- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
المقدمة_ من قوله: "هذا ذكر بيان اعتقاد أهل السُّنة والجماعة .." (1)

جدول المحتويات
- مقدمة العقيدة الطحاوية
- قول أهل السُّنة والجماعة في التوحيد
- أقسام التوحيد
- قوله: "إن الله واحدٌ لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعْجِزه، ولا إله غيره"
- قوله: "قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء"
- قوله: "لا يَفْنَى، ولا يَبِيد، ولا يكون إلا ما يُريد"
- قوله: "لا تَبْلُغه الأوهام، ولا تُدْرِكه الأفهام، ولا يُشْبِه الأنام"
- قوله: "خالقٌ بلا حاجةٍ، رازقٌ بلا مَؤُونَةٍ"
- قوله: "
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فينعقد هذا المجلس في الثامن والعشرين من الشهر الخامس من سنة 1438 من الهجرة النبوية الشريفة -على صاحبها الصلاة والسلام- في المسجد النبوي الشريف، مسجد رسول الله في شرح الرسالة التي كتبها العلَّامة أبو جعفر الطحاوي رحمه الله في الاعتقاد.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله:
مقدمة العقيدة الطحاوية
نقول في توحيد الله مُعتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعْجِزه، ولا إله غيره.
الشيخ: هذه المقدمة التي بدأ بها الطحاوي رحمه الله بيَّن فيها أنه كتب هذه الرسالة بيانًا لعقيدة كبار أئمة الحنفية، وهم: أبو حنيفة، والصاحبان عند الحنفية.
وهذا القول الذي ابتدأ به أبو جعفر تسبقه مقدمةٌ هي: أن الله بعث رسوله محمدًا بالهدى ودين الحقِّ، وبعثه الله بما بعث به سائر الأنبياء والمرسلين من الدعوة إلى توحيد الله وإخلاص الدين له وحده لا شريك له، وإلى عبادة الله بما شرع الله من العبادة التي نزلتْ بها الكتب، وهي الكتب التي أنزلها الله على الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعلى نبينا محمدٍ الذي بعثه الله ليكون خاتم الأنبياء، وآتاه الحكمة التي لم يُؤْتَ نبيٌّ من الأنبياء حكمةً كحكمة نبينا محمدٍ .
أسماء علم العقيدة عند أهل السُّنة
ولكن هذا المقام، وهو مقام التوحيد، ومقام الإخلاص، ومقام الإيمان بالله جلَّ وعلا وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر -خيره وشرِّه- هو مقام الإيمان الذي بعث الله به جميع الرسل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وفي قول الله جلَّ ذكره: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13].
وعن هذا جاء في الصحيح وغيره عن النبي قال: الأنبياء إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهاتهم شتَّى، ودينهم واحدٌ [1]، فدينهم هو التوحيد، وهو عبادة الله، وهو الإيمان بالله، وهو تقوى الله، وهو الإسلام، وهو الإيمان، وهو الإحسان، إلى غير ذلك من الأسماء الشرعية.
فإن الأسماء الشرعية التي تُسمَّى بها العقيدة هي الأسماء التي ذكرها الله في كتابه، وذكرها الرسول لأُمته، وهذه الأسماء اقتدى بها كبار العلماء رحمهم الله الذين جمعوا كتبًا، وصنَّفوا مُصنَّفاتٍ، سواء كان ذلك في كتب المُحدثين، كأصحاب الصحيح: كـ"صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، وغيرهما، أو كان ذلك في الكتب المُختصة التي صُنِّفَتْ في علم أصول الدين.
فإنك ترى أولئك الأئمة وأولئك العلماء رحمهم الله يُسمُّون هذا الاعتقاد الشريف وهذا الدين العظيم، يُسمونه بالأسماء الشرعية، وهذا هو الهدي الذي كان عليه السلف رحمهم الله.
وعن هذا سمَّى البخاري رحمه الله في "صحيحه": "كتاب الإيمان" [2]، فإن اسم "الإيمان" -كما تعلم- من الأسماء الشرعية التي ذكرها الله ورسوله ، وسمَّى في كتابه في أواخر "صحيحه": "كتاب التوحيد" [3]، فجعل في أوائل "صحيحه": "كتاب الإيمان"، وجعل في أواخر "صحيحه": "كتاب التوحيد".
واسم "التوحيد" من الأسماء التي ذكرها الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وهو على مادة ما ذكره الصحابة في معاني اللغة مما جاء القرآن به، كقول الله : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1].
واللهُ هو الواحد في عبادته، وفي ربوبيته، فلا يُعبد غيره، ولا ربَّ سواه، وهو الواحد في كمال صفاته وأسمائه؛ ولذلك أخبر عن نفسه بما اقتضته الفطرة، وقام في عقول المُخاطَبين من قول الربِّ جلَّ وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
ولهذا لما كان المشركون يُلَبُّونَ تلبية الشرك فيقولون: "لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك" [4]، لبَّى رسول الله في حَجِّه بقوله: لبيك اللهم لبيك [5].
ولما روى الصحابة رضي الله تعالى عنهم حجَّة النبي كما جاء في أطول سياقٍ حُفِظَ في السُّنة من رواية صحابيٍّ واحدٍ، وهي رواية جابرٍ رضي الله تعالى عنه التي أخرجها الإمام مسلمٌ في "صحيحه" مُطوَّلةً، وأخرجها غيره مُتمَّمةً، قال جابرٌ كما في الصحيح: "فَأَهَلَّ رسول الله بالتوحيد" [6]، فَعُلِمَ أن هذا الاسم من الأسماء المعروفة زمن النبي ، فهو من الأسماء الشرعية التي استعملها الصحابة، ومعناه في كتاب الله، وكذلك بقية الأسماء.
ولذلك لما صنَّف أهل العلم في أصول الدين تجد منهم مَن سمَّى كتابه "الإيمان"، كما في "كتاب الإيمان" لابن مَنْدَه، ومنهم مَن سمَّى كتابه "التوحيد" كما في "كتاب التوحيد" لابن خزيمة، ومنهم مَن سمَّى كتابه "السُّنة" كـ"السُّنة" لعبدالله بن أحمد، و"السُّنة" لأبي بكر الخلال.
ومنهم مَن سمَّى كتابه "الشريعة" كما في "كتاب الشريعة" للآجري؛ لأن الشريعة إذا أُطْلِقَتْ عامةً دخل فيها الدين جميعًا بأسمائه المُطلقة وأسمائه العامّة، أصولًا وفروعًا، وهو قول الله جلَّ وعلا: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ [الجاثية:18]، فهذه الشريعة المذكورة في هذه الآية هي جِمَاع الدين.
وأما الشريعة في الاصطلاح الخاص الذي اصطلح عليه طوائف من الفقهاء فإنه يُراد بالشريعة هنا: المعنى المُختصّ بعلم فروع الشريعة، ولكن الاسم الذي ذُكِرَ في القرآن على الإطلاق يُراد بالشريعة في ذلك المورد: الدليل والحكم، يُراد بالشريعة: الدليل والحكم.
فيُراد الدليل من جهة: أن هذا الدين مَوردٌ، وأصله الكتاب والسُّنة، وأحكامه في الكتاب والسُّنة، وهو جِماع الدليل؛ لأن العرب إذا ذَكَرَت الشريعة أرادتْ بها جملةً من المعاني تجتمع في معنيين في الجملة: إما أنها تريد بالشريعة مورد الماء العِدِّ [7] الذي يكون لا انقطاع فيه، والقرآن كذلك، فإنه موردٌ في العلم، وهو العلم الإلهي المُعرِّف بحقِّ الله في المقام الأول، وبحقوق العباد في المقام الثاني؛ ولهذا كانت العرب تستعمل الشريعة على هذا الاسم.
