تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص

من قوله: "وكلهم يتقلًَّبون في مشيئته بين فضله وعدله.." (2)

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المشيئة الإلهية بين الفضل والعدل

قال الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى:

وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، لا رادَّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحُكمه، ولا غالب لأمره، آمَنَّا بذلك كله، وأيقنَّا أن كلًّا من عنده.

الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:

فهذا هو المجلس الثاني من مجالس شرح الرسالة الطحاوية، لأبي جعفر الطحاوي رحمه الله؛ وينعقد في الثامن والعشرين من الشهر الخامس من سنة ثمان وثلاثين وأربعمئة وألف من الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام، في المسجد النبوي الشريف مسجد رسول الله ، وكنا أتينا على قول أبي جعفر رحمه الله.

نعم.

شرح قوله: "وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله"

القارئ:

وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله.

 الشيخ: وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله؛ وهذا المعنى الذي قرَّره الطحاوي رحمه الله هو من الحقائق الشرعية المحكمة في أمر الله مع عباده، فإن الله له الفضل وله النعمة البالغة على عباده، وما من عبد من عباد الله إلا ولله عليه نِعَم بالغة. والله جل وعلا بيَّن نِعَمه في كتابه، بيَّن جملتها وأنها لا تُحصى، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وبيَّن تفاصيلَ من تفاصيل نِعَمه. وأعظم نِعَم الله على خلقه وعباده هي النِّعَم الشرعية؛ ويُراد بالنِّعَم الشرعية العِلم الإلهي الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام.

فالقرآن نعمة من الله على عباده، فهو نعمة الله الشرعية عليهم من حيث هو عِلم يعلمونه يعرفون الله به، ويعرفون به شرع الله، ويعبدون الله به على بصيرة؛ فهو نعمة من الله.

ونبينا آتاه الله أعظم النِّعَم التي أنعم بها على عباده المؤمنين وعلى أنبيائه المرسلين عليهم الصلاة والسلام، فأعظم النِّعَم هي النِّعَم الشرعية.

التوحيد هو أعظم نِعَم الله، والصلاة نعمة من نِعَم الله، والزكاة نعمة من نِعَم الله، والصيام نعمة من نِعَم الله، وما من شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة أو الباطنة إلا وشَرْعها وتشريعها نعمة من الله على عباده، وما من نهيٍ نهى الله عنه في أعظم ما نهى الله عنه -وهو الشرك بالله- وما بعد ذلك وما دونه؛ إلا والنهي عنه نعمة من نِعَم الله.

ومَن أتى بابًا من معصية الله أو الشرك بالله؛ فقد ترك مقام النِّعَم التي أنعم الله بها عليه. ولهذا؛ بيَّن الله أن الدِّين ملازم للنعمة، بيَّن الله في كتابه أن الدِّين مُلازِم للنعمة؛ أي: لتمامها، وإن كان من النِّعَم ما يقع لغير مَن آمن بالله، فإنه ما من عبد من عباد الله إلا ولله عليه نِعَم، ولكن النِّعَم الأعلى مُلازِمةٌ للدين، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]، وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل:53]

والمشروع للمؤمنين أن يشهدوا نِعَم الله عليهم -النِّعَم الشرعية- من العلم والتشريعات والعبادات وما شرع الله ورسوله، ويشهدوا النِّعَم الكونية التي آتاهم الله إياها، فهو بيده الأمر، وكل ما أصاب العباد من الخير فهو نعمة من الله عليهم. فمَن شهد هذا المقام شهد مقام الشكر؛ ومقامُ الشكر يُعَدُّ من أعظم مقامات التوحيد، وبه وصف اللهُ كبارَ الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ كما قال الله جل وعلا: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، وكما قال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ۝شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ [النحل:120-121].

فشُكْر نِعَم الله من أعظم مقامات العبودية وأخصِّها؛ ولكن الشأن في مقامَين:

في فقه النِّعَم؛ ما هي؟

وفي فقه مقام شُكْرها.

ومَن أدخل على العلم ما هو من التعصب الذي ذمَّه الله ورسوله، أو المماراة، أو استعمل العلم لغير وجهه الشرعي الذي أَجَلَّه الله به وشَرَّفه الله به؛ فقد خرم مقام هذه النِّعَم العظيمة التي يصطفي الله بها مَن يشاء.

كما أنه جل وعلا يبتلي بها مَن يشاء؛ فقد تكون هذه النعمة اصطفاءً، وقد تكون هذه النعمة ابتلاءً، والله له الحكمة البالغة فيما يقضيه لخلقه.

القارئ: قال رحمه الله:

وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله.

الشيخ: ولذلك كل مَن عصى الله فإن الله لم يُجْبِره على المعصية، وما من عبدٍ أطاع الله إلا والله له الفضل عليه، فالعباد يتقلبون بين فضله عليهم بنِعَمه، وفضلُه عليهم بنِعَمه في النِّعَم الكونية للمسلمين ولغيرهم، فالله له الفضل على عباده أجمعين، وفضله على المؤمنين بالنِّعَم الشرعية ونعمة الهداية.

ومَن كفر بالله أو عصى الله جل وعلا فإن الله لم يظلمه، وإنما كان ذلك من الله عدلًا؛ لأن الله خَلَقه بشرًا سويًّا، وخَلَقه مُدرِكًا، وألهَمَ نفسه لمَّا خلقها الرب جل وعلا، ألهَمَ اللهُ نفوسَ المكلَّفين الفجورَ والتقوى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7-8]. بل جعل موجب التقوى في النفوس أعظم من موجب الفجور، سواء من جهة الأصل أو من جهات الأدلة؛ فإن الشر ليس له دليل، والخير دليله مُفصَّل مُبيَّن، وهو نور من عند الله .

ولهذا؛ كانت نعمة الله بالغة وكانت حجة الله على خلقه بالغة، والله لم يجبر أحدًا من عباده على معصيته؛ والجَبْر عقيدة باطلة، وليست من عقائد المسلمين -في الأصل- حتى أدخلها مَن أدخلها، وإنما كانت تُعرَف عن قوم من فلاسفة الهند وغيرهم -كما ذكر ذلك كبار أئمة المقالات كالرازي وغيره-، وإنما دخلت بعد ذلك وصاروا يُسَمُّون في مقابل قول "القَدَرية" قولَ "الجَبْرية"، وكلتاهما مقالتان مُحدَثتان مُبتدعَتان في الإسلام. والله جعل الإنسان مختارًا، له مشيئة، لكن مشيئته واختياره تابع لمشيئة الرب جل وعلا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29].

