تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص

من قوله: "ونؤمن بالملائكة والنبيين.." (5)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وآله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

فينعقد هذا المجلس في الخامس والعشرين في شهر رجبٍ من سنة (1438) من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام، في المسجد النبوي الشريف، مسجد رسول الله ، في شرح الرسالة لأبي جعفرٍ الطحاوي.

وجوب الإيمان بالملائكة والنبيين والكتب المنزلة على المرسلين

وأتينا على قول المصنف رحمه الله:

قال رحمه الله تعالى:

ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب المنزَّلة على المرسلين، ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين.
ونسمي أهل قبلتنا: مسلمين، مؤمنين.

الإيمان بالملائكة عليهم السلام

نعم، قال رحمه الله: "ونؤمن بالملائكة والنبيين"، هذا الأصل يُعد من أصول الإيمان: وهو الإيمان بالملائكة، والإيمان بالأنبياء، وهذا الأصل بيَّنه الله جل وعلا في كتابه، وبيَّنه الرسول في سنته، وهو من أصول الدين المحكمة باتفاق المسلمين، وهو الإيمان بالملائكة الذين خلقهم الله عبادًا مكرمين، لَا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

والإيمان بالملائكة إيمانٌ توقيفيٌّ؛ أي أنه موقوفٌ على ما جاءت به النصوص، وما جاءت به النصوص في أمر الملائكة: قدرٌ منه مجملٌ، وقدرٌ منه مفصَّلٌ، فما جاء في بعض جُمَله مجملًا؛ صار الإيمان به على هذا القدر، وما جاء مفصلًا؛ صار الإيمان به على هذا القدر.

وإذا قيل: إنه مجملٌ، فهو مجملٌ باعتبار ما يُقابله من المفصَّل، وإلا فقد يكون هذا الذي سُمِّي "مجملًا" هو مفصلٌ باعتبارٍ آخر، فإن الإجمال والتفصيل من الأوصاف الإضافية؛ ولهذا قد يُقال: إنه مجملٌ باعتبارٍ، وهو مفصلٌ باعتبارٍ.

والملائكة خلقهم الله من نورٍ كما جاء في "الصحيح" عن النبي : خُلقت الملائكة من نورٍ، وخُلق الجان من مارجٍ من نارٍ، وخُلق آدم مما وُصف لكم [1]، أي: مِنْ طِينٍ لَازِبٍ [الصافات:11]، كما جاء في كتاب الله.

وأولئك العباد من عباد الله، وهم ملائكة الله عليهم الصلاة والسلام، خلقهم الله على مقام الطاعة والاستجابة، وليس في نفوسهم معصيةٌ لله ، بل هم كما وصفهم الله: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6]، وهم عِبَادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء:26]، وهم مراتب في فضلهم، وخاصتهم جبريل عليه الصلاة والسلام، الذي جعله الله أمينًا على الوحي، وأتى الرسلَ والأنبياء، وأتى خاتم النبيين، وهو نبينا .

وسمَّى الله في كتابه بعض ملائكته؛ كجبريل وميكائيل وإسرافيل، وسمَّى النبيُّ كذلك بعضًا من الملائكة، فهؤلاء الملائكة؛ كجبريل وميكائيل وإسرافيل، الذين سُمُّوا في الكتاب أو السنة أو سُمُّوا فيهما؛ كجبريل ، فإنه مذكورٌ في الكتاب، ومذكورٌ في السنة، وبعض الملائكة ذُكر في الكتاب، وذُكر في سنة النبي جملةٌ من أسماء الملائكة.

وتكلم بعض أهل العلم في مسألة المفاضلة بين صالحي البشر والملائكة، وهي مسألةٌ ليست من المسائل التي يلزم فيها وجهٌ واحدٌ؛ لأن أهل العلم تكلموا فيها على غير وجهٍ، وإن كان بعض العلماء من المحققين يجزم فيها بوجهٍ واحدٍ، فهذه مسألةٌ بحثُها في كتب أهل العلم الذين فصَّلوا هذه المسألة، وقدرٌ من هذه المسألة محكمٌ متفقٌ عليه، وقدرٌ من هذه المسألة محل اجتهادٍ.

الإيمان بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام

وكذلك الأنبياء، فمن أصول الدين وأصول الإيمان: الإيمان بأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فإن ربنا جل وعلا لما خلق آدم وأسكنه الأرض بعد أن أكل من الشجرة فخرج من الجنة؛ وقعت المعصية بعد ذلك في بَنِيه؛ فبعث الله الأنبياء والرسل، وانحرف من انحرف من بني آدم عن توحيد الله وإفراده بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره، فبعث الله رسله مبشرين ومنذرين.

وأول الرسل الذين بُعثوا بتقرير التوحيد وتحقيق التوحيد والدعوة إليه، ونبذ الشرك الذي وقع في بني آدم: هو نوحٌ عليه الصلاة والسلام، ومن حكمة الله جل وعلا أنَّ أمَدَه طال في قومه، فلبث فيهم دعوةً أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا [العنكبوت:14] كما جاء ذلك صريحًا في كتاب الله ، ثم أغرقهم الله بالطوفان، وما آمن معه إلا قليلٌ من قومه، وهم الذين أنجاهم الله في تلك السفينة التي أمره الله أن يتخذها بأمر ربه جل وعلا.

ثم بعث الله الرسل بعده تَتْرى، كما جاء في قول الله جل ذكره: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا [المؤمنون:44]، تَتْرَا أي: متتابعين، فبعث الله الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام متتابعين.

الفرق بين النبي والرسول

وفي كلام أهل العلم بحثٌ في الفرق بين اسم "النبي" و"الرسول"، وقد شاع عند أكثر المتأخرين القول بأن "النبي": هو الذي أوحي إليه بشرعٍ ولم يُؤمر بتبليغه، و"الرسول": من بُعث بشرعٍ وأُمر بتبليغه.

