تاريخ النشر
المكان:
المسجد النبوي
الشيخ:
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص
معالي الشيخ د. يوسف بن محمد الغفيص

من قوله: "ومن لم يَتَوَقَّ النفي والتشبيه.." (3)

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد: 

فينعقد هذا المجلس من مجالس شرح "الرسالة الطحاوية" للعلامة أبي جعفرٍ الطحاوي رحمه الله في السادس والعشرين من الشهر السادس من سنة ثمانٍ وثلاثين وأربعمئةٍ وألفٍ من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام، في المسجد النبوي الشريف مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وقد ابتدأنا فيما سلف من المجلس في أوائل هذه الرسالة، ونستتم -مستعينين بالله، سائلينه جل وعلا التوفيق والسداد- ما بين أيدينا من كلام أبي جعفرٍ رحمه الله.

القارئ: بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولمشايخه ولجميع المسلمين.

‌‌لا يكون تنزيه الله ​​​​​​​ إلا بتوقِّي النفي والتشبيه

قال الإمام الطحاوي رحمه الله:

ومن لم يَتَوَقَّ النفي والتشبيه؛ زل ولم يُصِب التنزيه.

الشيخ: قال الطحاوي رحمه الله: "ومن لم يَتَوَقَّ النفي والتشبيه؛ زل ولم يُصِب التنزيه".

صفات الله جل وعلا، وكمال الرب محقَّقٌ ومحكمٌ ومستقِرٌّ بالفطرة التي فطر الله الخلق عليها، ومستقِرٌّ بما أنزل الله على أنبيائه ورسله من الكتب والحكمة والنبوة التي بعث الله بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّا نعلم أن دين الأنبياء واحدٌ؛ وهو توحيد الله جل وعلا، وتوحيده هو وحدانيته جل وعلا في ربوبيته، وأنه المعبود وحده لا شريك له، وأنه جل وعلا فعَّالٌ لما يريد، وأنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأن له الأسماء الحسنى، كما بيَّن الله ذلك في كلامه، وكما جاء به رسوله .

فهذا الكمال الذي لرب العالمين لا يدخل فيه كمالٌ بشريٌّ، ولا يُضاهيه أحدٌ من خلقه، فإن ربنا جل وعلا يتعالى عن خلقه وعن سائر ملكوته، وهو الخالق، وما سواه مخلوقٌ، وهو الذي على كل شيءٍ قديرٌ، وله المشيئة الشاملة، والإرادة العامة، وله الكمال المطلق، وله الأسماء الحسنى؛ كما قال جل وعلا: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180].

وصفات الله هي صفات الكمال المطلق، وهي مأخوذةٌ من كلام الله ورسوله؛ فإن ربنا ذكر أسماءه الحسنى وما تضمنته هذه الأسماء من صفات الكمال لرب العالمين جل وعلا، قال الله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر:23]، فهذه وأمثالها هي أسماء الله جل وعلا، وهي الأسماء الحسنى التي أمر الله عباده أن يدعوه بها، وأن يُخلِصوا الدين في دعائهم لله جل وعلا.

ونعلم أن ما يتصف به الرب من صفات الكمال التي تضمنها القرآن والحديث، ودلَّ عليها دليل الفطرة، وجملتها مأخوذةٌ ومعتبرةٌ أيضًا بدليل العقل، وإن كان العقل لا يصل إلى تفاصيلها وتفاصيل أفعال الله جل وعلا، وإنما ما خاطبنا الله به موافقٌ للفطرة وموافقٌ للعقل، وإن كان هذا العلم -وهو علم أسماء الله وصفاته- يُتلقى عن كلام الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا الحق هو الذي أجمع عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقتصدين في إيمانهم، والمقصود بأنهم مقتصدون في إيمانهم: أي أنهم يعتبرون هذا الباب بكلام الله ورسوله ، وعلى هذا دَرَجَ سلف هذه الأمة من الأئمة المتبوعين من أئمة التابعين ومن بعدهم من أئمة الإسلام؛ كأبي حنيفة ومالكٍ والشافعي وأحمد وأمثال هؤلاء.

قال الإمام أحمد رحمه الله: "نَصِف اللهَ بما وصف به نفسه"، أي: في كتابه الكريم، "وبما وصفه به رسوله ، لا يُتجاوز القرآن والحديث" [1]، أي: لا يُزاد على ما في كلام الله ورسوله؛ فإن هذا من أعظم أبواب الدين وأخص أصول التوحيد، وقد قال الله جل وعلا في كتابه: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3].