نعم.

شرح قوله: "لا رادَّ لقضائه ولا مُعَقِّب لحُكمه"

القارئ: قال رحمه الله:

لا رادَّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحُكمه.

لا رادَّ لقضائه؛ فإذا قضى الله قضاءً وقدَّر قدرًا فإنه لا أحد يمنع قدر الرب ولا أحد يرد قضاء الله ، مهما بذل العباد من الأسباب التي هي من قدر الله، فإنَّ كل مَن أتى فعلًا من الأفعال ففعله قَدَرٌ من الله، وكل مَن أتى سببًا من الأسباب فهذا السبب إذا أتاه فإنما أتاه لأن الله قدَّره، ولو لم يَشَأْهُ الله ولم يقدِّرْه ما كان لهذا العبد أو ذاك أن يفعل هذا السبب والفعل؛ ومع ذلك فإنه إذا فعله -أي: السبب- فإنه قاصر في أثره، وليس من الأسباب ما يُحصِّل المُسبَّب على كل تقدير، فضلًا عن أن يَختَصّ سببٌ بحصول المُسبَّب، بل كل شيء لا بُدَّ فيه من أمر الله جل وعلا.

ولذلك؛ وقع في خلق الله ما يكون مقطوعًا عن السبب، وهذا مضى في خلق الله كثيرًا؛ ومن آحاده وأعيانه ما جاء في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام، فإن الله خلقه من أُمٍّ بلا أبٍ، وكما في العصا التي كان يحملها موسى عليه الصلاة والسلام لما أمره الله بإلقائها فإذا هي حية تسعى؛ فهذا من محض أمر الله وقَدَره.

وحتى ما يقع بالسبب؛ فإن الأسباب مخلوقة، والأفعال التي يفعلها العباد هي من أفعالهم، والأسباب التي يفعلونها هي من أفعالهم، وهم وأفعالهم مخلوقون لله فالله هو الخالق للعباد جل وعلا، فسَبَبُ العبد هو فِعله، وفِعل العبد هو تابع لذاك العبد، ولما كان العبد مخلوقًا فإن أسبابهم تابعة لهم، والله بيده الأمر وبيده القدر، فلا يكون شيء في الكون إلا بقضاء الرب وقدره، والله هو المريد وحده، وما أراده الله كان، وما لم يُرِدْه لم يكن، وإن كان للعباد إرادة لكنها إرادة قاصرة كسائر صفاتهم وأفعالهم.

النبوة وبعض خصائص النبي

القارئ: قال رحمه الله:

لا رادَّ لقضائه، ولا مُعقِّب لحُكمه، ولا غالب لأمره، آمنَّا بذلك كله، وأيقنَّا أن كلًّا من عنده. وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى.

الشيخ: وأن محمدًا عبده المصطفى ونبيه المجتبى. النبوة فضل من الله على صفوة خلقه، اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75]؛ فالنبوة اصطفاء من الله لصفوة خلقه الذين عَلِم الله تقواهم، وعَلِم الله استقامتهم، وعَلِم الله صلاحهم. واصطفى الله الأنبياء؛ اصطفى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى، واصطفى الله مَن شاء من رسله ومن أنبيائه الذين لم يُقَصُّوا علينا، إلى أن جاء اصطفاؤه لهذا النبي الكريم نبينا محمد الذي بشَّر به أخوه عيسى عليه الصلاة والسلام؛ كما ذكره الله في كتابه بقوله: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6].

وهو دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا روى الإمام أحمد في مسنده وغيره عن النبي قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى[1]؛ والمقصود بدعوة إبراهيم ما ذكره الله جل وعلا في سورة البقرة: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة:127]، وجاء بعد ذلك: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [البقرة:129].

فاقتضت حكمة الرب واصطفاؤه أن جعل محمدًا هو خاتم الأنبياء، وهو سيدهم وهو سيد ولد آدم؛ وقد قال الله في كتابه مبيِّنًا قدر نبينا وشرف مقامه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81]. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من السلف؛ قالوا: ‌ما ‌بعث ‌الله ‌نبيًّا ‌من ‌الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق؛ لئن بعث اللهُ محمدًا وهو حي ليؤمِنَنَّ به وليَنصُرَنَّه[2]؛ فهذا لشرف هذا المقام.

وقد بيَّن رسول الله ما فُضِّل به؛ كما جاء في الصحيحين وغيرهما من وجوه: فُضِّلت على الأنبياء بخمس[3]، ومنها قوله : أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرعب، وأُحِلَّت لي الغنائم، وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُرسلت إلى الخلق كافةً، وخُتم بي النبيون[4]، وأَخَصُّ ما فُضِّل به النبي هو القرآن الذي آتاه الله إياه، وآتاه آية لم يؤتَّ نبيٌّ من الأنبياء كما أوتي نبينا .

فالنبوة اصطفاء، وآية النبوة متعددة، وأعظم آيات الأنبياء هو العلم الذي أنزله الله عليهم، ثم بعد ذلك ما سمَّاه كثير من أهل العلم والنظر بـ"المعجزات"؛ وهي الخوارق الكونية التي تقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما يقدِّره الله ويقضيه من الأحوال والتصرفات، يقدِّرها الله ويأمر بها ، وتكون بأمره وإذنه جل وعلا، كما صار في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام يُبْرِئ الأكمه والأبرص، وكما صار في موسى عليه الصلاة والسلام لمَّا ألقى عصاه، إلى غير ذلك من الآيات. وصار لنبينا ما هو من ذلك أشياء وأحوال ذُكرَت في سنة النبي ، إلا أن أبلغ آياته هو الكتاب الذي أنزله الله عليه؛ ليكون هدًى للناس إلى قيام الساعة.

نعم.

القارئ: قال رحمه الله:

وإن محمدًا عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وكل دعوة نبوة بعد نبوته فَغَيٌّ وهوى.

الشيخ: لا نبوة بعد نبوة النبي ، وهذا من محكمات الأمر في الشريعة، ومُجمَع عليه بين المسلمين؛ كما قال الله جل وعلا: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] فخُتمت النبوة به ؛ وقد جاء في الصحيح وغيره عن النبي قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وإنه لا نبي بعدي[5].