وهذا القول أبعد الأقوال عن الصواب؛ فإن الله أمر الخلق جميعًا من أهل الإيمان أن يُبلِّغوا دين الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في "الصحيح" وغيره: بلِّغوا عني ولو آيةً [2]، فإذا كان التبليغ مشروعًا، بل قد يكون واجبًا، ويتعلق منه مقامٌ من الوجوب في حق آحاد الناس من غير الأنبياء الذين يقع منهم الصواب والخطأ؛ فلا يُتصور أن الله يُؤتي نبيًّا النبوة والحكمة ثم لا يُؤمر بتبليغ ما آتاه الله ، فهذا القول بعيدٌ عن قواعد الشريعة، وإنما قاله طائفةٌ من أصحاب الأئمة، ثم توارد بعض أصحابهم على نقله، فصار يُتوَهَّم أنه عليه الجماهير، وهم إنما ينقلونه بطريقة التتبع لما يذكره أصحابهم.

والصحيح: أن "النبي" و"الرسول" بينهما اتصالٌ باعتبارٍ؛ فكلاهما آتاه الله النبوة والوحي، ولكن يقع في حال "الرسول" أنه يُبعث في قومٍ وقع فيهم الشرك، فالقوم الذين وقع فيهم الشرك واستطال وأطبق؛ يكون مَن بعثه الله إليهم رسولًا؛ كنوح عليه الصلاة والسلام، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعيسى عليه الصلاة والسلام، وكـنبينا فإنه بُعث في قوم مشركين يعبدون الأصنام ويدعون غير الله ، كما بيَّن الله ذلك في قصص الرسل.

وأما "الأنبياء": فإنهم يُبعثون في تحقيق دعوة "الرسل"؛ ولذلك كان بنو إسرائيل كما جاء في "الصحيح" عن النبي في قوله: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ؛ خَلَفَه نبيٌّ [3]، فهذا التتابع في النبوة في بني إسرائيل إلى هذه الدرجة من التتابع التي وصفها النبي وأخبر بها في قوله: كلما هلك نبيٌّ؛ خلفه نبيٌّ؛ يدل على أنه لا يلزم فيه أن يكون في قومٍ مشركين، وإنما يكون مثبِّتًا ومبيِّنًا لما أوجب الله على عباده المؤمنين في أصول الدين وفروعه، فهذا هو الأليق والأظهر في مقام ذكر الأنبياء والرسل في كتاب الله وفي سنة النبي .

وكل نبيٍّ فإنه يُسمى رسولًا، وكل رسولٍ فإنه يُسمى نبيًّا؛ باعتبار الدلالة العامة التي ذكرها الله في مثل قوله: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75].

فالنبي -أعني نبينا عليه الصلاة والسلام- سمَّاه الله نبيًّا وسماه رسولًا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، فكل رسولٍ فإنه يُسمى نبيًَّا، وهذا مستقرٌّ عند أهل العلم.

وتَرَدَّدَ طائفةٌ منهم في أن النبي يُسمى رسولًا، والصحيح: أنه يُسمى رسولًا بالاسم العام المذكور في مثل قول الله تعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]، والمذكور في مثل قول الله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، فهذا يدخل فيهم مقام الأنبياء.

وأما إذا ذُكر على الاختصاص؛ فإن النبي يكون على هذه الرتبة، والرسول يكون على هذه الرتبة، ويجمعهم: أنهم أنبياء الله، وأنهم بُعثوا بأمر الله ، وأنهم اصطفاهم الله، إلى غير ذلك من الأوصاف.

وأما القول بأن النبي هو من أُوحي إليه شرعٌ ولم يُؤمر بتبليغه، فهذا من أبعد ما يكون عن التحقيق وقواعد الشرائع كلها.

الإيمان بمعجزات الرسل عليهم الصلاة والسلام

والله جل وعلا بعث الأنبياء وآتاهم الآيات، وهي التي سُمِّيت في كتاب الله بـ"الآيات والبراهين"، وهي آيات الأنبياء، فآتى موسى عليه الصلاة والسلام آياتٍ، وآتى إبراهيم عليه الصلاة والسلام آياتٍ، وآتى محمدًا ما آتاه من الآيات، وهكذا، فما من رسولٍ بعثه الله إلا ومعه من الآيات ما يؤمن عليه البشر، كما جاء في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من نبيٍّ بعثه الله إلا أُوتيَ من الآيات ما مِثْلُه آمَنَ عليه البشرُ [4]، أي من الآيات التي تَثبُت بها نبوته.

ولكن هذه الآيات اختصرها بعض النُّظار في مسألة المعجزات، وهي ما يُسمونه -مع أن هذه التسمية ليست تسميةً محكمةً- بـ"خوارق العادات"، وهذا اصطلاحٌ فيه نظرٌ، لكن المقصود به: ما يكون من الأمور الكونية التي ليست على قاعدة العادة والاطِّراد والحس، فهذا يقع في آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأمر الله جل وعلا، ولكن الخطأ هنا من جهة قَصر آيات الأنبياء على ذلك؛ فإن أعظم آيات الأنبياء: هو الوحي الذي بعثهم به، وأعظم آيات الرسل والأنبياء: هي الكتب والنور الذي بعثهم الله به؛ ولهذا كان أعظم آيات نبينا : هو القرآن، أعظم آيات نبينا عليه الصلاة والسلام: هو القرآن، وهذا جاء في تمام الحديث ذِكرُه: وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة [5]، فَعُلِم أن الكتب أثرها في إيمان الخلق أبلغ.

وأنت ترى أن من آمن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم من العرب، ومن آمن من غير العرب بعد ذلك بدعوة الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لما أسلم الناس من أهل الأمصار من أهل الشام وأهل العراق وغيرهم من أهل البلاد والأقاليم التي امتد فيها الإسلام في أواخر وبعد عصر الصحابة ، فإن أولئك الفئام والجموع من الناس لم يكن جمهورهم يسأل في دين الإسلام عما كان عليه النبي من الآيات التي هي المعجزات في اصطلاح أولئك النُّظار، بل إن النبي لما كتب إلى الأمم وكتب إلى الملوك جملةً؛ كهرقل وغيره، ما سألوا عن آياته على هذا المعنى، وإنما سألوا عن الآيات، أو سأل من سأل منهم عن بعض آيات الأنبياء على المعنى العلمي، وليس على المعنى الكوني.

