- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
حجة الوداع

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين نبينا ورسولنا وإمامنا وقُدوتنا رسول الله محمد صلى الله عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرّ المَيَامين.
أسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وأسأله أن يختم لنا جميعًا بالصالحات، وأن يجعلنا من أهل الجنة، فإن ربي هو الجواد الكريم، وإن ربي هو السَّميع المُجِيب.
أما بعد:
أيها الإخوة الأكارم الأفاضل، هذه هي العشر المُباركات، وهذه هي أم القُرى مكة -شرَّفها الله- خير بقاع الأرض، وهذه خير أيام الدنيا، فنسأل الله أن يُوفقنا للعمل الصالح، وأن يتقبله منَّا.
هذه الأيام المُباركات تُذكِّرنا بذلك الحدث العظيم الجَلَل: حَجَّة رسول الله التي هي حجة الوداع، حيث ودَّع رسول الله أُمَّته فيها، وخاطب أُمَّته عبر هذه المواقف العظيمة، ومن خلال تلك الخُطب البليغة التي خطبها رسول الله في هذه المشاعر المُقدسة، وتلك الآيات المُباركات التي كانت تتنزل عليه عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان هو يُبَلِّغ أمر ربه، ويمتثل أمر ربه، ويُعلِّم الناسَ أمر ربهم، فهذا حاله صلوات الله وسلامه عليه في ذلك الموسم العظيم.
حَجَّة الوداع ويوم عرفة تذكيرٌ بالعهد والميثاق الأول
نعلم أن من أعظم مواقف الحجِّ: وقوف الحُجَّاج بعرفة، بذاك المَنْسَك العظيم، وجُعِلَ الوقوف بعرفة ركنًا من أركان الحجِّ، والنبي قال: الحج عرفة [1].
وعرفة تُذكِّر الناس بأمورٍ عظيمةٍ، فأول ما تُذكِّرهم تُذكِّرهم بالعهد والميثاق؛ العهد والميثاق الذي أخذه الله على العباد، وهو ذاك العهد العظيم، عهدٌ على الإيمان بالربوبية له ، بأنه لا ربَّ سواه، وعهدٌ بالألوهية بأنه لا معبودَ بحقٍّ سواه، والله ذكَّرنا في كتابه بهذا العهد والميثاق، والنبي ذكَّرنا بهذا العهد والميثاق.
وهو العهد الذي استخرج الله فيه ذُرية آدم كلهم من صُلْب أبيهم آدم ، واستخرجهم من أصلاب الآباء، ونَثَرَهم جميعًا بين يديه قِبَلًا، واستشهدهم على أنفسهم بأنه لا ربَّ لهم إلا الله، فالجميع أَقَرَّ للربِّ بالربوبية، والجميع أقرَّ للربِّ بالألوهية.
وكان هذا العهد والميثاق في تلك الأرض وذاك المشعر المُختار عرفة، ذكَّرنا الله به؛ لأنه أخبر أنه سيُذَكِّر العباد به؛ لأنهم يَنْسَون، وأخبر أن الأنبياء سيُذَكِّرون أُمَمهم؛ لأن الأُمم تنسى.
الأدلة على أخذ العهد والميثاق من بني آدم
قد يقول قائلٌ: أين هذا في كتاب الله؟ وأين هذا في سُنة رسول الله ؟
أما في كتاب الله: فقال الله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172]، فالله ذَكَّرنا بهذا العهد في كتابه، وهذه الآية صريحةٌ في ذلك.
أما النبي : فروى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي قال: إن الله استخرج من ظهر آدم ذُريته، ونَثَرَهم بين يديه قِبَلًا، وكان ذلك بِنَعْمَان أي: عرفة، واستشهدهم على أنفسهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [2].
صحَّ من قول أُبَيِّ بن كعبٍ : أن الله استشهد ذُرية آدم ، فَأَقَرُّوا، فقال الله لهم: سأُشْهِد عليكم السماوات السبع ..، أَقَرُّوا بأنه لا ربَّ لهم إلا الله، ولا معبود بحقٍّ سواه، فقال الله : سأُشْهِد عليكم السماوات السبع، قالوا: أقررنا. قال: سأُشْهِد عليكم الأرضين السبع، قالوا: أقررنا. قال: سأُشْهِد عليكم الملائكة، قالوا: أقررنا. فقال: يا آدم، قُمْ واشهد على ذُريتك.
فشهد على إقرارنا وإقرار البشرية لربها بالربوبية، شهدتْ على ذلك السماوات السبع والأرضين السبع والملائكة، وشهد أبونا آدم .
فقال الله : سأُنزل كتبي، وأُرْسِل رسلي يُذَكِّرونكم هذا العهد والميثاق [3].
فهاهو القرآن نجد فيه التَّذكير، وهاهو رسول الله يُذَكِّرنا بهذا العهد والميثاق.
فوقف البشر كلهم في عالم الذَّرِّ -عالم الأرواح- على عرفة، ومعهم الأنبياء بينهم كالسُّرج، والجميع أَقَرَّ لله بالربوبية والألوهية.
فعرفة ذاك المشهد العظيم الذي وقفه الأنبياء، وأعظم ما قالوا فيه، وما نَطَقَتْ به ألسنتهم: هو إعادة ذاك الإقرار؛ فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: خير ما قلتُ أنا والنَّبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له [4].
