابتلاء؛ لأن الله عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال، ما هي الأمانة؟ هل تعبدون الله باختياركم، أو بالجبر بأنكم تُخلقون على خلقةٍ ليس لكم إلا أن تعبدوا الله؟
فاختارت السماوات والأرض والجبال أن يخضعوا لله بموجب الخلقة، وعُرض ذلك على الإنسان فاختار ماذا؟ أن يعبد الله بالاختيار، فتَحَمَّل هذه الأمانة، فلما كان الأمر أنه اختار ذلك، فحكمة حياة ابن آدم على ظهر الأرض قائمةٌ على هذا الأمر، وهو الابتلاء والامتحان، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2]، وليكون بعد هذا الامتحان والاختبار المجازاة العادلة، وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47].
ويقال للإنسان: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14]، والكتاب لا يُضيِّع شيئًا مما عَمل ابن آدم؛ ولذلك المجرمون ماذا يقولون يوم القيامة؟ يقولون كما قال الله : مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].
إذنْ هذا القلب الذي خُلق على الفطرة والتكميل له بالشِّرْعة، فالله خلقك على الفطرة، والله أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لكي يكمل ما في قلبك من الفطرة السوية.
فإذا حصل هذا التكامل؛ أين يتجه القلب إذا صلح؟ يتجه إلى النفس، من أجل ماذا؟ من أجل أن يزكيها، وهذا أعظم عملٍ للقلب، هو ماذا؟ إذا صلح القلب، وقلنا: صلاحه بالعلم بالله، وثمرة ذلك الصلاح ما هي؟ أن يوحِّد مصدر التلقي، أن الوحي كتاب وسنةٌ، هما المرجع لهذا العقل في تقدير الأشياء النافعة والضارة، فإذا صلح القلب بذلك؛ أين يظهر أثره؟ وأين تظهر ثمرته؟ أعظم ما يكون ذلك: في أن يزكي نفسه.
لذلك في القرآن العظيم يقسم الله أحد عشر قسمًا، ما تكرر في القرآن، الله يقسم أحد عشر قسمًا متتابعةً، جواب القسم ما هو؟ أن المفلح من زكى نفسه، وأن الخائب الخَسران من دَسَّى نفسه.
إذنْ دور القلب أن يزكي هذه النفس، النفس نقصُها وخللها من أمرين عظيمين: الجهل والظلم، فالإنسان خُلق ظلومًا جهولًا، والقلب -كما قلنا- الأصل في خلقته السلامة، فالابتلاء أول ما يكون بالنسبة لك: هو أن تزكي بقلبك السليم نفسك الأمارة بالسوء، فإذا زكيتها؛ ما هو وصفها؟ "النفس المطمئنة"، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].
إذنْ نحن نكمل سلامة قلوبنا -السلامة الأصلية التي هي الفطرة- بماذا؟ بشريعة السماء، الباب الرئيس لصلاح القلوب ما هو؟ علمها بالله، خُلقت العين، ما هو انتفاعك بالعين؟ أن ترى بها الأشياء، خَلق الله لك الأذن السمع، ما هو انتفاعك بالسمع؟ أن تسمع أصوات الأشياء، خلق الله لك القدمين؛ لتنقلك من مكانٍ إلى مكانٍ، وهكذا كل شيءٍ خلقه الله فيك له وظيفةٌ.
هذا القلب خلقه الله لوظيفةٍ، ما هي الوظيفة الرئيسة لهذا القلب الساكن فيه العقل؟ أن يعرف ربه، وأنه يسلم لحكمه وأمره، فإذا صار القلب جاهلًا بالله؛ إذنْ صار ماذا؟ الله أعطاه نعمة الإبصار، ووضع شيئًا على عينيه وظل يمشي ويتخبط ولا ينتفع بعينيه؛ كذلك من لم يُعمِل قلبه في العلم بربه فهو بهذه الحال، خلق الله لك هذا القلب، وأسكن فيه هذا العقل؛ ليكون وظيفته في الحياة أن تعرف به ربك وأن تخضع لأمره.