ولهذا في أسئلة هرقل التي سبق معنا في المجلس بالأمس أنه سأل عنها، ليس فيها ما يتعلق بأمر التكوين، وإنما هي في الأمور العلمية، فهذا يُعلم به أن النور والهدى الذي بَعث الله به الرسل، وهي الكتب وأخصها كتاب الله وهو القرآن، هي أعظم آيات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن وقع لهم -كما ذكر الله في كتابه- من الآيات والبراهين في الكونيات؛ كعصا موسى عليه الصلاة والسلام، في قوله جل وعلا: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ [طه:17]، فكان بيمينه العصا التي أَخبَر عن حاله فيها، قال: أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ۝ قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى ۝ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [طه: 18-20].

فهذه العصا بمحض أمر الله جل وعلا وأمره وتدبيره وقدرته التامة -وهو على كل شيءٍ قديرٌ- صارت حيّةً تسعى على الحقيقة، بخلاف الحبال التي ألقاها السحرة، فإنه تخييلٌ في أمرها، يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ [طه:66]، فهي لم تنقلب -أعني حبال السحرة- لم تنقلب إلى حيةٍ في نفس الأمر، وإنما هي لا تزال حبالًا، وإنما كما ذكر الله في كتابه: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ، مع أن السحر له حقيقةٌ، وليس تخييلًا محضًا، وإنما قال أهل العلم بأن السحر له حقيقةٌ؛ لأنه اتصالٌ بالجن، والجن يعملون كما يعمل الإنس، فكما أن عمل الإنس حقيقةٌ؛ فعمل الجن حقيقةٌ.

ولما كان السحر لا بد له من الاتصال بمردة الجن وكَفَرَتِهم؛ صار حقيقةً باعتباره عملًا لقومٍ خلقهم الله، كما أن الإنسي إذا عمل عملًا؛ قلنا: إن عمله عملٌ وليس تخييلًا، فهذا هو المقصود بهذه المسألة من جهة أن السحر له حقيقةٌ لاتصاله بقومٍ خلقهم الله يعملون على الحقيقة كما يعمل الإنس على الحقيقة، أي: لهم أعمالٌ متحققةٌ في نفس الأمر؛ فإن الإنسي إذا أكل أو شرب؛ قيل: أكله حقيقةٌ، وعمله وشربه حقيقةٌ، وإذا حمل المتاع؛ قيل: حمله حقيقةٌ، أليس كذلك؟ فكذلك الجن إذا تصرفوا في أفعالهم التي هم على قدرة فيها، فإن عملهم هذا حقيقةٌ.

فلما كان السحر لا بد فيه من اتصالٍ بين الإنس والجن؛ صار عملًا على الحقيقة من هذا الوجه وليس تخييلًا، لكن الجن قاصرون أن يُحوِّلوا الحبال إلى حيةٍ تسعى، فهذا لا يستطيعه أحدٌ، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء:88]، فلا يأتون بمثله في تشريعه؛ فكيف بما كتب الله مما الخلق عاجزون عنه في أمر التدبير والتكوين؟! ولذلك ذكر الله المَثَل في كتابه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الحج:73]، الذين يدعون من دون الله سواءٌ كانوا من الجن أو الإنس لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج:73].

فأولئك السحرة إنما هم جهَّالٌ، وقد أخبر الله في كتابه بقوله: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ [طه:69]، فهذا من الكيد ومن الكذب، ولكن فيه حقيقةٌ؛ باعتبار أنه عملٌ من الجن، وليس فيه حقيقةٌ؛ باعتبار أنه يقلب الأشياء إلى حقائق لا يقدر عليها إلا الله، فإن الجن لا يقدرون على ما يقدر عليه الله ، وربُّنا هو المتفرد بالقدرة، وهو الذي على كل شيءٍ قديرٌ، والخلق جميعًا من الإنس والجن وغيرهم قاصرون عن قدرة الله وتدبيره وتكوينه؛ ولذلك العصا التي كانت بيد موسى عليه الصلاة والسلام صارت حيةً تسعى على الحقيقة، وذلك بأمر الله؛ لأن ربنا جل ذكره إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

فكانت حيةً تسعى بأمر الله، كما أنه أَمَرَ وقدَّر وقضى أن يوجد عيسى عليه الصلاة والسلام من أُمٍّ بلا أبٍ، مع أن هذا ليس على قاعدة العادة التي مضت عليها السنة الكونية: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49]، إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى [الحجرات:13]، ولكن عيسى عليه الصلاة والسلام قدَّر اللهُ بأمره، وأمرُه جل وعلا لا معقِّب لأمره، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] .

فما يقع في أحوال الأنبياء من هذه الكونيات التي يُمضيها الله جل وعلا آياتٍ لهم لا يستطيعها الكهنة والسحرة، ولا تلتبس بما يفعله الكهنة والسحرة؛ فإن ما يفعله الكهنة والسحرة هو من الكيد وإن سُمِّي عند أهل العلم له حقيقةٌ، فله حقيقةٌ باعتبار المخلوقين وهم الجن والإنس، وليس له حقيقةٌ فوق ذلك، ولا يستطيع الساحر أن يفعل فوق ما يستطيعه الجن والإنس؛ فإن أمره دائرٌ بين الجن والإنس وحدهم، وأما من بعد ذلك من خلق الله فهو قاصرٌ عن أمرهم، فضلًا عما اختص الله به من أمره .

أهل القبلة مسلمون مؤمنون

ونسمي أهل قبلتنا: مسلمين، مؤمنين، ما داموا بما جاء به النبي معترفين، وله -بكل ما قال وأخبر- مصدِّقين.

نعم، "ونسمي أهل قبلتنا: مسلمين، مؤمنين".

أهل القبلة هم المسلمون، كل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وآمن بدين الإسلام؛ فإنه يُعتبر مسلمًا، له ما للمسلمين وعليه ما على المسلمين.