وإذا نظرت هدي الرسول ، بل إذا نظرت إلى هدي سائر الأنبياء الذين سمى الله هديهم في كتابه، كما في سورة الأنبياء وغيرها؛ وجدت أنهم يدعون الله بأسمائه، ويدعونه مخلصين له الدين، ويؤمنون بما لرب العالمين جل وعلا من الكمال، بعيدين عن التشبيه والتمثيل؛ فإن هذا باطلٌ في الشرع، وباطلٌ في العقل، وباطلٌ في الفطرة، قال ربنا جل وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

فالمؤمن يؤمن بأسماء الله وصفاته كما أخبر الله بذلك في كتابه، وما لله من الصفات فهذه تليق برب العالمين جل وعلا، لا يصح لعبدٍ أن يقع في خَلَده، أو في تصوُّرِه أو في وهمه وظنه؛ أن لها قدْرًا من مشاركة صفات المخلوق في معانيها ودلائلها؛ فرب العالمين صفاته على معنًى تختص به، ومعانيها معلومةٌ في اللغة والشرع، لكن ليس شيءٌ من خصائص المخلوق يكون للخالق، وليس شيءٌ من خصائص الخالق جل وعلا يكون للمخلوق، لا في باب الصفات، ولا في باب الأفعال، ولا في غيرها من الأبواب.

فما لله من الفعل والصفة فهو يختص به، وما للمخلوق فهو ناقصٌ يختص بالمخلوق؛ لأن الله خالقٌ، وصفات الخالق غير صفات المخلوق، وهذا حكمٌ بَدَهِيٌّ في الفطرة، وبدهيٌّ في العقل، وبدهيٌّ في الشرع؛ فإن صفة الخالق تليق به جل وعلا، ويمتنع، بل هذا من أخص الممتنِعات وأبلغ الممتنعات، بل هو أعلاها امتناعًا؛ أن يكون الخالق كالمخلوق، تعالى الله جل وعلا عن ذلك.

إنما ربنا جل وعلا أخبرنا بأسمائه وصفاته، وهذه الصفات معلومةٌ من جهة معانيها على ما يليق بجلال الله جل وعلا، وهذه المعاني المعلومة بدليل الشرع ودلالة اللغة إنما تكون بما يتعلق بكمال الله جل وعلا، وإن كانت الكيفية لأفعال الله لا يبلغها عقل عاقلٍ، قال الإمام مالكٌ رحمه الله لما سأله رجلٌ عن الاستواء، فإن ربنا أخبر في كتابه في سبعة مواضع من القرآن أنه استوى على العرش، قال رجلٌ للإمام مالكٍ إمام دار الهجرة، إمام المدينة في زمنه، قال له: يا أبا عبدالله، إن الله يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فكان هذا السؤال سؤالًا باطلًا وسؤالًا مبتدَعًا؛ لأنه سؤالٌ عن كيفية فعل الرب جل وعلا.

فأجابه مالكٌ بقوله: "الاستواء معلومٌ"، أي أنه معلوم الثبوت في الشريعة كما جاء به القرآن، ومعلوم المعنى من جهة اللغة، ومن جهة اقتضاء الشريعة أيضًا، قال: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ" [2]، وفي روايةٍ صحيحةٍ عن مالكٍ قال: "والكيف غير معقولٍ" [3]؛ فإن ربنا لا تبلغه الأوهام، فكل تصورٍ تصوَّرَ في كيفية أفعال الله؛ فهو وهمٌ من أوهام العقل، وباطلٌ لا يليق بجلال الله ؛ لأن العقل البشري لا يحيط بكمال الله، وليس مخلوقٌ خلقه الله يحيط بكمال رب العالمين، والله جل وعلا لا يُحاط بأفعاله، ولا يحاط بكماله، ولا يُحاط بحكمته، ولا يُحاط بعلمه، ولا تُدركه الأبصار، قال الله جل وعلا: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام:103].

قال مالكٌ: "الاستواء معلومٌ، والكيف مجهولٌ"، وفي روايةٍ صحيحةٍ عنه: "والكيف غير معقولٍ، والإيمان به واجبٌ"، وإنما وجب الإيمان به؛ لأن الله أخبر به، وما أخبر الله به في كتابه؛ وجب على كافة المؤمنين أن يؤمنوا به، بل إن الله جعل رسالة محمدٍ  للثقلين أجمعين.

"والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه بدعةٌ"، أي: السؤال عن الكيفية سؤالٌ محدَثٌُ في الاسلام، وليس من الأسئلة الشرعية، بل إنه سؤالٌ باطلٌ في الشرع والعقل والفطرة؛ لأن الله جل وعلا كما أخبر في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

‌‌إثبات صفة الوحدانية والفردانية لله جل وعلا

القارئ: قال رحمه الله:

فإن ربنا جل وعلا موصوفٌ بصفات الوحدانية، منعوتٌ بنعوت الفَرْدانيَّة.

الشيخ: جميع صفات الله دالةٌ على توحيده، فأسماء الرب جل وعلا؛ كـ"السميع"، يدل على أن الله له هذه الصفة على ما يليق بجلاله، وقد أخبر الله جل وعلا بتفاصيل هذه الصفة كما في قوله جل وعلا: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة:1]، وكما في قوله جل وعلا: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181]، إلى غير ذلك.

وربنا جل وعلا يتصف بصفة العلم والحكمة والقدرة، وكذلك الرحمة، وكذلك الرضا، وكذلك المحبة، قال الله جل وعلا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، وقال جل وعلا: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، وكما في قوله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58]، فربنا له هذه الصفات.

وصفات الله معتبرةٌ كما سبقت الإشارة إليه، معتبرةٌ بكلام الله ورسوله، وتارةً تَرِد الصفة على سياق الصفة؛ كصفة الرضا، وكصفة المحبة في مثل قوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، وفي مثل قوله جل وعلا: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54]، فمحبة الله ثابتة، ومحبته ليست كمحبة خلقه، فهذا حقٌّ يجب الإيمان به مع كمال تنزيه الرب .

وأسماء الله جميعها متضمنةً لصفات الله جل وعلا، وسائرُ هذه الصفات وسائر هذه الأسماء كلُّها دالةٌ على وحدانية الله جل وعلا؛ فإنه ما من اسمٍ من أسماء الله ولا صفةٍ من صفات الله جل وعلا إلا وهي مختصةٌ به ، وهذا الاختصاص هو توحيد الله جل وعلا؛ فإن التوحيد هو أن الله له الكمال المطلق، وله الحق في عبادته وحده لا شريك له، ومَن عَبَد غير الله فقد أشرك مع الله، وهذا هو جملة توحيد المسلمين، وهو التوحيد الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وخلاصته: معرفة الله، وعبادة الله جل وعلا، فهذا جماع التوحيد.

التوحيد: هو معرفة الله، وعبادة الله وحده لا شريك له، فمن حقق المعرفة برب العالمين ، فعرفه بأسمائه وصفاته، وعرفه بما شرع الله ، وتفكَّر في خلق السماوات والأرض وما في ذلك من آلاء الله جل وعلا، وأخلَص الدين متَّبِعًا فيه ما شرع الله ورسوله، فأخلص دينه وعبادته لله جل وعلا؛ فهذا هو مقام التوحيد: إخلاص الدين لله جل وعلا، وأن يكون القلب متعلقًا برب العالمين عبادةً واستعانةً، وهذا هو الذي جُمع في سورة الفاتحة في قول الله جل وعلا: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ أي: إخلاص الدين لله جل وعلا، فلا يُعبَد غير الله، ولا يُتقَرَّب بالعبادة؛ من الدعاء أو الذبح أو النذر أو الاستعانة أو الاستغاثة، لغير الله جل وعلا، فلا يُعبَد إلا الله، ويُستعان به ؛ لأنه إذا لم يكن عونُه جل وعلا وتوفيقه جل وعلا؛ فإن العبد قاصرٌ عن فعله ولو اجتمعت عنده الأسباب، فإن ربنا جل وعلا هو مسبب الأسباب، فإنه ما من سببٍ إلا والله قدَّره وخلقه، وإذا شاء الله جل وعلا أمضاه، وإذا شاء رب العالمين ؛ ما مضى هذا السبب ولو اجتمع مع جملة أسبابٍ أخرى، فإن الأسباب قاصرةٌ، وهي قاصرة عن تحقيق المسبَّبات، ولا تكون المفعولات والمسبَّبات إلا بقضاء الله جل وعلا ومشيئته وأمره -أي أمره الكوني- كما أنه لا دين ولا عبادة إلا بأمره الشرعي ، فهو وحده الذي له الخلق والأمر؛ كما قال الله جل وعلا: أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54].

فهذا التحقيق للتوحيد هو دين الإسلام، وهو الذي سمى الله به عباده المرسلين، قال الله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران:67].

