تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص

من قوله: "والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين.." (7)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

ففي هذا اليوم، الأول من شهر صفرٍ لعام (1439)، ينعقد هذا المجلس السابع في شرح "العقيدة الطحاوية"، لمعالي الشيخ يوسف بن محمد الغَفِيص، عضو "هيئة كبار العلماء"، وعضو "اللجنة الدائمة للإفتاء" سابقًا.

الحج والجهاد مع الأئمة برهم وفاجرهم

القارئ: قال المصنف رحمه الله تعالى:
والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة، لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما.

الشيخ: نعم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فينعقد هذا المجلس في الأول من شهر صفرٍ من سنة (1439) من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها رسول الله الصلاة والسلام، في المسجد النبوي الشريف، مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في شرح الرسالة في اعتقاد أهل السنة والجماعة التي كتبها العلامة الطحاوي رحمه الله.

وأتينا على هذه الجملة من كلام المصنف رحمه الله، وفيها بيَّن أن "الحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة".

والمقصود هنا: أن من طريقة أهل السنة والجماعة: أن الحج والجهاد من الأمور العامة الذي يكون الناس من جهة إمارته، ومن جهة عموم شأنه يوكل إلى أولي الأمر؛ ولذلك فإن الراية في الجهاد هي راية أولي الأمر، وكذلك في الحج، فالحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين.

وولاة الأمر: هم الذين ذكرهم الله في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ [النساء:59]؛ وعليه: لا يصح في الحج ولا في الجهاد إلا الاتباع في مثل هذه المسائل من المسائل العامة، وكذلك ما يتعلق بالمسائل الخاصة، فإن لهم الطاعة، كما بيَّن ذلك أهل العلم في كتب السُّنة وفي كتب الفقه في مفصل أحكام التشريع، أو ما ذكروه أصلًا في كتب أصول الدين.

وفي قوله رحمه الله: "برهم وفاجرهم"، إلى أنه ليس من شرط ذلك أن يكون برًّا؛ فإن السمع والطاعة تكون بالمعروف لبرهم وفاجرهم، وكذلك ما يتعلق بشأن الحج والجهاد فالناس لهم فيه تَبَعٌ.

الإيمان بالكرام الكاتبين من الملائكة

القارئ: قال رحمه الله:
ونؤمن بالكرام الكاتبين، فإن الله قد جعلهم علينا حافظين.

الشيخ: نعم، الكرام الكاتبون: هم الملائكة، وهم نوعٌ من ملائكة الله، أمرهم الله بكتابة أعمال العباد وأفعالهم؛ كما جاء في قول الله جل وعلا: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

وأما ماهية هذه الكتابة وصفتها، وحال المَلَك مع العبد في كتابته: فهذه مسائل مجملةٌ في الشريعة وفي النصوص، والقاعدة التي درج عليها الصحابة وأئمة السنة والجماعة: أن هذه المسائل من مسائل العلم يُقتصر فيها على ما ذكره الله  ورسوله عليه الصلاة والسلام، فيُؤمَن بما جاء في كتاب الله ، وجاء في سنة النبي من أحوال الملائكة.

ومن هذه الأحوال الشريفة لملائكة الله : أن الله جعلهم كتبةً لأعمال العباد، لأعمال بني آدم، فهم يكتبون ما يقع من أفعال العباد، مع أنه يُعلم -بضرورة الشرع والعقل والفطرة- أن ربنا بكل شيءٍ عليمٌ، وأنه يَعلم يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، ولكن لحكمة أرادها الله جل وعلا جعل أولئك الملائكة كتبةً لأفعال العباد، وإلا فإن الله لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، ويعلم أفعال العباد وما في صدورهم قبل كتابتها، فعِلمه سابقٌ، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن، فالله جل وعلا كما هو مستقرٌّ في الشريعة وفي دلائل الفطرة ودلائل العقل أن الله بكل شيءٍ عليمٌ.

ولكن ربنا جل وعلا اقتضت حكمته هذا الأمر، وهو أن جعل الكَتَبَة الملائكة، وأولئك الكتبة هم بَرَرَةٌ من عباد الله، وسائر الملائكة على مقام الإيمان والتسليم لله جل وعلا، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، وهم مراتب في الفضل، وكما أن الصالحين من بني آدم مراتب في الفضل؛ فكذلك الملائكة.

‌‌الإيمان بملك الموت وبعذاب القبر وفتنته ونعيمه

القارئ: قال رحمه الله:

ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلًا، وسؤال منكَرٍ ونَكيرٍ في قبره عن ربه ودينه ونبيه.

الشيخ: ملك الموت هو أحد الملائكة الذين أمرهم الله بهذا الأمر، وهو قبض الأرواح.

وهذا الإيمان دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، وإن كان تفصيل ذلك جاء في سنة النبي ، وكذلك من هَدي أهل السنة والجماعة، وهذا الهدي عليه عامة المسلمين، وإن كان يقع في بعض مسائله ما هو من النزاع لدى بعض فرقهم، لكن الذي جرى عليه إجماع الصحابة ، وتواترت به نصوص الشريعة، نصوص الكتاب والسنة: هو أن الله جعل هذا القبر الذي يؤول إليه بنو آدم، جعله محلًّا للعذاب أو محلًّا للنعيم؛ ولذلك قال النبي كما في "الصحيح" وغيره: ما منكم من أحدٍ إلا وكُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، يُعرض عليه، فيقال: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه [1]، وجاءت نصوص الكتاب ونصوص السنة وإجماع الصحابة  ومَن بعدهم دالةً على هذا الحكم من أحكام الدين: وهو أن المؤمن يجب عليه الإيمان بعذاب القبر ونعيمه.

وأما تفاصيل هذه الأحوال من العذاب والنعيم: فإن ذلك يُوقف على قواعد الشريعة التي مضى بها النص والإجماع، فإن الله يُنعِّم عباده المؤمنين، والله توعد الكافرين بالعذاب، وأما عصاة الموحدين فإن أولئك تحت مشيئة الله؛ كما قال الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ [النساء:48].

ووقع في السُّنة من عِلم النبي بما أعلمه الله به من أحوال أهل القبور؛ كما جاء في "الصحيحين" أن النبي مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبيرٍ؛ أما أحدهما: فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر: فكان لا يستنزه من بوله [2]، فهذا عَلِمه النبي .

وأولئك الذين عُذبوا في قبورهم هم من أهل الإسلام؛ ولهذا دعا رسول الله بعَسِيبٍ رَطبٍ فشقه اثنين، ثم غرس على هذا واحدًا -كما في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما- وعلى هذا واحدًا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: لعله أن يُخفف عنهما ما لم يَيْبَسَا [3]، وهذا الفعل من خصائص فعل النبي ، وليس هو من المشروع في أصل الحال؛ بمعنى: أنه لا يُشرع وضع ما يكون كذلك على القبور؛ فإن هذا لم تمضِ به السنة، وإنما هذا في حالٍ معينةٍ اختصت بحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ولهذا لم يُنقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه فعله في عموم الأحوال، فهذا مقامٌ.