وكل مَن ادعى النبوة أو ما هو من مقاماتها، أو ادعى أنه عنده من العلم ما لم يذكره الله في كتابه ولم يوحِه إلى نبيه ؛ فهو من الغي والضلال. كل مَن ادعى علمًا ليس موجودًا في كتاب الله أو سنة رسول الله ، وهذا العلم في شرع الله وفي عبادة الله؛ فهذا من الغي والضلال. ولم يؤت الله بعدما بعث رسوله علمًا لدُنيًّا كما صار في أمر الخضر مع موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذا القرآن صار فيه من الكمال والتمام والهدى والنور لسائر الخلق، وأعظم ما أوحى الله إلى عباده هو هذا القرآن الذي أنزله الله عليهم، فنزل على النبي ؛ كما قال الله جل وعلا: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ [الشورى:52].

رسالة النبي عامة للثَّقَلَين

القارئ: قال رحمه الله:

وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى.

الشيخ: نعم، نبينا بعثته للثَّقَلَين، للجن والإنس الذين خلقهم الله لعبادته؛ وهذا قوله وأُرسلت إلى الخلق كافةً، وخُتم بي النبيون[6].

نعم.

عقيدة أهل السنة في القرآن

القارئ: قال رحمه الله:

وإن القرآن كلام الله تعالى، منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيه وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، وليس بمخلوق ككلام البرية، فمَن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمَّه الله تعالى وعابه وأوعده عذابه.
حيث قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26]، فلما أوعد اللهُ سقرَ لمَن قال: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25] عَلِمنا أنه قول خالق البشر، ولا يُشْبه قول البشر.

الشيخ: القول في القرآن من القول في صفات الله؛ لأن القرآن كلام الله كما قال الله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6].

وربنا موصوف بصفات الكمال التي أخبر الله بها عن نفسه، وأخبر بها رسوله ، ومن صفات الكمال التي أخبر الله بها عن نفسه هذه الصفة الشريفة، وهو أن الله له صفة الكلام؛ يتكلم كيف شاء، إذا شاء، متى شاء، على ما يليق بجلاله .

بعض الأدلة على صفة الكلام

وكلامه ليس ككلام خلقه؛ فإنه جل وعلا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]، ولكن قد أخبر الله في كتابه بهذه الصفة؛ قال الله جل وعلا: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143]، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]؛ بل دليل هذه الصفة متواتر في القرآن.

وهنا يُعلَم أن الأدلة على الصفات تقع في كتاب الله على أوجُهٍ من التنوع، وبخاصة في جملة من الصفات كصفة العلو وصفة الكلام ونحوهما من الصفات، فإنك إذا نظرت هذه الصفة من صفات الله جل وعلا وجدت أنها سُميت في كتاب الله باسمها "الكلام"؛ كما في قول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]، وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164].

وأُخبر عن هذه الصفة بالقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]؛ فكل آية فيها ذِكر القول مضافًا إلى الله فهي دليل على كلام الله.

وأُخبر عن هذه الصفة بالإنباء؛ فكل آية فيها ذِكر الإنباء مضافًا إلى الله فهي دليل على كلام الله.

وأُخبر عن هذه الصفة بالمناداة؛ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا [الأعراف:22]، وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى [الشعراء:10] إلى غير ذلك؛ فكل آية فيها النداء مضافًا إلى الله والمناداة مضافة إلى الله لمَن هو من خلقه كأنبيائه؛ فإنها دالة على كلامه.

وكل آية فيها ذِكر أمر الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ [النحل:90]، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء:58]؛ فإنها دالة على كلام الله، إلى غير ذلك من الوجوه.

وهذا التنوع في ورود الآيات في القرآن على صفات الله ؛ يُعلَم به أن التأويل الذي استعمله مَن استعمله من الطوائف في الصفات يَمتنع، فإنه لو قُدِّر جدلًا أن سياقًا من السياقات احتمل التأويل في اللغة وسُلِّم جدلًا بتلك المقدمات الموهومة على اللغة مما سُمي بالمجاز ونحوه؛ فإن هذا لو جاز في سياق لتعذر اطِّراده في السياق الآخر، هذا إذا قُدِّر أن الدليل ورد على نوع واحد، فكيف إذا قدَّرت وعَلِمت وأدركت أن الدليل ورد على جملة من الأنواع في الخطاب؛ تارةً بذِكر القول، وتارةً بذِكر الكلام، وتارةً بذِكر الأمر، وتارةً بذِكر الإنباء، وتارةً بذِكر الأمر المطلق، وتارةً بذِكر الخبر المقيد في كلام الله سبحانه كتكليمه لعبده، إلى غير ذلك.

فساد التأويل في الصفات بناء على المجاز

فهذا التنوع في السياق من فوائده: أنه أحد الأوجه وأحد الأدلة الدالة على فساد منهج التأويل الذي استعمله مَن استعمله، إما مطلقًا في الصفات أو في مقام منها كصفات الأفعال، فإن التأويل لا بُدَّ له من مستنَد، ولما كان مستنَده متعذرًا في الشرع واللغة عُلم أنه طريقة باطلة، هذا إذا قُدِّر أن في اللغة ما يستوجب التأويل، مع أن ثمة مَن ينازع من أهل اللغة والشريعة في أن اللغة بريئة مما يُسمى بالمجاز إذا قُدِّر المجاز من عوارض المعاني.

وأما إذا قُدِّر المجاز على أنه من عوارض الألفاظ صار محضَ اصطلاح؛ كاصطلاحهم على تسمية الفاعل فاعلًا، وعلى تسمية الحال حالًا، وعلى تسمية التمييز تمييزًا.

فسَمَّوا الوصفَ المُبيِّنَ للحال حالًا، ولم تكن العرب -كما هو بَدَهي في أول أمرها وفي فصاحة كلامها- تسمي هذا حالًا، لكن لما وجدوا الوصف الفضل الذي يبيِّن الحال سَمَّوه بعد ذلك حالًا؛ ليميزوا أوجه الإعراب وبناء الكلام.

فإذا قُدِّر المجاز على هذا، وسُمي ما كان من إيجاز الحذف مجازًا لأنه معلوم مقطوع بالعلم به في السياق، وسُمي هذا النوع مجازًا؛ صار هنا اصطلاحًا محضًا، وصار هنا من عوارض الألفاظ. وإذا كان المجاز من عوارض الألفاظ؛ فهو كغيره من الاصطلاحات التي جرى فيها عُرف العلماء بقولهم: لا مُشاحَّة في الاصطلاح.

