تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص

من قوله: "الأمن والإياس ينقلان من ملة الإسلام.." (6)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فينعقد هذا المجلس في الخامس والعشرين من شهر رجب، من سنة ثمانٍ وثلاثين وأربعمئة وألف من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها رسولِ الله الصلاةُ والسلام، في المسجد النبوي الشريف، مسجد رسول الله ، في شرح "الرسالة" للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، وأتينا على قول المصنف.

التحذير من: الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

والأمن والإياس ينقلان عن الملة، وسبيل الحق بينهما لأهل القبلة.

الشيخ: "والأمن والإياس"؛ أي: الأمن من مكر الله، واليأس من روح الله؛ وسبيل أهل القبلة وسبيل المرسلين وسبيل المؤمنين هو بينهما؛ فإن الله يُعبَد بمقام رجائه وبمقام الخوف منه، ولكن لا يبلغ الخوفُ القنوطَ من رحمته، ولا يبلغ الرجاءُ الأمنَ من مَكره، فإذا بلغ هذا المقام صار انحرافًا عن طريق المرسلين؛ الأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله ليست من طريقة المؤمنين، ولهذا تجد أن الله ذكر هذا وهذا في كتابه عن غير أهل الإيمان.

متى يخرج العبد من الإيمان؟

القارئ: قال:

ولا يَخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه.

الشيخ: "لا يَخرج العبد من الإيمان"؛ أي: لا ينتفي عنه أصل الإيمان إلا بكفره بالله، ومن أوجُه الكفر ما يكون جحودًا.

والإيمان قولٌ وعملٌ كما سيأتي في كلام الطحاوي -وإن كان فيه تنبيه-، لكن الإيمان قولٌ وعملٌ يزيد وينقص، وقد ذكر الله جل وعلا هذا الأمر في كتابه، وأن الإيمان مراتب، وأهله فيه درجات؛ فمنهم السابقون، ومنهم المقتصدون، ومنهم الظالمون لأنفسهم؛ وأولئك الظالمون لأنفسهم ومَن فوقهم جميعهم يشتركون في أصل الإيمان، لكنهم متفاضلون في تحقيقه؛ ويتضمن هذا ما جاء في قول الله جل وعلا: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32].

فهذه الآية من أبين الآيات في كتاب الله، ويأتي شرح هذه المسألة، لكنها آية بيَّنَت مراتب الناس؛ فمنهم السابقون، ومنهم المقتصدون، ومنهم مَن يكون ظالمًا لنفسه، وجميع هؤلاء هم على أصل الإيمان، والتفاضل بينهم في شُعَبه؛ فإن الإيمان شُعَبٌ كما جاء في الصحيحين وغيرهما في حديث أبي هريرة -وجاء من رواية غير أبي هريرة- عن النبي : الإيمان بِضْعٌ وسبعون أو بِضْعٌ وستون شعبة... فهو شُعَبٌ، وأنت ترى أن هذه الشُّعَب لمَّا ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام مفصَّلة -كما في رواية الإمام مسلم وغيره- قال: فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان[1]، فلما صار إماطة الأذى عن الطريق -وهو فعلٌ من الأفعال المستحبة ومن مكارم الأخلاق- من شُعَب الإيمان؛ دَلَّ ذلك على أنه ما من عمل صالح -سواء كان ظاهرًا أو باطنًا- إلا وهو داخل في اسم الإيمان، فإن الإيمان جميعُ ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأصله وقاعدته يشترك فيها أهل الإسلام.

فكل مسلم مؤمنٌ، وكل مؤمن مسلمٌ، ولا يُغلَق اسم الإيمان عن عصاة المؤمنين، وإنما هم مؤمنون باعتبار أصل الإيمان حتى ولو أَتَوا الكبائر؛ ولهذا جاء تسمية الإيمان على هذه الرتبة في مثل قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، مع إجماع أهل العلم أنه إذا أعتق مسلمًا ولو كان من أهل الكبائر والموبقات صحَّ عِتقه، بإجماع السلف وبإجماع الصحابة ، وليس من شرطه أن يكون الإيمان مستفيضًا في حاله وأن تكون المعصية خافتة في شأنه، بل حتى لو ظهر فسقه ومعصيته فإنه داخلٌ في قوله تعالى: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، ويأتي -إن شاء الله- المزيد من التفصيل لهذه المسألة.

مذهب السلف في الإيمان

القارئ: قال:

والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان.
 وإن جميع ما أنزل الله تعالى في القرآن، وجميع ما صح عن رسول الله من الشرع والبيان؛ كله حق، والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء.

الشيخ: هذه المسألة في مسمى الإيمان تُعَدُّ من مسائل الأصول، وأول خلاف عرَض بين أهل القبلة فيما هو من الأصول في هذه المسألة، وهي مسألة شريفة عظيمة القدر، وعن الخطأ فيها تفرعت أقوال الخوارج ومَن وافقهم كالوعيدية من المعتزلة في بعض موارد قولهم، وتفرعت أقوال مَن قابلهم من الطوائف ممَّن عُرفوا بالمرجئة.

ولم يقع بين أئمة الفقه وأئمة العلم من أصحاب السنة خلاف في مسائل أصول الدين البَتَّة، وإنما الخلاف وقع في مسائل الفروع، إلا ما عرض في هذه المسألة لبعض الكبار من فضلاء علماء الكوفة رحمهم الله. وأخَصهم في هذه المقالة الذي تقلدها هو حمّاد بن أبي سليمان، ثم تفرع عنها الإمام صاحب المذهب، ثم بعد ذلك تبعه مَن تبعه، ولم يكن سائر الكوفيين على هذه الطريقة؛ ولهذا لما ذكر الحافظ أبو بكر الآجُرّي في كتاب "الشريعة" أقوال أهل العلم في المسألة، وأن الأئمة من الفقهاء والمحدثين يقولون بأنه قولٌ وعملٌ؛ ذكر عن علماء وأئمة المدينة وأئمة مكة والشام وذكر عن الأمصار العراقية في ذلك الزمان ما ذكر، ولكنه عُني بذكر الأئمة من الكوفيين الذين يقولون بأن الإيمان قولٌ وعملٌ وأن العمل داخلٌ في مسمى الإيمان.

وهذا ليُبيِّن به أن هذه الطريقة التي عرضت لبعض فضلائهم وعلمائهم وفقهائهم الكبار لم تكن طريقةً لسائر الكوفيين، فإن مدرسة الكوفة في الجملة متفرعةٌ عن مدرسة عبدالله بن مسعود ، وعنه أخذ كبار أصحابه كالأسود وعلقمة وأمثال هؤلاء، ثم تفرع العلم في الكوفة وصارت من مدارس الفقه ومدارس النظر والقياس، وظهر كبارٌ من الفقهاء كالفقيه الجليل في فقهه وعلمه إبراهيم النَّخَعي، فجاء إبراهيم النَّخَعي وجماعةٌ من فقهاء الكوفة مُبيِّنين أحكام الشريعة والفقه، وهم في أصول الدين على طريقة الصحابة ، لكن عرَض في هذه المسألة لحمّاد بن أبي سليمان رحمه الله وتبعه مَن تبعه من علماء الكوفة بعد ذلك، وتأثر به أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمهم الله.

وجملة هذا الوهم في هذه المسألة: أنهم لم يجعلوا العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وهذا وهمٌ قديمٌ للمرجئة، ولكن الطريقة التي يُقرِّرها هؤلاء ليست هي الطريقة التي يُقرِّرها متكلِّمة المرجئة، بل هذه طريقةٌ دون تلك؛ ولذلك فإن الخلاف بين هؤلاء والجمهور له حقيقةٌ وليس صوريًّا محضًا ولا لفظيًّا محضًا، ولكن إذا قلت إن له حقيقة، فإن هذا لا يعني أنه خلافٌ مستطيرٌ في سائر فروع هذه المسألة وأحكامها كالخلاف الذي صار بينهم وبين متكلِّمة المرجئة؛ ولهذا عبَّر بعض المحققين -كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- بأن الخلاف أكثره لفظي، لكنه ليس لفظيًّا في سائر موارده، بل مادةٌ منه لفظيةٌ ومادةٌ منه حقيقةٌ علميةٌ.

وهذا هو التحقيق في هذا الخلاف؛ فإن البعض يُخفِّفه حتى يجعله لفظيًّا أو صوريًّا، والبعض يُبالغ في شأنه حتى يُغلِّظ على القائلين به بالأحكام المغلظة التي ما قالها السلف إلا عن أرباب البدع الذين لا ينتحلون السنة والجماعة؛ وكِلا الطريقتين غلطٌ.

الإيمان قولٌ وعملٌ

وإنما الصواب أن هذا خلافٌ فيه مادة لفظية صورية، وفيه مادة من الحقيقة العلمية؛ والسنة في ذلك أن "الإيمان قولٌ وعملٌ"، وهذه العبارة أو الجملة هي التي عبَّر بها الجمهور من كبار الفقهاء والمحدثين. وبعضهم يقول: "الإيمان قولٌ وفعلٌ" كما عبَّر به الإمام البخاري في صحيحه في أكثر النسخ التي رُوي بها الصحيح، وإن كان في بعض النسخ التي رُوي بها الصحيح أنه قال: "الإيمان قولٌ وعملٌ". وقال طائفة كالإمام الشافعي رحمه الله: "هو قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب والجنان، وعملٌ بالجوارح". وقال طائفة من أئمة السلوك والعبادة بأنه: "قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح، واتباعٌ للسنة" كما في الكلمة المأثورة عن بعض العُباد من الفقهاء الصالحين كسهل بن عبدالله التَّسْتُري وأمثاله.

فهذه الألفاظ التي رُويت عن السلف رحمهم الله في جُمَل الإيمان هي جملةٌ واحدةٌ ومُحَصَّنٌ واحدٌ، والخلاف بينها خلافٌ لفظي -أعني: بين أعيان الفقهاء والمحدثين- إلا ما كان من أمر حمّاد ومَن وافقه في المسألة التي أُشير إليها، فإن ذاك خلافٌ مختلفٌ وله حقيقةٌ كما سبق، ولكن حقيقته ليست كحقيقة الخلاف مع مغلَّظة أهل البدع الذين ليسوا على سنةٍ في أصولهم، بل لا ينتحلون السنة والجماعة، وحمّاد وأمثاله لا يُضافون إلى البدعة بل يُضافون إلى أهل السنة، وهم من علمائها وفقهائها وحُفاظها وأربابها، وإن كان وقع في قولهم هذا الوجه من الخطأ والبدعة.

فهذه جملة هذه المسألة؛ أن الإيمان قولٌ وعملٌ، والذين قالوا: "هو قولٌ وعملٌ" أرادوا قولَ القلب -وهو تصديقه-، وقولَ اللسان بما يكون من الإقرار؛ والشهادتان أصله وما يكون بعد ذلك من مُفصَّل الأقوال المشروعة -الواجبة والمستحبة-، وهو عملٌ بالقلب وعملٌ بالجوارح. وأعمال القلوب واسعة؛ منها: محبة الله، ومنها خوفه، ومنها رجاؤه، ومنها الخشوع له، والإخبات له، إلى غير ذلك من أعمال القلوب التي سُمِّيت في كتاب الله وسنة رسوله .

والأعمال التي شرعها الله كالصلاة والمناسك وغير ذلك هي داخلة في مسمى الإيمان؛ وعن هذا جاء قوله جل وعلا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، وهذه المسألةُ مسألةٌ مُحكمة من الشريعة؛ وخلاصتها أن الإيمان اسمٌ لجميع ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما من عمل من أعمال الجوارح إلا وأصله في القلب.

ولهذا؛ الوهم الذي توهم فيه سائر أصناف المرجئة لمَّا جعلوا العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، فإنه من الأوهام المخالفة للشرع والعقل، فإنه يُعلم أنه ما من عمل من أعمال الجوارح شرعه الله إلا وهو متصلٌ بالقلب، ويكون عمل القلب وتصديقه فيه ركنًا؛ كالصلاة، وكالطواف بالبيت، وكالوقوف بعرفة، إلى غير ذلك؛ ولهذا لو أن شخصًا فقد صبيًّا أو نحوه فصار يبحث عنه بين الطائفين، فإنه من حيث الصورة المجردة يعمل عمل الطائفين، أليس كذلك؟ وإذا كان عليه ركنٌ في مَنسَكه في حج أو عمرة، هل يقال إن هذه الأشواط يُعتَدُّ بها؟ الجواب: لا، بإجماع العلماء، ولم يقل أحدٌ من الفقهاء وأهل العلم أنه يُعتَدُّ بمجرد الصورة؛ لأنه ما قصد به مقام الاستجابة ومقام الشعيرة، إلى غير ذلك.