وحصل في مقامٍ آخر، ما هو من عذاب المشركين الذي بان للنبي ؛ كما في حديث زيد بن ثابتٍ رضي الله تعالى عنه في "الصحيح"، قال: "كنا مع رسول الله ، وكان رسول الله على بغلةٍ له، إذ حادت به فكادت تُلقيه، وإذا أَقْبُرٌ ستةٌ أو خمسةٌ أو أربعةٌ -اختلف الرواة في ضبط عددها كما جاء في "الصحيح" وغيره- فقال عليه الصلاة والسلام: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجلٌ: أنا، فقال عليه الصلاة والسلام: متى مات هؤلاء؟ فقال الرجل: يا رسول الله، ماتوا في الإشراك -أي في حال الشرك- فقال: إن هذه الأمة تُبتلى في قبورها، لولا ألا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه [4]، إلى غير ذلك من النصوص الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، وقبل ذلك ما جاء في كتاب الله من عذاب الكفار؛ كما ذكر الله عن كفرة آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46].

فالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع ماضيةٌ على ما جاء في كلام الله ورسوله من عذاب القبر ونعيمه، ولكن لا يُجزَم لأحدٍ من عصاة الموحدين بمقامٍ من العذاب، وإن كان جنسه قد تُوُعِّد عليه بمقام العذاب، إلا أن ذلك تحت مشيئة الله جل وعلا، كما هو معروفٌ في عقيدة أهل السنة والجماعة. 

وكذلك ما جاء في سؤال منكرٍ ونكيرٍ، فإن العبد في قبره إذا تولى عنه أصحابه، كما جاء في "الصحيح" وغيره من حديث أنسٍ ، قال عليه الصلاة والسلام: إنه ليسمع قرع نعالهم [5]، ولهذا جاء في حديث البراء ما يدل على ذلك أيضًا [6].

وشرع الدعاء للمسلمين بالتثبيت؛ ولذلك قال الله جل وعلا: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27].

فيُسأل في قبره عن ربه وعن دينه وعن نبيه، فهذه أصول الدين الثلاثة، وهي الأصول الشريفة التي فيها جماع الدين، "فيقال له: من ربك؟" فيقول: ربي الله، "فيقال له: ما دينك؟" فيقول: ديني الإسلام، "فيقال له: من نبيك؟" فيقول: محمدٌ " [7]، وهذا من تثبيت الله، وليس هو بالاكتساب المحض؛ فإن الكافر أو المنافق لو قُدِّر أنه تَلَقَّن ذلك لِيقوله؛ فإنه لن يُمَكَّن من قوله، وإنما يقول ذلك من آمن بالله حقًّا، وصدق الله في مقام حياته وحال تكليفه.

القارئ: قال رحمه الله:

على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله وعن الصحابة رضوان الله عليهم.

الشيخ: "على ما جاءت به الأخبار": أي من جهة الاقتصاد، فلا يُزاد في ذلك ولا يُتكلف في ذلك، وعلى ما جاء عن الصحابة  من الإجماع، وهذه المسائل لها رتبةٌ عاليةٌ في الشريعة، وهي مسائل الإيمان، ومسائل الغيب، والمسائل التي لم تُفصَّل لنا من جهة أخبارها إلا على قَدْرٍ أراده الله ، فلا يُزاد في الاستفصال عما بيَّنه الله .

وتعلم أن طرق الاستدلال الموسعة في مسائل الاجتهاد ومسائل العمل ومسائل فروع الشريعة؛ كاستعمال أدلة القياس وأدلة الاستصحاب ونحو ذلك، وكذلك الدلالات الموسعة التي تُستعمل في مقام فروع الشريعة؛ كدلالة الإيماء والإشارة، وما يتعلق بالمفهوم الذي يُسمى "مفهوم المخالفة"، وما إلى ذلك، فهذه الطرق التي قررها علماء أصول الفقه وبيَّنوها في الأدلة والدلالات لا يطرد شأنها في مسائل العلم والخَبَريات، وإنما مسائل العلم والخبريات هي موقوفةٌ على بيِّن النصوص، وعلى ما كان ظاهرًا من النصوص.

القارئ: قال رحمه الله:

والقبر روضةٌ من رياض الجنة، أو حفرةٌ من حفر النيران.

الشيخ: "والقبر روضةٌ من رياض الجنة" كما جاءت بذلك الأخبار [8]؛ ولهذا... النبي  لمن دعا له بذلك، فإما أن يكون روضةً من رياض الجنة، وإما أن يكون حفرةً من حفر النار، وهذا راجع إلى عدل الله وإلى فضله وإلى رحمته جل وعلا بعباده، فمن عذَّبه الله؛ فإنه عدلٌ منه ، ومن آتاه الله نعيمًا في قبره؛ فإن هذا فضلٌ من الله ورحمةٌ منه بعبده.

الإيمان بيوم القيامة وما فيه من المشاهد

القارئ: قال رحمه الله:

ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة والعرض والحساب وقراءة الكتاب والثواب والعقاب والصراط والميزان.

الشيخ: نعم، هذه أحوالٌ ذُكرت في الكتاب والسنة، وهي ما يتعلق ببعث العباد، فإن العباد يُبعثون من قبورهم، ويُحشرون إلى ربهم ، ويمضي الحساب على ما شاءه الله جل وعلا، وتُوضع الموازين كما أخبر الله بذلك في كتابه، قال الله جل وعلا: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47].

فتُوضع الموازين، ويُحاسب الله عباده، ويُحشرهم بعد بعثهم من قبورهم، ثم يمضي حُكمه جل وعلا فيهم، ومن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، ومن كان من أهل النار فمن أهل النار، وبينهما حالٌ من أحوال الشفاعة التي تكون للعصاة، فإن المؤمنين السابقين بالخيرات يرحمهم الله برحمته ويدخلهم جنته، وأما من كفر بالله وكذب المرسلين، فأولئك أصحاب النار؛ كما قال الله جل وعلا: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

وأما من كان دون ذلك، فهم أحوالٌ من عصاة الموحدين، وهم إلى رحمة الله أقرب منهم إلى عذابه، فإن مسَّهم شيءٌ من العذاب؛ فإن رحمة الله جل وعلا غلبت غضبه، وسبقت غضبه، كما جاء ذلك في "الصحيح" عن النبي [9]؛ ولذلك يَؤولون إلى جنة الله جل وعلا، ومنهم من يخرج من النار بشفاعة الشافعين، وأَخَصُّ الشافعين: هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنهم من يخرج بشفاعة غيره، ومنهم من تُدركه رحمة الله مقطوعةً عن السبب من الشفاعة، فيرحمهم الله  ويدخلهم جنته.

وهذا مفصلٌ في سنة النبي ، وقد ذكر أصحاب الصحيح؛ كالإمام البخاري في "صحيحه"، ومسلمٍ في "صحيحه"، وغير هؤلاء، ذكروا جملةً من الأحاديث الصحاح المفصِّلة لأحوال المكلفين إذا وافوا ربهم ، وأصنافهم مذكورةٌ في القرآن، ومن أَخَصِّ ذلك: ما جاء في سورة التوبة، فإن الله ذكر الكافرين الذين أمر الله في أول السورة بالبراءة منهم، قال الله جل وعلا: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1]، فأولئك هم أهل الشرك الظاهر، ثم ذكر الله المنافقين النفاق الأكبر، الذين قال الله فيهم: وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ [التوبة:56].