وقد أمرنا الله جل وعلا بالاعتصام بحبله جميعًا: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، وحبل الله الذي شُرِع الاعتصام به: هو الدين؛ ولذلك إذا نظرت في تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبيان الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ بان لك ذلك، بل قبل ذلك إذا نظرت في تفسير القرآن بالقرآن، وهذا أبلغ المقامات في البيان، أن يُفسَّر القرآن بالقرآن؛ فإن الله جل وعلا بيَّن المقصود بهذا الحبل في مثل قوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فبيَّن الله أن هذا الحبل هو ملة إبراهيم في قوله: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130]، وبيَّن الله أن هذا الحبل المُبِين هو الصراط المستقيم، في مثل قوله جل وعلا: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، وبين الله أن هذا الحبل هو طاعة الله وطاعة رسوله؛ كما جاء في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59]، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80]، وبيَّن الله أن هذا الحبل هو دين الإسلام، وهو قوله جل وعلا: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، وبيَّن الله سبحانه أن هذا الحبل هو لزوم هدي النبي ؛ كما في قوله: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

فكل هذه المعاني مُبيِّنةٌ لحبل الله المذكور في قوله : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103]، فحبل الله هو دينه، وحبل الله هو شريعته: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ [الجاثية:18]، وحبل الله هو طاعة الله، وحبل الله هو طاعة رسوله ، وحبل الله هو الصراط المستقيم، إلى غير ذلك من المعاني التي سُمِّيت في كتاب الله وسُمِّيت في كلام الرسول .

فالواجب على المسلمين -على خاصتهم وعامتهم- أن يلزموا كتاب الله، وأن يهتدوا بهدي رسول الله ، وأن يَنبِذوا التفرق بينهم؛ لأن التفرق قد بعث الله الرسل جميعًا بالنهي عنه، قد بعث الله الرسل جميعًا بالنهي عن التفرق في الدين، شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ [الشورى:13]، أَقِيمُوا الدِّينَ بمعنى: الزموا دين الله الذي شرعه الله، وهذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله.

شهادة أن لا إله إلا الله: هو الإيمان بالله ربًّا وخالقًا مالكًا ومدبِّرًا ومعبودًا وحده لا شريك له، ولا يُعبد غيره، ولا يُدعى غيره، ولا يُستغاث بغيره، ولا يُعبد إلا هو ، وطاعته في أمره واجتناب نهيه جل وعلا.

وكذلك طاعة النبي هي معنى الإيمان بنبوته، الإيمان به نبيًّا ورسولًا، وخاتمًا للأنبياء، وسيدًا لولد آدم، إلى غير ذلك من المعاني الشرعية المذكورة في كلام الله ورسوله، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع.

ولهذا لا تتحقق طاعة الله إلا بطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا من حكمة الله ، أنه بيَّن لعباده الشرائع في كتابه، ولكن هذه الشرائع جملةٌ من تفصيلها ذُكر فيما أوحى الله إلى نبيه، ولم يذكرها الله في كتابه على التفصيل، وإنما ذُكرت تارةً على مقام التفصيل، وتارةً على مقام الإجمال، وبعض تفاصيلها جعلها الله في حكمة نبيه ، وتلك الحكمة هي كما أخبر الله بكتابه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، ولذلك عُلِمَت أحكام الشريعة كلها بالكتاب والسنة.

وما من فقيهٍ من الفقهاء ولا إمامٍ من الأئمة إلا التزم الكتاب والسنة، وهذه الطريقة التي دَرَجَ عليها فقهاء الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المتبوعين؛ كأبي حنيفة ومالكٍ والشافعي وأحمد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام وعلماء المسلمين، مضوا على لزوم الكتاب والسنة.

فالواجب على المسلمين أن يقتدوا بهدي رسول الله ، وأن يلزموا الهدي الذي كان عليه أولئك السلف من العلماء الصالحين والأئمة المهديين من أصحاب النبي الذين أثنى الله عليهم في كتابه في قوله جل ذكره: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100].

فأعظم الهدي هو هدي النبي ، كما كان نبينا يُقرِّر ذلك فيما شرع الله له وأمره به، وكان يقول في خطبه عليه الصلاة والسلام؛ كما جاء في "الصحيح" من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: كان رسول الله إذا خطب؛ قال عليه الصلاة والسلام: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدي هَدي محمدٍ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ [6].

فدين الله يُسْر؛ كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام، كما في "الصحيح" وغيره: إن هذا الدين يُسرٌ [7]، وما جعل الله في دين الإسلام من حرجٍ؛ كما قال ربنا جل ذكره: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، وفي قوله: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157].

فمن فَقِه دين الإسلام؛ عرف أنه عبادةٌ لله: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وعرف أنه تصديقٌ بما بعث الله به رسله وأنبياءه، وعرف أنه هو العدل والإحسان: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل:90].

ومن تيسير هذا الدين ويُسره وتمامه وكماله الذي أكمله الله بما شرع ربنا جل وعلا في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]: ألَّا يُزاد فيه بالبدع والمحدثات، بل تُلزَم السنة.

والسنة يُسرٌ في أحكامها، وأولئك القوم الذين أثنى الله عليهم لزموا سنة النبي ، ولمَّا جاء التابعون بعدهم؛ مضوا على طريقتهم، ثم جاء الأئمة بعد أولئك؛ كأبي حنيفة والشافعي ومالكٍ وأحمد، فأخذوا على هذه الطريقة، ولزموا هذا الهدي، وإن كان هذا لا يمنع أن يختلفوا في بعض مسائل الفروع والاجتهاد؛ كاختلافهم في بعض التفاصيل من أحكام الصلاة؛ كمحل سجود السهو مثلًا، أهو قبل السلام أم بعده، أم في أحوالٍ يكون قبلًا وفي أحوال يكون بعدًا؟ وكذلك في بعض أحكام الزكاة، أو بعض أحكام الصيام، لكن أصول تلك الأحكام في جميع أبواب الدين في العبادات والمعاملات وغيرها تجد أنها متفقٌ عليها بين العلماء رحمهم الله.

فهذا الدين يُسرٌ، وإنما يقع فيه الحرج ويقع فيه المشقة ويقع فيه الإغلاق لمن غلا في دين الله، ومن أوجه الغلو في دين الله: الاشتغال بالبدع عن السنن التي لا خير فيها، وإنما هي جهدٌ يبذله الإنسان في غير طاعة الله، وتلك الرهبانية التي وقعت في بني إسرائيل هي التي أضلتهم عن دين الأنبياء، وهي بدعةٌ في دينهم؛ كما قال الله جل وعلا في كتابه المبين: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27].

ولما همَّ بعض الصحابة -حرصًا منهم على الخير- أن يتبتَّلوا، أي: ينقطعوا؛ نهى رسول الله عن ذلك، كما في "الصحيح" وغيره: "رَدَّ رسول الله عليه الصلاة والسلام على عثمان بن مظعونٍ التبتُّل" [8]، أي: الانقطاع للعبادة، فإن دين الإسلام لا رهبانية فيه، وإنما هو دينٌ في الأخلاق، ودينٌ في عبادة الله قبل ذلك، وفي الإيمان به، ودينٌ في إصلاح حياة الناس وسلوكهم وعاداتهم وعدلهم وبرهم وإحسانهم.. إلى غير ذلك.