إذن هذا الإقرار بالتوحيد لله الذي أُخِذَ على البشر في عالم الذَّرِّ وهم على صعيد عرفات هو خير ما يقوله مَن وقف بذلك الموقف.
آية كمال الدين وتمام النعمة
في ذلك الموقف وقف رسول الله ، ونزلتْ عليه تلك الآيات المُباركات، عظيمة الشأن، جليلة القدر -وكل ما في القرآن عظيم القدر، جليل الشأن- وهي قول الله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3].
هذه الآيات من سورة المائدة نزلتْ على رسول الله وهو على صعيد عرفات، ولم يَبْقَ النبي بعد نزولها سوى إحدى وثمانين ليلةً، ثم مات عليه الصلاة والسلام.
الحقائق الكبرى التي تضمنتها آية إكمال الدين
هذه الآيات المُباركات تضمَّنت ثلاث حقائق كبرى لا بد من فهمها.
لا بد من الوعي، والمؤمن يُريده الله أن يحمل قلبًا واعيًا، وأن يحمل قلبًا سليمًا، وأن يكون عقله واعيًا لأمر الله ؛ لأن حقَّ القرآن عظيمٌ، وعلاقتك بالقرآن لا بد أن تكون سليمةً؛ حتى لا تكون هاجرًا وتدخل في العَتَب الرباني: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، حتى تخرج من هَجْرِ القرآن، وحتى تكون علاقتك بالقرآن صحيحةً، فلا بد من أربعة أمورٍ بها تكون علاقتك بالقرآن سليمةً:
- أولها يتكون من ثلاثة أمورٍ: أن تقرأ القرآن، وأن تَسْمَع القرآن، وأن تُسْمِع القرآن.
لا بد أن تقرأ، ولا بد أن تَسْمَع، ولا بد أن تُسْمِع.
فهذا الحق الأول، وبدون قراءة القرآن لا تقوم علاقةٌ مع القرآن، وبدون سماع القرآن لا تقوم علاقةٌ مع القرآن.
أول ما نزل على رسول الله : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، وقال: إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري، حين قال لابن مسعودٍ : اقرأ عليَّ القرآن، قال: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أُنْزِل! فقال: إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري [5]. - وثاني الحقوق: إذا قرأتَ وسمعتَ وأَسْمَعْتَ فلا بد من الفهم، لا بد من التَّدبُّر؛ حتى تصل إلى الفهم، قال الله : كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29]، فما أنزل الله القرآن إلا لكي تتدبره القلوب والعقول، وتفهمه فهمًا صحيحًا.
- فإذا ما فهمتَ بعد أن قرأتَ وسمعتَ فلا بد من الشرط الثالث، وهو الإيمان واليقين؛ أن تتيقن أن ما في القرآن حقٌّ، فهو من عند الحقِّ، والله لا يقول إلا الحقَّ، فبعد السماع والفهم يأتي الإيمان واليقين.
- ثم يأتي الأمر الرابع بعد الإيمان واليقين: لا بد من العمل والخضوع والانقياد لما في القرآن الكريم، فالقرآن ما أُنزل لكي يُقرأ فقط، والقرآن ما أُنزل من أجل أن يَهُذَّه الإنسان هَذَّ الشعر، ويَنْثُرَه نَثْرَ الدَّقَل، وإنما أُنزل ليُقرأ ويُسْمَع، ولِيُتَدَبر، وللإيمان به، ثم العمل والخضوع؛ حتى يكون الإنسان حاله وخُلُقُه هو ما جاء في كتاب الله، ويجمع ذلك كله قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سُئلتْ عن خُلُق رسول الله ، فقالت: "كان خُلُقُه القرآن" [6].
هذه الحقوق الأربعة جئنا بها هنا؛ لأن الآية التي أشرتُ إليها في المائدة، والتي نزلتْ على النبي وهو في ذاك الموقف العظيم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3] أخبرتْ ودَلَّتْ، وفهم العلماء منها أنها دَلَّتْ على ثلاث حقائق كبرى:
- أولها: أن الله أخبر أنه أتمَّ لنا الدين، فلا يُحتاج إلى أن يُزاد فيه شيءٌ، أكمل الدين فلا يُحتاج إلى أن يُزاد فيه شيءٌ.
- الأمر الثاني: أن الله أتمَّ هذا الدين، فلا يُحتاج إلى أن يُنْقَص منه شيءٌ.
- الأمر الثالث: أن الله رضي الإسلام على ذاك الطريق والتَّطبيق الذي كان عليه رسول الله ، فأعلن رضاه، فلا يسخطه أبدًا إلى يوم القيامة، فحفظ لنا ربنا هذا الدين فيما جاء في الكتاب علمًا وبيانًا، وما جاء في السنة تبيينًا وتطبيقًا.
فَحُفِظَ لهذه الأُمة دينها بحفظ هذا الوحي الذي هو الحقُّ، وقول الحقِّ، وحُفِظَ لها دينها بحفظ السنة والسيرة التي فيها البيان، والتي فيها التَّطبيق الذي رضيه الله ، وأعلن الرضا عنه في أعظم موقفٍ من مواقف الإسلام، وهو يوم عرفة.