وأما إذا استُعمل المجاز باعتباره من عوارض المعاني فإن هذا هو الذي وقع فيه الوهم، وهو الذي جعل المعتزلةُ مقدمتَه مقدمةً لتأويل القرآن لمّا توهموا التعارض بين العقل والنقل فيما أوجبوه من مقدماتهم التي حصّلوها في علم الكلام عن أثر الفلسفة التي تُرجمت، وتلقفوها وتأولوا بذلك بعده القرآن في قول الله وإخباره عن صفاته جل وعلا، وقلَّدهم مَن قلَّدهم ممن تأثر بهذه الطريقة من بعدهم.

ويُعلم أن الله بيَّن المحكمات في كتابه، وأعظم المحكمات في كتابه هي توحيده سبحانه، وهي معرفته سبحانه، فلا يليق أن يُقال أن آيات الصفات من المتشابهات، بل آيات الصفات من أخصِّ المحكمات، وأصل الصفات معلوم بالفطرة ومعلوم بالعقل. والله قد فطر عباده على معرفته وعلى الإقرار بحقه ، إلى أن اجتالَتْهم الشياطين فصرفتهم عن هذا الإقرار الشريف الذي ابتدأهم الله نعمةً منه وفضلًا.

وعليه؛ فإن القرآن كلام الله مُنزَّل غير مخلوق، كلام الله كما أخبر الله بذلك في كتابه، وهو مُنزَّل من عند الله كما تواتر ذلك في كتاب الله؛ كقوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، إلى غير ذلك. وهو غير مخلوق؛ لأنه صفة من صفات الله، وصفات الله ليست مخلوقة، وإنما المخلوق هو البشر والعالَم وما كان فيه، وصفات هؤلاء هي المخلوقة، وأما الخالق فإنه يتعالى عن ذلك لِضَعف البرهان العقلي والبرهان الشرعي، بل التوهم في ذلك توهُّمٌ ممتنِع من جهة دليله ومُوجِبه، لا عقلًا ولا شرعًا ولا فطرةً.

والله لما اتخذ مَن اتخذ مِن بني إسرائيل العجلَ وعبدوه من دون الله، بيَّن الله أن مِن سَقَطِ هذا المعبود ومِن سَفَهِ أمره ومِن بطلانِ شأنِه؛ أنه لا يتكلم. فعُلم أن الكلام من صفات الكمال؛ قال الله جل وعلا: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:148].

وقد ذكر الله أن رسله بل أئمة الرسل عليهم الصلاة والسلام ذكروا في بطلان الأصنام أنها لا تتصف بصفات الكمال؛ كقول إبراهيم لأبيه وقومه: يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا [مريم:42]؛ فالله له صفات الكمال وهو السميع البصير، وهو المتكلم بكلامه على ما يليق بجلاله ، كما أخبر الله جل وعلا بذلك في كتابه.

وإذا كان يُعلم في العقول والفِطَر والشرع أن لله علمًا ليس كعلم المخلوق؛ فله بصر ليس كبصرهم، وله سمع ليس كسمعهم، وله كلام ليس ككلامهم، له جل وعلا الصفات العليا، وليس كمثله شيء، سواء قُدِّر هذا الشيء موجودًا أو قُدِّر مُتصوَّرًا في العقل أو مُتوهَّمًا، فعلى أي وجهٍ قُدِّر، وعلى أي فرضٍ فُرِض، فإن الله يتعالى عن ذلك، وكل ما يُقدَّر فإنه وَهْمٌ، والله ليس كمثله شيء كما أخبر الله في كتابه، وكما اقتضاه البرهان في العقل والشرع والفطرة والدين.

نعم.

القارئ: قال رحمه الله:

وإن القرآن كلام الله تعالى منه بدأ بلا كيفية قولًا، وأنزله على نبيه وحيًا، وصدَّقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، وليس بمخلوق ككلام البرية.

الشيخ: "وليس بمخلوق" هذا إبطالٌ لقول مَن قال بأن القرآن مخلوق -كما هو في طريقة غلاة أهل البدع-، أو لقول مَن قال بأنه معنى واحد قديم. وأثبتوا الكلام لكن جعلوه واحدًا، وهذا أيضًا قولٌ وإن كان دون القول الغالي إلا أنه من البدع المتروكة عند السلف.

نعم.

القارئ: قال رحمه الله:

وليس بمخلوق ككلام البرية، فمَن سمعه وزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمَّه الله تعالى وعابه وأوعده عذابه؛ حيث قال تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26]، فلما أوعدَ اللهُ سقرَ لمَن قال: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25] عَلِمنا أنه قول خالق البشر، ولا يُشْبه قول البشر.
ومَن وصف الله تعالى بمعنًى من معاني البشر فقد كفر، فمَن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر.

الشيخ: وهذا القول الذي يُقال في صفة الكلام، قاعدته تطَّرد من جهة طريقة ورود الأدلة وتحقيقها؛ قاعدته تطَّرد في سائر الصفات، وإن كان مقام تفصيل الصفات في القرآن ليس واحدًا؛ فمنها صفاتٌ فُصِّلت كصفة العلو، وصفة الاستواء على العرش، وصفة الكلام، إلى غير ذلك، وهنالك صفاتٌ ذُكِرت على مقامات مقيدة -كما سبق-.

حُكم مَن وصف الله تعالى بمعنى من معاني البشر

القارئ: قال رحمه الله:

ومَن وصف الله تعالى بمعنًى من معاني البشر فقد كفر، فمَن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعَلِم أن الله تعالى بصفاته ليس كالبشر.
والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية؛ كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

الشيخ: وهذا المعنى الذي ذكره المصنف لا يريد به التكفير لمَن أخطأ في هذا الباب بشيء من التأويل، فإن هذا مقام فيه تفصيل ولا يُقال فيه بالإطلاق، وإنما أراد أن الله بيَّن في كتابه بطلان قول مَن قال بأن هذا قول البشر، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ فهذا إنما استعمله المشركون في وصفهم للقرآن، وهو قول الله -أي: القرآن- وليس من قول البشر، وما علَّمه رسولَ الله بشرٌ، وإنما أنزله الله عليه. ولكنه أيضًا ضمَّنه معنًى؛ وهو أن المقالات البدعية يكون فيها شَبَهٌ من مقالات أهل الشرك وإن كانت ليست مطابقة لها، فهذه مشابهة في المقالات، وليس بالضرورة أنها تكون من المطابق.

رؤية الله يوم القيامة

القارئ: قال رحمه الله:

والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية.

إثبات رؤية المؤمنين لله في الجنة

الشيخ: والرؤية حق لأهل الجنة، رؤية الله جل وعلا مذكورة في كتاب الله وفي سنة رسول الله .