ومنه قول امرئ القيس كما في شعره:
| ولما رأتْ أن الشريعة همّها | وأن البياض من فَرَائِصها دَامِي |
| تَيَمَّمت العين التي عند ضَارِجٍ | يُفِيء عليها الظّل عَرْمَضُها طامِي [8] |
فقال هنا: "ولما رأتْ أن الشريعة همّها"، فالماء إذا كان مورودًا سمَّته العرب: شريعةً.
والشريعة: الطريق المُستقيم، فإذا كان طريقًا مُستقيمًا سُمِّي: شريعةً عند العرب.
وهكذا دين الله، فهو شريعةٌ، كما سمَّاه الله في كتابه؛ ولهذا كان من فقه الآجري رحمه الله أن سمَّى كتابه في أصول الدين بهذا الاسم.
وهذا المعنى الذي أُشِيرَ إليه يُقصد فيه: أنه يجب على المسلمين -ولا سيما خاصَّتهم من أهل العلم- أن يلتزموا الأسماء الشرعية في تسمية دينهم، ولا سيما في أعلى مقامات الدين وهو الاعتقاد، فيُسمَّى بما سمَّاه الله ورسوله من الأسماء الشرعية: كاسم الإيمان، والإسلام، والإحسان، والعبادة، والتقوى، إلى غير ذلك.
فإن الله يصفه هكذا، ويُسمِّي مَن قام بحقِّه بهذه الأسماء: تارةً بالاسم المُطلق كاسم الإيمان، وتارةً ببعض الأسماء المُختصة كاسم الركوع والسجود، كما في قول الله جلَّ وعلا: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112]، فهذه كلها داخلةٌ في اسم الإيمان.
ولهذا كان من فقه السلف الصالحين رحمهم الله ورضي عنهم أن بَيَّنُوا ما تضمنه الكتاب والسُّنة من أن الإيمان: قولٌ وعملٌ، وأن الإيمان: جميع ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
ظهور البدع في تاريخ الإسلام
ما زال أمر هذه الأُمة مُنتظمًا في عقيدتها، وفي توحيدها، وفي إيمانها زمن النبي بما حفظ الله الدين بحفظ رسول الله وبيانه التام عليه الصلاة والسلام.
ثم كان الأمر على ذلك في صدرٍ من خلافة الخلفاء الراشدين إلى أن ظهرت البدع المُغلَّظة، وظهرت الفتن الكبرى في زمن الخلفاء الراشدين.
وهذه الفتن قد أخبر عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي "صحيح مسلم" وغيره من حديث أبي موسى الأشعري قال: قال النبي : النجوم أَمَنَةٌ للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما تُوعَد، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأُمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يُوعَدون [9]، فحصلتْ هذه الفتن التي أخبر عنها الرسول .
والفتن يجب أن يُعْلَم في مقام ذكرها: أن منها الفتن في الدماء، ومنها الفتن في العلم، ومنها الفتن في الشهوات، إلى غير ذلك.
ومن أَشْكَل ما عرض في هذه الأُمة: الفتن العلمية، وكان لهذه الفتن من الأثر في دماء المسلمين وانتهاك دمائهم، وذلك في خلافة علي بن أبي طالبٍ لما استطالت الخوارج الذين أخبر النبي عنهم بأن كفَّروا بقية الصحابة، وكفَّروا المسلمين بكبائر الذنوب، مُخالفين الكتاب والسُّنة والإجماع، فاستطالوا على دماء المسلمين، وصار من أمرهم أن قتلوا عليَّ بن أبي طالبٍ .
وهؤلاء أوائلهم نبغ في زمن النبي كما جاء في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله من وجوهٍ، قال الإمام أحمد رحمه الله: "صحَّ الحديث في الخوارج من عشرة أوجهٍ" [10]، وقد أخرج الإمام مسلمٌ في "صحيحه" هذه الأوجه، وأخرج البخاري طائفةً منها، وأخرج غيرهم من أصحاب السنن والكتب المُسندة جملةً من الأحاديث الصحاح في أمر الخوارج.
ومن ذلك: ما جاء في حديث أبي سعيدٍ الخدري : أن عليَّ بن أبي طالبٍ بَعَثَ إلى النبي من اليمن بِذُهَيْبَةٍ في أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لم تُحَصَّل من ترابها، فقسمها النبي بين أربعة نَفَرٍ، فقام رجلٌ غائر العينين، مُشْرِف الوَجْنَتين، ناشِزُ الجبهة، كَثُّ اللحية، محلوق الرأس، مُشمَّر الإزار، فقال: اتَّقِ الله يا محمد. فقال له النبي : ويلك! أَوَلَسْتُ أحقَّ أهل الأرض أن يتَّقي الله؟! فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال النبي : لا، لعله أن يكون يُصلِّي، فقال خالدٌ: وكم من مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟! قال: إني لم أُومَر أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم.
ثم نظر إليه النبي وهو مُقَفٍّ، فقال عليه الصلاة والسلام: إنه يخرج من ضِئْضِئِ [11] هذا قومٌ يتلون كتاب الله رَطْبًا، لا يُجاوز حناجرهم، يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُق السهم من الرَّمية [12].
وفي روايةٍ: يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمية، ينظر أي: الرامي إلى نَصْلِه [13] فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى رِصَافِه [14] فما يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى نَضِيِّهِ -وهو قِدْحُه [15]- فلا يوجد فيه شيءٌ، ثم ينظر إلى قُذَذِهِ [16] فلا يوجد فيه شيءٌ، قد سبق الفَرْثَ والدم [17].
وظهر هؤلاء بعد مقتل أمير المؤمنين عمر ، وبعد مقتل أمير المؤمنين عثمان ، فإن مقتل أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه كان من أوائل أبواب الفتن، وقد كان يسأل الصحابة عن ذلك، ومن ذلك ما جاء في الصحيح وغيره من سؤاله للصحابة وفيهم حذيفة، فحدَّثوه بأدنى الفتن، فقال عمر : "تلك تُكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيُّكم سمع النبي يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فقلتُ: أنا. فقال: هاتِ. قال: فحدَّثته حديثًا ليس بالأغاليط، وحدَّثته أن بينك وبينها بابًا مُغلقًا يُوشك أن يُكْسَر. قال عمر : أَكَسْرًا؟ لا أبا لك! فلو أنه فُتِحَ لعله كان يُعاد" [18]، فكان كسره هو مقتل أمير المؤمنين عمر .
ثم قُتل أمير المؤمنين عثمان ، ثم صار الأمر إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ ، وحدث ظهور الخوارج، فكان أولئك الخوارج هم أول قومٍ ظهروا مُخالفين في مسائل الاعتقاد وأصول الدين.
ثم ظهرت بدعٌ مُتنوعةٌ مختلفةٌ بعد ذلك، ويجمع جميع هذه البدع: أنها مُخالفةٌ لكلام الله ورسوله ، ومُخالفةٌ لإجماع الصحابة ، وهي من الأهواء التي أُمِرَ بتركها والإعراض عنها.
وصار من أئمة المسلمين وعلمائهم من الصحابة ومَن بعدهم -أهل القرون الثلاثة الفاضلة الذين أثنى النبي عليهم كما في حديث عمران بن الحصين [19]- كان من هؤلاء الأئمة ومَن سلك سبيلهم بعد ذلك من بيان معالم الدين وأصوله، وهذا من الاقتداء الذي شرعه الله لعباده المؤمنين أجمعين، قال الله جلَّ وعلا عن أصحاب نبيه : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].
فَعُلِمَ أن طريقة الصحابة وأن هدي الصحابة مما يجب لزومه، ولا تصح مُخالفة ما هم عليه من السُّنن والهدي والإجماع، وهذا من السنن التي عظَّمها رسول الله في جملة أصحابه، وفي الخلفاء الراشدين بخاصةٍ، كما في قول النبي في حديث العرباض بن سارية : عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين [20].