فيجب على خاصة المسلمين من علمائهم ودعاتهم وعلى عامة المسلمين أن يصرفوا نفوسهم وفقههم وعلمهم -في أوائل أمرهم ومنتهى أمرهم- إلى العناية بأشرف الأصول؛ وأشرف الأصول: هو معرفة الله ومعرفة توحيده ومعرفة الإيمان به جل وعلا.

وهذا الإيمان بالله جل وعلا يتبعه ويتصل به أصولٌ، وجماعها في قول النبي : الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره [4]، فهذا هو توحيد المسلمين، وهو التوحيد الذي شرعه الله لعباده أجمعين، قال الله جل وعلا: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9]، قال الله جل وعلا: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]، وإقامة الدين بتحقيق التوحيد، وتحقيق الإخلاص لله.

وصدق المعرفة برب العالمين جل وعلا: معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفته جل وعلا بما شرع من العبادة، وما تضمنته هذه الشرائع من الكمال، وما تضمنته هذه الشرائع من النعم، وما تضمنته هذه الشرائع من الحكمة الإلهية البالغة التي لا يبلغ إدراكها ناظرٌ أو مجتهدٌ فضلًا عمن دونهم، ولكن تُلتمس هذه الحكمة في كتاب الله جل وعلا، ولها أوصافٌ مسمَّاةٌ في الشريعة اهتدى علماء المسلمين -فيما سمَّوه من علل الشريعة وحِكَمها ومقاصدها- إلى جملةٍ من هذه الحكمة البالغة، وهي حكمة الله جل وعلا.

فالتوحيد هو أعظم الأصول: وهو معرفة الله جل وعلا، وأن ربنا هو الخالق وما سواه مخلوقٌ، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، وهو الآخر الذي ليس بعده شيءٌ، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، وهو الباطن الذي ليس دونه شيءٌ، وهكذا كان هَدي الأنبياء، عارفين بالله ، وهذه هي أخص مقامات العارفين، وأخص مقامات العابدين، وأخص مقامات الحامدين؛ فإنهم هم المحققون لتوحيد الله جل وعلا؛ ولذلك بشَّر رسول الله عليه الصلاة والسلام بأن من حقَّق التوحيد؛ دخل الجنة من غير حسابٍ ولا عذابٍ، كما في حديث عبدالله بن عباسٍ المتفق على صحته [5].

صفات الله ليست مماثلة لصفات المخلوقين

القارئ: قال رحمه الله:

فإن ربنا جل وعلا موصوفٌ بصفات الوحدانية، منعوتٌ بنعوت الفَرْدانيَّة، ليس في معناه أحدٌ من البَرِيَّة.

الشيخ: ليس في معاني صفاته ما يكون للبشر، ليس من دلائل صفات الله ما يكون للبشر ويختص بالبشر؛ فإن الله له الكمال المطلق، والصفة إذا سُمِّي بها الرب جل وعلا وأُضيفت إليه، وأُضيف الاسم المطلق إلى مخلوقٍ؛ فإن الله له ما يليق به، كما أن المخلوق له ما يتصف به، قال الله جل وعلا: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، ويُعلم بالشرع والعقل والفطرة أن رضا الله ليس كرضا المخلوق، وأن محبة الله ليست كمحبة المخلوق، كما أنه من البديهي المستقر في العقول والفِطَر: أن مشيئة الله ليست كمشيئة المخلوق، بل كان العرب الجاهليون يعرفون أن مشيئة الرب ليست كمشيئتهم، وأن مشيئتهم قاصرةٌ، وأن مشيئة الله جل وعلا غالبةٌ؛ ولهذا قد يشاء الواحد منهم ما يشاء ولا تكون مشيئته، فيَعلم -وهو جاهليٌّ في جاهليته قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم- أن هذه المشيئة التي شاءها هي من جهة كونه مخلوقًا إنما لم تقع؛ لأنه يعلم بفطرته وما بقي في نفسه من مقام هذه الفطرة بأن رب العالمين لم يشأ ما شاءه. 

ومن ذلكم ما ذكره طَرَفة بن العبد في "معلَّقته" لما قال:

فلو شاء ربي كنت قيس بن خالدٍ [6] ...........................................