فهذا الدين بيانه في كلام الله، وأنت إذا قرأت في كتاب الله وتدبرته كما شرع الله؛ وجدت في كلام الله مِن ذكر الإيمان به وتوحيده والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ووجدت ذكر الشرائع من العبادات والمعاملات وأنواع التصرفات التي حكم الله فيها بشرعه، وبيَّن أحكامها حتى تفاصيل الأحوال.

ولهذا من حكمة الله: أن أطول آيةٍ جاءت حروفها في كتاب الله هي ما سمي عند العلماء بـ"آية الدَّين"، وهي التي ذُكر فيها أحكام المداينات، وما يكون فيها من الكتابة والشهادات، مع أن هذه الآية وإن سماها من سماها من أهل العلم "آية الدَّين"؛ إلا أنها عند التحقيق هي آيةٌ في الدَّين ولكنها آيةٌ في الإيمان؛ فإنها مبتدأةٌ بالإيمان بالله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة:282]، فهي مبتدأةٌ بالإيمان، وفيها وعظٌ، وفيها بيانٌ لمقام الديانة، فليست آيةً محضةً في أحكام المداينة، لكن لما غلب فيها وفي حروفها ذكر الأحكام المتعلقة بالمعاملات والمداينات؛ سماها من سماها من أهل العلم بـ"آية الدَّين".

وإلا فإن أحكام المعاملات في الشريعة -فيما ذكر الله ورسوله - تكون متضمنةً لأمر الإيمان؛ لأن الأحكام الشرعية كلها -سواءٌ كانت واجبةً أو مستحبةً أو محرمةً أو مكروهةً أو مباحةً- هي أحكام لله ، حتى المباح فإنه تعبُّدٌ لله بإباحته؛ ولذلك قال ربنا : وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النحل:116]، وقال الله لنبيه : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم:1].

تحريم الخوض والمماراة والمجادلة في الله ودينه وكتابه

ولا نخوض في الله، ولا نماري في الدين، ولا نجادل في القرآن.

"ولا نخوض في الله ولا نماري في الدين ولا نجادل في القرآن": الله هو رب العالمين؛ كما قال الله جل وعلا في كتابه: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، فالعباد يؤمنون بربهم ربًّا خالقًا مالكًا مدبرًا رازقًا، بيده كل شيءٍ، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيءٌ؛ كما قال الله جل وعلا في كتابه: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3]، ولما دعا رسول الله عليه الصلاة والسلام -كما في "الصحيح" وغيره- قال: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيءٌ، وأنت الآخر فليس بعدك شيءٌ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ، وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ [9].

فربنا له الأسماء الحسنى يُدعى بها جل وعلا: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:23]، وكل اسم من هذه الأسماء وغيرها مما ذُكر في كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه متضمنٌ لدلالات ومعانٍ مما تضمنته صفات الله جل وعلا وكمال ربنا ، وربنا جل وعلا له المثل الأعلى، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، وهو الذي له الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، ولا معقِّب لحُكمه، فنؤمن به جل وعلا ربًّا بيده ملكوت كل شيءٍ.

ونؤمن به إلهًا، وهو المعبود وحده ، وهو الذي فطر الخلق على توحيده، وجعل خلقه يُسبِّحون، إلا من تمرد وهم شر الدواب؛ كما قال الله في كتابه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ [الأنفال:22].

وأما الخلق، فإن الله أخبر عن مخلوقاته بقوله: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]، وهذا التسبيح لا يستطيع باحثٌ أو مفسرٌ أن يُسمِّيه بالتفصيل؛ لأن الله ذكر في تمام الآية قوله : وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ؛ فعُلم أن التسبيح المذكور ليس مما يُوصَل إلى إدراكه وتعيينه، ولكنه تسبيحٌ على الحقيقة؛ لأن الله أخبر به، ولكنه على حالٍ من الحقيقة المناسبة لتلك المخلوقات، ولا يلزم أن يكون على الحال التي تكون لبني آدم.

المقصود هنا: أن الله بعث الرسل بدعوة التوحيد، رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ [النساء:165]، ما هي دعوتهم؟ دعوتهم مذكورةٌ في القرآن: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]؛ أي: اعبدوا الله وحده، واتركوا عبادة غير الله ، وهذا هو النور، وهذا هو العقل، وهذا هو الحكمة، وهذا هو الدين، أن المؤمن يعبد ربه، وأن الله هو المعبود وحده، وأما غير الله فإنه لا يُعبد، ولا يُصرف له شيءٌ من العبادة.

والعبادة: هي اسمٌ جامعٌ لما شرع الله ، فكل ما شرعه الله من الدعاء والذبح والنذر والاستعانة والاستغاثة وغير ذلك، فإنها لا تُطلب إلا من الله وحده ، فإن الذبح عبادةٌ؛ ولذلك قال الله في كتابه: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2]، وجاء في حديث عليٍّ بن أبي طالبٍ رضي الله تعالى عنه، الذي أخرجه مسلمٌ وغيره في "صحيحه"، قال رسول الله : لعن الله من ذبح لغير الله [10]، وكذلك الدعاء: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، وكان رسول الله يدعو ربه، إلى غير ذلك من الأوجه المستفيضة في كتاب الله وفي سنة نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد بيَّن الله بطلان دعوة غير الله، سواءٌ كان المدعو صنمًا أو وثنًا أو شجرًا أو حجرًا، كما كان فئامٌ من الجاهليين يفعلون ذلك، فيعبدون اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو كان المعبود من دون الله نبيًّا أو ملكًا أو صالحًا، فإن هذا يكون من الشرك بالله، من دعا غير الله فقد أشرك بالله، حتى لو كان المدعو نبيًّا، فإن النبي -أيَّ نبيٍّ من الأنبياء، أو ملكًا من الملائكة، أو صالحًا من الأولياء الصالحين- حقه محبته، وحق الأنبياء اتباعهم والاقتداء بهم، وأما دعاؤهم من دون الله أحياءً وأمواتًا؛ فإن هذا من أبطل الباطل وأعظم الشرك بالله.