النفس هي الجزء المسؤول، هي الجزء المحاسَب يوم القيامة، هو الذي يقع عليه السؤال، وهي التي تشعر بالألم وتشعر بالراحة؛ لذلك وصفت بالنفس المطمئنة، والجوارح إنما تخضع لما يكون من هذين الأمرين.
فإذنْ أول ما يكون الابتلاء: في داخل صدرك بين العقل بما فيه من السلامة، والنفس الأمارة بالسوء، فإن أصلحت قلبك؛ أعانك على تزكية نفسك، فإذا زَكَت النفس؛ أمرت الجوارح؛ لأنها هي الجهة الآمرة للجوارح، فأنتجت الخير، وفعلت الخير، فإذا عرفنا هذا الأمر، إذنْ صار الأمر الأول مع هذا القلب.
وقلنا: الخوف على القلب من ثلاثة أمورٍ: الأول قلنا ما هو؟ النفس الأمارة بالسوء، أنها تستحوذ على القلب، وتجعله يتبع الهوى بمُوجَب ما فيها من الظلم والجهل: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وحملها الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، فلذلك أنت تصلح قلبك؛ ليزكي نفسك، فإن زَكَت نفسك؛ صَلُح عمل جوارحك.
فإذنْ هذا الجانب الأول الذي يؤثر على القلب: النفس، وعرفنا أن المطلوب أن تُزَكَّى.
العدو الثاني: الشيطان
الأمر الثاني الذي نخاف منه على القلب، ما هو؟ الشيطان، هذا العدو صاحب أقدم عداوةٍ للإنسان، وصاحب أطول عداوةٍ للإنسان، وصاحب أثبت عداوةٍ للإنسان، فأول عدوٍّ لنا: إبليس، وآخر عدوٍّ لنا: إبليس، والذي لا يترك العداوة أبدًا: هو إبليس (الشيطان)، والخوف على القلب من الشيطان أعظم من الخوف على القلب من النفس.
لذلك ما جاء وصف النفس بالأمارة بالسوء إلا مرةً واحدةً، وما جاء بالنسبة للعدو إبليس فإنه كَثُر ذلك الأمر في كتاب الله، فكم من مرةٍ والله يحذرنا من إبليس: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر:6]، يذكر عداوته لأبينا آدم ، وكيف أنه عصى أمر الله أن يسجد لأبينا آدم : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة:34].
ويخبرنا الله عن وسوسته ومكره وكيده بأبينا آدم ، وأنه أخرجه من الجنة، ويخبرنا عن ترصده لبني آدم، فقال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف:16]، وأن طريقه واضحٌ، وهو ماذا؟ أن تكونوا من أصحاب الجحيم.
إذنْ عداوةٌ واضحةٌ من هذا العدو، وإبليس مخلوقٌ ذكيٌّ، لكنه ليس زكيًّا، ومن ذكائه: أنه يحرص على إفساد الإنسان، وأعظم ما يحرص عليه: أن يصل إلى قلبه، إلى الميزان الذي يزن الأشياء؛ لأنه إذا أفسد القلب، كما قال : إذا فسدت؛ فسد الجسد كله [9]، إذا أفسد الميزان الذي يزن لك حقائق الأشياء، فيصبح ذلك الميزان: الفساد يزنه بالصلاح، والصلاح يزنه بالفساد، النفع يصوره أنه ضارٌّ، والضار يصوره أنه نافعٌ، فإذا صار قلب الإنسان بهذه الكيفية؛ تمكن منه عدوه إبليس.
ولذلك أعظم ما يريد أن يصل إليه: هو أن يكفر هذا الإنسان، وهذا أعظم أنوع الفساد للقلب، ألا يعرف ذلك القلب ربه، ولا يعرف حق ربه ، فيعطي حق الله لغيره من المخلوقين، وأي ظلمٍ أعظم من ذلك؟! وأي فسادٍ للقلب أعظم من ذلك؟!
فلذلك هذا العدو إبليس إذنْ هو الأمر الثاني الذي نخاف على القلب منه، أن يتمكن إبليس من القلب.
العدو الثالث: الذنوب والمعاصي والفتن
الأمر الثالث الذي نخاف على القلب منه: الذنوب والمعاصي والفتن.