وبينهم قومٌ دون ذلك، وهم الذين قال الله فيهم: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة:106]، والذين قال الله فيهم: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [التوبة:102]، وفيهم القوم الصالحون والفضلاء العارفون، وهم الذين ذكرهم الله بقوله في هذه السورة: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

فهذه السورة بيَّن الله فيها مقامات العباد، وقد بيَّن الله ذلك في كثيرٍ من سور القرآن، بل في عموم سور القرآن تجد أن هذا المقام يبين بوجه من الوجوه، وقد بيَّنه الله جل وعلا في أوائل سورة البقرة، فإن الله ذكر المتقين فقال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، وذكر ما هم عليه من الإيمان، ثم ذكر الذين كفروا بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، ثم ذكر بعد ذلك حال المنافقين في قول الله جل وعلا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة:8]، فهذه أحوال الناس في الجملة.

ومن كان من أهل الإيمان فإنهم درجاتٌ، وجِماعهم: قول الله جل وعلا: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

فهذه المسائل من النعيم والعقاب، وما يكون من الجزاء والحساب، وما يكون من البعث؛ موقوفةٌ على النصوص، على نصوص الكتاب والسنة، ولا يُتخوض فيها بغير ذلك، ولا يُزاد فيها بطرق الاستدلال التي استعملها الفقهاء في مسائل فروع الشريعة. 

فإن الأخبار التي وردت في ذلك تارةً ترد على مقامٍ من الإجمال، وتارةً ترد على مقامٍ من التفصيل، فإن الموازين ذُكر لها أحد مقامين.

قال الله جل وعلا في سورة المؤمنون: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ۝ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ۝ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [المؤمنون:102-105]، فجعل المقام على أحد حالين:

  • من ثقلت موازينهم، وهم أهل الإيمان.
  • ومن خفّت موازينهم، وهم أهل الكفر والإشراك والتكذيب والمعاندة لله ورسله عليهم الصلاة والسلام.

وأما ما يكون من مفصَّل أحوال العباد من أهل التوحيد فإنهم على عدل الله ورحمته وفضله، قال الله جل وعلا: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء:47]، أي: الموازين العدل، فإن القسط هنا من جهة الإعراب تكون صفةً كما هو معروف في اللغة وإعرابها.

وإنما المقصود هنا: أن كل من آتاه الله حُكمًا في الآخرة فإن الله آتاه ذلك بعدله، وما يكون من الخير للعبد فإنه برحمته ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

‌‌الجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان

القارئ: قال رحمه الله:

والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان.

الشيخ: قال: "والجنة والنار مخلوقتان"، وهذا أخبر الله به، ودعا العباد إليه، وهو الذي دل عليه ظاهر القرآن، ودلت عليه سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحَصَل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأحوال ومن الوحي الذي نزل عليه ما يدل على ذلك؛ ولهذا أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك.

‌‌من أدخله الله الجنة فبفضله ومن أدخله النار فبعدله

وأن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكلٌّ يعمل لما قد فُرغ له.

الشيخ: خلق الله للجنة خلقًا، وخلق للنار خلقًا، وهذا راجعٌ إلى علم الله ، ومن قدَّر الله وقضى جل وعلا أنه من أهل الجنة؛ فهذا اصطفاه الله برحمته، ومن قضى الله جل وعلا أنه من أهل النار؛ فهذا بعدل الله جل وعلا، لِمَا علم الله من حال هذا العبد، ولما يكون من حال هذا العبد، فإن أولئك العباد الذين علم الله شأنهم قبل أن يخلقهم، خلقهم وابتلاهم؛ كما قال جل وعلا: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:٢]، فكفروا بالله، فلما كفروا بالله؛ عذّبهم، فصار عذابهم عدلًا من الله ، كيف يكفرون به وهو الذي خلقهم، وهو الذي رزقهم، وهو الذي أنعم عليهم، وهو الذي هداهم؟! وكيف يَدَعون عبادة الخالق، وعبادة الرازق، وعبادة الملك المدبِّر، وعبادة أرحم الراحمين، وعبادة رب العالمين، إلى عبادة غيره جل وعلا؟! فصار ما يقع لهم من العذاب عنده هو من عدل الله فيهم، ولم يظلمهم الله جل وعلا.

وأما من جعله الله من أهل الجنة، فإن هذا من رحمة الله وفضله على عباده، مع ما هم عليه من الطاعة، ومع ما هم عليه من الاستجابة، ولكن كما قال صلى الله عليه وآله وسلم كما في "الصحيح" وغيره: لن يُدخل الجنةَ أحدًا عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا [10].

فالعباد أهل الإيمان هم برحمة الله  وفضله، والله يَسَّّر العبد لما خلق له، فمن كان من أهل السعادة؛ فيُيسَّر لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة؛ فيُيسّر لعمل أهل الشقاوة [11].

وهذه المسألة سبق بحثها في هذه الرسالة، وليس في ذلك شيءٌ من الجبر أو مادته، وإنما ذلك عدلٌ من الله جل وعلا، وإلا فإن الله خلق بني آدم على قدرٍ من التساوي في المَلَكَة والاختيار؛ ولذلك قال الله جل وعلا: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8].

والعبد إذا لم يكن قادرًا مستطيعًا؛ لم يكن من أهل التكليف؛ ولهذا لم يكن الطفل مكلفًا، ولا المجنون مكلفًا، ولا من خرج عن قدرة التكليف مكلفًا؛ كما قال الله جل وعلا: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل:106]، وإنما التكليف على مقام الاختيار، وعلى مقام الإدراك، كما هو معروف عند أهل العلم في مسائل التكليف.

كل شيء بقدر

القارئ: قال رحمه الله:

وكلٌّ يعمل لما قد فُرغ له، وصائرٌ إلى ما خُلق له، والخير والشر مقدَّران على العباد.

الشيخ: "الخير والشر مقدران على العباد"، ومعنى ذلك: أن الله بيده الأمر كله، فالله جل وعلا هو رب العالمين؛ كما في قول الله جل وعلا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، في أعظم سورةٍ في كتاب الله، ومن متضمَّن هذا الحكم وهذه الصفة وهذا الاسم العظيم لله جل وعلا، من متضمن ذلك: أن الخير والشر بأمر الله وخلقه، وإن كان الشر لا يُضاف إليه؛ فإن الشر هو أفعال العباد، وليس هو أفعال الله ، فإن الشر من الزنا والفجور والفساد في الأرض والاعتداء في الأرض، فإن ذلك أفعال العباد، وليست هي أفعال الله، وإن كانت وقعت بخلقه وإذنه وعلمه ومشيئته، ولكنها أفعال العباد؛ كما قال الله جل وعلا: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41].

فهذا كسب العباد، وهذه أفعال العباد، ولكن لا يخرج شيءٌ عن إرادة الله جل وعلا، وله الإرادة التامة، وله المشيئة، والله على كل شيءٍ قديرٌ، فهذا هو المقصود بهذا القول الذي ذكره المصنف، وهو بيِّنٌ في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من تحقيق ربوبية الله جل وعلا؛ فإن الله هو المتصرف، وهو المالك، وهو المدبر، وحده لا شريك له.

أنواع الاستطاعة

القارئ: قال رحمه الله:

والاستطاعة التي يجب بها الفعل، من نحو التوفيق الذي لا يُوصف المخلوق به، تكون مع الفعل، وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات، فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

الشيخ: الاستطاعة هذه من المسائل الدقيقة، وهي استطاعة المكلف، وتكلم عنها العلماء في كتب أصول الدين، وتكلم عنها النظار في كتب علم الكلام، وتُكُلم عنها في كتب أصول الفقه، وحصل فيها كثيرٌ من الخلاف عند المتأخرين، وإلا فهي عند الصحابة رضي الله تعالى عنهم من المسائل البينة، فإن العبد له استطاعة وله مشيئة، واستطاعته التي يُخاطَب بها، واستطاعته التي يقع بها الفعل، ولكنها استطاعةٌ على الحقيقة؛ كما قال الله جل وعلا: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وكما قال الله جل وعلا: لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ۝ وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29].