وعليه؛ فإنه لا يُتصوَّر -لا في الشرع ولا في العقل- من حيث الوقوع أن عملًا شرعه الله إلا ويكون متصلًا بالقلب، وهذا الاتصال ليس اتصالًا عارضًا بل يكون ما يقع فيه من تصديق القلب وعمله ركنًا فيه، وإن كان الفقهاء رحمهم الله إذا سمّوا مُفصَّل الأفعال اشتغلوا بترتيب أحكامها من جهة الظاهر، لكن يُعلم أنه ما من عبادة إلا والإخلاص والاستجابة والتصديق بحُكمها وبتشريعها شرطٌ فيها، وإلا لم تصح؛ ولهذا لا تقع الصلاة بمجرد الحركة، ولم تكن صلاةُ المنافقين صلاةً تُقرِّبهم إلى الله وتنهاهم عن الفحشاء والمنكر؛ فإن الصلاة كما ذكرها الله في قوله: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]، وأولئك المنافقون -كعبدالله بن أُبَيّ وأمثاله- الذين كانوا زمن النبي يُصلُّون ما يُصلُّون من الصلاة معه، ومع ذلك فإن صلاتهم لم تكن إيمانًا يُقرِّبهم إلى الله جل وعلا وإن اتفقت صورتها مع الصورة التي يُصلِّيها المسلمون، إلا أن صلاة المسلمين ليست صورةً، بل هي إيمانٌ وعبادةٌ وإخلاصٌ وتقرُّبٌ ومحبةٌ واستجابةٌ، إلى غير ذلك.

كيف يكون العمل داخلًا في مسمى الإيمان؟

وعليه؛ فإذا قيل: كيف يكون العمل داخلًا في مسمى الإيمان، وإنما الإيمان هو التصديق؟

قيل: وكيف يكون عملٌ لا تصديق فيه؟! وكيف يكون من العمل ما لا عمل فيه مع القلب؟! هذه كلها من الصور الافتراضية.

فإذا أتيت إلى الصلاة فإنها ماهية واحدة، ولا يتحقق أن تجعل تصديقها منفكًّا عن فعلها، بل هي ماهيةٌ واحدةٌ، ولا تكون صلاةً إلا بمجموعها، فمَن صدَّق بالصلاة لا يُسمى مصليًا، أليس كذلك؟ مَن صدَّق بالصلاة وآمن بها لا يُسمى مصليًا؛ ولهذا يقول الفقهاء: إما أن يتركها جَحدًا، وإما أن يتركها تهاونًا وكسلًا، فإذا كان يُعلم بالشرع والعقل أن مَن صدَّق بالصلاة لا يُسمى مصليًا، فكذلك مَن صلى ليس مصدقًا ولا مؤمنًا ولا مستجيبًا -كصلاة عبدالله بن أُبَيّ وأمثاله من المنافقين النفاق الأكبر-؛ فهؤلاء ليسوا من أهل صلاة المؤمنين.

فإذا تحقق لك ذلك؛ بانَ أن الصلاة التي شرعها الله هي تصديقٌ وعملٌ في القلب وعملٌ في الجوارح، وإذا انفكت عن أحد هذه الأركان لم تكن الصلاة التي شرعها الله.

وعليه؛ فإذا قيل: كيف تكون الأعمال داخلةٌ في مسمى الإيمان؟

وهل في الشريعة عملٌ لا يتصل به التصديق ويكون ركنًا؟! وهل في الشريعة عملٌ لا تتصل به أعمال القلوب وتكون فيه ركنًا؟! هذا ليس له مثالٌ صحيحٌ وليس له مثالٌ واقعٌ.

ومَن أخرج الصلاة عن كونها داخلةً في مسمى الإيمان؛ أخرج تصديقها ولا بُدَّ، لأنه ركنٌ متصلٌ بها، فلا يكون إلا متناقضًا في الماهية الواحدة التي لا تقبل الانقسام.

وعليه؛ فإن الصلاة وأمثالها وجميع الشعائر هي داخلةٌ في مسمى الإيمان، وهذا صريحٌ في كلام الله ورسوله؛ ولهذا جاء في الصحيحين في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، وأصله جاء من رواية أخرجها مسلم وغيره من رواية أبي سعيد ، وأخرجه الشيخان وغيرهما من رواية عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، من حديث أبي جمرة نصر بن عمران، قال: كنت أُترجِم بين يدي عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، فأتته امرأةٌ تسأله عن نبيذ الجَرّ، فقال لها -يعني: ابن عباس رضي الله عنهما-: إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله ، فقالوا: يا رسول الله، إنا حَيٌّ من ربيعة، وبيننا وبينك كفارُ مُضَر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا بشهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ فَصْلٍ نُخبِر به مَن وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به، فقال النبي : آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ...، ثم قال لهم: آمركم بالإيمان...، وانظر إلى قوله عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الوفد الذين سألوا عن أصل الدين وعمَّا يُنجِّيهم عند الله جل وعلا، قال: آمركم بالإيمان بالله وحده، ثم قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُؤَدُّوا الخُمس من المَغنم، ونهاهم عن الدُّبَّاء والحَنْتَم والمُزفَّت والمُقَيَّر[2].

الشاهد في ذلك: أن هذا الحديث الذي عُرف عند أهل العلم بـ"حديث وفد عبد القيس"، وهو حديثٌ متفقٌ على صحته بين المحدثين، أخرجه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وغيرهم، وقد أخرجه الشيخان وغيرهما، وهذا الحديث المتفق على صحته بيِّنٌ وصريحٌ في أن الصلاة وأمثالها داخلةٌ في مسمى الإيمان، فإنه قال لهم عليه الصلاة والسلام: آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ؛ آمركم بالإيمان بالله وحده...، ثم سألهم وَهُم أهل إيمانٍ من قبل؛ لأنهم جاؤوا وقد دخل فيهم الإسلام من قبل، وإنما سألوا عن مُفصَّلٍ من الأحوال؛ وقال: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان...؛ فجعل هذه المباني إيمانًا.

وسماها عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر؛ في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في ذكر مباني الإسلام، المتفق على صحته عند الشيخين وغيرهما؛ قال : بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان[3].

فأنت ترى أن الرسول في الأحاديث الصحاح المتفق عليها بين المحدثين تارةً يسمي هذه الشعائر إيمانًا، وتارةً يسميها إسلامًا؛ فعُلم بذلك أنها إيمان وإسلام، وأن اسم الإيمان اسمٌ لجميع ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وأن اسم الإسلام -على الإطلاق والعموم- كذلك اسمٌ لِمَا شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

ومَن قال من متأخري العلماء بأن اسم الإسلام درجة دون درجة الإيمان؛ فهذا وهمٌ في سائر الموارد، وإنما يقع ذلك في بعض السياقات، وإلا إذا استحكم ذكر الإسلام بشُعَبِه وشعائره صار مقارِنًا للإيمان مطابقًا له، ولهذا سمَّى الله به خاصة الرسل عليهم الصلاة والسلام.

قال الله جل وعلا: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران:67]؛ فهذا الإسلام الذي وصف الله به خليله ورسوله إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو أشرف مقامات العبودية، وهو تحقيق الإيمان؛ ولهذا يُعلم أن الإسلام إذا حُقِّق صار هو المطابق لاسم الإيمان المحقَّق، وإن كان الإسلام يقع ما دون ذلك والإيمان يقع دون ذلك، لكن غَلَبَ اسم الإسلام على الأعمال الظاهرة، ولهذا صار يُسمى به كل مَن أظهر الشعائر، ويكون الإيمان على التزكية في بعض المقامات؛ ولذلك جاء في الصحيحين وغيرهما في حديث سعد قال: قَسَمَ رسولُ الله قَسْمًا، وقلت: يا رسول الله، أعطِ فلانًا فإنه مؤمنٌ، فقال النبي : أو مسلم، قال: أقولها ثلاثًا، ويُردِّدها عليَّ ثلاثًا: أو مسلم، ثم قال: إني لأعطي الرجلَ، وغيرُه أَحَبُّ إليَّ منه مخافةَ أن يُكِبَّه الله في النار[4].

فهذا الرجل الذي ذُكر في حديث سعد هو من المؤمنين ومن المسلمين، لكن لما كان المقام مقامَ قَسْمٍ ومالٍ لم يكن هَدي رسول الله ولم تكن سنته أن تُغلَّب التزكية إلى ما في القلب، والله جل وعلا يقول: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32]؛ فهذا من تأديب المسلمين، وإلا فإن هذا الرجل معه الإيمان ومعه الإسلام، لكن إذا ذُكر على سبيل الشهادة وأحكام الدنيا قيل هو من المسلمين؛ ولهذا يقول الفقهاء رحمهم الله في أحكام الشهادات بأنها شهادة ذوي عدل من المسلمين، وإنما يُذكر الإيمان في مقام أحكام الآخرة وفيما شرع الله من الأحكام.

والنتيجة هنا: أن الإيمان قولٌ وعملٌ، وأن ما شرع الله ورسوله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة داخلٌ في مسمى الإيمان؛ ولهذا إذا ذكر اللهُ المؤمنين وصفهم بالأعمال الظاهرة والباطنة؛ كما في قوله جل وعلا: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ۝الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ۝وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ۝وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ۝ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ [المؤمنون:1-5] إلى غير ذلك؛ فترى هذه الشعائر فيها الشعائر الظاهرة وفيها الشعائر الباطنة، بل إنه ما من شعيرة باطنة إلا وتستلزم أو تتضمن شعيرة ظاهرة، وما من شعيرة ظاهرة إلا وتستلزم أو تتضمن شعيرة باطنة، ولا ينفك الظاهر عن الباطن.

القارئ: قال:

وإن جميع ما أنزل الله تعالى في القرآن، وجميع ما صحَّ عن رسول الله من الشرع والبيان؛ كله حق.

الشيخ: وعليه؛ فقول الطحاوي رحمه الله: "والإيمان واحد وأهله في أصله سواء" هذا القول ليس مُحكمًا، وليس هو القول الذي عبَّر به في هذه المسألة أئمةُ السلف، وإنما يقال: الإيمان قولٌ وعملٌ، والإيمان له أصلٌ وكمالٌ، والإيمان يزيد وينقص.

والمؤمنون يتفاضلون في إيمانهم؛ فمنهم المقتصدون، ومنهم السابقون، ومنهم الظالمون لأنفسهم؛ كما ذكر الله ذلك في كتابه في مثل قوله: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32]، وكما ذُكرت حالهم في سورة "التوبة"، وميَّز الله حال العصاة عن حال المنافقين، وأولئك العصاة هم الذين ذكرهم الله في مثل قوله: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [التوبة:102]، وفي مثل قوله: وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ [التوبة:106]؛ فهؤلاء هم أهلُ إسلامٍ وأهلُ إيمانٍ في الأصل، وقال الله في كتابه: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14]؛ فمَن حقَّق أصل الدين سُمي مسلمًا وإن كان يُسمى مؤمنًا باعتبار، ولا يُتصوَّر أن يقع الإسلام إلا ومعه إيمانٌ، وإلا كان نفاقًا.

تفاوت أهل الإيمان في أصل الإيمان

القارئ: قال:

والإيمان واحدٌ، وأهله في أصله سواء، والتفاضل بينهم بالتقوى ومخالفة الهوى.

الشيخ: "والتفاضل بينهم بالتقوى"؛ أراد أن يتقي مسألة التفاضل بالإيمان، لأنه جعله واحدًا على طريقة أولئك الفقهاء من أهل الكوفة، والصحيح أن التفاضل بين المسلمين والمؤمنين يكون بالتقوى والبِر ويكون بالإيمان، فإنهم يتفاضلون في صلاتهم ويتفاضلون في عباداتهم، بل حتى إذا قيل إن الإيمان هو التصديق؛ فإن التصديق فيه تفاضلٌ: من جهة أحكامه، ومن جهة علمه، ومن جهة طمأنينته. فاليقين والتصديق الذي في قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وفي قلب عيسى بن مريم، وفي قلب نبينا محمد ؛ ليس هو اليقين الذي في قلوب آحاد المسلمين من أتباعهم، وإن كان أولئك على اليقين، لكن ذلك اليقين أبلغ درجة عند الله .

وعن هذا كان النبي يقول: نحن أحق بالشك من إبراهيم في قوله تعالى: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:260][5]؛ وهذه كلمة من النبي تريد أن الشك من إبراهيم هو من أبلغ الممتنِعات، وهذا أسلوبٌ معروف في كلام العرب، فإنه تعليق الأمر الذي قد يُتصوَّر أنه يوجد على أمر ممتنِع، فيَبين أنه ممتنِعٌ، فإذا كان المؤمنون يعلمون امتناع الشك من نبيهم ، فإن ذلك الامتناع يتحقق في نبي الله إبراهيم ، وهذا هو المقصود من هذه الكلمة وتفسيرها الذي جاء في حديث: نحن أحق بالشك من إبراهيم؛ ليس المقصود أن إبراهيم  وقع منه الشك، وإنما المقصود أن الشك من نبي الله إبراهيم هو من الممتنِعات، وهذا أبلغ من لو جاء الحديث أن إبراهيم لم يَشُك؛ لأنه لو جاء هكذا لَصار نفيًا، والنفي لا يستلزم الامتناع، لكن الحديث جاء بصيغة الامتناع.

وهذا كعذاب الله الذي توعد به الكفار؛ فإنه تارةً يأتي نفيًا، وتارةً يأتي على سبيل الامتناع؛ ومن أوجُه الامتناع ما ذكره الله في سورة "الأعراف": إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف:40]؛ فهذا نفيٌ، قوله تعالى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ هذا نفيٌ، ثم ذكر الله بعد النفي مقام الامتناع؛ جاء الامتناع بقوله تعالى: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]؛ فقوله تعالى: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ هذا أبلغ، وهذا شأنٌ معروف في كلام العرب؛ وهو أنهم يُعلِّقون الشيء الذي قد يُتصوَّر وجوده على ما يُعلم امتناعه، فيُعلم أن الأول صار ممتنِعًا على حُكم الثاني.

 ومنه في شعرهم ما جاء في شعر بعض العرب كقوله:

إذا شابَ الغرابُ أتيتُ أهلي[6] .................................