فإذنْ هذه أمورٌ ثلاثةٌ يُخشى على القلب منها:
- تسلط النفس الأمارة بالسوء.
- ثانيًا: استحواذ إبليس على القلب.
- ثالثًا: تمكن الذنوب والمعاصي والفتن من هذا القلب حتى يتعلق بها القلب ويحبها.
وكلما كان الإنسان أوعى -له قلبٌ واعٍ- إنما تَعقِلها قلوبٌ واعيةٌ، فهي التي تعقل، فالقلوب الواعية تدرك عندما تعود إلى القرآن أن الله يخبرها في القرآن ويُحذِّرها من هذه الأمور الثلاثة أن تتسلط على القلب وأن تتمكن من القلب.
علم القلوب من أوجب العلوم
وهذا حقيقةً من أوجب العلوم على الإنسان، ومما يجب على الإنسان أن يتعلمه؛ لأنه إذا فسد قلبك؛ فبأي شيءٍ ستستفيد؟! وإذا أصبح القلب ميتًا! فلذلك أصبح هذا الأمر وتعلمه من أعظم أنواع العلوم ومن أوجبها ومن أفرضها على الإنسان.
ولذلك علم القلوب إنما هو علمٌ يرتبط بأصول الدين؛ لأنه مرتبطٌ بالعلم بالله والعلم بحقه على هذا الإنسان، وهذا أعظم علمٍ في هذه الدنيا، وهذا علم القلوب.
إذنْ كيف تبني قلبًا سليمًا؟ هذا الأصل الثاني: كيف تحافظ على القلب السليم من خصومه ومن أعدائه؟
غذاء القلب ودواؤه: الإيمان والقرآن
فهذا القلب لا بد له إذا كان يمرض ويصح ويموت؛ إذنْ لا بد له من غذاءٍ، ولا بد له من دواءٍ، فما هو غذاؤه؟ غذاؤه الإيمان بالله ، وما هو دواؤه وشفاؤه؟ القرآن الكريم؛ لأن الله قال: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ [الإسراء:82]، والإيمان في القرآن.
ففي القرآن غذاءٌ وشفاءٌ للقلوب، ولن يجد الإنسان غذاء قلبه إلا في وحي السماء، ولن يجد علاج قلبه إلا في وحي السماء، فإذا أعرض الإنسان عن القرآن؛ فإذنْ كيف سيبني قلبه؟ وكيف يغذي قلبه؟ وإذا أعرض الإنسان عن القرآن؛ فكيف سيعالج قلبه؟ وكيف يداوي قلبه؟ وهذه حقيقةٌ عظيمةٌ من حقائق القرآن.
وأعظم أنواع الهَجْر: ألا تجعل القرآن هو الغذاء لقلبك، وأعظم أنواع الهجر: هو ألا تجعل القرآن شفاءً لمرض قلبك، فإذنْ هذا القرآن غذاء القلوب ودواء القلوب.
فالأصل في هذا الوحي الذي أنزله الله ، فإذا أدركنا هذا الأمر، وعرفنا هذه القضية بهذا التصور، وعلمنا أننا مكلفون، أننا لا بد أن نجتهد لنحمل قلوبًا سليمةً، وأننا لا بد قبل أن نفارق الدنيا، أن نطمئن أن هذه القلوب ليست مريضةً، وليست ميتةً؛ لأن المجازاة والثمرة والثمن لهذا الأمر عظيمٌ، إما جنةٌ وإما نارٌ.
الصراع الدائم مع إبليس
فلذلك الإنسان هنا يقف ليتأمل في هذا الأمر، ونريد أن نقف مع قضية هذا العدو، الذي هو إبليس، فإننا نجد في القرآن أن الله وهو يخبرنا عن عدونا يخبرنا أولًا عن خلقته وعن طبيعة خلقته، فيخبرنا أنه من طبيعةٍ أخرى غير طبيعتنا، فخلق الله بني آدم من طينٍ، ثم جعل النسل من ماءٍ مهينٍ [10].