فهو تَطلَّب مقامًا -يعني طرفة- وشاء مشيئةً، ولكن لم تقع مشيئته، ولم يقع موجبها، وعلم وهو في جاهليته بما معه من بقية الفطرة أن ذلك سببٌ، أن هذا إنما كان؛ لأن الرب الخالق وحده لم يشأ، لأن الرب لم يشأ، فكما أن الله جل وعلا له علمٌ ليس كعلم المخلوق، وله مشيئةٌ ليست كمشيئة المخلوق؛ فكذلك بقية صفاته.

فما من صفةٍ في كتاب الله إلا وهي حقٌّ، على حقيقتها، على ما يليق بجلال الله ، بريئةٌ من التشبيه، فإن الله يَذكر في المقام الواحد الصفات والأسماء، ويذكر في نفس المقام ما يختص به جل وعلا من الكمال ونفي التشبيه والتمثيل، قال الله وعلا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فهذا مقام التنزيه، ويتضمن إثباتًا، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، وهذا مقام الإثبات، ويتضمن تنزيهًا، بل كل صفةٍ من صفات الله هي دالةٌ على الكمال، ودالةٌ على انتفاء التشبيه والتمثيل، ما من سياقٍ في كلام الله، ما من آيةٍ في كتاب الله ذُكر فيها اسمٌ من أسماء الله، أو صفةٌ من صفاته، أو فعلٌ من أفعاله؛ إلا وهذه الآية دالةٌ دلالةً محكمةً على كمال الله، وكذلك دالةٌ دلالةً محكمةً على تنزيه الله جل وعلا؛ فإنه يتحقق في العلم أن المتناقضين يمتنع اجتماعهما.

فإذا تحقق الكمال والتوحيد لله جل وعلا؛ عُلم بوجوده انتفاءُ ما يقابله، وهذا من بدهيات الأحكام العقلية الضرورية في العقول والفِطَر؛ أن النقيضين لا يجتمعان، فإذا تحقق التوحيد؛ فكل آيةٍ في صفات الله وأفعاله هي من آيات التوحيد.

فإذا تحقق التوحيد عُلم بضرورة الشرع، وعُلم بضرورة العقل والفطرة في هذه الآية أنها كما دلَّت على الإثبات؛ دلت على ماذا؟ دلَّت على التنزيه، لم؟ لأن التشبيه مناقضٌ للتوحيد، لأن التشبيه والتمثيل ونحو ذلك من المعاني التي لا تليق بالله مناقضةٌ للكمال والتوحيد، وقد عُلم بضرورة الشرع والعقل والفطرة أن النقيضين لا يجتمعان، وهذا فقهٌ متينٌ حسنٌ؛ ولذلكم لا ترى في كتاب الله  -وهذا من كمال القرآن وبلاغته- تفصيلًا في نفي صفات النقص، وإن كان هذا يقع في بعض الموارد؛ كقوله جل وعلا: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة:55]، وكقوله: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

فهذا يَرِد بموجِبٍ من السياق، لكن لا ترى صفةً من صفات الكمال سُمِّيت نُصَّ على تعيين ما يُقابلها من النقص، وإنما لم يكن كذلك؛ لأن التوحيد بإثباته يُعلم به ضرورةً من جهة الشرع وضرورةِ العقل؛ فإن الجمع بين النقيضين يُعتبر من أصدق المقدِّمات العقلية باتفاق العقلاء، أن النقيضين لا يجتمعان.

فالتوحيد يُناقض الشرك، والتوحيد يُناقض التشبيه والتمثيل، فكما أنه لا يتحقق تحقيق التوحيد مع عبادة غير الله؛ فلا يتحقق كمال الله جل وعلا مع التشبيه؛ ولهذا يُعلم أن صفات الله جل وعلا، وأن أسماء الرب ، هي من وحدانيته وتوحيده، وهي مختصةٌ به جل وعلا، ولا يكون لغيره جل وعلا ما له ، فهو رب العالمين، وهو الخالق وما سواه مخلوقٌ.

وكما استقر بدليل الشرع والعقل والفطرة أن علم الله ليس كعلم المخلوق، وأن مشيئة الخالق ليست كمشيئة المخلوق، وأن قدرة الخالق ليست كقدرة المخلوق؛ فكذلك القول في بقية صفات الله التي ذكرها الله في كلامه في كتابه، أو ذكرها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل إنك ترى أن الصحابة  -لِما هم عليه من الإيمان والفطرة- لمَّا نزل عليهم القرآن وفيه إخبارٌ بأسماء الله وصفاته وأفعاله؛ لم يُحفَظ أن صحابيًّا من الصحابة بدا عنده إشكالٌ في هذا المقام، بل إن العرب الجاهليين، وهم أهل شركٍ، لكن فيهم بقيةٌ من الفطرة، كانوا يعرفون بها أن الله هو الخالق وما سواه مخلوقٌ، وأنه رب العالمين، وأن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