إذن هذه قضيةٌ لا بد أن نَعِيَها، وأن نفهمها، فدين الله محفوظٌ؛ لأن الله قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فهو أمرٌ قد تمَّ.
القرآن هو أصدق كتابٍ يُحَدِّث عن الإنسان
بعد ذلك لا بد أن نَعِيَ وأن نفهم أن الإنسان ... ليس هناك كتابٌ على وجه الأرض يُحدِّثنا عن الإنسان بأصدق خبرٍ، وأحسن بيانٍ، وأكرم خطابٍ، كما يُحدِّثنا القرآن عن الإنسان.
ليس على ظهر الأرض كتابٌ يُحدِّثنا عن هذا الإنسان: عن حقيقته، عن نشأته، عن بدايته، عمَّا يُصْلِحُه، وعمَّا يَضُرُّه ويُتْلِفُه، ليس هناك كتابٌ يُحدِّثنا عن هذا الإنسان أصدق من كتاب مَن خلق الإنسان.
ولذلك الله يُعاتِب مَن يُعْرِض عن هذا الوحي، ويبحث في غيره، قال الله : أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وقال الله : أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [البقرة:140]، وقال الله : مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا [الكهف:51].
إذن مَن الذي يُحدِّثنا عن الإنسان؟ مَن خلق الإنسان أو مَن هو مخلوقٌ؟
لذلك القرآن هو الكتاب الوحيد الذي يُحدِّثك عن نفسك بأصدق خبرٍ، وبأحسن خبرٍ، وبأحسن بيانٍ.
تكريم الله لآدم وذُريته
أهل الإيمان أدركوا هذا الأمر؛ ولذلك هم يعودون إلى القرآن؛ ليعرفوا تاريخهم، وليعرفوا بدايتهم، ولا يجدون في أي كتابٍ تكريمًا كما كرَّمهم القرآن؛ ولذلك القرآن يَعْرِض لتكريم ابن آدم، قال الله : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70].
وكرَّم الله الأصل في بني آدم، وهو آدم الأب الأول، كرَّمه الله بأن الله خلقه بيده، وكرَّمه الله بأن الله نفخ فيه من روحه، وكرَّمه الله بأن الله علَّمه الأسماء كلها، وكرَّمه الله بأن الله أسجد له الملائكة، وكرَّمه الله بأنه أسكنه جنته، وكرَّمه الله بأنه عندما أخطأ وخرج من طريق التَّكريم، علَّمه كيف يعود إليه بالتوبة والاستغفار، فتاب الله عليه وهدى، وكرَّمه الله عندما أنزله إلى الأرض فلم يتركه وحده، بل أنزل عليه هدًى، هذا تكريم الأصل.
تكريم الفرع: أنه نَسَبَ الفرعَ للأصل المُكَرَّم، فبماذا خاطب الله الذُّرية؟
خاطبها منسوبةً إلى ذاك الأصل المُكَرَّم، فقال الله في القرآن وهو يُخاطب الذُّرية -كثيرًا ما نجد في القرآن-: يَا بَنِي آدَمَ [الأعراف:26]، ونسبة الفرع إلى أصلٍ مُكَرَّمٍ هو تكريمٌ للفرع.
وكرَّم الفرع بأن الله سخر له ما في السماوات وما في الأرض، وكرَّمه حين خلقه على أحسن خلقةٍ، فخلقه مَفْطُورًا على الإيمان والإسلام، وخلقه وأعطاه هذا العقل، هذه الآية المُبْهِرة التي بها يُدْرِك المنافع والمَضَارّ، وكرَّمه حين أرسل إليه الرسل، وكرَّمه حين أنزل على الرسل الكتب، وكرَّمه حين يُخْطِئ ويُذْنِب بأن علَّمه كيف يعود إلى طريق التَّكريم، فهذا المخلوق المُكَرَّم الذي كرَّمه الله.
ثم أمرٌ ثالثٌ: لئن كان هذا تكريمًا للإنسان كإنسانٍ، فإن هذا الإنسان إذا آمن بربه يكون مُكَرَّمًا على درجةٍ أعلى وأرفع وأعظم، فأهل الإيمان الله وليُّهم، فقال : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257]، والله ينصرهم، قال الله : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، والله يُحبهم، فالله يُحب المؤمنين.
ويكون هذا الإنسان غالي القدر عند الله، قال النبي وهو ينظر إلى الكعبة: ما أعظمَكِ! وما أَطْيَبَكِ! وما أطيب ريحكِ! ولكن دم المؤمن أعظم حُرمةً عند الله منكِ [7].
وقال عليه الصلاة والسلام: لَزَوال الدنيا أهون عند الله من أن يُرَاق دم إنسانٍ مسلمٍ بغير حقٍّ [8].
وقال عليه الصلاة والسلام: يقول الله : مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب [9]، وقال: ما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مَسَاءَتَه [10].
فهذا التَّكريم من الله لهذا العبد حين ينطق بكلمة التوحيد، تكريم الله لهذا العبد المؤمن حين جعله صمام أمانٍ لهذه الدنيا، فالقيامة لا تقوم وعلى ظهرها مَن يقول: لا إله إلا الله، فالقيامة تقوم على شِرَار الخلق الذين لا يقولون: الله، الله.