وصارت البدع بعد ذلك، منها البدع المُغلَّظة التي لا يَنْتَحل أصحابها السُّنة والجماعة، وعَرَضَتْ بدعٌ قاربتْ طريقة أهل السُّنة من بعض الوجوه، وخالفتهم من وجوهٍ كثيرةٍ، وصار من هؤلاء مَن ينتسب إلى السُّنة والجماعة، وصار في هذا من الاشتباه على طوائف من أهل الفقه والنَّظر والأحوال والإيرادات.
وبيَّن كبار المُحققين بعد ذلك -الذين جاؤوا بعد عصر السلف- ما عليه أئمة السلف من السنن والآثار في ذلك، وما هم عليه من الطريقة، وممن بيَّن ذلك وحقَّقه الإمام ابن تيمية رحمه الله في موارد من كتبه ورسائله وأجوبته.
وكتب جماعةٌ من علماء المذاهب من أصحاب أبي حنيفة ومالكٍ والشافعي وأحمد في ذلك كتبًا، وصنَّفوا في ذلك رسائل، ومن هذه الرسائل التي شاعتْ هذه الرسالة التي كتبها العلَّامة أبو جعفر الطحاوي رحمه الله من أصحاب الإمام أبي حنيفة.
أشهر مسألةٍ عقديةٍ خالف فيها الطحاوي مذهب السلف
هذه الرسالة كتبها انتصارًا لعقيدة أهل السُّنة والجماعة، وهي في الجملة جاءتْ على التَّحقيق في هذا الباب إلا أن فيها بعض الأحرف المُشْكِلة، وفيها بعض الأحرف المتروكة، وفيها بعض الأحرف المُجْمَلة، ولكنها في جُملتها أَتَتْ على طريقة السُّنة والجماعة.
فقوله -مثلًا- في الإيمان لما ذكره فقال: "والإيمان واحدٌ، وأهله في أصله سواء"، فهذا مما يُترك، وهو من بدع مُرجئة الفقهاء.
وعن هذا تفرَّع قول مَن قال من الفقهاء في ذلك من أهل الكوفة، وأصله مقالةٌ لحماد بن أبي سليمان، وهو من كبار فقهاء الكوفة، لكن يُعْلَم أن كبار المُتقدمين قبله من علماء الكوفة من أصحاب عبدالله بن مسعودٍ ومَن أخذ عنهم أنهم لا يقولون بهذه المقالة، وإنما هي دَخَنٌ دخل على حماد بن أبي سليمان، مع أنه في جملة أمره على السُّنة والجماعة.
واشتهرتْ هذه المقالة بتلقِّي أبي حنيفة لها، وشاعتْ في علماء الحنفية، وفي طوائف من الفقهاء، ولكنها أدنى مقالات المُرجئة، فإن المُرجئة طوائف، وقد ذكر الأشعري في "مقالاته" أن المُرجئة ثِنْتَا عشرة طائفة، فهذا أدناهم، وأغلاهم طريقة جهم بن صفوان، وسيأتي التَّنبيه على ذلك بعد ذلك.
إنما المقصود أن في هذه الرسالة التي جمهورها وعامَّتها حسنٌ وصحيحٌ، لكن فيها بعض الأحرف التي تُركتْ كهذا الحرف، وفيها بعض الأحرف التي جاء فيها إجمالٌ.
ولما كانت هذه الرسالة قد دخلها هذا الوجه، وذاك الوجه؛ صار بعض مَن ينظر فيها يشرحها على طريقةٍ فيها -أي: في هذا الشرح- كثيرٌ من المُخالفة للسُّنة والجماعة، وهذا عَرَضَ في بعض الكتب: كالرسالة التي كتبها أبو إسماعيل الأنصاري الهروي رحمه الله في التَّصوف وفي الأحوال المُسمَّاة بـ"منازل السَّائرين"، فإن أبا إسماعيل وهو من علماء المذهب الحنبلي، لكنه مُتصوفٌ، وفي تصوفه بدعٌ معروفةٌ، وكتب هذه الرسالة وضمَّنها أحرفًا مُجملةً، وأحرفًا مُشتبهةً.
وصار بعض الغُلاة من الصوفية يشرحونها على طريقة الغُلاة، وصار بعض المُتوسطة من الصوفية يشرحونها بطريقةٍ مُتوسطةٍ.
وجاء بعض المُحققين من أهل العلم كابن القيم رحمه الله فشرحها، وقرَّب مقاصدها إلى طريقة أهل السُّنة وما عليه سلف هذه الأُمة والسابقون من العُبَّاد الصالحين في صدر هذه الأُمة من الصحابة ومَن سار على طريقتهم ممن بعدهم.
فهذا المعنى يَحْسُن بطالب العلم ويجدر به أن يكون مُنْتَبِهًا له، والعبرة ليست بالأحرف المُجملة، فإن العبرة بما جاء في كتاب الله، وبما جاء في سُنة رسول الله ، والمعاني صوابها ليس في أحرف مَن قالها، وإنما صوابها في دليلها، فإذا كان دليلها وبرهانها من الكتاب والسُّنة والإجماع كما هو وصف جميع مسائل الاعتقاد والتوحيد، فإن جميع مسائل الاعتقاد والتوحيد ثابتةٌ بالكتاب والسُّنة والإجماع.
طريقة الأئمة في التَّصنيف في أصول الدين
الأصل في دين الله وتوحيده وإخلاص الدين له والإيمان به: أنه يُعْرَف من كلام الله ورسوله ؛ ولهذا من فقه الأئمة -أعني: أئمة الحديث- أنهم لما صنَّفوا كتبهم في السُّنة تجد أن كثيرًا منهم أو أكثرهم ضمَّنوا كتبهم هذه الكتب المُتعلقة بالإيمان والتوحيد، وتارةً يُفَصِّلونها، وتارةً يُجْمِلونها، أي: يجمعونها في مقامٍ واحدٍ.
فأنت ترى طريقة الإمام البخاري رحمه الله أنه فصَّل؛ فذكر "كتاب الإيمان"، ثم ذكر "كتاب التوحيد" في أواخر "صحيحه"، فصار مُراده بـ"كتاب الإيمان" مُسمى الإيمان والقول في ذلك، وما يتعلق به من الزيادة والاستثناء، وصار مُراده في "التوحيد" ما يتعلق بتحقيق الربوبية والألوهية والعبادة والإخلاص لله.
ولما صنَّف الإمام مسلمٌ "صحيحه" جعل جميع ما يتعلق بتوحيد الله والإيمان به في محلٍّ واحدٍ في الجملة، وسمَّى جميع ذلك "كتاب الإيمان"، وجمع فيه الإيمان باسمه العام في الشريعة: وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر: خيره وشرّه، وإن كان يُعْلَم أن في "صحيح مسلم" وغيره من كتب السُّنة من الأدلة الدالة على مسائل أصول الدين مما لم يُذْكَر في هذا الكتاب المُعين.
وهكذا في طريقة القرآن؛ فإنه لا تُعيَّن آياتٌ أو سورٌ ببيان مسائل أصول الدين، بل القرآن من أوله إلى آخره هو في تقرير التوحيد والعبادة وإخلاص الدين له، وجميع فروع الشريعة، فهي راجعةٌ إلى عبادة الله، وإلى الاستجابة لأمر الله ، وهذا هو تحقيق التوحيد لله جلَّ وعلا: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال:24].