فلما نزل القرآن على رسول الله وعارضه سفهاؤهم، وإنما المقصود بسفهائهم هنا: هم سفهاء العقل الذين سفَّهوا دين الأنبياء كما سماهم الله بهذا الاسم في كتابه في قوله: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ [البقرة:142]، وإن كان لهم رجاحةٌ في العقل في موارد أخرى؛ من شأنهم وحياتهم وتدبيرهم، وإنما مَن جهل أصل التوحيد؛ فهو سفيهٌ؛ كما قال الله جل وعلا: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ [البقرة:130].

ومع ذلك -مع ما تربصوا به مقام الدعوة والنبوة من وصفهم النبي بأنه ساحرٌ، وبأنه شاعرٌ، وبأنه كاهنٌ، وقالوا: إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [النحل:103]، إلى غير ذلك، وقالوا: إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:24]، إلى غير ذلك- فما نُقل أن أولئك العرب الجاهليين طعنوا على هذه المقامات، أو قالوا: إنها على خلافِ كمال الله أو ما إلى ذلك؛ مما يدل على أن هذا المقام مقامٌ محكمٌ لمن استقرت فطرته، ولم تُنازَع فطرته بشبهةٍ من الشبهات التي قد يُتوهَّم أنها عِلمياتٌ وهي جهلياتٌ، كما هو معروفٌ في تفاصيل هذه المسائل.

‌‌معنى قوله: (تعالى عن الحدود والغايات والأركان..)

القارئ: قال رحمه الله تعالى:

تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات.

الشيخ: هذه العبارات من كلام أبي جعفرٍ رحمه الله عباراتٌ فيها تفصيلٌ، وطريقة القرآن: هي الإجمال في مقام التنزيه، والتفصيل في مقام الإثبات، فإنك إذا قرأت كتاب الله؛ وجدت تفصيلًا لأفعال الله، وتفصيلًا لصفات الله، وتفصيلًا في ذكر أسماء الرب جل وعلا، وقد عُلم بالشرع أن كل اسمٍ من أسماء الله هو دالٌّ على جملةٍ من الصفات.

وهذا علمٌ ينبغي أن يُفقه؛ وهو أن الاسم لا يدل على صفةٍ واحدةٍ، بل يدل على عددٍ من الصفات، فإن اسم "السميع" مثلًا يدل على صفة السمع، ويدل على صفة العلم، كما أن اسم "العليم" يدل على هذه الصفة وعلى غيرها من الصفات، فكل اسمٍ من أسماء الله يتضمن الدلالة على جملةٍ من صفات الله جل وعلا.

المقصود: أنك إذا قرأت كتاب الله؛ وجدت تفصيل الأفعال وتفصيل الأسماء، وأما النفي والتنزيه فإنه يُجمَل، وهذا هو اقتضاء الشرع، وكذلك هو اقتضاء البرهان الصحيح، وهو الإجمال في مقام النفي، فإن الكمال إنما يُذكر بصفات الكمال، وإذا ثبتت صفات الكمال؛ دَلَّت دلالةً ضروريةً في الشرع والعقل على انتفاء ما يُقابلها، دلَّت على انتفاء ما يُقابلها، ولم تُفصَّل صفات النقص بالتعيين في نفيها في القرآن ولا في كلام النبي ، وهذه الطريقة التي جاءت في كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام هي الطريقة الشرعية؛ وهي التفصيل في مقام الإثبات، والإجمال في مقام النفي.

وهذا الإجمال ليس جهلًا، بل يُعلَم أن الله منزَّهٌ عن سائر النقائص، لكن طريقة الخطاب وطريقة التوحيد وطريقة الدعاء إنما تكون بذلك؛ ولهذا إذا نظرت إلى دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وجدت أنهم يدعون الله بكماله، ولا يغلب في دعائهم أو يكثر ذكر مسألة التنزيه بالتفصيل، وإن كان هذا قد يَعرِض في بعض آيات القرآن -كما سبق- لمقامٍ اقتضاه، فهذا يُعلَم انتفاؤه في نفس الأمر؛ لئلا يُتوهَّم أن القول بأن النفي فيه إجمالٌ، أن فيه جهالةً من جهة تفاصيله، ليس كذلك، بل كل ما قابل الكمال فهو منفيٌّ بإجماله وتفصيله، كل ما قابل الكمال يُعلَم انتفاؤه شرعًا وعقلًا في إجماله وتفصيله.