 وكقولهم:

................................... إِذا ما القارِظُ العَنَزِيُّ آبا[7]

فهذه مضت مثلًا عند العرب أنها من الممتنِعات، وأن الغراب لا يشيب عند العرب، فلما صار هذا يعُدُّونه في الممتنِعات الكونيات صاروا يضربون به المثل في تركهم للأمر؛ فهذا جاء في قول الله: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]؛ سواء فُسِّر الْجَمَلُ هنا بحبل السفينة أو فُسِّر بالحيوان المعروف، فإن دخوله في سَمِّ الْخِيَاطِ لا يقال إنه منفيٌ، بل يقال إنه ممتنِع، فكذلك الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها صار دخولهم الجنة ممتنِعًا: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، ولو وقف الخطاب على قوله: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لكان نفيًا، وخبر الله على التصديق التام، لكن بيَّن الله التغليظَ عليهم وحَمْلَ الأمر على الامتناع وإن كان الله في خبره على التصديق التام: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، لكن هذا من مقام التنكيل في وعيدهم؛ قال تعالى: وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، ثم جاء قوله تعالى في تمام هذه الجملة: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، فصار قوله بيانًا للامتناع ولم يكن نفيًا، وهذا من بيان وعيد الله جل وعلا لمَن كذب بآياته واستكبر عنها.

والمقصود هنا: أن الله بيَّن في كلامه، وفي كلام نبيه الذي أوحاه الله إليه، وآتاه الحكمة البالغة التي لم يُؤتِها نبيًّا قبله من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام؛ بيَّن ما كان من أمر هذا الدين وشعائره، وأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن الدين هو ما شرعه الله سبحانه.

أنواع الأسماء الشرعية التي سمى الله بها عباده

وما من اسم من الأسماء الشرعية ويكون اسمًا عامًّا إلا وكل شعائر الإسلام وجميع شعائر الإيمان تكون داخلةً في هذا الاسم؛ فإن الأسماء الشرعية على نوعين، وهذه مسألة مهمة وشريفة في فقه التوحيد والإيمان؛ الأسماء الشرعية التي سمى الله بها عباده المؤمنين كقوله : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111]، ثم سمى الله أسماءهم فقال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:112]، وجاء في مثل قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ [الأحزاب:35] إلى غير ذلك.

فهذه الأسماء الشرعية على نوعين؛ منها ما يكون خاصًّا في عمل، ومنها ما يكون عامًّا:

فالاسم الخاص في عملٍ كـ"الراكعين" و"الساجدين"؛ فهذا من الأسماء الخاصة.

وأما الاسم العام فهو كـ"القانتين" و"الحامدين"؛ فهذا يُعَدُّ من الأسماء العامة، وكذلك اسم "المتقين"، وكذلك اسم "المؤمنين"، وكذلك اسم "المسلمين"، هذه أسماء عامة؛ فهذه الأسماء العامة يدخل في كل اسم منها جميع الشعائر الظاهرة والباطنة، فما من شعيرة من الدين -ظاهرة أو باطنة- إلا وهي من مقام حمد الله، وما من شعيرة من الدين إلا وهي من مقام القنوت لله، وما من شعيرة من الدين إلا وهي من مقام الإيمان، وما من شعيرة من الدين إلا وهي من مقام الإسلام، وهكذا.

وإذا كان كذلك؛ فتنوُّع هذه الأسماء في كتاب الله باعتبار المطابقة والتضمن، فبعض الأسماء وبعض الأفعال تُضاف إلى مقام الحمد أكثر من غيره، وبعضها تُضاف إلى مقام الإسلام أكثر، ولكن ما من عمل يكون حمدًا ودينًا إلا وهو إسلام وإلا وهو إيمان وإلا وهو قنوت؛ ولهذا وصف الله الأنبياء على اسم الفاعل؛ أي: بصيغة اسم الفاعل بجملةٍ من هذه المقامات؛ كقول الله : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل:120]؛ فقوله جل وعلا: قَانِتًا دخلت فيه جميع أعمال إبراهيم ؛ فصلاتُه، وإيمانُه، وتقواه، وحَجُّه، وبِرُّه، وأعمالُه الصالحة جميعُها داخلةٌ في كونه عليه الصلاة والسلام قانتًا، وهكذا إذا سمى الله به نبيًّا من الأنبياء باسم آخر، فكُلُّ اسمٍ من الأسماء العامة يتضمن جميع الشرائع.

وهذه الأسماء هي الأسماء الشرعية التي شرع الله لعباده أن يتخذوها قُربة بين يديه، وأن يعملوا في تحقيقها؛ في تحقيق اسم التقوى والقنوت والخشوع والحمد، إلى غير ذلك من مقامات العبودية، وما من اسم منها إلا وهو مقامٌ شريف من مقامات العبودية. لكنك تعلم أن مقامات العبودية ليست مقامات ينفَكُّ بعضها عن بعض، بل كل مقام يتصل بالمقام الآخر حتى يتحقق المقام الأعظم من هذه المقامات؛ وهو مقام الحمد الذي أثنى الله على أهله، وهم أهل الحمد وأهل التحقيق وأهل اليقين وأهل الصدق، وكل اسم من هذه الأسماء يتضمن الاسم الآخر أو يستلزمه نوعُ التزام.

ثبوت الولاية لجميع المؤمنين

 القارئ: قال:

والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن، وأَكْرَمُهم أَطْوَعُهم وأَتْبَعُهم للقرآن.

الشيخ: أولياء الله هم مَن ذكرهم الله في قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ۝الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]. ولهذا؛ الولاية في الإسلام -أعني: ولاية الله، وأن هذا العبد يُعَدُّ من أولياء الله- ليست عملًا يُورَث، ولا اسمًا يسميه الناس، ولا ترشيحًا يرشحه الناس، ولا تواطؤًا يتواطأ الناس عليه، بل أولياء الله عملهم بينهم وبين ربهم ، وقد يكون من أولياء الله ومن أعظم الصالحين عند الله مَن قد يكون خفيًّا عند الناس؛ ولهذا جاء في الصحيح وغيره عن النبي قال: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي[8].

وما من مسلم من المسلمين إلا وله من ولاية الله بقدر إسلامه وإيمانه، فإن ولاية الله تبعٌ للإيمان، وكل مَن أسلم لله  فمعه من مقام ولاية الله جل وعلا ومن مقام الإيمان بقدر ما معه من تحقيقه لهذا الأصل الشريف.

والولاية تتفاضل كما أن الإيمان يتفاضل؛ فكما أن المؤمنين يتفاضلون في إيمانهم، فهم كذلك يتفاضلون في ولايتهم؛ أي: في كونهم أولياء، فإن الولاية تبعٌ للإيمان؛ كما قال الله : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ...، أولياء الله مَن هم؟ في تمام الآية بيان ذلك: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، هم مَن آمن بالله، واتقى الله في سره وعلانيته، ولزم شرع الله، وعَبَدَ اللهَ صدقًا ومحبةً ويقينًا وخوفًا ورجاءً، فهؤلاء هم أهل ولاية الله، وهم أولياء الله.

ولم يكن من هَدي الصحابة بل ولا في دين جميع الأنبياء والمرسلين أن الأولياء يُعيَّنون بألقابٍ خاصة بهم، أو يُسمَّون على الاختصاص، أو يَنْصبهم الناسُ أولياء إما في حياتهم أو بعد مماتهم؛ ولهذا إذا نظرتَ في جيل الصحابة وفي علماء التابعين من بعدهم؛ لم يكن شائعًا بينهم أن يُسمُّوا فلانًا بأنه من الأولياء وأن فلانًا ليس من الأولياء، أو أن هذا هو الولي، أو أنه وليُّ هذا الزمان، أو أنه وليُّ هذه القرية أو هذه المدينة أو هذه البلدة؛ بل أولياء الله هم أهل طاعته، وهم أهل الإيمان به، وإنما كانوا يُسمَّون بالأفعال الاكتسابية؛ كتسمية الفقيه فقيهًا، وكتسمية المحدث محدثًا، وكتسمية عالم اللغة عالمًا في اللغة.

وأما ولاية الله ؛ فكل مسلم من المسلمين معه من ولاية الله بقدر إسلامه وبقدر إيمانه، لأن الله لمَّا ذكر الولاية في كتابه جعلها تابعةً ونتيجةً لإيمان العبد وتقواه، وهذه آيةٌ بينة في حقيقة ولاية الله: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ۝الَّذِينَ آمَنُوا، فكل مؤمن له من ولاية الله بقدر إيمانه، والصحابة هم سادات الأولياء بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وأعظم أولياء الله هم أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، وأعظمهم ولايةً وفضلًا ومقامًا وشرفًا عند الله هو نبينا محمد ، وهو سيدنا ورسولنا، وهو سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام، وصحابة رسول الله ولا سيما الكبار منهم الذين لهم قدم صدق مستفيض في المسلمين، وإن كان جميع الصحابة على هذه القدم؛ منهم مَن أثنى الله عليه وعلى شأنه، وسُمِّيت أحوالٌ لهم في القرآن، وإن كان وقع في كتاب الله الثناء على جملتهم، لكن لِخَاصَّتهم، وأَخَصُّهم أبو بكر الصدِّيق صاحب رسول الذي قال الله فيه: إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40]، فالله كان معهم المعيةَ الخاصة بحفظه ونصره وتأييده لعبده ورسوله.

ولذلك؛ الصدِّيق الذي لقَّبه رسول الله بهذا اللقب، والذي ذكره الله في حق مريم عليها الصلاة والسلام لمَّا قال الله جل وعلا: وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [المائدة:75]، فمريم  صدِّيقة، وأبو بكر صدِّيق، رضي الله عنهم أجمعين، وكذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي بن أبي طالب، وكذلك أمهات المؤمنين أزواج رسول الله ، وكذلك بنات رسول الله ، وأَخَصُّهم في الفضل والمقام فاطمة رضي الله تعالى عنها التي ذكرها النبي في مقامٍ عظيم؛ كما جاء في الصحيح وغيره لما قال لها: أمَا ترضَينَ أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة[9]، وفي رواية: أمَا ترضَينَ أن تكوني سيدة نساء العالمين[10]؛ فهي من أخص أولياء الله، وكذلك بقية الصحابة  هم من أهل ولاية الله.

وجاء بعدهم أئمة الإسلام من الفقهاء والمحدثين والعُباد والصالحين؛ ومنهم الأئمة الأربعة: وهم أبو حنيفة، ومالك بن أنس، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل؛ فهؤلاء هم من أولياء الله ، وعُرفت ولايتهم باستفاضة حالهم في المسلمين، فإن النبي قال: مَن أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومَن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار[11]، وهؤلاء قد استفاض في المسلمين علمهم وصدقهم وديانتهم وتقواهم، جعلنا الله وإياكم من أهل الاستقامة ومن أهل ولاية الله .

ثم هذا الولي من أولياء الله حقُّه محبتُه، سواء كان حيًّا أو ميتًا، ولا يتعلق به لا خوفٌ ولا رجاء، ولا يُصدَّق في جميع ما يقول، بل يُعرض كل قولِ قائل من القائلين على كتاب الله وسنة نبيه ، كما كان أئمة العلم يقولون ذلك، وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يدرِّس في هذا المسجد الشريف، وهو إمام دار الهجرة ، وهو يقول: "ما من أحد إلا ويُؤخذ من قوله ويُترك، إلا صاحب هذا القبر"؛ يعني: رسول الله .

والعدل والوسطية ما دخلت في شيءٍ إلا زانته، والرفق في العلم وفي العمل وفي الحكمة وفي التصرف ما دخل في شيءٍ إلا زانه؛ وجاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: مَن يُحرَم الرفق يُحرَم الخير[12]، وقال: إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه[13]، وقال ربنا  في كتابه: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143]، ومن الوسطيةِ المشروعةِ الوسطيةُ في أمر الأولياء، فالأولياء لهم المحبة، بل المحبة مشروعةٌ لجميع المسلمين ولجميع عباد الله المؤمنين؛ وقال نبينا  كما في الصحيح وغيره: لا يُؤمن أحدُكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه[14].

ولكن مَن كان له قدم صدق في الإسلام من علماء المسلمين وفقهائهم وعُبادهم وصالحيهم؛ فلهم من الإجلال والمحبة والفضل والثناء والدعاء والخير ما يناسب حالهم، لكن ذلك لا يجعل لهم من الأحوال التي تخرج عن هذا الهَدي وعن هذه السنة إلى الغلو في شأنهم، وإنما يُقتصد في هذا الأمر على ما جاءت به سنة رسول الله ، وقد يكون العبد ليس معروفًا بولايته عند الناس ولم يستفِض له شأنٌ، لكنه عند الله من أعظم أوليائه، فهذا يقع في بعض أحوال عباد الله، وهم الذين ذكرهم النبي بقوله: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي[15].

أركان الإيمان

القارئ: قال:

وإن الإيمان: هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره وحُلوه ومُرّه من الله تعالى.

الشيخ: هذا من فقه أبي جعفر الطحاوي رحمه الله، فإنه لما ذكر الإيمان وذكر الجملة التي سبق المراجعة فيها، ذكر بعد ذلك جملةً مُحكمةً، فهذه الجملة التالية جملة محكمةٌ لأنها جملة شرعية؛ أي: منقولة عن الشريعة؛ وهي أن الإيمان وأن عقيدة المسلمين، والعقيدة التي كان عليها الصحابة ، وكان عليها الأئمة كالإمام مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأمثالهم من علماء المسلمين وفقهائهم؛ هي: "الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره"، وهذا هو الإيمان الذي ذُكر في حديث جبريل المتفق على صحته؛ الإيمان هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره؛ فهذه الأصول جامعة لشعائر الدين كلها ظاهرها وباطنها.