وأما خصمنا وعدونا فأخبرنا الله أنه خلقه من مارجٍ من نارٍ [11]، وهذا لكي يكون عندك النفرة منه ابتداءً، وأخبرنا الله عن مقاصد عداوته، وأن له هدفًا واحدًا يسعى له الليل والنهار، ما هو؟ أن تكونوا من أصحاب الجحيم، وأخبرنا الله عن كيف تواجه هذا الخصم، ما تركك الله وحدك، وعلمك عن طرقه ووسائله في تحقيق مقصوده.
وآيات القرآن تبيِّن لنا ذلك كله، والأحاديث جاءت تبين، ولأن الحياة بنيت على الابتلاء؛ مكَّنه الله من أمورٍ مع هذا الإنسان، وأعطى الله الإنسان سلاحًا يواجهه؛ لأن القضية: هل أنت تنجح، أو لا تنجح؟
فلذلك هذا الصراع الذي بينك وبين إبليس، بينك وبين الشيطان، أولًا: لتعلم أن هذا العدو يجري منك مجرى الدم في العروق، وأنه معك في تصاريف حياتك، يحضر في كل عملٍ، إذنْ كل عملٍ هو عملية اختبارٍ، نجاحٌ أو رسوبٌ.
تريد أن تشرب، هي عملية اختبارٍ، الله في وحيه يريد منك أن تشرب بطريقةٍ معينةٍ، إذنْ ما هو دور إبليس؟ أن تشرب بغير هذه الطريقة، تريد أن تأكل، الله في أمره أمرك بطريقةٍ معينةٍ، إبليس ما هو دوره؟ يريد أن يخرجك عنها إلى غيرها، تريد أن تنام، تريد أن تكسب مالًا، تريد أن تتكلم مع إنسانٍ، تريد أن تبذل الحب لإنسانٍ أو البغض لإنسان، فإبليس يحضر في تصاريف الحياة كلها، والمقصود واحدٌ، الله أراد منك شيئًا، إبليس يريد منك أن تفعل ضده بهذه الصورة.
من منا الذي استحضر هذا الأمر في حياته؟ من منا كلما أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، أو دخل بيته أو يخرج من بيته، أو يلبس ثوبًا أو يخلع ثوبًا، أو أراد أن يشتري شيئًا أو يبيع شيئًا، أو يتبسم لفلانٍ أو أن يعبس في وجه فلانٍ؛ استَحضَرَ أن إبليس الآن حاضرٌ، وأنه سيدخلك في امتحانٍ، إما أن تكون ناجحًا فيه، أو لست بناجحٍ؟
من الذي في آخر يومه يجلس على فراشه ويستعرض ما حدث في يومه؛ ليرى كم انتصر على إبليس، وكم هُزم أمام إبليس؟! من الذي يحاسب نفسه؟! النبي وهو يعلمنا من خلال تعامله مع أصحابه، كيف كان .
| ^1 | الدقل: ردئ التمر ويابسه، فتراه ليُبْسه ورداءته لا يجتمع. ينظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (د ق ل). |
|---|---|
| ^2 | رواه عبدالرزاق: 8733، والآجري في أخلاق أهل القرآن (ص 38)، والبيهقي في شعب الإيمان: 1883. |
| ^3 | رواه أحمد: 24601، وقال محققو المسند: حديث صحيح. |
| ^4 | رواه أبو داود: 4950، وصححه الألباني. |
| ^5 | رواه مسلم: 144، من حديث حذيفة ، وروى الترمذي: 3334، وابن ماجه: 4244، من حديث أبي هريرة : "إن العبد إذا أخطأ خطيئة؛ نُكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب؛ سُقِل قلبه، وإن عاد؛ زِيدَ فيها حتى تعلو قلبه"، وحسنه الألباني. |
| ^6, ^9 | رواه البخاري: 52، ومسلم: 1599. |
| ^7 | ينظر: إحياء علوم الدين (1/ 65)، ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (15/ 52-54). |
| ^8 | حلية الأولياء لأبي نعيم (7/ 24)، وشعب الإيمان للبيهقي: 921. |
| ^10 | قال الله تعالى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [السجدة:7-8]. |
| ^11 | قال الله تعالى: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15]. |