لكن هذه الطريقة من التشريع ومن الإخبار عن الله جل وعلا فإنها إخبارٌ وتشريعٌ؛ كما قال الله جل وعلا في أسمائه وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، وهذا إخبارٌ، ثم أمر بالتشريع بقوله: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، فهذا الإخبار والتشريع، هكذا طريقته في القرآن؛ ولهذا لما قال أبو جعفرٍ رحمه الله: "لا تحويه الحدود والغايات.." إلى غير ذلك، هذا من التفصيل الذي ليس له استعمالٌ في كلام السلف الأولين والأئمة السابقين، وإنما عرَض لبعض المتأخرين من أهل العلم.

وتارةً تكون الحقائق صحيحةً، ولكن لشرف هذا المقام، وهو مقام التوحيد، ولشرف هذا الاختصاص العظيم، وهو ما يختص بالله جل وعلا من أسمائه وأفعاله وصفاته؛ فإنه لا يُتجوَّز فيها بكلماتٍ.

أنت إذا نظرت إلى تراتيب علم الشريعة؛ كأحكام الفقه مثلًا، فإنهم لما نظروا طُرقَ الاستدلال؛ سمَّوا لذلك جملةً من الاصطلاحات، تارةً في الأدلة، وتارةً في الدلالات، كما سموا دليل "القياس"، وكما سموا دليل "المصلحة المرسلة"، وكما سموا دليل "الاستحسان"، وسموا "العام والخاص"، و"المطلق والمقيد"، و"المنطوق والمفهوم".. إلى غير ذلك، فهذا مناسبٌ لهذا المقام.

أما إذا جئت لمقام التوحيد؛ فإن مقام التوحيد يُلتزَم فيه كلمات الكتاب والسنة، مقام التوحيد يُلتزَم فيه كلمات الشريعة، ويُباعَد عن الاصطلاح، ويُباعَد عن الألفاظ المحدثَة وعن الكلمات المجملة؛ لأن ما ذُكر من كلام الله ورسوله لا يبلغه كلام أحدٍ، وقد قال الله جل وعلا: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].

فهذا الباب لا يُحتاج معه إلى كلمةٍ محدثَةٍ أو كلمةٍ مجملةٍ، بل الهَدي فيه: أن تُذكر فيه كلمات الكتاب والسنة وما ذكره الله ورسوله، ويُبيَّن ما دلَّ عليه هذا من توحيد الله جل وعلا ومن كمال الرب ، وهذا الذي مضى عليه الصحابة ، لكن توسع بعض المتأخرين في بعض التفاصيل، وهذا التوسع تارةً يكون له سببٌ مناسبٌ، وتارةً لا يكون كذلك.

‌‌معنى قوله: (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات)

القارئ: قال رحمه الله:

لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.

الشيخ: الله جل وعلا منزَّهٌ عن النقص، وله الكمال المطلق، وربنا في السماء، ولا يراد بالسماء السماءُ التي خلقها الله، وهي مخلوقٌ من مخلوقات الله، فهذا لا يقع في فطرة مؤمنٍ ولا في عارفٍ بالشريعة وبكلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كيف وقد قال الله عن جنته: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران:133]؟!

فالله في السماء كما قال جل وعلا: ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، وكما قال الله جل وعلا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1]، وكما قال الله جل وعلا: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50]، فهذا كله من كمال الله، وهو من كمال الله وكلامه، وكلامه هو كماله ، وهو الذي جل وعلا أخبر عن نفسه بهذا الكمال الذي يَختص به.

فالله  منزَّهٌ عن المخلوقات العلوية وعن السفلية، المخلوقات التي نعلمها، والمخلوقات التي لا نعلمها؛ فإن الله خلق ما لا نعلم، وقدر ما لا نعلم، وله من الملكوت والخلق ما لا يُدركه أحدٌ، والله سبحانه منزَّهٌ عن سائر ذلك، منزَّهٌ عن سائر خلقه.