الحكمة من وجود الإنسان
إذن هذا الكتاب يُخبرنا عن كرامة هذا الإنسان، ويُخبرنا عن حكمة الوجود في هذه الحياة الدنيا، وحكمة أنها على هذا النظام والحال، فلئن كان الإنسان المُكَرَّم اختار اللهُ له أشرف الغايات، وأفضل الغايات، وهي عبادة ربِّ الأرض والسماوات، قال الله : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].
أشرف غايةٍ في الوجود أن تعبد الله، والله جعل هذا الوجود لحكمةٍ، كما أن له غايةً، قال الله : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2].
حمل الإنسان الأمانة
خُيِّر الإنسان بين أن يُحقِّق غاية الوجود على وجه الإكراه والإلزام، أو أن يُحقِّق غاية الوجود على وجه الاختيار، وهي الأمانة، فالسماوات والأرض اختارتْ أن تُحقِّق ذلك على وجه الإلزام، أما ابن آدم فاختار أن يُحقِّق ذلك على وجه الاختيار، قال الله : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ [الأحزاب:72].
فلما حمل الإنسان هذه الأمانة كانت حكمة الله في هذه الحياة الدنيا ونظامها أن يقوم على هذا الابتلاء والامتحان: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَخُلِقْتَ على هذه الخِلْقَة: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] أن يكون الإنسان عنده القابلية أن يسير على الخطين؛ على خَطٍّ يكون فيه مُحقِّقًا لعبودية الله، أو على طريقٍ يبتعد عن عبودية الله، ويعمل ضدّ ذلك.
الأمور التي تُعين العبد على الابتلاء
لكن من كمال رحمة الله: أن الله أعانه، وهو العليم الحكيم، وهو الرؤوف الرحيم، أعانه على هذا الابتلاء بأمورٍ عظيمةٍ، كان أولها وأعظمها: ذاك العهد والميثاق الذي أخذه عليك، والذي أقررتَ فيه بربوبية الله وأُلوهيته، ثم بتلك الفطرة، بعد الإقرار جعل الله ذلك فطرةً في قلبك، قال الله : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30]، وقال: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138].
وقال النبي وهو يُخبر أن كل بني آدم وُلِدُوا حُنفاء على المِلَّة -على الفطرة- فقال: كل مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسَانه [11]، فكل مولودٍ يُولَد على هذه الفطرة.
فهذا أمرٌ ثانٍ.
أمرٌ ثالثٌ: أن الله أعطاك العقل، هذه الآية المُبْهِرة التي بها تُدْرِك النافع والضَّار.
والأمر الرابع: أن الله جعل في هذا الكون من الآيات ما فيه دلالةٌ واضحةٌ على أن له خالقًا واحدًا هو الله ، ومع ذلك لا يُعَذِّب الله أحدًا على الكفر والمعصية حتى يقوم الأمر الخامس.
ما الأمر الخامس؟
إرسال الرسل، وإنزال الكتب عليهم، قال الله : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].
فانظر إلى كمال عدل الله، ما تُعَذَّب حتى تقوم هذه الأمور الخمسة، وهذا من كمال العدل، ومن كمال الرحمة من هذا الربِّ العظيم الجليل .
ما الحكمة من الابتلاء؟
إذن هذا المخلوق المُكَرَّم، الذي كرَّمه الله، وخلقه على هذه الخِلْقَة، وجعل له هذه الغاية، ثم جعل الحكمة من هذه الحياة على هذه الطريقة، وهي حكمة الابتلاء والامتحان، فإنه يتبع ذلك الجزاء؛ لأن الناس أمام هذا البلاء سَيَنْقَسِمُون إلى قسمين: إلى ناجحٍ فيه، وإلى غير ناجحٍ فيه، إلى مُوفَّقٍ، وغير مُوفَّقٍ، فلا بد من الجزاء، فمَن حقق المُراد يُكافَأ، ومَن لم يُحقِّق المراد يُعاقَب، فقال الله : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء:47]، وقال الله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة:7- 8].
إذن الجزاء؛ لأن هناك ابتلاءً وامتحانًا، ولا بد أن تكون هناك غايةٌ عليها هذا الابتلاء، فما الأمر؟
الغاية عبادة الله، والابتلاء هل تُحقِّق هذه الغاية التي حُدِّدتْ لك أو لا؟ هل تعيش عبدًا لله، أو عبدًا للشهوات والشيطان؟ هل أنت من جُنْد الله، أو من جُنْد الشيطان؟ هل أنت من المسلمين الذين سمَّاهم الله بهذا الاسم، أو من الخارجين عن هذا الاسم إلى تلك الأسماء الشَّتى؟ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج:78].
فالإسلام دين الأنبياء، والإسلام دين هذا النبي الخاتم عليه الصلاة والسلام، والإسلام دين أُمته؛ لأن الله هو سمَّى مَن آمن بهذه المِلَّة الحنيفية، سمَّاهم بالمسلمين.
إذن هذا الابتلاء على تلك الغاية، وأمامنا الجزاء العادل بين يدي ربِّ العزة والجلال.