والمسألة الأصل في هذا الباب هي رؤية المؤمنين لربهم؛ رؤية المؤمنين لربهم في عرصات القيامة، وفي الجنة؛ وهذه الرؤية مذكورة في مثل قول الله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وفي قول الله جل وعلا: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]؛ وجاء في حديث صهيب الذي رواه مسلم وغيره عن النبي ، ذَكَرَ أمر أهل الجنة فذكر الزيادة، وهي رؤية الله ، ثم تلى رسولُ الله هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ[7]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على رؤية المؤمنين لربهم.

وهذه الرؤية على تمام كمال الله في صفاته، وهي والمذكور في قول الله جل وعلا: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام:103]، فهذا تحقيق العلم فيها؛ أن المؤمنين يَرَوْن ربهم في الجنة ولكن لا يدركونه؛ لأن الله يتعالى عن إدراك الأبصار، وليس كل مَن رأى شيئًا أدركه، وإذا كان هذا يقع في المُمكِنات والمخلوقات ففي حق الخالق من باب أولى.

بل إن الإدراك من المخلوق للخالق في رؤيته ممتنع، فإن الله تعالى عن ذلك، وهو المسمَّى في كتاب الله بقول الله: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ؛ فهذا إخبار شرعي وهو إخبار عن المعنى العقلي وعن المعنى الفطري المضمَّن في الآية.

فهذه المسألة ذُكرت في القرآن على هذا الوجه، وتواتَر عن رسول الله ذلك، كما جاء في الصحيحين وغيرهما من وجوه، حتى إن الذين رَوَوْا عن رسول الله أحاديث الرؤية -أي رؤية المؤمنين لربهم هم نحو ثلاثين من الصحابة، منهم العشرة المبشرون بالجنة؛ جاء ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري[8]، ومن حديث أبي هريرة[9]، ومن حديث صهيب[10]، ومن حديث جرير بن عبدالله البجلي[11]، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.

ومنه قول النبي كما في حديث جرير بن عبدالله البجلي : إنكم ستَرَوْن ربكم كما تَرَوْن القمر ليلة البدر، وكما تَرَوْن الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، لا تُضَامُّون في رؤيته[12] إلى غير ذلك. فهذه أحاديث متواترة محفوظة بإجماع المحدِّثين من جهة أصلها، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض أطرافها أو آحاد روايتها، لكنها في أصلها وثبوتها متواترةٌ محفوظةٌ بإجماع المحدِّثين.

ولما كان المخالفون من المعتزلة وغيرهم ليسوا عالِمين بعلم الحديث والرواية، وليسوا من أهل الإسناد، وإنما هم من أرباب العقليات والكلاميات؛ صاروا يقولون في مثل هذه الروايات بأنها آحاد، وهي ليست كذلك، وربما قالوا بأنه لم يَرْوِه إلا جرير بن عبدالله، وهذا من الأوهام العلمية فضلًا عن كونه مخالفةً شرعيةً، فإن السنة الثابتة عن رسول الله يُحفَظ أمرُها ولو رواها صحابي واحد، ما دام أنها سنة محفوظة عند أهل العلم بالإسناد والرواية؛ كحديث عمر : إنما الأعمال بالنيات...[13]، فهذه مسألة متواترة في الكتاب والسنة.

وقد ذكر الدارقطني رحمه الله وغيره من أهل العلم جملةَ الرواية التي رُويت عن النبي في الرؤية، وصنَّف الدارقطني رحمه الله في هذا كتابًا وجزءًا مختصًّا، وذكرها أبو بكر الآجُري في كتاب "الشريعة"، وذكرها غيرُهما.

وخلاصة هذه المسألة التي هي من الأصول في عقيدة أهل السنة والجماعة: أن المؤمنين يَرَوْن ربهم ولا يدركونه، ولا يحيطون به رؤيةً، مع تحقيق إثبات الرؤية، جمعًا بين الآيات وما اقتضاه دليل الشريعة ودليل العقل والفطرة، في أن الله يتعالى عن الإدراك والإحاطة، والقرآن يُصَدِّق بعضُه بعضًا وليس ينافي بعضُه بعضًا.

وأما قوله جل وعلا: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]؛ فهذا النفي مختص بما كان عليه السؤال -وهو في الدنيا-، ولن يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت -كما أخبرَ النبيُّ -.

ولو كانت الرؤية مما لا يليق بالله لَمَا كان نبيٌّ من الأنبياء بل رسولٌ من أخصِّ رُسُل الله -وهو موسى عليه الصلاة والسلام- يسأل ربه هذا المقام، وأنت ترى أن الله في كتابه لم يذكر على نبيه موسى أنه ضل في سؤاله هذا -وحاشاه عن ذلك-.

بل إن الله قال لعبده: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، وقد عُلِّق الأمر على أمر ممكن، وإذا علَّقت العربُ الأمرَ على الممكن دل على أنه ممكن في نفس الأمر، وإذا عُلِّق على الامتناع دل على أنه ممتنع؛ لقول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ [الأعراف:40]؛ فهذا بَانَ به أنهم لا يدخلون الجنة أبدًا، وأن دخولهم الجنة دخول ممتنع لأن ولوج الجمل في سَمِّ الخياط ممتنع، سواء فُسِّر الجمل بحبل السفينة الغليظ، أو فُسِّر الجمل بالحيوان، وهذا كله يُعلَم امتناعه في الحس. وبهذا يُعلَم أن الله بيَّن في هذه الآيات ما يقتضيه كماله في هذه الصفة الشريفة، ودل عليه الكتاب والسنة والإجماع.

وثمة مسألتان مُلحَقتان يذكرهما أهل العلم في ذِكر مسألة الرؤية:

المسألة الثانية: وهي رؤية النبي لربه ليلة المعراج؛ فهذه قد صار أكثر المتأخرين يرجحون فيها أو يطلقون فيها، وينسبونه لأكثر العلماء، أن النبي رأى ربه. وهذه النسبة التي نُسبت من بعض المتأخرين من العلماء والشُّرّاح وأهل الأحوال ليست محققة.

والصحيح فيها الذي عليه جماهير السلف والخلف، بل هو ظاهر مذهب الصحابة ، بل حكاه الدارِمي رحمه الله إجماعًا للصحابة، ودل على ذلك ظاهر القرآن وصريح السنة؛ أن النبي لم يَرَ ربه ببصره ليلة المعراج، وإنما يُقال إنه ظاهر القرآن؛ لأن كتاب الله ليس فيه ذِكر مُسمّى بالتصريح لهذه المسألة، وإنما قال الله في كتابه: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]؛ فذَكَرَ اللهُ ذلك على سبيل الامتنان على عبده ورسوله محمد ، ولو كان الله جل وعلا امتنَّ على عبده برؤيته لربه لَكَان الامتنان والإشادة برؤية النبي لربه أعظمَ من الامتنان برؤيته لبعض آيات ربه .