فهذه المقدمة يُعْلَم بها أن أصول الدين مُعتبرةٌ بكتاب الله، وسُنة رسول الله ، وما أجمع عليه العلماء -أعني: علماء الصحابة- الذين انضبط إجماعهم في هذه المسائل، وإن كان يُعْلَم أن كل إجماعٍ -كما سبق- فإن له من المُستند والبرهان ما يكون قطعيًّا، ولا يُتصور أن يختصَّ الإجماع بمسألةٍ لا يسبقها دليلٌ من الكتاب والسُّنة.
فهذه الرسالة لما هي عليه من هذه المُواءمة التي ذكرها الطحاوي صارتْ مشهورةً وشائعةً في كثيرٍ من الطوائف، واستعملتها جميع المذاهب من الأحناف -وهم أصلها- واستعملها غيرهم من الحنابلة والشافعية والمالكية.
وكما سبق فإنها في جُملتها على ذاك القدر من الشرف والفضل والتَّمام، ولكن يُنَبَّه فيها إلى المسائل المُحررة بما اقتضاه دليل الكتاب والسُّنة، وما مضى به الإجماع حتى عند الكوفيين قبل ظهور مقالة حماد بن أبي سليمان رحمه الله.
قول أهل السُّنة والجماعة في التوحيد
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، قال: "نقول في توحيد الله مُعتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ لا شريك له" هذا هو أصل الدين، وهو توحيد الله .
واسم "التوحيد" سبقت الإشارة إلى أصله، وإلى تشريعه، ثم إن العلماء رحمهم الله لما جاؤوا إلى اسم "التوحيد" صار منهم مَن يقول: إن التوحيد على وجهين. ومنهم مَن يقول: إن التوحيد يتضمن ثلاثة وجوهٍ.
وهذه التقاسيم التي ذكرها مَن ذكرها من العلماء ليست من باب البدع، وإنما هي من باب التراتيب العلمية، ولا يُتعبَّد بها، ولا يُتديَّن بها من حيث هي، فإنه إنما يُتعبَّد بما دلَّ عليه الدليل، وبما سمَّاه الله ورسوله .
أقسام التوحيد
إنما أراد أولئك العلماء الذين قسَّموا التوحيد إلى وجهين أو إلى ثلاثةٍ أرادوا تمييز المعاني وبيانها عند المُكلَّفين والمُخاطَبين، فمنهم مَن قال: إن التوحيد منه العلمي، ومنه العملي. ومنهم مَن يقول: الخبري والطلبي. ويريدون بالخبري: المعرفة، ويريدون بالطلبي: الأمر والنَّهي، ومثله إذا قالوا: العلمي والعملي.
ومنهم مَن يقول: إن التوحيد ثلاثةٌ، وهو: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
والربوبية: هي معرفة الله بأفعاله.
والألوهية: هي إخلاص الدين له بعبادته بما شرع.
والأسماء والصفات يُراد بها أسماء الربِّ جلَّ وعلا، والصفات التي اتَّصف الله بها مما سمَّاه الله ورسوله في أسماء الربِّ وصفاته.
فهذه التقاسيم إذا ذُكِرَتْ فإنها لا تُذْكَر على جهة التَّعبُّد، وإنما تُذْكَر على جهة التراتيب العلمية، ولا بد لطالب العلم أن يُميِّز هذا عن هذا؛ حتى لا يقع في مادة غلوٍّ: إما في تركها وذَمِّها، وإما في مادة غلوٍّ في تعظيم هذه التقاسيم باعتبارها مُتعبَّدًا بها من حيث هي تقاسيم، فإن التَّعبُّد إنما هو بالمعاني الشرعية الصحيحة، وبالأسماء التي سمَّاها الله ورسوله .
والغلو مادةٌ لها وجهان:
- إما أن تكون بالإثبات تارةً.
- وإما أن تكون بالنفي تارةً.
والغلو العلمي إذا دخل على طالب العلم أفسد أمره، فإن الغلو هو الذي أفسد دين الأُمم، قال الله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، وقال الله جلَّ وعلا: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27].
فإن الغلو في الدين في مسالك العلم، وفي تقرير حقائقه، والزيادة على قدره وعلى معانيه عمَّا شرع الله ورسوله ؛ هو من الضلال في دين الله، وما ضلَّت الخوارج وقاتلت الصحابة وكفَّرت المسلمين إلا بالغلو في الدين.
ومن فقه الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله أنه لما كتب "كتاب التوحيد" جعل فيه بابًا قال فيه: "باب ما جاء في أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين".
فالغلو مادةٌ مُستطيرٌ شرُّها، وفيها من الفتنة ما ليس في التَّفريط والشهوات؛ ولذلك يجب على طالب العلم أن يتحرَّى في أمره كله العدل، وأن يلزم الوسطية التي شرعها الله، قال الله جلَّ وعلا: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، وقال الله جلَّ ذكره: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل:90]، ومن أخصِّ العدل: العدل في العلم: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86].
فلا بد لطالب العلم أن يكون على هذه البصيرة، وأن يلزم هدي السلف وما كان عليه الصحابة: على ما هم عليه من الدين، وعلى ما هم عليه من العلم، وعلى ما هم عليه من الورع، وعلى ما هم عليه من خشية الله ؛ فإن هذا هو تحقيق العلم بالله، فإن العلم بالله هو عبادته ، ومعرفة حقِّه، وإخلاص الدين له جلَّ وعلا.
ولذلك من فقه أبي جعفر الطحاوي رحمه الله أن جعل أول ما بدأ به في عقيدته هو ذكر مقام التوحيد فقال رحمه الله: "نقول في توحيد الله مُعتقدين بتوفيق الله: إن الله واحدٌ"، فهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيءٌ.
فالتوحيد -وهو توحيد الربوبية- هو: معرفة حقِّ الله بأفعاله، وجُملة هذا التوحيد -وهو ما سمَّاه مَن سمَّاه من العلماء بـ"توحيد الربوبية"- جُملة هذا التوحيد معروفةٌ بالفطرة، ومعروفةٌ بالعقل، كما أن تفاصيله معروفةٌ بالشرع، من تفاصيل أفعال الربِّ .
وكانت العرب في جاهليتها تُقِرُّ بجملة هذا التوحيد، كما أخبر الله جلَّ وعلا عنهم في كتابه من إقرارهم بأن الله هو الذي خلقهم، وإقرارهم -أعني: العرب الجاهليين- بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، إلى غير ذلك من أوجه الإقرار التي ذُكِرَتْ في الكتاب والسُّنة.
ولكن يُعْلَم أنه إذا قيل: إن العرب الذين بُعِثَ فيهم النبي كانوا مُقِرِّين بجملة هذا التوحيد، فهم مُقِرُّون بجُملته، وليسوا مُحقِّقين له، فإنه لا أحد من المشركين قد حقق توحيد الربوبية.
وهذا التوحيد -أعني: توحيد الربوبية- لا يُحقِّقه إلا مَن آمن بالله وصدَّق المُرسلين.
وأنت ترى في حال العرب الجاهليين من أنواع الشرك في توحيد الربوبية، مع ما هم عليه من الإقرار بجُملته، فإنهم كانوا يسألون آلهتهم، ويدعونها قضاء الحاجات، وتفريج الكُربات، فهذا الفعل الذي يفعلونه فيه شركٌ في الألوهية بدعاء غير الله ، فإنهم صرفوا الدعاء -وهو عبادةٌ- لآلهتهم، وهذا من الشرك في توحيد الألوهية، ولكن لما توهَّموا وتعلَّقوا واعتقدوا في آلهتهم أنه يقع بها قضاء الحاجات وتفريج الكُربات؛ دلَّ ذلك على أنهم يقع لهم الشرك في الربوبية.
ومنه كذلك عند العرب ما كانوا يستعملونه مما يُسمَّى بـ"الاستقسام بالأزلام" والرجوع إليها في مطالبهم، فإذا أرادوا فعلًا رجعوا واستقسموا بتلك الأزلام؛ فإما أن يمضوا، وإما أن يَكُفُّوا.