وهذا قد بيَّنه الله في كتابه، وانظر وتدبر هذه الآية المحكمة في كتاب الله، وجميعُ القرآن محكمٌ، قال الله جل وعلا جميع القرآن محكمٌ من جهة دلالاته وأحكامه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا [الزمر:23] يُصدِّق بعضه بعضًا، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1]، وأما التشابه الخاص المذكور في فواتح سورة "آل عمران"، فهذا على معنًى يختص به كما ذكره أئمة العلم من المحققين.

المقصود هنا: أن في قوله جل وعلا: وَلَا يَأْمُرَكُمْ ماذا؟ هنا ما ذُكرت الأصنام، ما ذُكرت اللات والعزى في هذا المقام، وإنما جاء قوله: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ؛ لأن الملائكة والنبيين هم أشرف عباد الله، فإذا كان هذا في الملائكة والنبيين؛ ففي غيرهم من باب أولى، سواءٌ كانوا من الأولياء أو الصالحين أو غير ذلك، فهذه الآية برهانٌ مبينٌ، وأن الشرك لا يختص بعبادة اللات والعزى، بل الله يقول في كتابه: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80]، فهل يُؤمر العبد بالكفر؟ كلا، العبد يؤمر بالإيمان.

فهذه الآية بيِّنةٌ؛ لأن التوحيد والعبادة -أي عبادةٍ، سواءٌ كانت دعاءً أو استعانةً أو استغاثةً أو توسلًا أو غير ذلك- هي من حق الله ، وهو الذي تُصرف له العبادة وحده جل وعلا، وهذا هو الذي مضى عليه أصحاب رسول الله رضي الله تعالى عنهم.

ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، فعلَّمه سيد المرسلين محمدًا .

وجوب محبة الأنبياء والمرسلين

وما سبق ذكره في هذه المسألة -مسألة التوحيد- لا يُنقِص المقامَ الذي شرعه الله من محبة الأنبياء ومحبة الصالحين واتباع الأنبياء، بل اتِّباع الأنبياء فريضةٌ، والإيمان بالأنبياء ركنٌ من أركان دين الإسلام وأركان الإيمان، ومن لم يؤمن بالأنبياء؛ فلا إيمان له، ومحبتهم هي أعظم المحبة بعد محبة الله ؛ ولذلك قال النبي : ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه؛ وَجَد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما [11]، فهذا من قواعد الشريعة ومن أصول التوحيد وأصول الإيمان.

محبة النبي

ومن أعظم مقامات المحبة: هي محبة الأنبياء، وأعظم محبةٍ بعد محبة الله تجب: هي محبة الرسل والأنبياء، ومحبة نبينا .

ففرضٌ على كل مسلمٍ أن يحب رسول الله ، وأن يكون رسول الله أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين، ومِن فرض الله على عباده بمحبة هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام: أن يُتَبَّع، قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، ولكن الدين -كما نعلم- هو شرع الله، وليس يُؤخذ بالهوى أو بالتقليد الأعمى، وإنما الدين نورٌ وليس عمًى، قال الله تعالى: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى:52].

محبة الصالحين

فكذلك الصالحون، الصالحون لهم محبةٌ، ومِن الدين: محبة المؤمن لأخيه المؤمن، ولا سيما من كان من الصالحين من أهل العلم والدين، فلهم محبةٌ ولهم تقديرٌ، ولكن ذلك ينقطع عن حق الله ، فلا يُصرف شيءٌ من العبادة لغير الله باسم محبتهم، وأول ما وقع الشرك في بني آدم: هو الغلو في الصالحين؛ ولذلك بيَّن الله ونهى أهل الكتاب وحذرهم أن يغلوا في الصالحين، وأن يغلوا في دينهم؛ ولذلك جاء قوله : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ [النساء:171]، ومن أوجه الغلو في الدين: التعلق بالصالحين بعد وفاتهم، والإتيان بالبدع عند قبورهم، التي تكون من أسباب الضلال.

فهذا على المسلم أن يحرص على السنة فيه، وأن يقتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يقتدي بما شرع الله في كتابه، وهذا هو النور والهدى الذي بعث الله به الرسل جميعًا، عليهم الصلاة والسلام، ولكن هذه الآية التي سبقت الإشارة إليها هي آيةٌ نافعةٌ في الجواب عن الشبهات، وهي قوله جل وعلا: وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:80].

الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق

وكلام الله تعالى لا يُساويه شيءٌ من كلام المخلوقين، ولا نقول بخلقه.

"وكلام الله تعالى لا يساويه شيءٌ من كلام المخلوقين"، القرآن كلام الله، والله ذكر تكليمه لأنبيائه ورسله، قال الله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا [النساء:164]، وقال الله جل وعلا: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، وقال الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فالقرآن كلام الله مُنَزَّلٌ غير مخلوقٍ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، وهو من علم الله ، وهو دين الله .

قال: "ولا نقول بخلقه"، فلا يُقال بخلق القرآن، بل هذا من البدع المحدثة، وإنما القرآن كتاب الله، والقرآن كلام الله، وهو الكتاب المبين الذي حفظه الله: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42]، وهو الحق الذي يجب على المسلمين أن يلزموه وأن يعتصموا به وأن يتدبروه وأن يعبدوا الله به، والواجب على المسلمين أن يلزموا كتاب الله، وأن يلزموا سنة رسول الله .

حرمة التكفير بالمعاصي والذنوب

ولا نُخالف جماعة المسلمين.

"ولا نُخالف جماعة المسلمين"؛ لأن مِن أعظم الأصول الشرعية: هو اجتماع المسلمين، وبُعد المسلمين عن التفرق قد شرعه الله وأوجبه عليهم: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، الله أمر بالاعتصام: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا [آل عمران:103]، ونهى عن التفرق والاختلاف في الدين، وقال جل وعلا: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]؛ سبيل المؤمنين: هو اجتماعهم، ولا تجتمع هذه الأمة على ضلالٍ؛ ولذلك صار "الإجماع" من أصول العلم وأصول الأدلة: وهو اتفاق المجتهدين من أمة النبي على حُكمٍ من الأحكام الشرعية، فإن علماء هذه الأمة مسدَّدون باجتماعهم.