وأنت ترى أن الآية وَقَفَ امتنانُ الله وذِكرُ مقام الامتنان فيه على رؤية الآيات؛ وذكَرَ اللهُ ذلك على تمام الفعل في قوله : لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18]؛ فلم يقع في كتاب الله ذِكرٌ لذلك.

وأما السنة فإنها صريحة في نفي ذلك كما جاء في حديث أبي ذرٍّ الذي أخرجه مسلم وغيره من غير وجه عن رسول الله ؛ قال: سألت رسول الله : هل رأيتَ ربك؟ فقال النبي : رأيتُ نورًا[14]، وفي وجه آخر رواه مسلم: نورٌ أنَّى أراه[15]؛ فدل ذلك على أن النبي لم يَرَ ربه، وقد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها من الصحابة يصرّحون بنفي ذلك.

وقالت عائشة رضي الله عنها لمسروقٍ رحمه الله: مَن حدَّثك أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفِرية[16]، ولم يُحفظ عن صحابي من الصحابة بإسنادٍ صحيح أن النبي رأى ربه ببصره، وإن كان هذا المذهب نسَبَه بعضُ المتأخرين من العلماء وشُرّاح الحديث لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما، ونسَبَه طائفةٌ من أصحاب أحمد كرواية عن الإمام أحمد أو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهذا غلط على ابن عباس وعلى الإمام أحمد وكبار أئمة السنة، فإن هذا ليس محفوظًا عن أحد من الصحابة، كما حقَّقه كثير من محققي العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره.

والمقصود هنا: أن هذه المسألة ليست من مسائل الأصول التي يُضَلَّل فيها المخالف، ولكنها مسألة شريفة ودليلها بَيِّن في الكتاب والسنة.

المسألة الثالثة: وهي رؤية الكفار والمنافقين لربهم؛ وهذه المسألة ليست من مسائل الأصول، وفيها نزاع مذكور عن جملةٍ من المتقدمين وجمهور المتأخرين على أقوال مختلفة في مذهب الإمام أحمد وغيره.

الرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة

القارئ: قال رحمه الله:

والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية؛ كما نطق به كتاب ربنا: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ۝إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، وتفسيره على ما أراد الله تعالى وعَلِمه. وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا نَدخُل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما يَسْلم في دينه إلا مَن سلّم لله ​​​​​​​.

الشيخ: الصحابة لمّا حدّثهم النبي وقال: إنكم سَتَرَوْن ربكم...[17]، ولمّا نزل القرآن مخبرًا بذلك؛ لم يُحفظ أن صحابيًّا واحدًا من الصحابة استشكل هذا المقام، أو أورد عليه الإيراد، أو سأل عليه السؤال؛ مما يدل على أن هذا العلم من العلم المُلاقي للفطرة الذي يصدّقه مَن عرف الله وآمن بما أنزل الله، ولا ينافي كمال الله سبحانه لأن الله بيَّن في كتابه أمره؛ فقال سبحانه: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: 103].

موقف أهل السنة من النصوص المتشابهة

القارئ: قال رحمه الله:

وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا نَدخُل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما يَسْلم في دينه إلا مَن سلّم لله ​​​​​​​ ولرسوله ، وَرَدّ عِلم ما اشتَبَه عليه إلى عالِمه.

الشيخ: نعم، فإنه لا يَسْلم في دينه إلا مَن سلّم لله؛ فإن الله جل وعلا يقول: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65]؛ فهذا المقام الأول.

ثم قال الله مبيِّنًا المقام الثاني الواجب: ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ [النساء:65].

ثم ذكر الله تمام المقام فقال: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

فهذه ثلاثة مقاماتٍ وأوصافٍ؛ مَن حقّقها فقد حقّق الاستجابة لله وعَبَدَ الله على بصيرة، فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]؛ فيسلّمون بهدي رسول الله ، ويلزمون سنته، ويتبعون هديه وما جاء به من الحكمة وما نزل عليه من الكتاب المبين.

رُكنا التوحيد الخالص

القارئ: قال رحمه الله:

ولا تَثبت قدمُ الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمَن رام عِلمَ ما حُظِر عنه عِلمه، ولم يَقْنع بالتسليم فَهْمُه؛ حَجَبَه مَرامُه عن خالص التوحيد.

نعم، خالص التوحيد يكون بركنَين:

  • الركن الأول: العلم.
  • والركن الثاني: التسليم.

توحيد الله له ركنان: العلم، والتسليم.

أي: العلم بما شَرَع الله ، والعلم هو: القرآن والسنة.

والتسليم هو: الاستجابة والقبول والتصديق واليقين، وكلها أسماء مذكورة في كتاب اللهر. ولمّا كان أبو بكر على مقام التسليم الأعظم بين الصحابة بل في جميع الأمة؛ وُصف بهذا اللقب، وسُمي بـ"الصديق"؛ لأنه كان مُسَلِّمًا لله مُحقِّقًا للاستسلام له جل وعلا.

ولذلك؛ اسم "الاستسلام" هو اسم شرعي، وسَمَّى الله به دين الأنبياء جميعًا؛ كما قال الله : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران:19]، وكما قال الله جل وعلا: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا [آل عمران:67]. فالإسلامُ استسلامٌ لله، والنفوس المؤمنة لا يتحقق إيمانها إلا إذا استسلمَت لله وصدّقَت وأيقنَت وأذعنَت وخشعَت؛ وعن هذا قال الله جل وعلا: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16]، وذِكر الله هو: القرآن. فتخشع قلوبهم؛ أي: باستسلامهم لله، والاستجابة لهذا العلم الذي أنزله الله عليهم.

ولذلك؛ بيَّن الله المعرفة التي يكون عليها مَن يكون من اليهود وغيرهم؛ وقال الله جل وعلا: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [البقرة:146]، وقال عن قوم آخرين: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]؛ فهذه المعرفة ليست معرفةَ الاستجابة التي وُصف بها العلماء ووُصف بها المؤمنون.