مجالات الشريعة في تنظيم حياة الإنسان
ثم إن تلك الغاية التي هي العبودية لله جعل اللهُ ذلك الأمر أمرًا يَكْتَنِف الحياة كلها، فذاك الأمر الذي يَكْتَنِف الحياة كلها سُمِّي بـ"الشرعة"، "الشريعة".
فالشريعة إذن: هي تلك الأحكام التي تضبط للإنسان تصرفاته في تقلبات مناحي الحياة، وأن ذلك يشمل ما يتعلق بشعائره التَّعبدية، وما يتعلق بعقائده وإيمانه، وما يتعلق بأخلاقه، وما يتعلق بمُعاملاته، وما يتعلق بالمَنْهِيَّات، خمسة أمورٍ رئيسةٍ.
إذن تلك الشريعة تتعلق بأمورٍ خمسةٍ:
أولها ما هو؟
مُعتقداتك: ما مُعتقدك في ربك؟ ما مُعتقدك في قضية الحياة بعد الموت؟ ما مُعتقدك في الأنبياء الذين سبقوا؟ وفي الغيب؟ ما مُعتقدك في الكتب التي أخبر الله أنها نزلتْ؟ ما مُعتقدك في القَدَر الذي كتبه الله على العباد؟
إذن هذا أمرٌ وأصلٌ، وهذا موضعٌ للابتلاء والامتحان: من أين تأخذ ذلك الأمر؟
ثم ثانيًا: الشعائر التَّعبدية: الصلاة شعيرةٌ، الصيام شعيرةٌ، الحجُّ شعيرةٌ من الشعائر التَّعبدية، فكيف يتعامل الإنسان معها؟ هل يقبل أو لا يقبل؟ وإن قَبِلَ كيف يعمل؟ ومن أين يأخذ مصدره في ذلك الأمر؟
إذن هذا أمرٌ ثانٍ: الشَّعائر التَّعبدية.
الأمر الثالث: المعاملات.
أنت تتعامل مع خلق الله على أيِّ أساسٍ؟ تتعامل مع فلانٍ، أو تترك فلانًا، وتتعامل مُعاملة الرضا، أو مُعاملة الغضب.
كل ذلك لا بد أن ينضبط، فما الذي يضبطه؟
شريعة الله.
الأخلاق: الإنسان يتقوم بمجموعة أخلاقٍ، فمَن الذي يُحدِّد لك هذه المصفوفة الخُلُقية؟ مَن الذي يضبطها لك؟ ومَن الذي يجعل لكل واحدةٍ منها ميدانه؟ فالفرح مع مَن؟ والغضب مع مَن؟ والكرم مع مَن؟ والمنع مع مَن؟
إذن كل ذلك أمرٌ.
ثم المَنْهِيَّات، ما الذي تترك؟ وما الذي لا تترك؟
إذن في الشريعة أيضًا الله بيَّن ذلك، وجعل أكمل الشرائع وأتمَّ الشرائع هي هذه الشريعة الخاتمة، أرادها الله أن تكون هي الباقية، فكما أنه اختار المِلَّة الحنيفية السَّمْحَة لتكون هي مِلَّة الأنبياء، ومِلَّة الأمم إلى يوم القيامة، فاختار الشريعة المحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- لتكون هي الشريعة الكاملة الباقية إلى يوم القيامة.
إذن هذا الدين يقوم على هذه الأصول، وأنه يستلزم من المؤمن أن يفهم ذلك، وأن يَعِيَ هذا.
ثم إن هذه الشريعة المُباركة التي هي -كما قلنا- الكاملة؛ لأنها من عند الله، والله قال: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل:60]، والناس لا يستطيعون أن يُوجدوا مثلًا أعلى؛ ولذلك نرى كلَّ مَن وضع من البشر نظامًا لا يمكن أن يقول: هو الأمثل؛ لأن ما هو حسنٌ عند قومٍ، ليس بحسنٍ عند غيرهم، وما هو حسنٌ اليوم، لا يكون حسنًا في الغد، ولكن مَن الذي يضع المثل الأعلى؟ مَن له المثل الأعلى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى.
فلذلك الإسلام بتشريعاته لم تُوجده أُمَّةٌ، ولكنه تنزيلٌ من حكيمٍ عليمٍ؛ ليُوجد خير أُمَّةٍ.
الإسلام لم تُوجده أُمَّةٌ، وإنما الإسلام تنزيلٌ من حكيمٍ عليمٍ؛ ليُوجد خير أُمَّةٍ، قال الله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]؛ فلذلك كان هذا الإسلام المثل الأعلى فيما يتعلق بالعقائد عن الربِّ ، والمثل الأعلى في وضع التَّشريعات التي تضبط حياة الإنسان في عباداته، وفي مُعاملاته، وفي أخلاقه، وفي مَنْهِيَّاته، فالله له المثل الأعلى.
خصوم بني آدم
لكن لما كانت حكمة الوجود الابتلاء والامتحان، فهذا الإنسان جعل الله له خصومًا؛ لتتحقق حكمة الابتلاء والامتحان، فكان الخصم الأول: إبليس، هذا الشيطان، وأن عداوة إبليس هي أقدم عداوةٍ، وهي آخر عداوةٍ، فهي البداية، وكذلك العداوة معه إلى النهاية، وما بين البداية والنهاية عداوةٌ لا تتوقف مع جنس الإنسان، ومع كل فردٍ من البشر.