وإن كان كل أصل من هذه الأصول يكون متضمِّنًا أو مستلزمًا لغيره. ولهذا؛ الأصل الأول -وهو أشرفها: وهو الإيمان بالله- دخل فيه جميع الدين، فإن الإيمان بالملائكة هو من الإيمان بالله؛ لأنه تصديقٌ لله في خبره عنهم، وكذلك الإيمان بالأنبياء هو الإيمان بالله، إلى غير ذلك.

وقد بنى الإمام ابن تيمية رحمه الله رسالتَه التي كتبها في الاعتقاد التي سُميت بـ"الرسالة الواسطية" على هذه المقدمة الشرعية التي ذُكرت في كتاب الله وسنة نبيه ، وهي رسالةٌ فاضلةٌ مناسبةٌ لعموم المسلمين؛ قال فيها الشيخ رحمه الله: "الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد: فهذا اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة أهل السنة والجماعة؛ وهو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره..."، ثم قال: "وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله..."، ثم فصَّل بعد ذلك.

فهذه العقيدة مبنيةٌ على الأصل الشريف في أصول الإيمان، وهي الأصول التي ذُكرت في الكتاب والسنة، ودائمًا يقال للمسلمين بأن عقيدتهم وأن دينهم وأن شريعتهم وأن أخلاقهم وأن هَديهم وأن سلوكهم هو في كتاب الله، وهذا الذي دَرَج عليه المحققون من علماء المسلمين من عصر الصحابة إلى يومنا هذا؛ وهو الدعوة إلى لزوم كتاب الله وسنة رسول الله ، وكتاب الله هو الذي يهدي للتي هي أقوم، وهو الذي فيه البشارة للمؤمنين، وفيه السكينة لهم؛ كما قال الله جل وعلا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

فمَن أراد أن يعرف الدين في عقيدته، وفي أصوله، وفي قواعده، وفي تشريعه، وفي أخلاقه، وفي عدله، وفي بِرِّه؛ فَلْيلزم كتاب الله، وَلْيلزم سنة رسول الله ، وَلْيلزم الهدي الذي كان عليه السلف الصالح من العلماء، وخاصتهم صحابة رسول الله ، وهذا هو المنهج الذي شرعه الله لنا في كتابه، فالدين في كتاب الله حتى الأخلاق. ولهذا؛ عائشة رضي الله عنها لما سُئلت عن خُلُق النبي الذي أخبر الله عنه بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]؛ قالت -كما روى مسلم وغيره-: كان خُلُقه القرآن[16].

الإيمان بالرسل أصل في الإيمان

القارئ:

ونحن مؤمنون بذلك كله، لا نفرق بين أحد من رسله، ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به.

 الشيخ: "ولا نفرق بين أحد من رسله"؛ من الدلائل الدالة على صدق دين الإسلام أن الإيمان بالرسل أصلٌ فيه؛ فلا إيمان لمَن لم يؤمن برسل الله وأنبياء الله، كإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام؛ ولهذا قال الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة:285]، فنهانا الله عن التفريق بين الرسل في الإيمان بهم، فليؤمن بجميع الرسل، وإن كان الله بيَّن أنهم متفاضلون: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، ولكن إذا كان التفضيل يقع على سبيل المجادلة أو المماراة فإن ذكره يكون مما يُنهى عنه، وهذه قاعدةٌ في الشريعة وهي من جملة قاعدة "سد الذرائع".

وقاعدة "سد الذرائع" من أشرف القواعد الشرعية، وذكرها الله في الأحكام العَقدية وفي الأحكام التشريعية؛ ومنها قوله جل وعلا: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]، ومنها قول النبي في تشريعه كما جاء في الصحيح وغيره في حديث عائشة رضي الله عنها: يا عائشة، لولا أن قومك حديثو عهدٍ بجاهلية، فأخاف أن تُنكر قلوبهم ذلك؛ لنظرت أن أجعل للبيت بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرج الناس منه، وأن أجعلها على قواعد إبراهيم[17]؛ فتركُه  لهذا الأمر هو من باب قاعدة الشريعة في ذلك.

وهي قاعدةٌ اعتبرها العلماء وأصَّلوا عليها ومضوا عليها، ويقع فيها إفراطٌ تارةً، وتفريطٌ تارةً؛ أما الإفراط فهو الغلو في استعمالها إلى قصر أحكام الشريعة عن يُسرها باسم "سد الذرائع"، فإن قواعد الشريعة لا تتعارض ولا تتمانع، فهذا وجهٌ من الإفراط والغلو في شأنها حتى تضيق بها بعض قواعد الشريعة كـ"قاعدة التيسير" ونحوها. ومن التفريط أن البعض يتقي هذه القاعدة، ويتوهم أنها من اجتهاد الفقهاء ومن تسميتهم، وأن الشريعة لا سَدَّ ولا إغلاقَ للذرائع فيها، إلى غير ذلك؛ فهذا هو من الجهل بقواعد الشريعة بل بنصوصها ومواردها.

عقيدة أهل السنة في أهل الكبائر إذا ماتوا

القارئ: قال:

وأهل الكبائر في النار لا يُخلَّدون إذا ماتوا وهم موحِّدون وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله ​​​​​​​ عارفين.

الشيخ: التوبة تجُبُّ ما قبلها، وأهل الكبائر -أي: أهل الكبائر من المسلمين- لا يُخلَّدون في النار، بل هم تحت مشيئة الرب جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]. وأهل الكبائر دَلَّت النصوص من الكتاب والسنة على أن قومًا منهم يُعذَّبون مقامًا دون مقام؛ أي: دون مقام الكفار، بل يُصيبهم مسٌّ من العذاب، وهؤلاء قد ثبت شأنهم في السنة صريحًا كما جاء في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما وغيره: أن قومًا يُعذَّبون من أهل الكبائر ثم يخرجون منها[18]، ولا يُخلَّد في النار إلا مَن كذَّب الرسل وعاندهم، واستكبر على الله ​​​​​​​ وكفر به.

وأما مَن آمن وعَبَدَ اللهَ فإن الله حرَّمه على الخلود في النار، والله يغفر لقومٍ من أهل الكبائر ولا يمسُّهم شيءٌ من العذاب؛ فقومٌ منهم يُعذَّبون، وقومٌ يُغفَر لهم وتُدركهم رحمة الله  قبل العذاب، وهؤلاء وهؤلاء موازنتهم على ما تقتضيه حكمة الرب وعدله ورحمته وفضله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]. وهذا هو التحقيق المعروف عند السلف رحمهم الله، وهو الذي دلَّت عليه النصوص، وهو يفارق ما يُسمى بقول المرجئة الواقفة، التي لا نرغب في هذا المجلس في تفصيل مقالاتها، وإنما المقصود الإشارة إلى الشريعة في ذلك وما جاءت به، وأن أهل الكبائر تحت مشيئة الله، وأنه لا يُخلَّد في النار إلا مَن كذَّب الرسل وكفر بالله ، وأما مَن آمن وعَبَدَ اللهَ فهذا -ولو وقع في بعض الكبائر والموبقات- تحت رحمة الله ومشيئته.

القارئ:

وَهُم في مشيئته وحُكمه.

الشيخ: وهذا -أعني: أهل الكبائر- مَن وافى ربَّه بكبيرته، وإلا فإن الأسباب التي تُدفع بها عقوبة الله متنوعة في الشريعة، وهي مذكورة في الكتاب والسنة؛ فهنالك أسبابٌ شرعية تفضَّل اللهُ على عباده بها؛ وأَخَصُّها التوبة التي شرعها الله واجبةً على جميع عباده: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، فالتوبة مشروعةٌ واجبةٌ، على كل مسلم أن يتوب إلى ربه، وكذلك الاستغفار، وهو مقامٌ أَخَصّ، وهو مما تُغفر به الذنوب، وكذلك المصائب المكفِّرة فإنها تكفر ما تكفره من الذنوب، وكذلك الحدود فإنها كفارات، وكذلك ما يكون من محض رحمة الله ، إلى غير ذلك من الأسباب التي تُدفع بها العقوبة. وأما مَن وافى ربَّه بكبيرته؛ فهذا تحت مشيئة الله، لا يصح أن يُقطع له بالعذاب، بل يقال فيه ما قال الله في كتابه: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

القارئ:

وَهُم في مشيئته وحُكمه؛ إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله، كما ذكر ​​​​​​​ في كتابه: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

الشيخ: مغفرتُه ورحمتُه عفوٌ وفضلٌ وكرمٌ منه جل وعلا، وعذابُه لمَن قضى عليه بالعذاب عدلٌ منه ، وقد حرَّم الله الظلم على نفسه، وجعله بين عباده محرمًا؛ وأخبر الله في كتابه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:40].

القارئ:

وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يُخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته.

الشيخ: كل مَن خرج من النار من أهل الكبائر فهم خرجوا برحمة الله، وحتى الشفاعة فإنها مقامٌ من مقامات رحمة الله، والشفاعة هنا هي شفاعة الأنبياء وشفاعة الملائكة وشفاعة الصالحين، وأَخَصُّ خَلْق الله وأعظمهم مقامًا في الشفاعة هو نبينا ، فيشفع في قوم من أهل الكبائر دخلوا النار، فيشفع غيرُه من الأنبياء، ويشفعُ الملائكة عليهم الصلاة والسلام، ويرحم اللهُ تعالى بعض عباده بمحض رحمته، فيُخرِج أقوامًا من النار لم يعملوا خيرًا قط، كما جاء في حديث أبي سعيد  وغيره في الصحيح عن رسول الله [19]، ولكن أولئك القوم هم من أهل الإسلام ومن أهل الإيمان في أصله.

القارئ:

وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى جنته، ذلك بأن الله تعالى مولى أهل معرفته، ولم يجعلهم في الدارين كأهل نُكْرته الذين خابوا في هدايته ولم ينالوا من ولايته.
 اللهم يا وليَّ الإسلام وأهله، مَسِّكنا بالإسلام حتى نلقاك به.
ونرى الصلاة خلف كل بَرٍّ وفاجرٍ من أهل القبلة وعلى مَن مات منهم.

حكم الصلاة خلف أهل المعاصي والصلاة عليهم

الشيخ: "ونرى الصلاة خلف كل بَرٍّ وفاجرٍ من أهل القبلة"؛ أي: إن المسلم يصلي خلف المسلم، ولا ينظر إلى أنه من أهل الطاعة أو من أهل المعصية، مع أن سنة النبي  جاءت بترتيب الإمامة في الصلاة، كما جاء في الحديث الثابت في الصحيح وغيره: يؤُمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله...، فهذا ينبغي للمسلمين لزومه، وأنه يُقدَّم في إمامة الصلاة مَن قدَّمه النبيُّ يؤُمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم سِلْمًا[20]، وفي رواية: هجرة، وفي رواية: إسلامًا؛ فهذه التراتيب الشرعية هي تراتيب مشروعة، وإن كانت الصلاة تصح على خلاف ذلك؛ بمعنى: لو تقدم مَن ليس هو الأقرأ وصار إمامًا لمَن هو الأقرأ أو الأفقه أو الأعلم، صحت الصلاة بإجماع المسلمين.

ومن المسائل التي يذكرها العلماء في أحكام الإمامة، ومن المسائل التي يذكرها علماء الاعتقاد في كتب الاعتقاد مثل هذه الجملة؛ وهي أن "الصلاة خلف كل بَرٍّ وفاجر"؛ وهذا من سماحة دين الإسلام ومن يُسره، أن المسلم يصلي خلف أخيه المسلم.

ومن تيسير الله أنه جعل الأرض لعباده مسجدًا، وهذا من خصائص نبينا كما ذكر ذلك في خصائصه المذكورة في حديث جابر وأبي هريرة وغيرهما: فُضِّلْتُ على الأنبياء بخمس...، وفي رواية: بسبع، ومنها: وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا[21].

فإذا أدرك المسلم الصلاة خلف أحدٍ من المسلمين صلى خلفه ولو كان فاجرًا؛ أي: لو كان من أصحاب الكبائر والمعاصي، فإن تلك الكبائر والمعاصي لا تذهب بأصل الإسلام وبأصل الإيمان، وإن كان ينبغي لزوم السنة في أن يُقدَّم الأقرأ والأعلم والأفقه في الصلاة، فهذه هي سنة رسول الله .

ولكن الشريعة جاءت بجملة من الأحكام والتراتيب التي تجمع قلوب المؤمنين وقلوب المسلمين، وتأتي بتوحيدهم وتُبعدهم عن التفرق وعن التنابذ وعن التناحر وعن التقاطع، فإن عباد الله واحد؛ ولهذا كان نبيكم في أعظم مَجمع حضره الرسول عليه الصلاة والسلام، ويُعلَم عند أهل العلم بل عند عامة المسلمين أن أعظم مَجمع حضره النبي واجتمع الناس له يستمعون لخطبته؛ هو ما كان من أمر الحج، فإنه حجَّ مع رسول الله  مئة ألف وزيادة كما ذكر ذلك الإمام الحاكم وغيره من أهل الحديث، وخطب النبي بعرفة تلك الخطبة التي ذكرها أصحابه ومنهم جابر بن عبدالله رضي الله عنهما في سياقه الطويل في حجة النبي ، وجاء في تلك الخطبة أن نبينا عليه الصلاة والسلام قال: أما بعد؛ فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا؛ ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد[22].