واستطاعة العباد ومشيئتهم وقدرتهم وإرادتهم بيِّنةٌ في كتاب الله جل وعلا، وعن هذا قال الله جل وعلا: مِّنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152]، وإذا لم تتحقق الاستطاعة؛ فإن العبد لا يكون مكلفًا، سواءٌ من جهة مداركها الأصلية العلمية؛ كالمجنون، أو من جهة القدرة على الفعل والاختيار؛ كما في حال المُكرَه ونحو ذلك.

فهذه المسألة في أصلها مسألةٌ محكمةٌ في كلام الله ورسوله وإجماع الصحابة وما مضى عليه سلف هذه الأمة، حتى صار فيها نزاعٌ كثيرٌ في كتب المتكلمين، وانتقل قدر من هذا النزاع الذي يذكره النظار في كتب علم الكلام إلى كتب أصول الفقه، فتكلموا في كثيرٍ من مسائل الاستطاعة، وتكلموا تبعًا لذلك عما سمَّوه "تكليف ما لا يُطاق"، وتكلموا عن حقيقة الاستطاعة: ما هي؟ وهل هي استطاعةٌ مؤثّرةٌ، أم أنها استطاعةٌ مقارِنةٌ؟ وهل هي مشيئةٌ مؤثّرةٌ، أم أنها مشيئةٌ مقارنةٌ يقع الفعل عندها لا بها؟ وتكلموا في تأثير هذه الاستطاعة.

ثم زادوا بعد ذلك بالكلام عن تأثير الأسباب التي تقع لبني آدم، وصار في هذه المسألة من الخلل الكثير في جمهور كتب علم الكلام، بل في عامتها، وفي طائفةٍ من كتب أصول الفقه، ودخل شيءٌ من ذلك على كتب السلوك في كلام بعض المتصوفة عن استطاعة العبد وعن مشيئة العبد، وصلة ذلك بعبوديته لله ، وتكلم جمهور أهل السلوك عن ذلك باسم "الإرادة"، فإنهم لا يذكرون الاستطاعة كثيرًا، وإنما يتكلمون باسم الإرادة، ويجعلون من تحقيق العبودية عند كثيرٍ من أولئك: أن العبد لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح سيئةً، ويجمع إرادته إلى إرادة ربه.

وهذا فيه قدرٌ من الإجمال، وفيه قدرٌ من الغلط، وإن كان يقع فيه بعض المقاصد الشريفة من جهة مقصود تحقيق الربوبية أو تحقيق الإخلاص لله ؛ ولهذا اضطرب فيها الكلام، واجتمع لبعض المتأخرين فيها من الأحرف الصحيحة ومن الأحرف الغلط؛ ولذلك لما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله -يعني: مسألة التأثير- قال: "وهذه مسألةٌ خاض فيها خلقٌ من الباحثين والبُصَراء والمكاشَفين، وعامتهم فهموا صحيحًا، وقَلَّ منهم من عبَّر فصيحًا" [12].

فهي من جهة المقاصد، كان لها مقاصد صحيحةٌ، وإن كان بعضهم دخل عليه معانٍ ومقاصد مخالفةٌ لما مضى به الكتاب والسنة والإجماع.

وإنما المشروع للمؤمن ولطالب العلم: أن يقتصد في هذه المسألة على محكمها، وهي من المسائل المحكمة، أن العبد له مشيئةٌ، وأن العبد له اختيارٌ، ولكن هذه المشيئة وهذا الاختيار لا يخرج عن إرادة الله ، كما قال ربنا جل وعلا في كتابه: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام:125].

فمن ضل فإنما ضل بإرادة ربه، ومن اهتدى فإنما اهتدى بإرادة ربه ، وهذا صريحٌ في كتاب الله، وإن كان مع هذا فالعبد له حقيقةٌ من جهة الفعل والمشيئة، ومن جهة الاستطاعة، وهذا الجمع بين مقامات الآيات في كتاب الله  وفي سنة رسول الله ، هو الذي اهتدى له أئمة السنة والجماعة، وأجمع عليه الصحابة .

وأما من قصد إلى بعض مقام الآيات، ولم يفقهها على وجهها، ولم يُحكِم غيرها؛ نظر إلى هذه المسألة بمقامٍ من الغلط، فصار هنالك إما إفراطٌ وإما تفريطٌ؛ إما غلوٌّ في إثبات إرادة العبد وفعله؛ كما صار ذلك للقدرية، وإما تفريطٌ في ذلك؛ كما صار للجبرية الذين جعلوا العبد مجبورًا.

واللهُ ما جَبَر العباد ولا أطلق مشيئتهم، بل هم مربوبون لربهم ، والله هو خالقهم ومدبّرهم جل وعلا، ومع ذلك جعل لهم من المشيئة والفعل والاختصاص والاختيار والإرادة ما هو مدرك بالحس، وما هو ثابت بالعقل والشرع مما تواترت به النصوص.

ولهذا لم تكن هذه المسألة قبل ظهور علم الكلام من المسائل المشكلة، بل إنك إذا نظرت في كلام الجاهليين قبل بعثة النبي ؛ فإنهم كانوا عارفين بأن الله هو الذي خلقهم، وأنهم كانوا عارفين بأن لهم مشيئةً واختيارًا، وكانوا عارفين بأن مشيئتهم قاصرةٌ وليست مشيئةً تامةً.

فهذا كانت العرب في جاهليتها تعرفه؛ ولهذا وقع في شعرهم ما يدل على هذا المقام؛ كما قال طَرَفة بن العبد في شعره:

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالدٍ ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثدِ
فأصبحت ذا مالٍ كثيرٍ وزارني بنون كرامٌ سادةٌ لِمُسَوَّدِ [13].

فهذا يدل على أن أولئك الجاهليين قبل الإسلام كانوا يعرفون أن ما يقع لهم من الأحوال والرئاسة والمال والولد بمشيئة الله ، مع ما يدركونه من أفعالهم وتصرفاتهم.

فكما أنهم يذكرون في شعرهم وفي جاهليتهم أن ما يقع لهم بمشيئة الله، وهذا تقرؤه في كلام طرفة وغيره لمَّا قال:

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالدٍ ولو شاء ربي كنت عمرو بن مرثد
فأصبحت ذا مالٍ كثيرٍ وزارني بنون كرامٌ سادةٌ لمسَّود

لكنك أيضًا تقرأ في شعرهم: أنهم ينسبون المشيئة لأنفسهم، كما في قول امرؤ القيس:

عليها فتًى لم تحمل الأرض مثله ............................

لما قال في مسيره على قيصر، فيقول في شعره:

فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجرا
عليها فتى لم تحمل الأرض مثله أبرَّ بميثاقٍ وأوفى وأصبرا

ثم قال:

ولو شاء كان الغزو من أرض حِميرٍ ولكنه عمدًا إلى الروم أَنْفَرَا. [14].