ولذلك روى البخاري في "صحيحه" من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: لما فتح النبي مكة ودخل الكعبة عليه الصلاة والسلام وجد فيها صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يستقسمان بالأزلام، فقال النبي : قاتلهم الله! أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قطُّ [21].
والمقصود أن مُشركي العرب وغيرهم من مُشركي الأمم، وإن أقرُّوا بجملة الربوبية؛ لأنها مقامٌ فطريٌّ مُدْرَكٌ بأوائل العقول، إلا أنهم ليسوا مُحقِّقين لهذا المقام.
وتحقيق هذا المقام كما بيَّنه الله في كتابه بأن مَن حقَّق هذا المقام استجاب لعبادة الله وحده لا شريك له؛ ولهذا تفوتهم منه مقامات، وإن كان حالهم فيه -أعني: في توحيد الربوبية- ليس كحالهم في توحيد العبادة التي أطبق عليهم فيها الشرك وترك الإقرار، وتعجَّبوا من توحيد الله فيها، وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص:5]، فهم قد أطبق عليهم الشرك في هذه المادة إلا أنهم إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مُخلصين له الدين.
فهذا يُعْلَم به أن هذا المقام على قَدْرٍ، وذاك المقام على قَدْرٍ، ولكن لم تَسْلَم العرب ولا غيرها من الأمم من الخطأ في الربوبية إلا مَن آمن بالله وصدَّق المرسلين، فإن تحقيق المعرفة بالله ربًّا وخالقًا واللزوم لذلك يُوجب توحيد الله ، ويُوجب إخلاص الدين له وحده لا شريك له.
وأما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته: فهي الأسماء التي سمَّى الله بها نفسه، وسمَّاه بها رسوله ، وهي توقيفيةٌ.
وكذلك صفات الله التي تضمنتها أسماء الربِّ، أو وصف اللهُ بها نفسه، وإن لم ترد في باب الأسماء: كالرضا والمحبة، ونحو ذلك في مثل قول الله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119]، وفي مثل قول الله: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، فهذه من صفات الله، وإن كان لم يرد الاسم بذلك.
ومن أسماء الله : السَّميع، ومن أسمائه: العليم، ومن أسمائه: العزيز، ومن أسمائه: الحكيم، إلى غير ذلك من الأسماء التي أمر الله عباده أن يدعوه بها: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180].
ولم يزل أمر الأسماء والصفات مُنتظمًا إلى أن انقرض عصر الخلفاء الراشدين، ثم حدثتْ بعد ذلك الفتنة بين ابن الزبير وبني أُمية، وظهر القول بالقدر، وأدرك أواخر الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ثم حدث بعد عصر الصحابة الخطأ في باب الأسماء والصفات، وظهرت بدع المُعطِّلة، وتلاها بدع المُشَبِّهة، وصارتْ طوائف تُقارب التَّعطيل في بعض موارده، وتُخالفه في بعض موارده، ولكن التَّحقيق ما عليه سلف هذه الأُمة من ترك التَّعطيل وما سمَّاه مَن سمَّاه بـ"التأويل"، فإن التَّأويل هنا هو وجهٌ من تعطيل الأسماء والصفات عن حقائقها الشرعية.
قوله: "إن الله واحدٌ لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يُعْجِزه، ولا إله غيره"
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: هذه معانٍ، كل معنًى منها يُضَمَّن جميع أنواع التوحيد، وإن كان في أحد هذه الأوجه من أوجه التوحيد يكون مُطابقًا: "إن الله واحدٌ لا شريك له"، فهو لا شريك له جلَّ وعلا في ربوبيته، ولا شريك له في عبادته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، ولا شريك له في شرعه ودينه، فإن الدين لله ، فهو جلَّ وعلا ربنا كما أخبر عن نفسه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].
فتحقيق التوحيد هو: توحيد الله في ربوبيته، وهو توحيد الله في أُلوهيته، وهو توحيد الله في أسمائه وصفاته، فهذه الأوجه الثلاثة هي جِمَاع توحيد الله وإخلاص الدين له .
وكذلك المعاني التي ذكرها المُصنف بعد ذلك، قال: "ولا شيء يُعجزه" فالله على كل شيءٍ قديرٌ، وهو لا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ويخلق بمحض أمره جلَّ وعلا، ويخلق بما يُقدِّر من الأسباب التي هي مخلوقةٌ له، كما في قوله جلَّ وعلا: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، وكما في قوله جلَّ وعلا: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49]، فيخلق ما يشاء، وكيف يشاء، والله له الأمر كله، وهو الغالب، لا يغلب أحدٌ أمر الله : وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف:21]، والله له الحُجَّة البالغة على خلقه في شرعه.
قوله: "قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء"
الشيخ: قال: "قديمٌ بلا ابتداء، دائمٌ بلا انتهاء" هذا الحرف الذي عبَّر به الطحاوي -وهو "القديم"- ليس من الأحرف التي ذُكرتْ في القرآن، ليس من الأسماء، ولا من الأخبار التي أُخبر بها عن الله في كتابه، أو في سُنة رسوله ، بل ولا عرفه الصحابة، وإنما الذي سمَّى الله به نفسه في كتابه "الأول"، كما في قول الله جلَّ وعلا: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3].
وفي الصحيح وغيره: أن رسول الله كان يدعو فيقول: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ [22].
إذن الاسم الشرعي هنا أن يُقال: "الأول"، أن الله هو الأول، وكما قال نبينا : الذي ليس قبله شيءٌ.
قال: "قديمٌ بلا ابتداء" أي: أن الله الأول الذي ليس قبله شيءٌ، فهذا المعنى الذي ذكره الطحاوي من حيث هو معنى صحيحٌ، ولكن الحرف الذي استعمله ليس هو الحرف المُحْكَم، بل هو حرفٌ مُشتبهٌ.
وأخصُّ الطوائف التي عُنِيَتْ بهذا اللقب أو بهذا الاسم -وهو اسم "القديم" أو الخبر عن الله بـ"القديم"- أخصّ الطوائف التي استعملته هي طائفة المُعتزلة، فإن القِدَم هو أخصُّ أوصاف الإله عندهم، وعن هذا تأولوا الصفات؛ لئلا يقعوا فيما سمَّوه بـ"تعدد القدماء".
وهذه مسائل مُطوَّلةٌ في علم الكلام، ولا يَحْسُن أن نستدعي ذكرها بالتَّفصيل، فإن المقصود بالمقام هنا هو التَّقرير أكثر من الاشتغال بالردِّ، وردُّها له مقامٌ آخر، إنما المقصود أن المُعتزلة عُنِيَتْ بهذا الخبر، ولهم فيه اختصاصٌ عن جمهور الطوائف؛ ولذلك لم يكن استعماله فاضلًا وحسنًا من أبي جعفر، وإن كان لا يُريد به مُراد المُعتزلة.
فقوله رحمه الله: "قديمٌ بلا ابتداء" من حيث هو معنًى صحيحٌ، ومن حيث هو حرفٌ ليس مُحْكَمًا.
وفي أصول الدين بخاصةٍ ينبغي، بل يجب لزوم المعاني الشرعية، وينبغي كذلك لزوم الأحرف الشرعية كلما أمكن إلا أن يكون البيان لبعض المُخاطَبين يستدعي شيئًا من التَّفصيل، فيُعبَّر بما كان مُفَصَّلًا، ويُترك ما كان مُجْمَلًا.