وإذا اجتمع علماء الأمة المحققون، وهم الذين آتاهم الله علم الشريعة وحققوا ذلك، فإن أولئك العلماء إذا اتفقوا؛ فإن اتفاقهم حجةٌ، وأما إذا اختلفوا؛ فإنه يُنظر في هذا الاختلاف بما يكون أقرب إلى الكتاب والسنة.

ومن كان من عامة المسلمين، ليس من ذوي النظر في الأدلة وتفصيلها، فاتبع مذهبًا لإمامٍ متبوعٍ من أولئك السادة من كبار فقهاء المسلمين، فاتبع مذهبًا للإمام مالكٍ، أو للإمام أبي حنيفة، أو للإمام الشافعي، أو للإمام أحمد بن حنبلٍ، وقلَّد الإمام أحمد أو مالكًا أو الشافعي أو أبا حنيفة في آرائه؛ لكونه من أهل التقليد، فهذا أيضًا من الهدي الذي مضى به شأن المسلمين، ومن الحال التي مضى عليها أمر المسلمين، ومِن شاهِدها في كتاب الله: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام:90]، وإن كانت هذه في الأنبياء، لكن أولئك لهم اتِّباعٌ يُناسبهم ليس كدرجة اتباع الأنبياء؛ ولهذا كان مالكٌ رحمه الله يقول: "ما من أحدٍ إلا يُؤخذ من قوله ويُترك، إلا صاحب هذا القبر، يعني رسول الله ".

ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحلَّه.

"ولا نُكفِّر أحدًا من أهل القبلة بذنبٍ ما لم يستحله".

المعاصي والذنوب على قسمين:

  • كفرٍ وشركٍ بالله؛ كتكذيب الرسل وتكذيب الأنبياء، وعبادة غير الله، ونحو ذلك، فهذا شركٌ بالله وكفر بالله .
  • وما دون ذلك، وهي التي تُسمى بـ"كبائر الذنوب"، دون الشرك بالله ودون الكفر بالله؛ كالغيبة والنميمة وأكل الربا والسرقة والزنا، ونحو ذلك؛ فهذه من الموبقات، ومن المعاصي والكبائر المحرمات، ويجب على المسلم أن يتقيها وأن يبتعد عنها، وأن يحذر غضب الله ، لكن فاعلها لا يُسمى كافرًا، بل هو مسلمٌ مؤمنٌ بإيمانه، عاصٍ بمعصيته، ومنها ما يكون موجبًا للفسق، من هذه المعاصي: وهي الكبائر والموبقات، فيكون مؤمنًا بإيمانه، فاسقًا بمعصيته وكبيرته.

ولا يُكفَّر أحدٌ من المسلمين، ويجب على المسلمين أن يبتعدوا عن تكفير بعضهم بعضًا؛ فإن هذا من الشر والفتنة التي تكون زمن الفتن واندراس العلم وظهوره وبيانه وشيوع الأهواء، وإلا فإن دين الإسلام محجةٌ بينةٌ ظاهرةٌ، فكل من آمن بالله وصدق، واتبع دين الإسلام، وشهد الشهادتين، وأتى بما شرع الله ؛ وجب حفظ حقه.

وأما المعاصي والموبقات والمنكرات التي هي دون الشرك بالله والكفر به: فهذه معاصٍ لا يُكفَّر أصحابها، وإنما هم مسلمون وهم عصاةٌ، وأمرهم تحت مشيئة الله جل وعلا؛ كما قال الله : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

أما الشرك بالله فهو الذي حرَّم الله على أهله الجنة، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

الرد على المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب

ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ لمن عمله.

"ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنبٌ"؛ هذه كلمةٌ مُحدثةٌ قالها بعض من يُسمَّون بالمرجئة، "لا يضر مع الإيمان ذنب"، بل الذنب متوعَّدٌ عليه بالوعيد عند الله ، ويُعذِّب الله من يشاء من أهل الكبائر، ويغفر لمن يشاء، ولا يُخلَّد في النار إلا من كفر بالله وكذَّب المرسلين، وأما من آمن بالله ووحَّده وحقَّق أصل الدين؛ فإن هذا تحت مشيئة الله مهما أتى من الكبائر والمعاصي.

والله ونبيه بيَّنا أمر أولئك في كتاب الله  وفي سنة النبي ، وبيَّن رسول الله أمر الشفاعة لأهل الكبائر [12]، وأنه يشفع عليه الصلاة والسلام لقومٍ منهم ممن قضى الله جل وعلا بعذابهم، ولكنهم لا يُخلَّدون في النار، وإنما يمسهم مقامٌ من العذاب، ويغفر الله لبعض أهل الكبائر، ولا يمسُّهم شيءٌ من العذاب، وكل هذا وهذا ثابتٌ من الكتاب والسنة على ما تقتضيه حكمة الرب، وعلى ما يقتضيه فضله وعدله ، على ما تقتضيه حكمته وفضله وعدله جل وعلا.

رجاء دخول المؤمنين الجنة برحمة الله

ونرجو للمحسنين من المؤمنين، ولا نأمن عليهم، ولا نشهد لهم بالجنة.

نعم، "ونرجو للمحسنين من المؤمنين": لا يُقطع لأحدٍ بجنةٍ من المسلمين أو بعذابٍ، لا يُقطع لأحدٍ بجنةٍ أو عذابٍ، إلا من شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام؛ كأبي بكرٍ الصديق وكعمر وكعثمان وكعلي بن أبي طالبٍ وبقية العشرة المبشرين بالجنة ، فمن شهد له رسول الله ؛ شُهد له بالجنة، وأما عموم المسلمين فيُرجى للمحسن ويُخاف على المسيء، والمحسن لا يُقطع له، والمسيء لا يُقطع بعذاب، وإنما يُرجى للمحسن ويُخاف على المسيء.

وإذا مضى المسلم إلى ربه بوفاته؛ فإنه ينبغي تغليب مقام الرجاء في حقه، والدعاء له بالرحمة، وأن يُحسَن الظن بالله في أمره؛ لأن الله شرع لنا ذلك، قال النبي : لا يموتن أحدكم إلا وهو يُحسن الظن بالله [13]، وقال النبي في الحديث القدسي: قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي [14].