فقال في هذا البيت: "ولو شاء"، أضاف الفعل والمشيئة إلى نفسه؛ لأن هذا أمرٌ بَدَهيٌّ ثابتٌ بالحس، وثابتٌ بالفطرة، وثابتٌ بالمدارك.

والمقصود من ذكر شعر الجاهليين: أن هذه المسألة كانت مسألةً واضحةً في جملتها حتى عند العرب في جاهليتها، ثم جاء دين الإسلام، ونزل القرآن، وجاء هدي الرسول محكِمًا لها، مفصِّلًا لمقاماتها ولأخبارها وأحكامها.

ثم لما ظهر علم الكلام وما بُني عليه من الفلسفة ونحو ذلك؛ صارت هذه المسألة المحكمة من مثارات الاشتباه، ومن مثارات الانغلاق، وهذا يقع في كثيرٍ من المسائل المتأخرة التي تكلم عنها المتأخرون من المتكلمين، وإن كانت في أصلها من محكم العلم والدين.

خلق الله لأفعال العباد

القارئ: قال رحمه الله:

وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوُسع والتمكن وسلامة الآلات فهي قبل الفعل، وبها يتعلق الخطاب، وهو كما قال تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وأفعال العباد خلق الله، وكسبٌ من العباد، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون، ولا يطيقون إلا ما كلفهم. 

الشيخ: قال الطحاوي رحمه الله: "وأفعال العباد خلق لله"، وهذا مجمعٌ عليه عند أئمة السنة: أن الله هو الخالق للعبد، وهو الخالق لفعله، مع أن الأفعال تُضاف إلى العبد من جهة الفعل، فإن العبد هو الصائم، وهو المصلي، وهو الساجد، فإن الأفعال تُضاف إلى العباد، سواءٌ كانت من الصالحات أو بضد ذلك؛ كما قال الله جل وعلا: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112].

وكذلك أفعال الباطل، فإنها تُضاف إلى العبد، ويُفصَّل حال الذكر والأنثى؛ كما قال الله جل وعلا: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ [المائدة:38]، إلى غير ذلك، والأفعال هي أفعال العباد، والله هو خالقهم، وهو خالق أفعالهم جل وعلا، يخلق ما يشاء، وهو الخالق لكل شيءٍ.

ثم ذكر الشيخ رحمه الله أنها كسبٌ للعباد، وهذه الكلمة في رسالة أبي جعفرٍ مما قُيد على هذه الرسالة، فإنه اقتصر على كلمة "الكسب"، وليته أتبعها بغيرها؛ لئلا يقع في هذا الاقتصاد ما يشير إلى القول بالكسب، مع أنه من جهة التحقيق ليس في رسالته ما يدل على أنه يقول بالكسب الذي قاله متأخرو المتكلمين المنتسبين إلى السنة والجماعة، بل ظاهر حال أبي جعفرٍ والجمل التي ساقها أنه على طريقة الأئمة في هذه المسألة، ولكنه اقتصر على هذه الكلمة، وهذه الكلمة هي في أصلها كلمة صحيحةٌ، وكلمةٌ شرعيةٌ وصف الله بها أفعال العباد في كتابه؛ كما في قول الله جل وعلا: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، وكما في قوله جل وعلا: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38].

ولكن إذا اقتُصر على وصفٍ من الأوصاف التي جاء بها القرآن وترك غيره؛ فإن هذا الترك لا يكون صحيحًا، بل يكون وجهًا من المخالفة؛ فإن أفعال العباد هي كسبهم، وهي أفعالهم ومشيئتهم على الحقيقة في ذلك.

وأولئك المتأخرون الذين قالوا بهذه الطريقة من متكلمة أهل الإثبات، مالوا بها عن طريقة غلاة الجبرية، ولكنهم لم يقعوا بها على ما يوافق هدي السلف الأول، الذين مضى به إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فصار في قول هؤلاء المتأخرين وجهٌ من الموافقة، ووجهٌ من المخالفة، وهو دون ما قاله أولئك من الجبرية وغيرهم، ولكن الذي جاء به الكتاب والسنة هو هذا الوصف وغيره من الأوصاف المذكورة في كتاب الله.

فالله وصف أفعال العباد بأنها كسبٌ لهم، في قوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، لكن جاءت أوصافٌ أخرى، ولا يصح أن يوصف وصفٌ منها ويُقصد إلى ترك غيره؛ لأن في ذلك تأخيرًا عن المعاني التي بيّنها الله في كتابه إلى بيانها، فيكون في ذلك من الضلال أو من الخطأ أو من المخالفة، بحسب مرتبة هذه المخالفة.

‌‌تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله"

القارئ: قال رحمه الله:

وهو تفسير "لا حول ولا قوة إلا بالله"، نقول: لا حيلة لأحدٍ، ولا حركة لأحدٍ، ولا تحول لأحدٍ عن معصية الله إلا بمعونة الله، ولا قوة لأحدٍ على إقامة طاعة الله والثبات عليها إلا بتوفيق الله.

الشيخ: نعم، هذه الكلمة الجامعة، وهي من كلمات الشريعة، وفيها قال النبي لما قال لأبو موسى : ألا أدلك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله [15]، كما جاء في "صحيح البخاري" وغيره.

وشُرع في الأذان عند دعوة المؤذن بقوله: حي على الصلاة، وقوله: حي على الفلاح؛ أن يقول السامع أو المستمع: لا حول ولا قوة إلا بالله [16]، وهي كما قال الشيخ رحمه الله في رسالته: لا حول له على طاعة الله، ولا بترك معصية الله إلا بربه .

فهذا في مقام التشريع، وحتى كذلك في مقام الأفعال الكونية المجردة، وهي الأفعال العادية، فإن حركة الإنسان وسفره ونومه ويقظته وشأنه كله هو بأمر ربه جل وعلا وبقضاء الله ، وإذا أراد الله ألا يكون هذا؛ فإنه لا يكون ولو شاءه العبد؛ فإن مشيئة الله بالغةٌ، وإن مشيئة الله نافذةٌ؛ كما قال الله جل وعلا: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

كل ما يجري في الكون بمشيئة الله

القارئ: قال رحمه الله:

وكل شيءٍ يجري بمشيئة الله تعالى وعلمه وقضائه وقدره، غلبت مشيئتُه المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء، وهو غير ظالمٍ أبدًا، تقدس عن كل سوءٍ وحَيْنٍ [17]، وتنزه عن كل عيبٍ وشَينٍ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23].

الشيخ: نعم، ربنا جل وعلا لا يُسأل عما يفعل؛ كما أخبر الله في كتابه: وَلَا يُظْلَمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وحرم الظلم على نفسه؛ كما جاء في حديث أبي ذرٍّ ، وجعله بين عباده محرمًا [18].

ولذلك، فإن نعمه على العباد سابغةٌ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [فاطر:3]، والناس جميعًا فقراء إلى ربهم جل وعلا؛ كما قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

انتفاع الأموات بعمل الأحياء

القارئ: قال رحمه الله:

"وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم منفعةٌ للأموات، والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات، ويملك كل شيءٍ، ولا يملكه شيءٌ.