الشيخ: وكذلك قوله: "دائمٌ بلا انتهاء"، لو استعمل فيه أو ذكر فيه ما ذكره الله جلَّ وعلا بقوله: "الآخر"، وكما قال النبي : اللهم أنت الأول فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وهذا هو الذي جاء في كتاب الله في موارد أيضًا، كقوله جلَّ وعلا: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن:26- 27]، فالله هو الذي ليس بعده شيءٌ، وما من مخلوقٍ خلقه الله إلا وهو مسبوقٌ بالعدم، وما من مخلوقٍ خلقه الله إلا وهو قابلٌ للعدم، فهذا من صفة المخلوقات والمُحْدَثات.
وأما الخالق فإن أدلة الشريعة وأدلة الفطرة وأدلة العقل كلها مُتطابقةٌ على أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وهذا عليه جماهير بني آدم، حتى المشركين منهم.
وما ضَلَّ في هذا المقام إلا غُلاةٌ من الفلاسفة الذين قالوا بـ"تعدد القدماء"، وهي طريقةٌ لقومٍ من غُلاة الكفرة في دين الله.
وأما ما كان عليه جمهور الأمم الكتابية وجمهور المشركين فإنهم يُقرّون بهذا المعنى الكُلي من حيث هو.
وأما المؤمنون بالله من أتباع الرسل فيعرفون الله حقَّ معرفته بأنه الأول ، وأنه الخالق، وما سواه مخلوقٌ.
ولكن هذا التقرير لمقام الربوبية إذا لزمته النفس استدعى تحقيق مقام العبادة، كما في قصة جُبير بن مُطعم لما جاء إلى النبي من مكة إلى المدينة، وكان وقتها لم يُسْلِم، فدخل مسجد رسول الله والنبي يُصلِّي صلاة المغرب ويقرأ في سورة الطور: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور:35]، فجعل الله في هذا البيان الذي ذكره ما يُحرِّك العقول إلى صوابها؛ فأسلم جُبيرٌ بعد ذلك [23]، وروى حديثه الإمام البخاري في "صحيحه" وغيره.
قوله: "لا يَفْنَى، ولا يَبِيد، ولا يكون إلا ما يُريد"
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: كذلك هذه الكلمات لو أن أبا جعفر رحمه الله استعمل من حيث الأحرف بعض الكلمات التي ورد بها الكتاب والسُّنة لكان أحرى وأصدق؛ لكان أحرى من جهة الاتباع، ولكان أصدق من جهة المعاني، فإن الكلمات التي ذكرها الله ورسوله أصدق في المعاني من أيِّ كلمةٍ، كما قال الله جلَّ وعلا: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].
ولذلك ما من كلمةٍ عبَّر بها مَن عبَّر من العلماء، حتى الكلمات المُحقَّقة من كلام العلماء رحمهم الله، بل حتى كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ فإنه يُعْلَم أن هذه الكلمات العلمية المُحققة -فضلًا عما قصر عن التَّحقيق- فإذا كانت الكلمات العلمية المُحققة يتعذَّر أن تبلغ نصاب السُّنة -فضلًا عن الكتاب- فمن باب أولى الكلمات التي دون ذلك.
ولذلك كلما بُيِّنَ دين الله، ولا سيما في الاعتقاد وأصول الدين، كلما بُيِّنَ بكتاب الله وسُنة رسول الله ، وبكلمات الكتاب والسُّنة؛ فإن هذا أدعى في تحقيقه، وفي قبول النفوس له، وفي فهم النفوس له، وفي استجابة الناس له.
والأحرف المُتكلَّفة لم تكن من طريقة السلف، بل هي من بدع المُتكلمين الذين استعملوا لذلك أوجهًا من علم الكلام، وعلم الكلام علمٌ حدث في هذه الأُمة لما تُرجمت الكتب وعُرِّبَتْ.
وكانت الترجمة قد ظهرتْ في دولة بني أُمية، وكان من أوائل المُترجمين: خالد بن يزيد بن معاوية، ثم توالت الترجمة في دولة بني العباس في زمن أبي جعفر المنصور، ثم بعده في زمن هارون الرشيد، ثم شاعت الترجمة -ولا سيما في الكتب الإلهية من كتب اليونان وغيرهم- في زمن المأمون ابن هارون الرشيد، وتوسَّعوا في ذلك، واستطالت المُعتزلة على السُّنة في ذاك الأمر.
والسبب في هذا يعود إلى هذا العلم المُحْدَث، هذا العلم المُبْتَدَع الذي ظهر في تاريخ المسلمين، وسمَّاه أربابه بـ"علم الكلام"، وصار بعض المُعرِّفين يقولون في تعريفه -من المُتكلمين أو أهل التعاريف- أنه: "العلم بالعقائد الإيمانية بالأدلة العقلية"، وهذا تعريفٌ باطلٌ، فإن علم الكلام علمٌ مُوَلَّدٌ من الفلسفة، وجوهره فلسفة، وهي فلسفة قومٍ من اليونان وغيرهم.
فهذه العلوم هي من العلوم المُبْتَدَعة، والله قد قال في كتابه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3]، فالدين كاملٌ في أدلته ومسائله، ولو كان الناس مُحتاجين في شيءٍ من أصول دينهم -بل حتى فروع دينهم- إلى شيءٍ لم يذكره الله ولا رسوله ، فإن هذا يُوجب أن يكون الله لم يُكْمِل لهذه الأُمة دينها، ولم يُتِمَّ عليهم النعمة، وهذا خلاف ما يُعْلَم ويُقْطَع به في الإيمان بالله، وفي الإيمان بما أخبر الله به عن شرعه وكتابه، في مثل قول الربِّ جلَّ وعلا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، فَعُلِم أن الدين كاملٌ ببيان الله ورسوله في أدلته ومسائله، في أصوله وفروعه، فإنَّ الدين منه ما هو أصولٌ، ومنه ما هو دون ذلك.
وقد اصطلح مَن اصطلح من العلماء على تقسيم الدين إلى أصولٍ وفروعٍ، وهذا التَّقسيم إذا ذُكِرَ على تفسيرٍ مُناسبٍ فإنه اصطلاحٌ صحيحٌ، وأما إذا ذُكِرَ على تفسيرٍ مُخالفٍ فيكون من التقسيم المُحْدَث.
فإن منهم مَن يقول: إن الدين أصولٌ وفروعٌ. ثم يجعل الأصول هي العلميات، والفروع هي العمليات.
ومنهم مَن يقول: إن الأصول ما دلَّ عليه السمع والعقل، وإن الفروع ما دلَّ عليه السمع وحده.
فهذا الحدُّ -كما يُقال في علم المنطق- أو التعريف للتَّفريق بين الأصول والفروع هو من التفاريق المُبْتَدَعة المُخالفة للكتاب والسُّنة والإجماع.
فإن قول مَن يقول بأن الأصول هي العلميات، وأن الفروع هي العمليات، فيجعلون الصلاة من فروع الدين، وهي ليست كذلك، ويجعلون جمهور مباني الإسلام من فروع الدين، وهي ليست كذلك.
وكذلك طريقة مَن يقول بأن أصول الدين ما عُلِمَ بالسمع والعقل، وأن الفروع ما عُلِمَ بالسمع وحده، فإن جملةً من الأخبار وأفعال الربِّ سبحانه إنما عُلِمَتْ بالسمع وحده، ولم تُعْرَف بدليل العقل؛ كمُفصَّل أفعال الله ، ومع ذلك هي من أصول الدين وقواعده، والإيمان بها إيمانٌ بربوبية الله وأفعاله.
وإنما الصحيح: أن أصول الدين هي المسائل التي عظَّم اللهُ أمرها، وجعلها مُوجبةً لأصل الإيمان، وما كان دون ذلك فهو من الفروع بعد ذلك، كما قال الله جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، مع أن تلك المعاصي والكبائر هي من معصية الله، ولكن بيَّن الله مقام التوحيد، وأن مَن خالفه فإن الله لا يغفر له شركه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]؛ لأن الشرك بالله هو أبلغ الظلم: يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وفي قول الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].