فابتدأتْ مع الأب الأول: آدم، وأعلن العداوة، وكان سببًا في إخراج الأبوين من الجنة، وقال: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:62]، هذه عداوة إبليس مع أبينا آدم ، ثم مع كل فردٍ من ذُريته.
من أين تبدأ عداوته لكل فردٍ؟
من كل لقاءٍ بين رجلٍ وامرأةٍ يحضره الشيطان، فإذا قُدِّر من ذلك اللقاء ولدٌ يريد: كيف يكون له فيه نصيبٌ؟ فيريد أن يكون اللقاء على غير شرع الله، وأن يكون حرامًا؛ ليكون له في الولد نصيبٌ.
وإن كان عن نكاحٍ فَيُنْسِي كلًّا منهما ذِكْر الله؛ ليكون له في الولد نصيبٌ، وإذا ما أرادت المرأة أن تلد الطفل حضر إبليس، ويُشَامّ القلب؛ ليصل إليه حيث مكان العقل؛ ليتمكن من محل تفكيرك وإرادتك.
وتظل تلك العداوة في كل تصاريف الحياة.
النبي كان على طعامٍ، فجاءتْ جاريةٌ كأنها تُدْفَع مُتَّجهةً إلى الطعام، مُسرعةً، ووضعتْ يدها، فأمسك النبي بيدها، ثم جاء أعرابيٌّ مُسرعًا كأنه يُدْفَع، فأمسك بيده، وقال عليه الصلاة والسلام: إن الشيطان يعني: حضرهما، قال: إن يده في يدي مع يدها [12]، يريدهما أن يأكلا من الطعام بدون ذِكْر اسم الله؛ لِتُفْقَد منه البركة.
والنبي كان يومًا في ليلة عائشة رضي الله عنها، فخرج من عندها في الليل، إلى أين خرج؟
تذكر إخوانه الذين سبقوه، تذكر إخوانه الذين تَوَسَّدوا القبور في البقيع، فأراد أن يزورهم، وأن يُسلِّم عليهم، وأن يدعو لهم.
وعائشة رضي الله عنها نائمةٌ، فعندما خرج انتبهتْ لحركته، أين ذهب تفكيرها؟
أنه يريد أن يخرج من عندها إلى زوجةٍ أخرى، فقامتْ فَتَبِعَتْهُ، فشعر النبي بعد خروجه بأن هناك مَن يسير خلفه، فالتفت فرأى سوادًا في ظُلمة الليل، فَتَبِعَه، فأسرع النبي ، فأسرعتْ، فجرى، فَجَرَتْ، فرجعتْ إلى حُجرتها وتَغَطَّتْ، وإذا بِنَفَسِها يتصاعد [13]، فقال لها النبي : يا عائشة، أقد جاءكِ شيطانكِ؟ هل حضركِ الشيطان؟ فقالت: يا رسول الله، أومعي شيطانٌ؟ قال: نعم، قالت: ومع كل إنسانٍ؟ قال: نعم، قالت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم [14].
إذن هذا الخصم لا يتركك.
هدف الشيطان وغايته
ما هدفه وغايته؟
أن تكون من أهل الجحيم، هذه غايته، وطريقه: أن تكفر بالله، فإن لم يكن إلى فعل الكبائر، إلى غير ذلك من الأمور التي يتدرج فيها.
إذن هذا خصمٌ؛ ولذلك -كما يقول العلماء- ما من أمرٍ شرعيٍّ -وانتبهوا- إلا وللشيطان فيه نزغتان: نزغةٌ نحو الغلو، ونزغةٌ نحو التَّفريط، وأمر الله وسطٌ بينهما.
إذن الشيطان ماذا يعرض عليك عند كل أمرٍ؟
إما أن يأخذك من باب الغلو والتَّنَطُّع؛ فيُخرج الإنسان، وإما أن يُخْرِجه من باب التَّفريط والتَّكاسل.
ومن هنا نفهم أن دين الله وسطٌ، فهو وسطٌ بين الغالي والجافي، وبهذا الأمر يَعِي الإنسان ويفهم أحوال كثيرٍ من الناس، ويرى الإنسان -للأسف- كيف استطاع إبليسُ أن يُدْخِل كثيرًا من الناس في بوابة الصراع، وبين أهل الإسلام.
إذن هذه الوسطية التي هي أمر الله، الذي هو بين الغلو والجفاء، وأن هذا الخصم هذا طريقه، فكل أمرٍ من أوامر الله للشيطان فيه نزغتان: نزغةٌ نحو الغلو، ونزغةٌ نحو التَّفريط، فمَن أراد أن يلتزم بطريق الوسط ... والله قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، والوسط هم العدول، والعدول هم الذين قاموا على أمر الله، كما طبَّقه رسول الله .
إذن هذا هو الوسط، وكم نحتاج إلى الوقوف عند ذلك.
أعظم ما يدعو للانحراف وعلاج ذلك
ما الذي يدعو الإنسان إلى الانحراف عنه؟
أعظم ما يدعو الإنسان إلى الانحراف عنه الجهل، ثم اتِّباع الهوى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثية:23]، فالهوى يكون إلهًا يُعْبَد من دون الله، فيحرف الإنسان عن طريق الوسط، وعن طريق العدل، وكذلك الجهل.