الشيخ: وفي دعاء الأحياء للأموات، وفي صدقاتهم منفعةٌ، والدعاء والصدقة أجمع الفقهاء عليها بأنه يُشرع الدعاء للأموات من المسلمين، وهذا مجمعٌ عليه، وجاء في سنة النبي في أحاديث متواترةٍ، وأصله في كتاب الله ​​​​​​​، فإن الله نهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن الاستغفار لأهل الإشراك والكفر؛ فدل ذلك على أن أهل الإيمان يكونون كذلك، أي أنهم من أهل الدعاء ومن أهل الاستغفار؛ ولهذا استغفر النبي لأصحابه؛ كقتلى بدرٍ [19] وأُحدٍ [20] وغير ذلك.

وأُمِر عليه الصلاة والسلام في آخر عمره أن يأتي أهل البقيع وأن يستغفر لهم؛ كما جاء ذلك في حديث محمد بن قيسٍ عن عائشة رضي الله تعالى عنها لما فقدت النبي ليلةً، فخشيت رضي الله عنها أن يكون ذهب إلى بيت بعض زوجاته، قالت: فالتمسته، فإذا هو قد أقبل، فلما جاء النبي قال لعائشة رضي الله عنها: إن جبريل أتاني فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم [21].

واستغفار النبي ثابتٌ محفوظٌ، وهذا جاء متواترًا عنه عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أنه يُشرع للحي أن يستغفر وأن يدعو للميت من المسلمين، وصلاة الجنازة هي فاتحة ذلك قبل أن يُقبر في قبره، فإذا قُبر في قبره -أعني هذا الميت- فإن الدعاء يكون باقيًا له.

وكذلك الصدقة، أن يتصدق الحي عن الميت، فإن ذلك من المشروع، فإن النبي لما جاءت امرأةٌ، كما في "الصحيح"، وقالت: "إن أمي افتُلتت نفسها وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفلها أجرٌ إن تصدقتُ عنها؟" قال: نعم [22]، فتُشرع الصدقة عن الميت بإجماع العلماء، وأما ما فوق ذلك من الدعاء والصدقة؛ كأعمال القُرب التي تُهدى إلى الأموات؛ كالطواف ونحو ذلك، فهذا فيه خلافٌ بين العلماء، وبعضهم يُلحق مسألة الحج والمناسك عن الأموات بالأُولى أو بالثانية، فهذا فيه كلامٌ للعلماء، على هذه الرتبة أو على هذه الرتبة.

ولكن الذي عليه جمهور العلماء من أئمة المذاهب الأربعة: أن أعمال القُرب تُهدَى إلى الأموات، بمعنى: أن العبد يفعلها خالصةً لوجه الله، وينوي بذلك ثوابها لنفسه ولهذا الميت، وفضل الله واسعٌ في ذلك، وليس هذا من المحدثات، بل هذا معروفٌ عند السلف، وعند متقدمي العلماء، ومضى به كلام أئمة الدين، وقد ذَكر ذلك أصحاب الفقه في مذاهب أئمتهم من أئمة الفقه المعتبرين.

وأما من ظن أن هذه مسألةٌ من المسائل الطارئة؛ فإن هذا القول ليس من الأقوال الصحيحة، وإنما قد يكون في ذلك من الأقوال المحدثة في بعض التصرفات أو الأحوال التي لم يذكرها المتقدمون، فهذا بابٌ آخر ومقامٌ آخر.

إثبات الرضا والغضب لله تعالى

القارئ: قال رحمه الله:

ولا غِنًى عن الله تعالى طرفة عينٍ، ومن استغنى عن الله طرفة عينٍ فقد كفر، وصار من أهل الحَيْن، والله يغضب ويرضى لا كأحدٍ من الورى.
ونحب أصحاب رسول الله ، ولا نفرط في حب أحدٍ منهم، ولا نتبرأ من أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخيرٍ، وحبهم دِينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبغضهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ.

الشيخ: نعم، ذكر المصنف رحمه الله ما يتعلق بصفات الله، وهذا سبق فيه جُملٌ من جُمل المصنف، ولكنه ذكر الغضب، وأن الله يغضب لا كغضب العباد، وهذا على القاعدة الكلية في صفات الله: أن الله جل وعلا له صفات الكمال، وله الأسماء الحسنى، وأسماؤه متضمِّنة لصفاته، وله الأفعال التي ذكرها في كتابه، ودل عليها الشرع والعقل والفطرة.

ومما ذكره الله في كتابه أن الله يغضب على من يشاء من عباده ممن كفر بالله ، فذَكَر الله غضبه، وهذا الغضب أو المحبة التي يحب بها عباده، أو أحب عباده من أهل الإيمان والطاعة والاستجابة، هذه الصفات وأمثالها هي على قاعدةٌ واحدةٌ: أن الله جل وعلا ليس كمثله شيءٌ، وهذه القاعدة مذكورةٌ في كتاب الله، قال الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

فمن توهَّم في غضب الله قياسًا؛ فقد أتى باطلًا وشبَّه الله بخلقه، وإنما صفات الله تليق بمقام رب العالمين، ولا يُدرِك العباد كيفيتها، وإنما يعلمون جملتها ويعلمون معناها، ولكن الإحاطة بكيفيتها وكنهها فإن عقول العباد لا تبلغ ذلك؛ لأنهم لا يحيطون بربهم علمًا؛ ولهذا كان من سديد الأجوبة: ذلك الجواب الذي أجاب به الإمام مالكٌ  لما قال: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ" [23]، فهذا يُقال في جميع صفات الله .

منهج أهل السنة في الصحابة

ثم ذكر المصنف بعد ذلك ما يتعلق بشأن الصحابة ، وبيَّن الهدي الذي عليه السلف في ذلك، وأن أولئك الصحابة هم الذين أثنى الله عليهم في كتابه، قال الله جل وعلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29]. 

فإنك إذا نظرت إلى أولئك البررة، إلى أولئك السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين سماهم الله في كتابه بذلك، وقال جل وعلا في سورة التوبة: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

فأولئك القوم أثنى الله عليهم في كتب الأنبياء، في كتبه المنزَّلة على أئمة الرسل؛ فذُكروا في كتاب الله في القرآن، وذُكروا في التوراة، وذُكروا في الإنجيل، على مقامٍ شريفٍ عظيمٍ.

أما ذكرهم في كتاب الله فهو بيِّنٌ، وأما ذكرهم في التوراة والإنجيل فهذا معروفٌ في التوراة والإنجيل، وبيَّنه الله في كتابه بقوله: ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ [الفتح:29]، وهم مذكورون في كتب الأئمة من رسل الله في الكتب التي أنزلها الله عليهم، وهي كتب رب العالمين .

وإذا عرفت هذه الدرجة من الشرف والفضيلة التي أتاها الله سبحانه أصحاب نبيه ؛ علمت علمًا يقينًا، وعلمًا قاطعًا أن أولئك القوم قومٌ اصطفاهم الله ، وقومٌ اختارهم الله جل وعلا لصحبة نبيه ، وهم مراتب في الفضل؛ ولذلك قال النبي في الأنصار: لا يحبهم إلا مؤمنٌ، ولا يبغضهم إلا منافقٌ، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله [24].

وأولئك الصحابة مقاماتٌ:

  • فمنهم المهاجرون: وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة.
  • ومنهم الأنصار: وهم الذين آووا رسول الله ، وهم أهل المدينة.
  • ومنهم آل البيت: وهم آل بيت النبي الذين صحبوه؛ كعلي بن أبي طالبٍ، وكبقية آل بيته من الرجال والنساء.