فإذا فُسِّر المقصود بأصول الدين: بأنها قواعده، وتوحيد الله، والإيمان به، وما إلى ذلك من المعاني الصحيحة، وفُسِّرت الفروع بما كان من تفاصيل الأفعال التي هي من باب الواجبات ومُفصَّل الشريعة وفروعها؛ فهذا يكون مُناسبًا، ويقع على شاهده قول النبي : الإيمان بضعٌ وسبعون شعبةً، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق [24].
ويُعْلَم بإجماع المسلمين -من العامَّة والخاصَّة- أن الدين ليس درجةً واحدةً، فمنه ما هو أعلى، ومنه ما هو دون ذلك، وحتى العبادة الواحدة، فإنها تكون مقامات: كالصلاة -مثلًا- فإن فريضتها ليست كنافلتها، ومُؤكَّد النَّوافل ليس كمُطلق النَّوافل، إلى غير ذلك مما هو مُستقرٌّ في العلم والدين.
وهذا التَّدرج والتَّنوع في شريعة الله هو من رحمة الله بعباده، وسعة مغفرته ورحمته بهم أن امْتَنَّ عليهم بهذا التنوع في دينهم من جهة أوجهه، ومن جهة درجاته من وجهٍ آخر.
قوله: "لا تَبْلُغه الأوهام، ولا تُدْرِكه الأفهام، ولا يُشْبِه الأنام"
الشيخ: "لا تَبْلُغه الأوهام" وهذا التَّعبير من أبي جعفر رحمه الله تعبيرٌ باعتبار النتيجة، وهو: أن كل مَن قدَّر في عقله، أو في نفسه، أو في نظره كيفيةً لله، أو كيفيةً لصفات الله؛ فإن هذا التقدير وهمٌ، ومن هنا قال رحمه الله: "لا تبلغه الأوهام"، مع أن الأوهام إنما هي حالٌ تتعلق بأعيان الناس، أليس كذلك؟
قال: "لا تَبْلُغه الأوهام" بمعنى: أن كل مَن قدَّر كيفيةً لأفعال الله، صوَّرها في عقله، أو غير ذلك، فإنما صوَّر وهمًا، فإن الله لا يُحاط به، والله لا تُدركه الأبصار كما أخبر عن نفسه بقوله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103]، فلا تَبْلُغه الأوهام.
ربنا جلَّ وعلا يُعْرَف بأسمائه وصفاته، ويُعْرَف بالفطرة التي فطر الله الخلق عليها، وهذه الفطرة هي فطرة الله لعباده أن يُؤمنوا بربهم ربًّا: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172]، فهذه المِنَّة العظيمة -وهي الفطرة الأولى- التي امْتَنَّ الله بها على عباده هي فطرة التوحيد.
وفيه قول رسول الله ، كما في الصحيحين وغيرهما: كل مولودٍ يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه [25]، وفي روايةٍ: كما تُنْتَج البهيمة بهيمةً جَمْعَاء، هل تحسُّون فيها من جَدْعَاء؟ حتى تكونوا أنتم تَجْدَعُونها [26].
فالفطرة أصلها توحيد الله، ولها خصالٌ وشعائر ذكرها النبي ؛ كقوله: الفطرة خمسٌ ... [27]، وكقوله : خمسٌ من الفطرة ... [28]، وكقوله في بعض مُفصَّل أفعال الوضوء سمَّى ذلك من الفطرة؛ كالمضمضة والاستنشاق ونحو ذلك [29].
فهذا يُعْلَم به أن كل مَن قدَّر في كيفية صفات الله شيئًا فإنما يُقدِّر وَهْمًا.
وهذا التعبير من الطحاوي رحمه الله تعبيرٌ مُناسبٌ؛ لأنه كشفٌ للحال.
والوهم عند النُّظَّار، وهو عند العرب أيضًا في لُغتها بقدرٍ مُقاربٍ، وهو أدنى من الظنِّ، فإن ثَمَّة العلم، وثَمَّة الظنّ الذي يشتبه، وثَمَّة الوهم، والوهم كاذبٌ، أي: أنه يكون كالسَّراب في الحسِّيات: يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً [النور:39]، كما ذكر الله مثله في القرآن، فالوهم أدنى من الظنِّ؛ ولذلك تسمية ذلك وَهْمًا هو إسقاطٌ كليٌّ له.
وقد اتَّفقت الطوائف على أن الوهم كاذبٌ، وهو كالسَّراب في الحسيات؛ ولذلك كان من فقه أبي جعفر أن عبَّر بهذه الكلمة؛ لأن العلم بكيفية صفات الله مما لا يُحيط به البشر، وهم قاصرون عن إدراكه.
وعلى هذا كان من فقه الإمام مالك وغيره من السلف لما قالوا في الاستواء: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ"، وفي بعض الأحرف الصحيحة عن مالكٍ رحمه الله قال: "والكيف غير معقولٍ"، أي: أن العقول البشرية قاصرةٌ، وهذا مما تجب معرفته وحفظه في أخذ العلم: أن العلوم الشرعية بالغةٌ أمام العقول البشرية، ولا سيما العلم الإلهي، فإن الله لا يُحاط به علمًا.
وإذا كانت الشريعة التي أنزلها الله على عباده ليعملوا بها، ومع ذلك تخفى مقاماتٌ منها حتى يتنازع المُجتهدون ويختلف الفقهاء في استنباطها ومعرفتها من أدلة الكتاب والسُّنة في باب الأمر والنَّهي، ففي باب العلم الإلهي من باب أولى، بل الإحاطة بالله وبأفعاله وكيفية صفاته مما يمتنع ذلك على العقول وعلى النفوس، ولم يجعل الله لأحدٍ من خلقه أن يُحيط به؛ ولذلك قال الله جلَّ وعلا: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255].
وإذا كان غيب الله في مفعولاته لا يُحاط به، فكيف القول في كيفية صفاته؟!
ومع ذلك يقول ربنا جلَّ وعلا: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، فالله أعلى وأجلَّ، وهو ربنا جلَّ وعلا، له المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو ربنا جلَّ وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، فلا يُحاط به علمًا، ولا تُدركه الأبصار، وهذا من كمال الربِّ سبحانه واختصاصه عن خلقه، فإنه ما من مخلوقٍ خلقه الله إلا ويُحاط به علمًا، أو يقبل الإحاطة إلا أن ربنا جلَّ وعلا الذي اختصَّ بالكمال المُطلق وحده لا شريك له لا يُحاط به علمًا.
الشيخ: "ولا يُشْبِه الأنام" أي: أن الله ليس كمثله شيءٌ، والاسم الذي نُفِيَ في القرآن هو التَّمثيل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وعن مُسمَّى "التَّشبيه" فقد استعمله العلماء لما حدثت البدع في باب الأسماء والصفات، فاستعملوه لأنه استعمالٌ مُنتظمٌ، فالله ليس كمثله شيءٌ، ولا يُشْبِهه شيءٌ، فهذا الاسم هو في معنى التَّمثيل، ومُتَضَمَّنٌ في معنى التَّمثيل، وإن كان بعضهم يقول: إن التَّمثيل يكون في الأعلى وفي المُطابقة، وإن التَّشبيه يكون من بعض الوجوه، فهذا فيه تَوَهُّمٌ في هذا الباب.