هذا كان في اليوم التاسع -في يوم عرفة-، ولما كان في يوم الحج الأكبر في يوم النحر -وهو اليوم العاشر- جمعهم رسول الله  وخطب فيهم، وهي خطبته عليه الصلاة والسلام في يوم الحج الأكبر، وجاءت في حديث أبي بكرة وحديث عبدالله بن عمر  في الصحيحين وغيرهما، وفيها قول النبي : أيها الناس، أيُّ بلد هذا؟ أيُّ شهر هذا؟ أيُّ يوم هذا؟[23]، حتى أنه بسؤاله عليه الصلاة والسلام ظن مَن ظن من الصحابة أنه سيُسَمِّيه بغير اسمه؛ وإنما كان ذلك حفظًا لعقولهم وتأكيدًا لاستقرارها واستماعها ووعيها وعقلها، وأنه يُؤكِّد على معالم من معالم الدين، وعلى معالم من معالم الشريعة، فلما قررهم هذا التقرير، قال: أما بعد؛ فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا....

فهذا التأكيد من النبي على جميع المسلمين من خاصتهم وعامتهم أن يُحقِّقوه، وأن يكون المسلم كما ذكره النبي : المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يُسْلِمه...[24]، وأن يكون التراحم والتعاطف بين المسلمين. وأعظم ما يجمع المسلمين أن يلزموا كتاب الله وسنة رسول الله ؛ وهذا اللزوم للكتاب والسنة: هو اجتماعهم، وهو فلاحهم، وهو فوزهم في الدنيا والآخرة.

الشهادة لمعين بالجنة أو النار

القارئ:

ولا نُنزل أحدًا منهم جنةً ولا نارًا.

الشيخ: "ولا نُنزل أحدًا منهم جنةً ولا نارًا"؛ أي: لا نشهد لمعيَّنٍ من أهل القبلة إلا مَن شهد له الرسول بالجنة، فالنبي شهد لأبي بكر ولعمر ولعثمان ولعلي ولسعد بن أبي وقاص ولأبي عبيدة عامر بن الجراح وللزبير بن العوام ونحو هؤلاء من العشرة وغيرهم، وأما مَن لم يشهد له رسول الله فيُرجى للمحسن، ويُخاف على المسيء.

القارئ:

ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق ما لم يظهر منهم شيءٌ من ذلك.

الشيخ: لا يصح لمسلم أن يرمي أخاه المسلم بما يُنافي دين الإسلام؛ كاسم الشرك والنفاق ونحو ذلك، فإن هذا من التنابز الذي نهى الله عنه. وإذا كان المسلمون قد نُهوا أن يتنابزوا بألقابٍ هي في أصلها ألقاب مشروعة، فكيف بالألقاب التي ليست مشروعة؟! وكيف بالألقاب المنافية للشرع؟!

هذه جملةٌ من الفقه ينبغي أن تُفقه وأن تُعرف؛ إذا كانت بعض الألقاب التي هي في أصلها مشروعة؛ ومعنى أنها مشروعة أي: إنها أتت بموجب اسم شرعي، ولكن إذا استُعملت هذه الألقاب على سبيل الاختصاص بحاملها وأنه يُميِّز نفسه ويُباعد غيره عن الخير بها، أو يتكثر بها، أو يطغى بها، أو يعلو بها، أو ما إلى ذلك؛ صار استعمالها منهيًّا عنه.

مثل ماذا؟ مثل المهاجرين ومثل الأنصار؛ هذا اسم شرعي، والله يقول في كتابه: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ [التوبة:100]، اسم "الأنصار" اسمٌ شرعيٌّ، واسم "المهاجرين" اسمٌ شرعيٌّ ذكره الله في كتابه، وهذا الاسم وهذا اللقب مع أنه في أصله شرعيٌّ وسببه شرعيٌّ -فهذا سببه النصرة وهذا سببه الهجرة-؛ إذا اتُّخذ على سبيل التمانع بين المسلمين صار منهيًّا عنه؛ ولهذا لما قال بعض المهاجرين في أمرٍ، وقال بعض الأنصار في أمرٍ: "يا للمهاجرين"، وقال بعضهم -وليس جميعهم-: "يا للأنصار"؛ نهاهم النبي .

فإذا كان هذا في لقب هو من حيث الأصل يعتبر مشروعًا؛ أي: التسمي به تسمية ذكرها الله في كتابه، فكيف بالألقاب المحدَثة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟! وكيف بعد ذلك -الدرجة الثالثة- بالألقاب المنافية للشرع، وهذه أبعد؛ والألقاب المنافية للشرع كأن يرمي المسلمُ أخاه المسلم بالشرك أو بالنفاق أو بما ينافي حقيقة الإسلام، أو ما ينافي صدق الإسلام، أو نحو ذلك.

وكذلك الذي بين هذا وهذا من الألقاب المحدَثة التي لا خير فيها، وإنما هي تُفرِّق ولا تجمع؛ ولذلك في هَدي أهل السنة والجماعة يقول ابن تيمية رحمه الله: ومن هَديهم أنهم ليس لهم متبوعٌ يتعصبون له إلا رسول الله . والتعصب هنا بمعنى: التمسك.

وإذا قيل: الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، فليس المقصود أنه هو وحده، بل لك أن تقول: الإمام مالك بن أنس إمام من أئمة أهل السنة، والإمام الشافعي من أئمة أهل السنة، والليث بن سعد من أئمة أهل السنة، والأوزاعي من أئمة أهل السنة، وقبل ذلك أبو بكر الصدِّيق وعمر والصحابة وهكذا، وليس في منهج أهل السنة إمامٌ يختصون به وينسبون عقيدتهم أو دينهم إليه، بل ينسبونها إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ، وهذا هو الاجتماع المشروع، الاجتماع المشروع ليس الاجتماع على شخص من الأشخاص مهما كان شأنه، وإنما الاجتماع المشروع هو الاجتماع على هَدي الرسول ، أما الأشخاص دون رسول الله ؛ فمَن كان منهم من أهل العلم والفضل حُفِظ له علمه وفضله، ولكن الفضل لا يختص به، وإنما الذي له اختصاصٌ هو مَن آتاه الله النبوة، الذي له اختصاص ولا ينطق عن الهوى ويُصدَر عن قوله؛ هو رسول الله .

فهذا هو الذي ينبغي للمؤمنين وينبغي للمسلمين؛ أن يلزموا الأسماءَ الشرعية، والأسماءُ الشرعية هي الأسماء التي سمى الله بها عباده في كتابه، وأن يتركوا الأسماء المحدَثة، والأسماء التي نُهي عنها، أو الأسماء التي تُنافي الشريعة؛ فإن هذا ليس من شأن المسلمين.

وكذلك لا ينبغي لطائفة ممَّن اختص بالعلم من المسلمين أن يستنقص مسلكًا علميًّا آخر؛ فهذا اشتغل بالفقه، وهذا اشتغل بصنعة الحديث، وهذا اشتغل بالدعوة إلى دين الإسلام أو بيان محاسن دين الإسلام وعدله وفضله، وهذا اشتغل بكذا من وجوه الخير في نفع الناس وأمر الناس؛ فكل جملةٍ من هؤلاء المسلمين على خير، ولا ينبغي لمَن كان ذا إيمان بل كان ذا عقل وحكمة أن ينتقص مقامًا على قدر مقام آخر، بل هذا من أخلاق الأمم الكتابية المنحرفة عن كتابها.

هذا الانتقاص -أن بعض أهل الخير ينتقص البعض الآخر- ليس من شأن عباد الله المؤمنين، وكان الصحابة فيهم القُرَّاء، وفيهم أصحاب السِّنَان والشأن والقيادة كخالد بن الوليد، وفيهم الشعراء كحسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة، وفيهم الفقهاء والعلماء الذين تصدروا للفتوى كمعاذ بن جبل، وفيهم الأئمة والحكماء الذين جمعوا جملة هذه الفضائل في العلم والدين كالخلفاء الراشدين، وما كان أحد يستطيل على أحد بشيءٍ عنده، ما كانوا يستطيلون على بعض، ولا يرفع أحدهم على الآخر؛ لأن الله هو الذي يتولى العباد.

أما الذين انحرفوا عن كتابهم من الأمم الكتابية فهم الذين قال الله فيهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:113]؛ يقول ابن تيمية رحمه الله: وهذا الخُلُق من أخلاق الأمم الكتابية المنحرفة عن كتابها يَعرِض مقامٌ منه على بعض أهل القبلة من المسلمين، فترى بعض مَن يشتغل بالعلم والمسائل والشريعة لا يرى مَن يشتغل بالعبادة والزهد على شيءٍ، وترى بعض مَن يشتغل بالعبادة والزهد لا يرى أصحاب العلم والمعارف على شيءٍ؛ فهذا وأمثاله مشابهةٌ لأخلاق تلك الأمم التي انحرفت عن كتابها، وذمَّهم الله فيما انحرفوا فيه، وإنما المسلمون هم على منهج الشريعة الذي ذكره الله في قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

القارئ: قال:

ونَذَرُ سرائرهم إلى الله تعالى، ولا نرى السيف على أحد.

الشيخ: "ونَذَرُ سرائرهم إلى الله"؛ لا يعلم ما في القلوب إلا الله، ومما اختص الله به  ما ذكره في كتابه بأنه وحده لا شريك له هو العليم بما في الصدور، وما في الصدور غيبٌ لا يعلمه إلا الله ، لا يعلمه الناس، هو من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وإنما أخفاه الله  عن الناس، لا أحد يعلم ما في صدور الناس إلا الله جل وعلا، والغيب يُذكر باسم الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وباسم الغيب الذي يختص الله به عن خلقه، وإن كان يقع في نفس هذا المخلوق الإدراك لما في نفسه، ولكن حتى ما في نفس المخلوق فإن الله أعلم بعبده مما في نفسه: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ [الإسراء:25]، وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة:116]؛ المقصود: أنه وحده جل وعلا هو العليم بذات الصدور.

وعليه؛ لا يجوز لأحد أن يَتَقَحَّم قلوب الناس بالتُّهَم والظنون وتأويل الكلام على غير وجهه، بل هذا من الأخلاق الباطلة المنافية للشريعة والمروءة، وأنت ترى في أمثلةٍ وقعت بين يدي النبي كحديث أسامة  في ذلك الرجل الذي كان يقاتل وهو مشرك فقتله أسامة -والحديث في الصحيحين-، فلما أدركه أسامة بالسيف قال الرجل: لا إله إلا الله، فقتله أسامة ، ثم أخبر النبي بما فعل، فقال له رسول الله : أقتلتَه بعدما قال: لا إله إلا الله؟![25]، وفي رواية: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!، فقال أسامة مخبرًا عن الحال: إنما قالها يا رسول الله تعوُّذًا؛ يعني أن الرجل كان يقاتل وهو مشرك، فلما أدركه السيف قالها حفظًا لدمه؛ وهذه حال وقرينة ظاهرة، أليس كذلك؟

لكن هذا لا يُطبَّق في أحكام الدين، الدينُ في أصله صدق بين العبد وبين الله، فرسول الله بما أوحى الله إليه أغلق هذه المادة، وأن تُعمَل القرائن في تحقيق الديانات، ومقاصد العباد فيما بينهم وبين ربهم، هذه قد تُستعمل في أمور القضاء والشهادات فيما بين الخلق، لكنها في حق الخالق وعبادته لا تصح. فقال: يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذًا، فقال له النبي أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!؛ يعني: هل شققتَ عن قلبه حتى تعلم يقينًا أنه قالها تعوُّذًا أو ليس تعوُّذًا؟ هذا محتمَل أم ليس محتمَلًا؟ هذا لا يعلمه إلا الله ، وما زال رسول الله يردُّ على أسامة : فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟![26].

ولهذا الموقف صار أسامة يتقي الدخول في قتال يكون بين المسلمين، ولهذا لما صار في خلافة علي ما صار، كتب أسامة إليه: يا أبا الحسن، لو كنتَ في شِقِّ الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمرٌ لم أره.

ووقعت حالٌ أخرى كما في حديث أبي سعيد وغيره في الصحيحين وغيرهما لما قَسَم النبي قَسْمًا -قَسَم مالًا-، وكان النبي لا يقسم بالقرابة أو بالصلة أو بالعلاقة الخاصة، وإنما كان يتألف مَن يتألف من الناس بالمال، أو يكون مصلحة لهم أو مصلحة لقومهم، أو نحو ذلك من المقاصد الشرعية، ولهذا ما كان يُقدِّم في قَسْمه كبار أصحابه كأبي بكر وعمر وأمثالهم ، فأعطى عُيَيْنة بن حِصن، وأعطى الأقرع بن حابس، وأعطى علقمة بن عُلاثة، وأعطى عباس بن مِرداس، وجعل لعباس بن مِرداس دون أولئك الثلاثة، وهؤلاء الأربعة -وهم عُيَيْنة بن حِصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن عُلاثة، وفي رواية عامر بن الطُّفَيل وعباس بن مِرداس- كانوا من وجوه العرب ، وهذا يدلُّك على أن النبي كان يَقْسم بهذا؛ أي: على المقاصد الشرعية في سياسة النبوة، حتى إنه في هذا القَسْم الذي أعطى هؤلاء الأربعة، أعطى عباس بن مِرداس دون ذلك، يعني جعل لعُيَيْنة وللأقرع ولعامر بن الطُّفَيل أو علقمة بن عُلاثة أكثر ممَّا لعباس، فعباس -وهو من وجوه العرب- راجعَ النبيَّ في ذلك، ولكن راجعه شعرًا؛ لأنه كان شاعرًا بليغَ الشعر ، فراجع النبيَّ شعرًا؛ وقال له:

أتجعلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْدِ  بين عُيَيْنةَ والأقرعِ؟
فما كان بدرٌ ولا حابسٌ يفوقانِ مِرداسَ في مَجمعِ
وما كنتُ دُونَ امرئٍ منهما ......................................