ولذلك؛ العلم الحق يُوجِب خشية الله، ويُوجِب الاستسلام له، ويُوجِب الإخلاص له، ويُوجِب القنوت له؛ كما قال الله عن عبده إبراهيم: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل:120]؛ فالقانت هو العالم بالله المستسلم له جل وعلا، وصاحبه هو صاحب القلب السليم الذي قال الله فيه: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89]؛ ولذلك كان النبي يجمع المقامَين، إن أتقاكم وأعلَمَكم بالله أنا[18]، وكما قال الله جل وعلا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]؛ فهما مقامان مجتمعان: مقام العلم، ومقام الاستسلام لله تعالى.

وإذا استسلم العبد لربه عَبَدَ ربَّه كأنه يراه، وهذا المقام الذي سمَّاه رسول الله فيما جاء في سنته بمقام "الإحسان"؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فيجب على المسلم -وعلى حامل العلم بخاصة- أن يعرف لهذا العلم قدره، وأنه عبادة لله، فيعظِّم أمر الله وما شرع الله ، ويعظِّم كتاب الله، ويعظِّم سنة رسول الله ، ويجعل قلبه مستسلمًا لله تعالى، وألَّا يستسلم لنزعاته، ولا لشهواته، ولا لأمْرِ نفسه؛ فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي -رحمنا الله وإياكم برحمته-.

خطر مَن لم يسلِّم لكتاب الله وسنة رسوله

القارئ: قال رحمه الله:

فمَن رام عِلمَ ما حُظِر عنه عِلمه، ولم يَقْنع بالتسليم فَهْمُه؛ حَجَبَه مَرامُه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان؛ فيتذبذب بين الكفر والإيمان، والتصديق والتكذيب، والإقرار والإنكار، مُوَسوسًا تائهًا، شاكًّا زائغًا، لا مؤمنًا مصدقًا، ولا جاحدًا مُكذِّبًا.

الشيخ: هذه الشبهات في العلم إنما تأتي إذا أدخلَ الإنسانُ على نفسه دَخَلًا، إذا أدخلَ الإنسانُ على نفسه دخلًا في العلم دخلت عليه هذه الشبهات. وأما مَن اعتصم بحبل الله -وهو القرآن-، وتمسك به، وأخذ فهمه عن سلف هذه الأمة، ومضى على طرائق العلماء المعتبرين في فقه القرآن، وفي فقه السنة كفقه الإمام مالك وأصحابه، وفقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وفقه الإمام الشافعي وأصحابه، وفقه الإمام أحمد وأصحابه، وأمثالهم من أعيان الفقهاء، فجرى على جادة العلماء وعلى قواعد الفقه وعلى قواعد الشريعة، وجرى في أصول العقيدة على ما مضى عليه الصحابة وأجمعوا عليه؛ فإن هذا يكون محفوظًا بحفظ الله ورحمته عن هذا الدَّخَل؛ فإن الدَّخَل إنما يأتي الإنسان بظُلْم نفسه.

وعلماء الشريعة رحمهم الله -من علماء المذاهب- قد أحكموا ما يتعلق بفروع الشريعة، ولم يختلفوا في أصول الدين، بل أجمع الصحابة على أصول الدين، وتنوع قولهم في بعض فروع الشريعة، ولما جاء مَن بعدهم استَتَمَّ التابعون لهم بإحسان على هذه الطريقة. ولهذا؛ إذا نظرت علمَ الفقه مثلًا أو علمَ التشريع عند المسلمين؛ وجدت أن هذا التشريع في فروع الدين قد نظَّمه العلماء على خمسة علوم، فينظر إليه بعضُ الناظرين على أنه علم الفقه، في حين أن العلوم التي رُسِمت على التشريع في فروع الشريعة هي خمسة علوم:

علم الفقه، وعلم أصول الفقه، وعلم القواعد الفقهية، وعلم مقاصد الشريعة، وما عرف بعلم التخريج الفقهي.

فتجد أن تحصيل الفروع يدور على النظر في هذه العلوم الخمسة.

وإذا نظرت في العلم الأعلى والفقه الأكبر -وهو أصول الدين-؛ وجدت بيانَ العلماء رحمهم الله له في كتاب الله لأنه بَيِّنٌ صريحٌ في القرآن، ولكنهم جمعوا الآيات، ورتبوا الدلائل. ولما حصل بعض الاشتباه قسَّموا بعض التقاسيم -كما سبق الإشارة إلى ذلك-؛ لتزول الشبهات عمَّن توهَّم شبهة، أو أشكل عليه وارد أو عارض توهَّمه أو سمعه، وإلا فكتاب الله لمَن فتح الله عليه في فهمه هو النور، وهو الهدى، وهو الحق الذي يعصم اللهُ به النفوس. فمَن جعل هذا القرآن منهجًا له، وصراطًا مستقيمًا وهديًا، ولزمه؛ حفظه الله به.

خطر النفي والتشبيه لصفات الله

القارئ: قال رحمه الله:

ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام بمَن اعتبرها منهم بِوَهْمٍ، أو تأوَّلها بفهم؛ إذ كان تأويلُ الرؤية -وتأويلُ كل معنًى يضاف إلى الربوبية- تَرْكَ التأويل ولزومَ التسليم، وعليه دين المرسلين، ومَن لم يتوقَّ النفي...

الشيخ: التأويل من الأسماء التي صار فيها إجمال واشتراك؛ ورد التأويل في مثل قول الله جل وعلا: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران:7]، وجاء في مثل قول الله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف:53]؛ فالتأويل في كتاب الله يُراد به تارةً "الكُنْه والحقيقة"، وتارةً يُراد به "المعنى والتفسير والبيان".

ولا يُراد بالتأويل ما سمَّاه المتكلمون من صرف الكلام عن ظاهره أو عن حقيقته إلى مجازه لقرينة؛ فإن التأويل بهذا المعنى محدثٌ وطارئ على اللغة وعلى الشريعة، وغاية ما يُذكر في المجاز أنه يقع على نوعين من جهة معانيه:

  • إما أنه إيجاز الحذف.
  • وإما أنها الألفاظ المشتركة؛ فإنهم يمثِّلون له بمثل قول الله: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [الكهف:77]، أو بمثل قول الله: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82].

والأول: هو من باب إيجاز الحذف؛ وحذف المعلوم معروف في سائر اللغات سواء العرب أو غير العرب، وهو في كلام العرب مشهور؛ ولهذا اتفق علماء النحو على أن حذف المعلوم جائز، وهذا أمر بدهي في العقول فضلًا عن اللغات؛ أن القول يُحذَف فيه ما كان معلومًا.

والثاني: هو من باب المشترك.