هذا إذا استُعمل في تجريد اللغة صار له وجهٌ مُناسبٌ، وأما إذا استُعمل هنا فهذا غلطٌ، بمعنى: لا يصح أن يُقال: إن التَّمثيل هو المُطابقة وحسب، وإن التَّشبيه يكون دون ذلك من بعض الوجوه، إذا كان القول في باب الأسماء والصفات لم يصحّ ذلك؛ لأن ربنا جلَّ وعلا لما قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا النَّفي ليس لنفي المُطابقة فقط، بل لنفي المُطابقة والمُشاركة من أيِّ وجهٍ من الوجوه، أليس كذلك؟
هذا النفي هو نفيٌ للمُطابقة، ونفيٌ للمُشاركة بأيِّ وجهٍ من الوجوه؛ ولهذا يصحُّ لك أن تقول في بُطلان شِرْك العرب: إن من دليل بُطلان شركهم في عبادة اللَّات والعُزَّى، فتقول: إن من دليل ذلك في القرآن: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، مع أنهم لما عبدوا اللَّات والعُزَّى ما جعلوها على رُتْبَة الخالق، وكانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"، وكانوا يعرفون قدرها، وأنها ليست على مقام الخالق ، ويعلمون أنها ليس لها مقام الربوبية الذي لله جلَّ وعلا.
فهذا يُعْلَم به أن قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يتضمن ما سمَّاه العلماء رحمهم الله بـ"التَّشبيه"، ولكن هذا حرفٌ صار له اختصاصٌ لما صار بعض أهل البدع يصفون مقالة أئمة الحديث والسُّنة بذلك، فبيَّن الأئمة رحمهم الله أن هذا الاسم قد نُفِيَ في حقِّ الله ، فالله لا يليق به هذا المقام؛ لأنه جلَّ وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وقوله سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هذا برهانٌ شرعيٌّ من حيث هو دليلٌ من القرآن، أليس كذلك؟
وهو برهانٌ عقليٌّ؛ لأن هذا مُستقرٌّ في العقول، وهو برهانٌ فطريٌّ؛ لأن الفطرة قد فُطِرَتْ على أن الله هو الربُّ الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وأنه بيده ملكوت كل شيءٍ.
ولهذا كانت العرب في شِرْكها في عبادة الله تعلم أن هذه المعبودات لا حقائق لها في نفس الأمر، وإنما كان مُتَعَذَّرهم في ذلك في الجملة -هم وغيرهم من الأمم- ما ذكره الله عنهم في كتابه: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، فهذه هي الشُّبهة النَّفسية التي كانت مُسيطرةً على نفوسهم، وإلا فإنه يُعْلَم في العقول أن الشِّرك ضلالةٌ، وأن الشرك خُرافةٌ، وأن الشرك مُنافٍ للشرع، وهو كذلك قد نافى الفطرة والعقل.
قوله: "خالقٌ بلا حاجةٍ، رازقٌ بلا مَؤُونَةٍ"
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: "خالقٌ بلا حاجةٍ" أن الله خالق كل شيءٍ، وهو الغني عن كل شيءٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15]، فخلق الخلق ليس لحاجةٍ، وإنما خلقهم لحكمةٍ، خلقهم لحكمةٍ، وكل فعله مما أخبرنا به وما لا نعلمه مما لم نُخْبَر به؛ فإن الله لا يفعل أمرًا ولا يقضي قضاءً إلا لحكمةٍ ذكر الله لنا قَدْرًا منها، فَعُلِمَ بها ما هو من مقامات العلم بالله وشرع الله، ولا يُحاط بتلك الحكمة الإلهية التي خلق الله ، ولكن ربنا جلَّ وعلا خلق العباد لحكمةٍ، والحكمة تُذْكَر جُملةً، وتُذْكَر مُفصَّلةً، والحكمة التي ذكرها الله جُملةً في خلق الجنِّ والإنس هي قوله جلَّ وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58]، فهو الله جلَّ وعلا غنيٌّ عن الخلق أجمعين، فهو خالقٌ كما قال أبو جعفر رحمه الله هنا في تقرير مسائل الربوبية، قال: "خالقٌ بلا حاجةٍ".
وسائر المُكلَّفين وسائر المخلوقات مما لها قُدرةٌ في الفعل وتختصُّ به -أي: بفعلها- فإنها تفعل الفعل لحاجتها، والله لا يفعل الفعل لحاجةٍ، وإنما يفعل الفعل للحكمة البالغة التي لا يُحاط بها، وإن كان يُعْلَم أصلها وقدرها فيما أخبر الله به؛ كخلقه الجنّ والإنس.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: ولذلك ما من شيءٍ خلقه الله إلا وهو يُسبِّح بحمد الله، وبه تعلم عِظَم مقام التوحيد والإخلاص لله، والإقرار بحقِّه الأعظم.
وحقُّ الله الأعظم هو توحيده جلَّ وعلا، وهو حقُّ الله إذا ذُكِرَ، كما قال النبي لمعاذٍ : أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ ثم بيَّنه له فقال: أن يعبدوه، ولا يُشركوا به شيئًا [30].
وما من شيءٍ خلقه الله إلا وهو يُسبِّح بحمد الله، وهو تسبيحٌ له حقيقته، ولكن البشر لا يُدْرِكون هذا التَّسبيح، ولا يُدْرِكون كُنْهَهُ، كما قال الله جلَّ وعلا: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].
وصار بعض النَّاظرين في هذه الآية يقول: تسبيح الرياح هو حركتها، وتسبيح الجبال هو سكونها. إلى غير ذلك من الوجوه، وهذا من التَّخرُّص؛ لأن العلم بالمقصود بالتَّسبيح من حيث هو حقيقةٌ وكُنْهٌ فهذا لم يُفسَّر ذِكْره، وإنما أُخبرنا بوقوعه، وقد قال الله في تمام الآية: وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[الإسراء:44].
قوله: "
| ^1 | رواه البخاري: 3443، ومسلم: 2365. |
|---|---|
| ^2 | "صحيح البخاري": 1/ 10. |
| ^3 | "صحيح البخاري": 9/ 114. |
| ^4 | رواه مسلم: 1185. |
| ^5 | رواه البخاري: 1549، ومسلم: 1184. |
| ^6 | رواه مسلم: 1218. |
| ^7 | هو الماء الدائم الذي لا انقطاع له. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام: 4/ 82. |
| ^8 | "ديوان امرئ القيس": ص155. |
| ^9 | رواه مسلم: 2531. |
| ^10 | "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 3/ 279. |
| ^11 | الضِّئْضِئ هو: أصل الشيء ومعدنه. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام: 2/ 513. |
| ^12 | رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064. |
| ^13 | النَّصل: حديدة الرمح والسهم والسكين. ينظر: "المعجم الوسيط": 2/ 927. |
| ^14 | الرِّصَاف: مدخل النصل من السهم. ينظر: شرح النووي على مسلم: 7/ 165. |
| ^15 | وهو ما بين النَّصل والريش. ينظر: "أعلام الحديث" للخطابي: 3/ 1605 |
| ^16 | القُذَذ: ريش السهم. ينظر: شرح النووي على مسلم: 7/ 165. |
| ^17 | رواه البخاري: 3610، ومسلم: 1064. |
| ^18 | رواه البخاري: 3586، ومسلم: 144. |
| ^19 | قال النبي : خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، رواه البخاري: 2651، ومسلم: 2535. |
| ^20 | رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676 وصححه. |
| ^21 | رواه البخاري: 1601. |
| ^22 | رواه مسلم: 2713. |
| ^23 | رواه البخاري: 4854. |
| ^24 | رواه مسلم: 35. |
| ^25 | رواه البخاري: 1385، ومسلم: 2658. |
| ^26 | رواه البخاري: 1358، ومسلم: 2658. |
| ^27 | رواه البخاري: 5891، ومسلم: 257. |
| ^28 | رواه البخاري: 5889، ومسلم: 257. |
| ^29 | رواه مسلم: 261. |
| ^30 | رواه البخاري: 7373، ومسلم: 30. |