ثم النتيجة التي يخافها العباس بن مِرداس هي آخر كلمتين:

 .............................  ومَن تَخفضِ اليومَ لا يُرْفَعِ

قال: أخشى أن تستمر هذه، أن رسول الله خَفَضَكَ عنَّا فيتحدث بها العرب، وكانت العرب تتقي الخفض، لا سيما في أصل حال العرب الأولى قبل أن يتميزوا بقول الله سبحانه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

فقال للنبيِّ : "أتجعلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبَيْدِ"، ما هو العُبَيْد؟

العُبَيْد: فرسه، جاؤوا على خيلهم، وسيرجعون إلى باديتهم؛ فيقول: لا أرجع وفرسي به شيءٌ أقل مما أعطيتَ عُيَيْنة بن حِصن، قال: لأن أباه وأبا الأقرع بن حابس وعُيَيْنة بن حِصن ما كانوا أفضل من أبي مِرداس.

قال: "أتجعلُ نَهْبي"؛ أي: عَطِيَّتي.

أتجعلُ نَهْبِي ونَهْبَ العُبَيْدِ بين عُيَيْنةَ والأقرعِ؟
فما كان بدرٌ ولا حابسٌ يفوقانِ مِرداسَ في مَجمعِ
وما كنتُ دُونَ امرئٍ منهما ومَن تَخفضِ اليومَ لا يُرْفَعِ

فأتم له النبيُّ مئةً؛ أي: مئةً من الإبل كان أعطاها لعُيَيْنة وللأقرع[27]. فكان يُعطي عطاءَ مَن لا يخشى الفقر عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لم يكن يتخذ المال لنفسه.

الشاهد في ذلك: أن النبي  قَسَم قَسْمًا، وهو ذهبٌ بعثه علي بن أبي طالب من اليمن في أَديمٍ مقروظٍ لم يُحصَّل من ترابه، فقام رجلٌ غائر العينين، كما في حديث أبي سعيد ، والحديث جاء من وجوه، لكن في هذه القصة قام رجلٌ غائر العينين، مُشرِف الوَجنتين، ناشِز الجبهة، كَثّ اللحية، محلوق الرأس، مشمِّر الإزار؛ فقال: اعدل يا محمد! هذه كلمةُ كذب، أليس كذلك؟ بل هي من أبلغ الكذب؛ لأنه هو إمام العدل، فقام خالد بن الوليد -وفي روايةٍ قام عمر بن الخطاب-، وقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال رسول الله : لعله أن يكون يُصلِّي، قال: يا رسول الله، وكم من مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه! هذا موجود أم غير موجود؟ نعم، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145] كعبدالله بن أُبَيّ بن سلول، كم من مُصَلٍّ يقول بلسانه ما ليس في قلبه، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: إني لم أُومَرْ أن أنْقُبَ عن قلوب الناس ولا أن أشُقَّ بطونهم[28].

فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام في مثل هذه الوقائع التي قرائنها استدعت هذا الأمر من بعض صحابته ، ومع ذلك يُغلق عليه الصلاة والسلام هذا المقام. بل إن الله لم يجعل لحال نبيه أن يطلع على أعيان المنافقين؛ لأن الذي يحاسب هو رب العالمين؛ قال الله تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ [التوبة:101]، لَا تَعْلَمُهُمْ؛ فإذا كان هذا في حال النبي أن بعض المنافقين لم يَعْلمهم عليه الصلاة والسلام ممَّن مَرَد على النفاق ممَّن هو في المدينة أو حولها، فكيف بغير النبي ؟! وحتى مَن عَلِمهم رسولُ الله لا ترى أنه عليه الصلاة والسلام صار يُسارّ جميع الصحابة بأسمائهم، بل علَّم مَن علَّم كحذيفة بن اليمان ، ولهذا كان يلقَّب بصاحب سِرِّ رسول الله ؛ لأن هذا التفتيش عن النوايا والمقاصد والأحوال إذا ابتُلي بعض الناس به، أو ابتُلي مَن ابتُلي من المسلمين به؛ فإن هذا هو من معنى قول الله: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46].

وقد سُئل أمير المؤمنين معاوية ، وهو من الملوك، بل هو أول الملوك الذين جاؤوا بعد الخلفاء الراشدين؛ لأن مَن قبله كانوا خلفاء النبي ، أما معاوية فهو خليفةٌ بمعنى حاكم، وهو أول الملوك؛ ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله: "اتفق العلماء على أن معاوية أفضل ملوك هذه الأمة"، باعتباره صحابيًّا ، وأما مَن بعده من الملوك في الدول التي تعاقبت فليسوا من الصحابة كما هو بَدَهِيّ، فإن بعده جاء يزيد، وهو ليس من الصحابة، وفي يزيدَ مِنَ الأحوال المعروفة والظلم الذي وقع، وله مع ذلك جملةٌ من الحسنات.

المقصود هنا؛ أنه جاء في سيرة معاوية أنه قيل له: بِمَ أصبتَ هذه السياسة في قومك وفي الناس؟ قال بقول النبي : إنك إن تتبعت عورات المسلمين أفسدتَّهم، أو كدتَّ أن تُفسدهم[29]؛ التتبُّع للعورات وللزلات والتفتيش بين الناس ورمي التهم، هذا ليس من أخلاق أهل الإسلام، بل: المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يُسْلِمه...[30]. وكما في قوله : انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا[31]، وإن ما بين المسلمين إذا أخطأ بعضهم النصيحةُ؛ كما في حديث تميم أن النبي قال: الدين النصيحة، قلنا: لمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم[32].

السيف مرفوع إلا على من استحقه

القارئ:

ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد إلا مَن وجب عليه السيف.

الشيخ: "ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد إلا مَن وجب عليه السيف"؛ الحدود التي فيها السيف هي أحكامٌ مُبَيَّنةٌ في القرآن والسنة، وإلا فالأصل في دماء المسلمين التحريم؛ كما قال النبي فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام...[33]، وكما في قوله : لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة[34].

فعلى المسلم أن يتقي الدماء وأن يرفع يده عن الدماء، فإن دماء المسلمين حرَّمها الله ، وألا يَفْتَئِت على الدماء مطلقًا إلا بما قضت به الشريعة، وهي حدودٌ وشرائع محكمة بيَّنها أهل العلم، وبيَّنها قبل ذلك اللهُ في كتابه، وبيَّنها الرسول ، ومن أعظم الفتنِ الفتنُ في الدماء بالقتل والفتك والسفك، فهذا على المسلم أن يتقيه، وأن يلزم شريعة الله فيه.

أصول التعامل مع ولاة الأمر وإن جاروا

القارئ:

ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا.

الشيخ: وليُّ الأمر من المسلمين هو الذي له الولاية العامة، حرَّمت الشريعة الخروج عليه، وإنما لهم السمع والطاعة بالمعروف؛ وهذا ذُكر في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]؛ فوليُّ الأمر: هو الذي له الولاية العامة، هذا حقه السمع والطاعة، ولا يجوز منازعته في سلطانه، ولا يجوز الخروج عليه، ولا يجوز الافتِئات عليه في الأقوال ولا في الأفعال ولا في التصرفات، وإنما له الولاية العامة وله السمع العام وله الطاعة إلا في معصية الله ؛ لقول النبي إنما الطاعة في المعروف[35]، وقوله : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق[36].

لكن هذه الشعيرة أو هذا الحُكم الشرعي يذكره العلماء في مسائل الاعتقاد لاستفاضة نصوص الشريعة به، وهو أن الشريعة حرَّمت الخروج والافتِئات على وليِّ الأمر؛ لأن هذا يقع به من الفتن ويقع به من الشرور ويقع به من الفساد ما لا يعلمه إلا الله؛ فوليُّ الأمر من المسلمين حقه السمع، والطاعة، ولزوم الجماعة، وعدم الافتِئات عليه، وألَّا يُخرَج عليه لا بالأقوال ولا بالأفعال ولا بالتصرفات.

القارئ:

ولا ندعو عليهم.

الشيخ: وعلى هذا مضى سلف الأمة، وقرر ذلك العلماء في مسائل الاعتقاد، ومضى عليه هَدي الصحابة ، وجاء ذلك على هَدي مَن بعد الصحابة؛ ولهذا استقرت هذه الأحكام مُخالِفةً الطريقة التي كان عليها المعتزلة وأمثالهم ممَّن انحرف في مثل هذا الأصل.

القارئ:

ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدًا من طاعتهم.

الشيخ: ولا ننزع يدًا من طاعة بل تبقى لهم الطاعة وإن جاروا أو ظلموا أو عَصَوا، فكل وليِّ أمر من المسلمين له طاعته، وله السمع والطاعة لولايته.

السمع والطاعة لهم في المعروف

القارئ:

ونرى طاعتهم من طاعة الله ​​​​​​​ فريضةً.

 الشيخ: "طاعتهم من طاعة الله"؛ ووجه ذلك أن كل ما شرع الله فهو من طاعة الله، وهذا الأمر شرعه الله في كتابه، وشرعه النبي بمثل قوله: اسمعوا وأطيعوا وإن اسْتُعْمِل حبشيٌّ[37]؛ فهذه الشعيرة شرعها الله لنا، وشرعها النبي ؛ فكانت نتيجةً لذلك من طاعة الله.

القارئ:

ونرى طاعتهم من طاعة الله ​​​​​​​ فريضةً ما لم يأمروا بمعصية.

 الشيخ: "ما لم يأمروا بمعصية"؛ فإن الطاعة بالمعروف، ولكن حتى إذا أمر بالمعصية لا يعني ذلك أن أمره بالمعصية يكون موجِبًا للافتِئات أو الخروج عليه، بل لا يُطاع في المعصية لكن يبقى حقه في الطاعة باقيًا، ويبقى لزوم الجماعة باقيًا، ولا يكون ما أمر به من المعصية موجِبًا للافتِئات أو الخروج عليه -أي: على وليِّ أمر المسلمين-، وإنما تكون طاعته باقيةً ولزوم الجماعة مشروعًا واجبًا.

القارئ:

وندعو لهم بالصلاح والمعافاة.

الشيخ: يُدعى لهم بالصلاح والمعافاة؛ لأنه بصلاح السلطان تصلح أمور كثيرة، ومن حكمة أمير المؤمنين عثمان ما جاء في قوله : "إن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن"؛ أي: الامتناع، فبعض الناس يمنعه السلطان وإن كان يعلم أن الفعل محرم، ككثير من السُّرَّاق والمعتدين على أموال الناس أو حرماتهم أو غير ذلك، فكثيرٌ من هؤلاء يمتنعون بالسلطان ما لا يمتنعون بالقرآن لِما في نفوسهم من المعصية والظلم، ولكن يرهبون أمر السلطان؛ ولهذا لما كان أمر السلطان تُحفظ به بَيْضة المسلمين، وتُحفظ به الأعراض، وتُحفظ به الدماء؛ فالأمن يُعَدُّ من المقاصد الشرعية العظيمة.

وفي كتاب الله قال الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا [البقرة:126]، وفي الآية الأخرى: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا [إبراهيم:35]؛ فالدعاء بالأمن في البلاد هو من دعوة إبراهيم ومن هَدي الأنبياء -نسأل الله أن يجعل هذا البلد وسائر بلاد المسلمين آمنةً مطمئنةً-، وإنما تضمنت دعوة إبراهيم أن الأمن وأن حفظه من مقاصد الشرائع ودين المرسلين.

وكلما انضبط الأمن واستقر وانتظمت الحال فيه؛ كانت أحوال الناس في دينهم وفي معاشهم آمنةً مطمئنةً، بخلاف إذا انفلت وانفك الأمن؛ صار هذا من مثارات التربص والفساد والفتن في سفك الدماء وانتهاك الأعراض والتعدي على الأموال وعلى الحقوق؛ ولهذا ينبغي للعاقل وللمسلم أن يُعنى بحفظ الأمن، وأن يحافظ على الأمن، وأن تُبذل الأسباب التي يُحفظ بها الأمن.

وكذلك من أعظم الأسبابِ التي تحفظ الأمنَ الأسبابُ الشرعية؛ فالله تعالى جعل الطاعة من الأسباب التي تحفظ الأمن، فكلُّ مَن تقرَّب إلى الله ولزم شرعه آتاه الله من الأمن والسكينة؛ والله يقول في كتابه: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11]. ولهذا؛ حفظُ الدين وحفظُ الأمر بالمعروف وحفظُ الخير والدعوة إلى الخير والتراحمُ بين المسلمين والتبادلُ بين المسلمين؛ هو من أعظم ما يحفظ الأمن في بلادهم وديارهم.

لزوم الكتاب والسنة وهدي السلف

القارئ:

ونتَّبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفُرقة.