فعلاج الجهل العلم؛ ولذلك رفع الله قَدْر العلم، قال الله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، فأعظم ما يحرف الإنسان عن الوسطية هو الجهل، ولا يردّه إلا العلم.
وقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ورفع قدر أهل العلم، وأعلى منزلتهم، وجعل أثرهم في الناس أعظم الأثر؛ لأنهم يُعِينون الناس أمام مكر إبليس، فَيُقِيمونهم على الحقِّ.
ولذلك ترى في مُجتمعات المسلمين قيمة تلك المجتمعات عندما يقوم العلماء بحقِّ التعليم، وعندما يقوم أهل الإسلام بحقِّ التَّعلُّم، فالذي عنده العلم يُعلِّم، والذي ليس عنده العلم يتعلَّم: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124- 126].
فالجهل آفةٌ تُخْرِج الإنسان من هذه الوسطية الممدوحة إلى ذلك الانحراف المذموم، ولا يصيد الشيطان إلا الجاهل، والجاهل مادة إبليس التي يعمل عليها، وأخطر ما يكون حين يُجَرِّئه فيقول على الله بغير علمٍ، والله ما أصعب هذا!
عندما ترى ذاك الإنسان الذي لا يفقه دين الله، لا لأن دين الله لا يفهمه إلا أفرادٌ، لكن عندما لا يبذل للعلم جهدًا، ولا يطلبه من بابه، ثم بعد ذلك يفتح فمه ليتكلم في دين الله كيفما يشاء، ويرى أن هذا الأمر كأنه كَلَأٌ مُباحٌ، وما أعظم الكلمة على الله بغير علمٍ!
إذن الجهل طريقٌ لإبليس لكي تخرج من هذه الوسطية، وأعظم شيءٍ يُدْخِلك فيه حين يُجَرِّئك على أن تقول على الله بغير علمٍ، وهذا من أعظم الأمور، وهنا يقع الشَّطَط، ويقع الغلو أو التَّفريط، وكان الجهل طريقه.
لذلك مجتمعات أهل الإسلام تميزتْ بالعلم؛ ولذلك إذا قرأنا تاريخنا نُدْرِك الفارق بين أهل الإسلام وغيرهم؛ تلك الحِلَق التي كانت تُعْمَر بها بيوت الله، وتلك المدارس التي شُيِّدَتْ لتعليم الناس دين الله وشريعة الله ، وأولئك القوم والناس الذين بُنِيَتْ ثقافتهم على أن قيمتهم على قَدْر ما يعلمون، وعلى قَدْر ما في صدورهم من آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي العظيم عليه الصلاة والسلام، فعلى قَدْر ما في صدورهم من هذا العلم يكون قَدْرهم وميزانهم بين الناس.
ولذلك إذا قرأنا التاريخ نجد أمرًا عجبًا، إن قرأتَ -على سبيل المثال- عن أهل الحديث: يجلس الإمام البخاري، فيجلس أمامه عشرات الآلاف من الطلاب يسمعون حديثه، ويجلس يزيد بن هارون، فَيُعَدُّ طلابه من حوله ما يزيد على مئة ألفٍ يسمعون منه، ويأتي أبو عوانة إلى نيسابور فيجتمع الناس لسماع الحديث منه، حتى تُغْلَق الدَّكاكين، وتُسَدَّ الطرق.
إذن هذا مظهرٌ حين يكون الناس على هذه الوسطية، فيكون العلم هو الذي يشعر الناسُ أن قيمتهم فيه.
نزل أحد العلماء إلى بغداد في القرن الرابع، وبقي مدةً يطلب العلم، ثم أراد الرجوع إلى بلده، وفي طريق خروجه وقف على خبَّازٍ ليشتري خبزًا يتزود به في الطريق، فوجد الخبَّاز والغلام الذي معه يتناقشان في مسألةٍ علميةٍ، يقول الخبَّاز: القول فيها كذا، والدليل كذا. ويرد عليه خادمه: بل القول كذا، والدليل كذا. قال: مدينةٌ هذا حال خبَّازيها لا ينبغي الخروج منها.
إذن الجهل علاجه بماذا؟
علاجه بالعلم، وهذا تاريخنا، اقرؤوا لنرى كيف كان مجتمع المسلمين في عنايتهم بطلب العلم.
وكان في فترةٍ من الزمن يَلْقَى الرجلُ الرجلَ، فما سُؤاله له؟ هل أين قضيتَ وقت النزهة؟ أو غير ذلك.
كان السؤال الذي يدور بينهم: كم عندك من الأحاديث التي كتبتَ؟ كم عدد الشيوخ الذين سمعتَ منهم؟ رحلاتك إلى مَن مِن العلماء؟
هكذا كان تاريخنا.
إذن هذا علاج الجهل.
علاج الهوى
أما الأمر الثاني -وهو جانب الهوى- فعلاجه في نفسٍ زكيةٍ، أن تَزْكُو نفسك؛ لأن النفس أَمَّارةٌ بالسوء، والنفس هي الجهة المسؤولة فيك، هي الجهة المُكلَّفة، هي الجهة المُحاسَبَة يوم القيامة، هي التي يقع عليها العقاب والجزاء والألم.