وإذا جئت إلى تأويل صفات الله لم يصح ذلك؛ لأن التقدير هنا إذا قُدِّر على مخالِف للقرآن فسيكون متعذرًا من جهة الثبوت العقلي فضلًا عن المخالفة الشرعية؛ فإن قول مَن يقول: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر:22]، ثم يجعلون مضافًا محذوفًا، ثم يختلفون في تعيين هذا المضاف؛ قيل: من أوائل المقدمات في حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامَه؛ أن يكون المضاف المحذوف معلومًا مُتيقَّنًا، والأمر ليس كذلك، بل هذا من الغيب، وأن مجيء المَلك، أو مجيء الرحمة، أو مجيء جبريل إلى غير ذلك، وإن قُدِّر إمكانه إلا أن تعيينه في هذا المقام من الغيب، وعليه يكون تخرُّصًا، ولما كان تخرُّصًا عُلم أن الآية لا حذف فيها، وأنها على باب إثباتها لأفعال الله اللائقة بكماله؛ كما قال الله جل وعلا: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22]

القارئ: قال رحمه الله:

ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام بمَن اعتبرها منهم بِوَهْمٍ، أو تأوَّلها بفهم؛ إذ كان تأويلُ الرؤية -وتأويلُ كل معنًى يضاف إلى الربوبية- تَرْكَ التأويل ولزومَ التسليم، وعليه دين المرسلين، ومَن لم يتوقَّ النفي والتشبيه زلَّ ولم يُصِبِ التنزيه.

الشيخ: ومَن لم يتوقَّ النفي والتشبيه.

إذًا؛ هم مسلكان يقع فيهما الخطأ:

  • إما التأويل والنفي -أو ما سمَّاه السلف تعطيلًا-.
  • وإما الإثبات الذي فيه زيادة تصل إلى التشبيه.

والعدل والوسط في دين الله، وفي العلم الشرعي الصحيح -علم الكتاب والسنة-؛ هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من أسمائه وصفاته على ما يليق بجلاله سبحانه؛ ومن قواعده في كتاب الله ما جاء في قول الله جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

فهذه الآية فيها: بيان كمال الله، وأنه لا يُشْبه خلقه، وليس كمثله شيء، وفيها بيان إثبات الأسماء والصفات له. فإن ربنا هو السميع البصير، وهو العزيز الحكيم، له الأسماء الحسنى وله الصفات العلى، وهو الواحد وحده لا شريك له، لا في ربوبيته، ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته.

ولذلك؛ وجب على المسلم أن يكون قائمًا على ما مضى به القرآن وأخبر به القرآن، وألَّا يزيد؛ فإن الزيادة ضلالة وبدعة في الدين، وألَّا يتأوَّل ويعطِّل ويُنقِص هذا المقام عمَّا ذكره الله، فإن هذا بدعة مقابِلة، ودين الله وسط، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة:143].

القارئ: قال رحمه الله:

ومَن لم يتوقَّ النفي والتشبيه زلَّ ولم يُصِبِ التنزيه؛ فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوتٌ بنعوت الفردانية، ليس في معناه أحد من البرية، تعالى عن الحدود والغايات، والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات السِّتّ كسائر المبتدعات.

الشيخ: نقف على هذا القدر من كلام أبي جعفر؛ لأنه يحتاج إلى شيء من التفصيل، ونسأل الله أن يتيسر بعد ذلك التمام.

هذا، ونسأل الله جل وعلا بأسمائه وصفاته أن يجعلنا وإياكم هُداةً، وأن يجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

اللهم اجعلنا هُداةً مهتدين.

اللهم ارزقنا العلم النافع، والعمل الصالح الخالص لوجهك الكريم، اللهم اجعلنا من أتباع سنة نبيك محمد .

اللهم يا ذا الجلال والإكرام، آمِنَّا في أوطاننا.

اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

اللهم وفِّق ولي أمرنا لما تحب وترضى، اللهم خذ بناصيته يا حي يا قيوم للبِر والتقوى، اللهم اجعله هاديًا مهديًّا.

اللهم وفِّق ولي أمرنا ونائبيه واجعلهم هُداةً مهتدين.

اللهم احفظ على بلادنا الأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وعلى سائر بلاد المسلمين يا حي يا قيوم.

اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا.

اللهم اغفر لعبادك المسلمين أجمعين، الأحياء منهم والميتين.

اللهم اجعلنا من أهل العلم النافع والعمل الصالح، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد.

وشكرَ الله لكم هذا اللقاء، وأشكر هذه الجهة الكريمة الشريفة التي كُلِّفت بهذا المسجد وبالمسجد الحرام، وهي الرئاسة، شكرَ الله لها ولرئيسها صاحب المعالي الشيخ عبدالرحمن ولنائبه، ولكل مَن يعمل فيها، جزاهم الله خيرًا على ما بذلوه، وجعلهم الله سببًا مباركًا لهذه المجالس العلمية، فجزاهم الله عنا خيرًا جميعًا، وغفر الله لنا ولهم، وبارك الله لنا ولهم في أعمارنا وأعمالنا، وجعلنا وإياهم هُداةً مهتدين، وللسامعين أجمعين، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، رحم الله الجميع برحمته، وغفر للجميع بمغفرته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

^1 رواه أحمد في المسند: 17150، والحاكم في المستدرك، واللفظ له: 3566، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1545.
^2 تفسير ابن كثير، دار الكتب العلمية، 2/ 58.
^3 رواه الطبراني في المعجم الكبير: 6674، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4221. وهو في الصحيحين بلفظ: أُعطيت خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحِلَّت لي المغانم ولم تَحِلَّ لأحد قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النبي يُبعث إلى قومه خاصةً وبُعثت إلى الناس عامةً. رواه البخاري في مواضع منها: 335 و438، ومسلم: 521.
^4 رواه مسلم: 523، وهو بلفظ: فُضِّلت على الأنبياء بِسِتٍّ: أُعطيت جوامع الكلم....
^5 رواه البخاري: 3455، ومسلم: 1842.
^6 رواه مسلم: 523.
^7 رواه مسلم: 181.
^8 رواه البخاري: 4581، ومسلم: 183.
^9 رواه البخاري: 806، ومسلم: 182.
^10 رواه مسلم: 181.
^11 رواه البخاري: 554، ومسلم: 633.
^12 بنحوه رواه البخاري: 554، ومسلم: 633.
^13 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^14, ^15 رواه مسلم: 178.
^16 رواه مسلم: 177.
^17 سبق تخريجه.
^18 رواه البخاري: 20.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©