الشيخ: "ونتَّبع السنة والجماعة"؛ لا يُشرع الاتباع إلا لكتاب الله ولسنة رسول الله ، وأما مَن بعد النبي عليه الصلاة والسلام فإنهم علماء من أهل الاجتهاد، هذا إذا كان القول في علمائهم وفقهائهم، وقد يكون مَن يكون من أئمة الضلال والبدعة والخرافة والشر فهذا يُتَّقى أمره، ومَن كان من أئمة الدين والعلم والفقه كالأئمة الأربعة -وهم مالك والشافعي وأبو حنيفة والإمام أحمد-، فهؤلاء من أئمة العلم والدين والخير، يُقتدى بما هم عليه.

وقد ينتسب الواحد من المسلمين أو الجماعة أو الجملة من المسلمين إلى مذهب الإمام مالك، وهذا شائعٌ في هذه الأمة من قرون طويلة؛ ترى أن بعض أقاليم وبلاد المسلمين ينتسبون لفقه الإمام مالك، وبعضهم ينتسبون لفقه الإمام أبي حنيفة، ولفقه الإمام أحمد، ولفقه الإمام الشافعي، ونعلم أن هؤلاء الأئمة الأربعة عقيدتهم واحدة، وأن أصولهم واحدة حتى في فقههم، وهم على الكتاب والسنة والإجماع، وفي موارد من الاستدلال يختلف اجتهادهم ولكنهم لا يتفرقون على الاطراد؛ ولهذا اتفقت أقوال أحمد مع جملة من أقوال مالك تارةً، ومع جملة من أقوال أبي حنيفة تارةً، ومع جملة من أقوال الشافعي تارةً، وقُلْ ذلك في غيره، فلا تجد قولًا قال به الشافعي إلا ووافقه مالك في موارد، ووافقه أبو حنيفة في موارد، أو هو وافقهم، أو ما إلى ذلك، وكانوا في زمنهم ليسوا على مدارس، وإنما كانوا أئمة اجتهاد، وفي عصرهم من المجتهدين كالليث بن سعد والأوزاعي والثوري وغير هؤلاء من أئمة الإسلام.

فهذا الاقتداء الذي يُناسب العامة لهؤلاء الأئمة المتبوعين من أئمة السنة اقتداءٌ واسعٌ ولكنه ليس واجبًا، وليس هو الأصل أو الأفضل، وإنما الأصل والسنة هو لزوم الكتاب والسنة، لكن هؤلاء -أعني: الأئمة الأربعة- هم من أتباع السنة ومن أتباع الهَدي؛ لأن الله يقول في كتابه: فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص:50]، وهؤلاء ليسوا من أهل الأهواء بل هؤلاء الأئمة من أهل الخير ومن أهل الإيمان ومن أهل العلم؛ وعلى طالب العلم خاصةً وعلى المسلم عامةً أن يكون مقصوده الأول وعنايته الأولى هي: لزوم الكتاب والسنة، والاتباع لما جاء في كلام الله وما جاء به رسول الله ، وأن يبتعد عن الأقوال الشاذة والأقوال المنكرة والأقوال المتروكة.

وهذه الأقوال الشاذة على وجهَين؛ إما بعض الشذوذ الذي قال به أفرادٌ من الفقهاء ووُصف عند جملة الفقهاء بأنه شاذ، أو هي أقوالٌ عرضت في العصور المتأخرة. فإذا رأيت القول شاذًّا في قائله أو فيمَن انتحله فهذا ليس من عنوان التوفيق؛ لأن دين الله بَيِّن ولأن شريعة الله بَيِّنة، ولا تخفى على عامة المسلمين؛ ولهذا لا يَتحيَّز بالشاذ من الأقوال مَن كان ذا علم وفقه، وإنما الأقوال الشاذة الأصل أنها تُترك ولا تُتَّبع وتُمات ولا تُحيَا، وهذا الذي درج عليه العلماء رحمهم الله.

الموقف من أهل العدل والأمانة وأهل الجور والخيانة

القارئ: قال:

ونُحب أهل العدل والأمانة، ونُبغض أهل الجَور والخيانة.

الشيخ: المحبة والبُغض؛ قد يجتمع في الواحد من المسلمين المحبة باعتبار، والبُغض في عملٍ عمله خالف فيه شرع الله؛ فالأصل في المسلمين المحبة، أن المسلم يحب أخاه المسلم، ولكن إذا كان في هذا المسلم ما هو من الكبائر والأعمال المنافية لما شرع الله أو المحرمة أو الموبِقة؛ كُرِهَ عمله وكُرِهَ ما هو عليه من هذا الشأن، لكن هذه الكراهة فيما هو عليه من عمل لا تمنع أصل المحبة التي له باعتبار أصل دينه وإسلامه.

القارئ:

ونقول: الله أعلم فيما اشتَبه علينا عِلمُه.

الشيخ: "ونقول: الله أعلم فيما اشتَبه علينا عِلمُه"؛ هذا منهجٌ شرعي، أن المسلم إذا كان على علم مُحكَم عمل به، والعلمُ المُحكَم أوجُهٌ ودرجات. وأما إذا كان المقام مقامًا مشتبهًا، سواء كان ذلك في باب الأحكام أو في باب الأدلة أو في باب الشهادات؛ فإن الله ذكر لنا منهجًا شرعيًّا في كتابه، ولمَّا افتأت مَن افتأت من المسلمين عن هذا المنهج كثُر فيهم النزاع، وكثُرت الخصومات، وكثُر التفرق؛ وهذا المنهج الشرعي هو المذكور في قول الله جل وعلا: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]؛ فهذا قَلَّ اتقاؤه عند كثير من الناس اليوم.

ومع الأسف عَرَضَ تَرْكُ هذا الاتقاء لبعض مَن له جانب في العلم من القول بالشبهة، أو القول بالافتِئات، أو القول بالتأوُّل، وهذا خلاف الحكمة وخلاف الشريعة؛ وشريعة الله حُكمها ما ذكره الله بقوله: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86]، وهذه الآية وإن جاءت في الشفاعة إلا أنها قاعدة شرعية، أن تكون الشهادة بحقٍّ وصدقٍ وعلى مقصودٍ صحيح، وذلك ثابتٌ أيضًا فيما هو من أدنى الأعمال التي هي دون مقام الديانة.

والمقصود بأدنى الأعمال التي هي دون مقام الديانة؛ هي التي الجبران فيها سهلٌ، وهي البيوع، فإن الخسارة والربح هو من شأن البيوع، أليس كذلك؟ بل إنه يُعرف في أحكام العقود والبيوع أنه لو كان فيه ضمان للربح أو الخسارة لَمَا كان صحيحًا، أليس كذلك؟ لأن هذه التجارة لا بُدَّ أن تتضمن احتمالًا للربح أو الخسارة، ومع ذلك جعل النبي فيها قاعدةً شرعيةً؛ وهي ما جاء في حديث حكيم بن حزام في قول النبي البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا...، وهذا ما سماه الفقهاء بـ"خيار المجلس"، وهو خيارٌ ثابت في السنة.

والمقصود منه في الفقه: أنه ما دام البائع والمشتري في مجلس العقد، فإذا مضى العقد بينهما بالإيجاب والقبول، حتى لو وقَّع هذا على العقد ووقَّع هذا على العقد، ما داموا في المجلس؛ فيصح لكل واحد منهما الانفكاك عن العقد والفسخ له؛ البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا...، وهذا ما يسمى بـ"خيار المجلس".

وبعض العامة من المسلمين لا يفقهه، أو يظن أنه إذا وقَّع فالتوقيع يكون ملزمًا، لا، أصلًا إجراء التوقيع إجراءٌ لا يثبت به العقد، العقد يثبت بالإيجاب والقبول، سواء كُتب أو قيل، والأصل فيه القول، والكتابة توثيقٌ؛ ولهذا إذا أعطيتم الإيجاب والقبول في عقد البيع وتواعدتم بعد ساعات أو من الغد على أن تكتبوا؛ فهل العقد ثبت بالإيجاب والقبول أو بالكتابة؟

بالإيجاب والقبول؛ ولذلك لا يجوز لك أن تترك العقد إذا كنت بائعًا أو مشتريًا إلا برضا صاحبك؛ إما أن يقيلك، أو تمضي في عقدك. والإقالة على قولين عند الفقهاء؛ منهم مَن يقول هي فسخ، ومنهم مَن يقول هي بيع، ويترتب على ذلك آثارٌ فقهيةٌ ذكرها الفقهاء، وذكرها الحافظ ابن رجب في "القواعد" وذكرها صاحب "الإنصاف" وغيرهما.

الشاهد هنا: أن خيار المجلس خيارٌ ثابتٌ عند جمهور العلماء، ولم يعمل به مالك رحمه الله.

ثم الجملة التي جاءت بعده قال : فإن صَدَقَا وبَيَّنَا؛ بُورك لهما في بيعهما؛ قوله: صَدَقَا وبَيَّنَا هل هذا من باب التكرار بالمترادف الذي هو لمحض التأكيد؟

ليس في القرآن ولا في السنة التكرار المحض.

قال : فإن صَدَقَا وبَيَّنَا؛ الصدق يكون فيما يذكره من الأقوال، وبعض الناس يُزيِّن له الشيطان بعض الحِيلة فلا يكذب؛ أي: لا يقول كذبًا ولكن يكتم أمرًا، فإذا قلتَ له إنك كذبتَ، حلف بالله أن جميع ما قاله من الكلام صحيح، ويكون صادقًا، إن ما قاله صحيح، لكنه كتم، فهذا لم يُبيِّن؛ فإن صَدَقَا في قولهما، وبَيَّنَا حالَ الأمر؛ فهذا اختل فيه هذا الوصف -وهو وصف البيان-؛ فإن صَدَقَا وبَيَّنَا؛ بُورك لهما في بيعهما.

وكثيرٌ من الناس يتخذ الحيلة بذكر الكلمات الصادقة، ثم يحلف عليها ولكنه أخفى بعض الكلمات، فيصير هذا من باب الحِيَل، والحِيَلُ محرمة في الشريعة، بل إن مَن أتى في حدود الله بالحِيَل فحالُه في الجملة شرٌّ من حال مَن أتى الأمر على وجهه يُقِرُّ بمعصيته وبخطيئته؛ ولهذا عاقب الله تلك القرية من بني إسرائيل بما ذكره الله في قوله: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163].

الشاهد هنا: أن النبي ذكر أمر "الصدق" و"البيان" في البيوع، وقال: فإن صَدَقَا وبَيَّنَا؛ بُورك لهما في بيعهما، وإن كَذَبَا وكَتَمَا...؛ تأمَّلْ: جعلَ مقابل الصدق الكذبَ، ومقابل البيان الكتمانَ؛ والكتمانُ كثيرٌ، فبعض الناس يكذبون ويكتمون، لكن بعض النفوس الفاضلة التي فيها رغبةٌ في الخير تتورع عن الكذب، فلا يكذب، لكنه يكتم، ويظن أن كتمانه وعدم كذبه احترافٌ وذكاءٌ؛ وهذا غير صحيح، لا يصح لك أن تعامل أحدًا بخديعة؛ ولهذا من كمال الشريعة أنها ما جعلت الخيار فقط في المجلس، بل جعلت خيارًا عُرف عند الفقهاء بـ"خيار العيب" و"خيار الغَبْن"، وحتى مَن كانت حاله دون ذلك فله خيارٌ مفتوح.

كذلك الرجل الذي يُخدع في البيوع؛ قال له النبي : مَن بايعتَ، فقل: لا خِلابَة[38]؛ فكل مَن أصابته خديعةٌ فإنه يكون على هذا القدر مما فصَّله الفقهاء في "خيار الغَبْن" و"خيار العيب" ونحو ذلك.

الشاهد في هذا أن النبي  قال: وإن كَذَبَا وكَتَمَا مُحِقَتْ بركةُ بيعِهما[39]، فإذا كان هذا التغليظ وهذا الأثر في أحكام البيوع؛ فكيف بأحكام الدين؟

ولهذا؛ من فقه الإمام ابن تيمية رحمه الله لما ذكر حديث بُريدة الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ قال: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة[40]؛ مَن قضى بجهل أو عَلِمَ الحق وقضى بخلافه فهذا هو الأول والثاني، والذي في الجنة مَن عَلِمَ الحق وقضى به؛ قال ابن تيمية رحمه الله: فإذا كان هذا يقع إدراكه فيمن يقضي بين الناس في أموالهم ودمائهم، فمن باب أَولى وأعظم فيمَن يقضي بين الناس في دينهم.

إذا كان هذا يقال فيمن يقضي بين الناس في أموالهم، فمَن يقضي بين الناس في دينهم من باب أَولى وأعظم؛ لأن مقام الدين أعظم من غيره؛ ولذلك على المسلم -وعلى طالب العلم خاصةً- أن يلزم سَمْت وهَدي العلم الذي كان عليه الصحابة ، وهو السمت الذي ذكره الله عن العلماء في كتابه ووصَفهم بأنهم ربانيون، ووصَفهم بأنهم راسخون في العلم، إلى غير ذلك: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ...، ثم قال سبحانه: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ [آل عمران:7].