لذلك الله أقسم قسمًا عظيمًا في القرآن، ما تكرر، قسمٌ واحدٌ، لكن هذا القسم عَجَبه وتَمَيُّزه: أن الله أقسم في موطنٍ واحدٍ أحد عشر قسمًا مُتتابعًا، أحد عشر قسمًا يُقْسِم الله بها، قَسَمٌ بعد قسمٍ، وما حصل ذلك في القرآن إلا مرةً واحدةً.
ما جواب القسم؟
جواب القسم مُتعلقٌ بالنفس، وأي شيءٍ مع النفس؟
اجتهادك في تزكيتها، والهوى لا يُعالج إلا إذا كانت نفسك زكيةً.
أين هذا في القرآن؟
قال الله : وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1- 8].
هذه الآيات تضمنتْ أحد عشر قسمًا؛ أقسم الله بالشمس وضحاها، وبالقمر إذا تلاها، وبالنهار إذا جَلَّاها، وبالليل إذا يغشاها، وأقسم بالسماء ومَن بناها، وبالأرض ومَن طَحَاها، وبالنفس ومَن سوَّاها، أحد عشر قسمًا.
أين جواب القسم؟
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9- 10].
مَن المُفْلِح؟
مَن زَكَّى نفسه.
مَن الخائب الخسران؟
مَن دَسَّا نفسه ولم يُزَكِّها، والهوى محلٌّ لنفسٍ لم تُزَكَّ، الهوى محلٌّ لنفسٍ دُسِّيَتْ، فهي الخائبة الخسرانة؛ فلذلك يقودها الهوى.
إذن هذا مظهرٌ، فرأينا أنه عندما تكون الأُمَّة على الوسطية ترى تلك الأُمَّة على العلم، ومن هنا لا نرى الشَّطط، ولا نرى العَبَث في دين الله، وفي أحكام الله، وكلٌّ يريد أن يُفْتِي، وأن يتكلم، وأن يحكم، وأن يقول على ربِّ العزة والجلال.
إذن هذا مظهرٌ، وله أهميته؛ فلذلك حضارة هذه الأُمَّة، وتاريخ هذه الأُمَّة، ووسطية هذه الأُمَّة أمام هذه القضية له شأنٌ، وأيُّ شأنٍ!
أيضًا إذا نظرنا إلى قضية الاجتماع، فإن الله أراد أن تكون هذه الأُمَّة أُمَّةً: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [الأنبياء:92]، وقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، وجعل هذا الأمر في تشريعه على أعدل التَّشريع؛ ولذلك شرع من الدين ما يُحقِّق هذا الأصل؛ فجعل قضية الإيمان تقوم على تلك الكلمة العظيمة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ، سهلة في النُّطق، فيقولها أعلم الناس، وأذكى الناس، ويقولها أيُّ عامّي من عوامِّ الناس، وبها يُصبح كلٌّ منهما مسلمًا، وبها يعصم دمًا، بهذه الكلمة.
نطق بها ذاك الرجل الذي كان على زمن النبي في وسط معركةٍ وقتالٍ، فقتله أسامة ، فبلغ النبيَّ ، فقال: يا أسامة، أقتلتَه وقد قال: لا إله إلا الله؟! قال: يا رسول الله، إنما قالها تَعَوُّذًا. فقط لأجل ألا أقتله، قال: هَلَّا شَقَقْتَ عن قلبه [15].
إذن هذا الأمر واضحٌ، بَيِّنٌ، وأن هذا مفتاح الانتساب لهذا الدين.
ثم في ذاك المظهر أيضًا الواضح البيِّن بأركان الإسلام الخمسة، محدودة العدد، مُطاقة التَّطبيق من كل أحدٍ، بها يتحقق الولاء بين المسلمين، فَتُوالي مَن صلَّى، ومَن نطق بالشهادتين، وتُوالي مَن إذا جاء رمضان صام، وإذا جاء الحجُّ إن استطاع حجَّ، وإن لم يستطع فقلبه مُعلقٌ بالحجِّ، فهؤلاء الذين لهم الولاء.
وصلى الله على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.
| ^1 | رواه أبو داود: 1949، والترمذي: 889، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2714. |
|---|---|
| ^2 | رواه أحمد: 2455، والنسائي في "السنن الكبرى": 11127، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 121. |
| ^3 | رواه بلفظٍ قريبٍ دون ذِكْر الملائكة عبدالله ابن الإمام أحمد في زوائد "المسند": 21232. |
| ^4 | رواه الترمذي: 3585، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 3274. |
| ^5 | رواه البخاري: 5049، ومسلم: 800. |
| ^6 | رواه مسلم: 746. |
| ^7 | رواه بنحوه ابن ماجه: 3932، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2441. |
| ^8 | رواه بنحوه الترمذي: 1395، والنسائي: 3987، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3722. |
| ^9, ^10 | رواه البخاري: 6502. |
| ^11 | رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658. |
| ^12 | رواه مسلم: 2017. |
| ^13 | رواه مسلم: 974. |
| ^14 | رواه مسلم: 2815. |
| ^15 | رواه بنحوه البخاري: 4269، ومسلم: 96. |