وكل قومٍ من هؤلاء لهم فضلٌ خاصٌّ في كتاب الله وفي سنة رسول الله ؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للعباس : لن تبلغوا الخير -أو قال: الإيمان- حتى يحبوكم لله ولقرابتي [25]

وكذلك هم من جهة الأعيان على مراتب:

فأفضلهم: أبو بكرٍ، وهو صاحب رسول الله ، الذي قال الله فيه: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، ثم عمر ثم عثمان وعلي، ثم بقية العشرة.

وكذلك أمهات المؤمنين، وهن زوجات رسول الله ، وأفضلهن: خديجة وعائشة رضي الله تعالى عنهن، والأحاديث الصحاح في فضلهن متواترةٌ، وكذلك فاطمة بنت رسول الله ، وبقية نساء الصحابة.

وتلك الثلاث: وهن خديجة وفاطمة وعائشة، هن أفضل نساء هذه الأمة، وبين أهل العلم خلافٌ، وإن كان ليس خلافًا شائعًا زمن الصحابة، لكنه مذكورٌ عن المتقدمين، واشتغل به المتأخرون في أفضل هؤلاء الثلاث، فقوم فضلوا عائشة؛ لأحاديث وردت في ذلك؛ كقوله في "الصحيح" وغيره: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام [26]، وكقول عائشة رضي الله تعالى عنها لما جاءت امرأةٌ فقال النبي ، والحديث في الصحيح": اللهم هالة بنت خويلد [27]، وهي أخت خديجة رضي الله عنهما، فقالت عائشة رضي الله عنها وأصابتها غيرةٌ: "وما تذكر من عجوزٍ من عجائز قريشٍ، ثم قالت: أبدلك الله خيرًا منها؟!" [28]، تعني نفسها.

قيل: فإن النبي  لم يذكر غير ذلك، وهذا بعيدٌ في الاستدلال؛ فإنه جاء في "مسند الإمام أحمد" وغيره أن النبي راجع عائشة في قولها [29].

ثم إذا قيل: إن هذه الزيادة التي ذُكرت خارج "الصحيح"، وليست في رواية "الصحيح"، فيها وجهٌ من الإعلال، فإن المقام هنا ليس على مقام الإقرار، وإنما هي غيرةٌ من أم المؤمنين، وإلا فأصل كلامها وأوصافها التي قالتها إنما قالتها غيرةً، رضي الله تعالى عنها؛ وعليه: لا يقال: إن هذا الحديث صريحٌ؛ لأن بعض المتأخرين جعله صريحًا في تفضيل عائشة رضي الله عنها، ومن أهل العلم من قال بأن أفضلهن: خديجة رضي الله عنها، ومن أهل العلم من قال بأن أفضلهن: فاطمة رضي الله عنها، وهي بنت الرسول .

وفاطمة رضي الله عنها، جاء فيها من الوصف في سنة النبي ما لم يأتِ لامرأةٍ غيرها، فيما يظهر من الحال؛ كقول النبي لها -أي لفاطمة- لما سارَّها فبكت، ثم سارَّها فضحكت، وكتمت سر النبي ، فلما توفي الرسول ، سألتها عائشة عن ذلك، وكانت حاضرةً ذلك المجلس، فقالت فاطمة رضي الله عنها: أمَّا حين سارَّني فبكيت، فإنه أخبرني بقرب أجله، وأن جبريل عارضه القرآن في هذه السنة مرتين، وأما حين سارَّني فضحكت، فإن النبي قال لها عليه الصلاة والسلام: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين؟! [30]، وفي روايةٍ: سيدة نساء هذه الأمة؟! [31].

وفي الجملة: فهؤلاء الثلاث هن أفضل نساء المسلمين، وهن: خديجة وعائشة وفاطمة، رضي الله تعالى عنهن.

فيُحفظ لأصحاب النبي ما جعل الله لهم من الفضل ومن الاصطفاء، ويُشرع الاقتداء بهم.

ومن لم يهتدِ بهدي الصحابة فإنه يضل عن دينه؛ كما قال الله جل وعلا: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

ومما جاء به هدي أئمة السنة: أن يُحفظ لآل بيت النبي ما لهم من القرابة برسول الله وما لهم من الفضل، وما لهم من الشأن الذي ذكره الله في كتابه وذكره النبي في سنته.

الأحق بالخلافة بعد رسول الله

القارئ: قال رحمه الله:

ونُثبت بعد رسول الله أولًا لأبي بكرٍ الصديق  تفضيلًا له وتقديمًا على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ، ثم لعثمان ، ثم لعلي بن أبي طالبٍ ، وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهتدون.

الشيخ: الخلافة الراشدة: هي الخلافة التي ذكرها النبي بقوله عليه الصلاة والسلام: الخلافة بعدي ثلاثون سنةً [32]، وهي المذكورة في حديث العرباض بن سارية : عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي [33]، وأولئك الخلفاء الراشدون المهديون، كما في حديث العرباض وحديث سفينة [34]، وهي في "المسند" والسنن وغيرها.

فهذه الخلافة الراشدة أجمع المسلمون عليها، أجمعوا على أن النبي له الخلفاء من بعده، والخلفاء الراشدون بإجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقدَّمهم أبو بكرٍ ، وهو الخليفة الأول، وهو خليفة رسول الله ، وبايعه المهاجرون والأنصار ، ثم بعد ذلك جاءت خلافة أمير المؤمنين عمر، ثم بعد مقتله رضي الله تعالى عنه، جاءت خلافة أمير المؤمنين عثمان  بما رجَّحه المهاجرون والأنصار ، فإن الأمر دار في آخر الأمر بينه وبين عليٍّ رضي الله عنهما، ثم رأى عبدالرحمن بن عوف أن أكثر المهاجرين والأنصار يميلون إلى خلافة عثمان ، وهذا لا ينقص عليًّا في فضله، وإنما عليٌّ إمامٌ من أخص أئمة الصحابة ، ثم بعد عثمان جاءت خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه، فهذه الخلافة هي الخلافة الراشدة.

وأما بعد ذلك فإنهم يُسمَّون "خلفاء"؛ كخلفاء بني أمية، وخلفاء بني العباس، ولكنها ليست الخلافة الراشدة التي لها خصائص شرعيةٌ، سمَّاها النبي ، وشرع اتباع ما هم عليه من الهدي والسنة، إنما بعد ذلك يكون مُلكًا؛ ولهذا صار معاوية رضي الله تعالى عنه هو أول ملوك المسلمين، وتَعلم أنه بقي بقيةٌ من الأشهُر بين إمارة معاوية، فيما عُرف بـ"عام الجماعة"، وبعد مقتل أمير المؤمنين عليٍّ، لما قتله ذلك المعثَّر من الخوارج، وهو من أعيان الضلال والمفسدين في الأرض، فقتل علي بن أبي طالبٍ ، فقُتل أمير المؤمنين عليٌّ شهيدًا على يد ذلك الفاجر، وهو عبدالرحمن بن مُلجمٍ من الخوارج.

ثم صارت هذه الأشهُر فيها بقيةٌ من إمارة الحسن بن عليٍّ رضي الله تعالى عنهما، ثم تنازل الحسن بن علي لمعاوية، رضي الله عنهم، وهذا قد أخبر به النبي بقوله: إن ابني هذا يعني الحسن، إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين [35].