ومن علامات الراسخين في العلم أنهم لا يَتَقَحَّمون الأمور، وإنما يقولون بالمُحكم ويَدَعون الشُّبَه والمتشابهات، ولا يقولون على الله بغير علم، ولا يَلبسون الحق بالباطل، فإن الأخلاق التي ضَلَّ مَن ضَلَّ بها ممَّن آتاه الله علمًا من الأمم التي سبقت -الذين أوتوا كتابًا-؛ وقال الله فيهم: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، لكن ذكر الله أخلاقًا ضَلَّ مَن ضَلَّ منهم بها في الأمر العلمي؛ وهي أوجهٌ: منها كتمان العلم، ومنها القول على الله بغير علم، ومنها لَبْس الحق بالباطل، ومنها البغي بالعلم؛ هذه جِمَاعُ الشر، فمَن أوتي علمًا عليه أن يتقي: كتمان العلم، والقول على الله بغير علم، ولَبْس الحق بالباطل؛ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [البقرة:42]، والبغي بالعلم؛ أي: الاستطالة بالعلم.

ولذلك؛ ذكر ابن تيمية رحمه الله في أواخر "الواسطية" في هَدي أهل السنة والجماعة، قال: "ومن هَديهم..."، وهذا هَديٌ مشروعٌ للمسلمين في كتاب الله وسنة نبيه ، قال: "ومن هَديهم وطريقتهم تركُ الاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق"؛ حتى لو كان الإنسان على حق ووجد مسلمًا على خطيئة أو خطأ فإنه مشروعٌ في حقه الرفق، ومشروعٌ في حقه الرحمة، ومشروعٌ في حقه العدل والإنصاف، وألا يكون هذا المنكر أو الخطأ الذي وقع فيه موجبًا للتسلُّط عليه؛ ولذلكم فيما هو أبلغ من ذلك قال الله تعالى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم [العنكبوت:46]، وقال ربنا جل ذكره: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]، وإذا انتفت الرحمة في استعمال الناس؛ كَثُر فيهم التناحر والتباغض والتدابر والتقاطع؛ ولهذا قال الله لنبيه : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

ولما ذكر اللهُ الخَضِرَ؛ ذلك الرجل الصالح البَر الذي آتاه الله علمًا ولقيه موسى عليه الصلاة والسلام، قال: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف:65]؛ قال ابن تيمية رحمه الله: "فعلمٌ بلا رحمة لا ينفع، ورحمةٌ بلا علم لا تنفع؛ وإنما التحقيق"؛ أي: الرحمة بالجهل تخلط الأحكام، وكذلك العلم إذا نُزعت منه الرحمة صار طغيانًا وتسلُّطًا، والنبي كان نبيًّا مُعلِّمًا، وكان رحمةً عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال الله في صفته: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129]، وقال الله في صفته: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]؛ فهو إمام هذَين المقامَين: مقام العلم، ومقام الرحمة.

وعلى المسلمين -ولا سيما من أهل العلم وخاصة المسلمين- أن يقتدوا بنبي الله ، وبأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وبعباد الله الصالحين كالخَضِر ، الذين كانوا على هذا المقام الشريف من الجمع بين مقام الرحمة ومقام العلم ومقام العدل ومقام الإحسان.

حكم المسح على الخفين

القارئ: قال:

ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر.

الشيخ: المسح على الخفين الأصل أنه من مسائل فروع الدين؛ بمعنى أنه يُذكر في كتب الفقه، والفقهاء قاطبةً ذكروه بابًا في أحكام الطهارة "باب المسح على الخفين" أو ما يُقارب هذه العبارة، وهذا موجودٌ في جميع كتب الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة، والمسح على الخفين متواترٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام، وأجمع الفقهاء على جواز المسح على الخفين وصحة ذلك، وإن كانوا يذكرون لذلك شروطًا قد يختلفون في بعضها أو في بعض تفاصيلها، كما اختلفوا: هل مسح القدم أفضل أم غسل القدم أفضل؟ لكن من حيث الأصل والجملة؛ المسحُ على الخفين ثابت، وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثًا عن النبي .

وما المقصود بالخفين؟

ما يكون من الجلد ونحوه كالمصنعات الحديثة من البلاستيك أو الجلود أو المواد المركبة بأنواعها، ويُمشى فيه، ويكون ساترًا لجميع محل الفرض الذي يجب غسله، يعني يأتي للكعبين وما بعدهما؛ هذا يُسمى" خُفًّا".

فمَن لبسه على طهارة؛ بمعنى: توضأ ثم لبسه، سواء لبس تحته شرابًا أو لم يلبس، وأراد أن يُصلِّي، وأحدث؛ فيمسح عليه ويُصلِّي به، لكن طبعًا أصبحت مساجد المسلمين في الغالب الآن مفروشة بالفرش، وأصبح الدخول فيها بمثل هذه الخِفَاف يكون سببًا لتقذيرها، وأحوال الناس تغيرت، وأحوالهم لم تكن كحال العرب في أول أمرها.

الشاهد في ذلك: أن المسح ثابتٌ بمُتواتِرِ السنة، واتفق عليه الفقهاء، وهنالك ما يُشبه الخُف، وهو ليس الخُف، وهو ما يُسمى عند الفقهاء بـ"الجوارب"، وهذا ليس اسمًا عربيًّا، إنما كان شائعًا في بعض العصور؛ هذا هل يصح المسح عليه أو لا يصح؟

على طريقتَين للفقهاء:

  • أكثر الفقهاء لم يروا ذلك؛ لأن المسح رخصة، ولم ترد الرخصة إلا في الخُف، ولم يجعلوا فيها قياسًا، والقياس في الرخص أكثر الأئمة من فقهاء المحدثين وغيرهم يتَّقونه، القياس وإن كان دليلًا صالحًا في جملته لكنه لا يُستعمل في باب الرخص -على الراجح-، وإن كان هذا يُقيَّد في بعض الأحوال بفقه الصحابة .
  • وذهب طائفة من أهل العلم -وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله- إلى صحة المسح على الجوارب، وهذا هو القول الراجح؛ أن الجورب أو الشراب يصح المسح عليه، وسُئل الإمام أحمد عن ذلك؛ فقيل: يا أبا عبدالله، تذهب إلى المسح على الخفين؟ فقال: نعم، فيه أربعون حديثًا عن النبي ؛ يعني أربعين وجهًا من الرواية، وليس المقصود أربعين حديثًا -أي: من رواية صحابيٍّ، كُلُّ صحابيٍّ على حدة-، وإنما فيه أربعون وجهًا من الرواية، قيل: يا أبا عبدالله، تذهب إلى المسح على الجوارب؟ قال: نعم، عن تسعة من الصحابة.

وهذا يدلُّك على أن الإمام أحمد لا يرى أن الحديث في الجوارب صحيح ومحفوظ؛ لأنه جاء في حديث المغيرة أن النبي مسح على الجوربين والخفين[41] لكن هذه رواية معلولة؛ المحفوظ في حديث المغيرة في الصحيحين وغيرهما المسحُ على الخفين[42]؛ وعليه فلم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الجوارب شيءٌ، لكن حُفظ ذلك عن تسعة من الصحابة كما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله[43].

وعليه؛ فالراجح -وهذا من يُسر الشريعة- أن الجوارب -التي هي الشراب- يُمسح عليها، ولكن على شروط المسح المعروفة عند الفقهاء؛ أن يلبسها على طهارة كاملة، وأن تكون المدة يومًا وليلةً للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهنَّ للمسافر؛ كما في حديث عائشة رضي الله عنها لما سألها رجلٌ عن المسح على الخفين، قالت: عليك بابن أبي طالب فسَلْه، فإنه كان يسافر مع رسول الله [تعني: عليًّا ]، فسأل عليًّا، فقال عليٌّ : جعل رسول الله يومًا وليلةً للمقيم، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهنَّ[44].

وكذلك حديث صفوان بن عسال الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن؛ وهو في الحدث الأصغر، لا يصح في الحدث الأكبر[45]؛ بمعنى: إذا أجنب الرجلُ أو أصاب المرأةَ الحدثُ الأكبرُ فإنه لا يمسح، بل لا بُدَّ من الطهارة بالماء هنا.

وهل المسح أفضل أو غسل القدمين أفضل؟

الأظهر في ذلك أن هذا بحسب حال الإنسان، وألا يتكلف أحد الحالين، ولم يُحفظ عن النبي أنه تكلَّف هذا أو هذا، أو أمر بهذا أو هذا، فهذا من الرخصة التي تَفضَّل الله بها على عباده.

فإن قيل: فإذا كانت مسألة المسح على الخفين من المسائل الفقهية، فلما نصُّوا عليها في كتب العقيدة؟

قيل: لأن بعض مَن خالف هَدي الصحابة -وهم الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي - أنكروا المسح على الخفين، فصار أهل العلم بعد ذلك ينصُّون عليها باعتبارها هَديًا أنكره مَن أنكره من أهل البدع، وأصلهم الخوارج في ذلك، وتبعهم على ذلك مَن تبعهم ممَّن أنكر من أهل البدع المسح على الخفين. وأما المسح على الجوارب؛ فمَن تركه لا يُسمى من أهل البدع؛ لأن كثيرًا من الفقهاء لا يرى المسح على الجوارب، والإمام أبو حنيفة رحمه الله لا يرى المسح على الجوارب، وجملةٌ من الفقهاء لا يرون المسح على الجوارب، وإنما يذكرون هنا المسح على الخفين لأن المسح على الخفين فيه أحاديث صريحة في السنة، وأما الجوارب ففيها قياسٌ عند مَن يرى القياس هنا، وفيها آثارٌ عن جملة من الصحابة .

 نكتفي في هذا المجلس إلى هذا القدر.

وفيما أحسب وفهمتُه من بعض الإخوة أن الذين يحضرون ربما يكون كثيرٌ منهم أو أكثرهم -أعني: مَن يحضر في كتابه وكتابته- من طلبة هذه الجامعة المباركة الجامعة الإسلامية، ويكونون بين يدي الاختبارات في شهر شعبان، فأحسب أنه لا يكون شيء في شهر شعبان -إن شاء الله-، ولكن سيتم التواصل بعد ذلك بإعلانٍ يُعلَن ويُرتَّب مع الرئاسة -جزاهم الله خيرًا- رئاسة الحرمين والإشراف على المسجد النبوي الشريف، يُعلَن لكم -إن شاء الله-، لكنَّ هذين الدرسين: درس الرسالة للشافعي، ودرس العقيدة؛ سيستمران -بمشيئة الله-، ولعله في المستقبل أيضًا تُزاد، بدلًا من أن تكون يومين فقط، ربما نجعلها في أربعة أيام متواصلة، حتى نتمكن المضي في هذه الكتب.

جعل الله ذلك علمًا نافعًا لنا جميعًا، وعملًا صالحًا خالصًا لوجهه.

اللهم إنا نسألك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام العفوَ والعافيةَ في الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار.

اللهم اجعلنا هداةً مهتدين.

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها.

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

 اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم احفظ على عبادك المسلمين في كل مكان دينَهم وأعراضَهم ودماءَهم وأموالَهم، واجمع كلمتهم على الحق، على كتابك وعلى سنة نبيك محمد ، واجعلنا وإياهم هداةً مهتدين، بارِّين متراحمين متوادين متباذلين متناصحين فيما يرضي وجهك الكريم يا حي يا قيوم.

^1 رواه مسلم: 35.
^2 رواه البخاري: 53، ومسلم: 17.
^3 رواه البخاري: 8، ومسلم: 16.
^4 رواه البخاري: 27، ومسلم: 150.
^5 رواه البخاري: 4537، ومسلم: 151.
^6 الفرج بعد الشدة، لابن أبي الدنيا، ص77.
^7 لسان العرب، لابن منظور، ج12، ص75.
^8 رواه مسلم: 2965.
^9 رواه البخاري: 6285، ومسلم: 2450.
^10 رواه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار": 149، وأبو نعيم في "حلية الأولياء": 2/ 42، وصححه الحاكم في "المستدرك": 4740.
^11 رواه البخاري: 1367، ومسلم: 949.
^12 رواه مسلم: 2592.
^13 رواه مسلم: 2594.
^14 رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.
^15, ^30, ^33 سبق تخريجه.
^16 رواه مسلم: 820.
^17 رواه البخاري: 126، ومسلم: 1333.
^18 بنحوه رواه مسلم: 191.
^19 رواه مسلم: 183.
^20 رواه مسلم: 673.
^21 بنحوه رواه البخاري: 438، ومسلم: 521.
^22 رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1679.
^23 التخريج السابق.
^24 رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2580.
^25 رواه البخاري: 4269، ومسلم: 96.
^26 رواه البخاري: 6872، ومسلم: 96.
^27 رواه مسلم: 1060.
^28 رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064.
^29 رواه أبو داود: 4888، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
^31 رواه البخاري: 2444.
^32 رواه مسلم: 55.
^34 رواه البخاري6878، ومسلم: 1676.
^35 رواه البخاري: 7257، ومسلم: 1840.
^36 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 381، وصححه الألباني في "هداية الرواة": 3624.
^37 رواه البخاري: 693.
^38 رواه البخاري: 2117، ومسلم: 1533.
^39 رواه البخاري: 2079، ومسلم: 1532.
^40 رواه أبو داود: 3573، والترمذي: 1322، وابن ماجه: 2315، والنسائي: 5922، وصححه الألباني في "صحيح ابن ماجه": 1887.
^41 رواه أبو داود: 159، والترمذي: 99، والنسائي: 125.
^42 رواه البخاري: 182، ومسلم: 274.
^43 رواه أبو داود: 159، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".
^44 بنحوه رواه مسلم: 276.
^45 رواه الترمذي: 96، والنسائي: 127، وابن ماجه: 478، وأحمد: 18091، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي".

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©