فالمؤمن يظن بربه خيرًا، وإذا مات له قريبٌ ولو كان من أهل الكبائر والموبقات؛ يُغلِّب الرجاء ويدعو له بالرحمة، ورحمة الله سبقت غضبه وغلبت غضبه، وكذلك من كان في مرضٍ قد ألمَّ به، وكان مرضًا مَخُوفًا، يُخشى أن يصيبه الموت فيه، فهذا يُغلَّب عنده مقام الرجاء؛ لأن هذا المقام إذا غُلِّب في حقه؛ قام في نفسه من تعلقه بالله ورجائه لربه وفرحه بأمر ربه وعفوه.

وهذا من مقامات العبودية الموجبة لرحمة الله وعفوه؛ ولهذا قال الحسن البصري، وهو من سادات الفقهاء: "ما سبقهم أبو بكرٍ بكثرة صيامٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيءٍ وقر في قلبه".

ومن أعظم هذه المقامات من أعمال القلوب: هو رجاء الله  وتعظيم عفوه ، ولكن لا يكون على درجة الأمن من مكر الله؛ ولهذا من فقه الصحابي الجليل -وهو من سادات الفقهاء وأعيان فقهاء هذه الأمة- وهو عبدالله بن مسعودٍ ، قال: "أعظم الموبقات ثلاثٌ: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، أو القنوط من رحمة الله"، فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:99]، ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، كما جاء ذلك في كتاب الله [15]، فالمؤمن لا يأمن مكر الله، ولكن لا يقنط من رحمة الله.

فإذا قيل: أيُّ المقامين يُغلَّب: مقام الخوف أو الرجاء؟

قيل: هنا مسلكان: بعض أهل العلم قال: في مقامٍ يُغلَّب مقام الخوف، وفي مقامٍ يُغلَّب مقام الرجاء.

والأظهر -والله أعلم- أن مقام الرجاء هو الذي يُغلَّب؛ لأن الإنسان مهما أتى من الأعمال، ومهما أتى من الصالحات؛ فإنه فقيرٌ إلى ربه ، وعن هذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: لن يُدخِل الجنةَ أحدًا عملُه قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته [16]، فهذا من تعلق رسول الله بربه في مقام الرجاء.

ولكن الخوف عبادةٌ مشروعةٌ، الخوف من الله عبادةٌ مشروعةٌ، فالمؤمن يخاف ربه: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعات:40]، فالخوف من الله عبادةٌ، لكن لا ينبغي أن يُغلِق على النفس الرجاء وحسن الظن بالله ؛ فإن رحمة الله سبقت غضبه، وكتب الله بكتاب عنده، كما جاء في "صحيح البخاري" وغيره، بل في "الصحيحين" وغيرهما: إن الله كتب في كتاب عنده، فهو موضوعٌ عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي [17]، وفي روايةٍ: إن رحمتي سبقت غضبي [18].

والله قال في كتابه: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف:156]، ولكن هذا لا ينبغي أن يُعطِّل المؤمن عن طاعة الله ، أو أن يُجرِّئه على حدود الله وعلى معصية الله، بل إن تحقيق هذا الرجاء هو لزوم طاعة الله؛ لأن ربنا يُعبد محبةً وخوفًا ورجاءً، والله يُعبد ويُصلَّى له ويُسجد له، ونفعل الصيام والشرائع والمناسك والحج والعمرة استجابةً لأمر الله، ومحبةً لله ، وطلبًا لرضى الله، وخوفًا من سخط الله جل وعلا.

أهل المعاصي من المسلمين تحت مشيئة الله 

ونستغفر لمُسِيئهم، ونخاف عليهم ولا نقنطهم.

قال: ونستغفر للمسيء ونخاف عليه؛ كل مسلمٍ فإنه يُدعى له بالرحمة والمغفرة، مهما كان فاعلًا من المعاصي، ولا سيما إذا مضى إلى ربه بوفاته، فيُسأل له المغفرة والرحمة، والله هو الرحمن الرحيم، وقد يقول البعض: ولكنه كان كذا وكذا، نقول: لا يعلم ما في الصدور إلا الله، فقد تكون ظهرت منه بعض المعاصي -بل والكبائر- ولكن بينه وبين الله من الإيمان وأعمال القلوب ما لا يطلع عليه الناس؛ ولهذا قال النبي : إني لم أُؤمر أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس [19]، ولا يُتألَّى على الله .

ولذلك لما قال رجلٌ في بعض الأمم: والله لا يغفر الله لفلانٍ؛ قال الله سبحانه، كما في الحديث القدسي: من ذا الذي يَتألَّى عليَّ ألا أغفر له؟ فقد غفرت له وأحبطت عملك [20].

فالإنسان لا يتألَّى على الله؛ رحمة الله واسعةٌ، وعفو الله واسعٌ، وفضل الله على خلقه واسعٌ، ولكن كل هذا لا ينبغي للمسلم أن يجعله مُنقِصًا لمقام استجابته لربه؛ لأنه يعبد ربه لمحبته، ولاستحقاقه لمقام العبودية، ولرجائه ، وأعظم رجاء الله: هو رجاء رضوانه، وأعظم الخوف من الله: هو الخوف من سخطه .

والأمن والإياس ينقلان عن الملة وسبيل..

نقف على هذا، ونستكمل الدرس -إن شاء الله- بعد صلاة العصر، وبالله التوفيق.

^1 رواه مسلم: 2996.
^2 رواه البخاري: 3461.
^3 رواه البخاري: 3455، ومسلم: 1842.
^4, ^5 رواه البخاري: 4981، ومسلم: 152.
^6 رواه مسلم: 867.
^7 رواه البخاري: 39، بنحوه، والنسائي: 5034، واللفظ له.
^8 رواه البخاري: 5073.
^9 رواه مسلم: 2713.
^10 رواه مسلم: 1978.
^11 رواه البخاري: 16، ومسلم: 43.
^12 رواه أبو داود: 4739، والترمذي: 2435، وصححه الألباني.
^13 رواه مسلم: 2877.
^14 رواه البخاري: 7505، ومسلم: 2675.
^15 قال تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر:56].
^16 رواه البخاري: 5673، ومسلم: 2816.
^17 رواه البخاري: 3194، ومسلم: 2751.
^18 رواه البخاري: 7422.
^19 رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064
^20 رواه مسلم: 2621، بنحوه.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©