وهذا الحديث وأمثاله يدل دلالةً بينةً على فضل الاجتماع، وعلى فضل اجتماع الكلمة، وعلى فضل الاعتصام بحبل الله، وأن الفرقة والشتات والخلاف بين المسلمين لا خير فيه، وأن الاجتماع على ولي الأمر من الخير، فإنه يُعلم أن معاوية رضي الله تعالى عنه من الصحابة، لكن الحسن بن عليٍّ أفضل من معاوية، ومع ذلك تنازل له؛ جمعًا لكلمة المسلمين واعتصامهم ودينهم ودمائهم وأعراضهم؛ ولهذا جاءت الشريعة متواترةً بتعظيم هذا الأصل، وهو اجتماع الكلمة، وما يكون من السمع والطاعة لولاة الأمر الذين تجتمع بهم كلمة المسلمين، وتُصان بهم الأعراض، وتُحقن بهم الدماء، وتُدرأ بهم الفتن عن البلاد والعباد.

وإذا كان الله جل وعلا قد بيَّن لعباده هذا الطريق؛ فعلى العباد أن يقتصدوا إليه، وأن يلزموه، وأن يتبعوا ما أُنزل إليهم من ربهم.

فهذه هي الخلافة الراشدة، وحصل في خلافة بني أمية أن ظهر مقامٌ من العدل المستفيض في خلافة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، وهو خليفةٌ عادلٌ، وعالمٌ فاضلٌ، وصار بعض من أدرك هذا الخير ومن بعدهم يقولون بأن عمر بن عبدالعزيز هو خامس الخلفاء، فقال الإمام أحمد وأمثاله من محققي الأئمة بِرَدِّ ذلك، ولما قيل له: يا أبا عبدالله، إن قومًا يقولون: إن عمر بن عبدالعزيز هو خامس الخلفاء، قال: ألم يقل النبي : الخلافة بعدي ثلاثون سنةً [36]؟

فبيَّن الرسول أنها على هذا القدر من الزمان، وإنما يُقال في عمر، أعني عمر بن عبدالعزيز: إنه من الملوك العادلين، ومن العلماء الصالحين، ولكن يُعلم أن معاوية رضي الله تعالى عنه صحابيٌّ، وأنه أفضل منه، لِمَا هو عليه من صحبة النبي ، وكتابته للوحي، وقربه من النبي ، وقد كان في أول أمره فقيرًا، ثم تغيرت حاله فصار ملكًا، وإلا فإن فاطمة بنت قيسٍ رضي الله تعالى عنها لما توفي زوجها؛ خطبها معاوية بن أبي سفيان، وأبو جهمٍ، وأسامة بن زيدٍ، رضي الله تعالى عنهم، فاستشارت النبي في زواجها من واحدٍ منهم، فقال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: أما معاوية فرجل تَرِبٌ ومعنى تربٍ: أنه فقيرٌ شديد الفقر، فيُقال: تربت يمينك، أي: أصابها الفقر الشديد.

فقال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت قيسٍ رضي الله عنها: أما معاوية فرجلٌ تربٌ، وأما أبو جهمٍ فرجلٌ لا يضع عصاه عن عاتقه، ولكن أسامةَ بن زيدٍ، فتزوجته رضي الله تعالى عنها، قالت: فتزوجته فاغتبطت منه [37].

المقصود: أن الله هو الذي يُقلّب أحوال العباد، وصار لمعاوية من الأحوال، وصار له من الفضل، وهو من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولكن عليًّا والحسن والحسين، ومن قبل أولئك، هم خيرٌ من معاوية، كما هو معروفٌ، ولكن يُصان أصحاب النبي عن الطعن، وما جاء في قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من شأن الحسن بن عليٍّ، لما قال: إن ابني هذا سيدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين [38].

فبان أن الاجتماع على أولي الأمر هو من المقاصد الشرعية العظيمة التي جاءت الشريعة بتعظيمها ورعايتها؛ لِمَا يقع بفوات ذلك من سفك الدماء، ومن أبواب الفتنة التي تُشرع؛ ولهذا كان مقتل أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه بابًا من الفتنة، وقبل ذلك مقتل عمر رضي الله تعالى عنه وجهًا كبيرًا من الفتنة، كما حدَّث بذلك النبي ، لما سأل عمر رضي الله تعالى عنه الصحابة عن الفتن، فحدثه أصحاب النبي ، حدثوا أمير المؤمنين عمر عما سمعوه من النبي في الفتن.

فقال عمر : "تلك تُكفّرها الصلاة والصوم والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي يذكر الفتن التي تموج موج البحر"، وهي الفتنة العامة؟ قال ح

^1 رواه البخاري: 4945.
^2 رواه البخاري: 218، بلفظ: يستتر، ومسلم: 292.
^3 رواه البخاري: 6052، ومسلم: 292.
^4 رواه مسلم: 2867.
^5 رواه البخاري: 1338، ومسلم: 2870.
^6 رواه أبو داود: 4753، وصححه الألباني.
^7 رواه مسلم: 2871، مختصرًا، وأبو داود: 4753، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار: 722، والبيهقي في شعب الإيمان: 390، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
^8 رواه الترمذي: 2460.
^9 رواه البخاري: 7422، 3194.
^10 رواه مسلم: 2818.
^11 رواه البخاري: 4949.
^12 مجموع الفتاوى (8/ 839).
^13 ديوان طرفة بن العبد (ص 27).
^14 ديوان امرئ القيس (ص 59، 96).
^15, ^35, ^38 رواه البخاري: 2704.
^16 رواه مسلم: 385.
^17 الحين بالفتح: الهلاك. خزانة الأدب لعبدالقادر البغدادي (2/ 214).
^18 رواه مسلم: 2577.
^19 رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2/ 24)، وابن أبي شيبة: 32824.
^20 رواه البخاري: 4042، من حديث عقبة بن عامر  بلفظ: "صلى رسول الله على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات".
^21 رواه مسلم: 974
^22 رواه البخاري: 1388، ومسلم: 1004.
^23 الرد على الجهمية للدارمي (ص 66)، وطبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ الأصبهاني (2/ 214).
^24 رواه البخاري: 3783، ومسلم: 75.
^25 رواه عبدالرزاق: 32213، وأحمد في فضائل الصحابة (2/ 917)، والطبراني في المعجم الكبير: 12228، والبيهقي في البعث والنشور (ص 402).
^26 رواه البخاري:3411، ومسلم: 2431.
^27 رواه مسلم: 2437.
^28 رواه البخاري: 3821، ومسلم: 2437.
^29 رواه أحمد: 24864، وقال محققو المسند: حديث صحيح.
^30 رواه النسائي في السنن الكبرى: 7041، وأبو داود الطيالسي: 1470، والحاكم: 4740، وقال: هذا إسناد صحيح.
^31 رواه البخاري: 6285، ومسلم: 2450.
^32 رواه أبو داود: 4646، والترمذي: 2375، والنسائي في السنن الكبرى: 8099، وأحمد: 21928، وقال محققو المسند: إسناده حسن.
^33 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2870، وابن ماجه: 42، وأحمد: 17144، وقال محققو المسند: حديث صحيح.
^34 رواه أبو داود: 4646، والترمذي: 2375، والنسائي في السنن الكبرى: 8099، وأحمد: 21928، والبزار: 3828، وابن حبان: 3278، بلفظ: "الخلافة في أمتي ‌ثلاثون ‌سنة.."، وقال محققو المسند: إسناده حسن.
^36 سبق تخريجه.
^37 رواه مسلم: 1480، بنحوه.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©