وقول أبي جعفرٍ: "لا تحويه الجهات الست"، أي أن الله منزَّهٌ عن الأكوان المخلوقة، منزَّهٌ عن هذه الأكوان والأجرام التي خلقها، ولم يقل أحدٌ من سلف هذه الأمة وأئمتها، لا الإمام أحمد ولا غيره، بأن الله في السماء، ويُراد بذلك السماء المخلوقة المبنية التي فيها الملائكة، وفيها مَن خلق الله وشاء الله، وفيها جنةٌ، وغير ذلك مما هو معلومٌ بنصوص الشريعة، وإنما الله له العلو المطلق والكمال المطلق، وهذا هو المقصود بمسألة العلو التي تواتر دليلها واستفاض في كلام الله ورسوله، تارةً باسم العلو، وتارةً باسم الفوقية، وتارةً بذكر أن ربنا في السماء.. إلى غير ذلك.

القارئ: قال رحمه الله:

والمعراج حقٌّ.

الشيخ: نعم، إذنْ كلمات المصنف في مسألة الجهات الست وما إلى ذلك، لو أنه أتى على الكلمات التي وردت في القرآن؛ لكان هذا هو التحقيق في اللفظ والمعنى، أو أتى على الكلمات التي ذكرها الله في كتابه؛ لكان هذا هو التحقيق في اللفظ والمعنى، فلو قال بأن الله هو العلي الأعلى، وفوق عباده، وكل هذه من الجمل التي سُمِّيت في كتاب الله، مع تنزيه الله في علوه وفوقيته عما يكون للمخلوق، وعن المخلوقات التي نعلمها، والمخلوقات التي لا نعلمها علويها وسفليها.

بعد ذلك صار أبو جعفرٍ رحمه الله إلى ذكر مسألة المعراج.

مذهب أهل السنة والجماعة في الإسراء والمعراج

القارئ: قال رحمه الله:

والمعراج حقٌّ، وقد أُسرِي بالنبي ، وعُرِج بشخصه في اليقظة إلى السماء ثم إلى حيث شاء الله من العُلا، وأكرمه الله تعالى بما شاء، وأوحى إليه ما أوحى.

الشيخ: المعراج حقٌّ، وقد جاء في كتاب الله الخبر عن إسراء النبي ، أَسرَى به الله جل وعلا، قال الله سبحانه سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1].

ودلَّت السنة على أن النبي عُرِج به إلى السماء، وجاء ذلك مفصَّلًا؛ كما في حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في "الصحيحين" وغيرهما عن النبي ، وأحاديث المعراج أحاديث ثابتةٌ في الصحاح والسنن والمسانيد عن النبي من وجوهٍ متعددةٍ.

جاء ذلك من حديث أنسٍ ، وجاء من حديث غيره، وفي رواية أنس بن مالكٍ قال: قال النبي : أُتيت بالبُرَاق، وهو دابةٌ أبيض طويلٌ، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طَرْفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يَربط بها الأنبياء، ثم أتيت المسجد -يعني بيت المقدس- فصليت فيه ركعتين، ثم أُتيت بإناءٍ من خمرٍ وإناءٍ من لبنٍ، فقيل لي: خذ أيهما شئت، قال: فاخترت اللبن، فقال لي جبريل : اخترت الفطرة، أمَا إنك لو أخذت الخمر؛ غَوَت أمتك.

قال: ثم عُرج بنا إلى السماء حتى أتينا السماء الأولى، فاستفتح جبريل فقيل: من؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قيل له: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، قال: ففُتح لنا، فإذا أنا بآدم، قال: فرحب بي ودعا لي بخيرٍ، وفي بعض الروايات؛ كحديث أبي ذرٍّ ، قال: وإذا عن يمينه أَسْوِدَةٌ وعن يساره أَسْوِدَةٌ [7]، فإذا نظر قِبَل يمينه؛ ضحك، وإذا نظر قِبَل شماله؛ بكى، فسأل النبي جبريل  عن هذا، فقال: هؤلاء نَسَمُ بَنِيه [8]، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار.

ثم عُرِج به إلى السماء الثانية، قال النبي : فاستفتح جبريل، فقيل له: من؟ فقال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمدٌ، قيل: وقد بُعث إليه؟ قال: قد بُعث إليه، قال عليه الصلاة والسلام: ففتح لنا، فإذا أنا بابنَي الخالة: عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوَا لي بخيرٍ، ثم عُرج به إلى السماء الثالثة، ثم إلى السماء الرابعة، ثم إلى السماء الخامسة، ثم إلى السماء السادسة، في كل سماءٍ يكون له من الصفة كما كان في السماء التي قبلها، ولقي في كل سماءٍ نبيًّا من الأنبياء أو فوق ذلك، حتى أتى السماء السابعة، فلما فُتحت له السماء السابعة قال: فإذا أنا بإبراهيم مسنِدًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يومٍ سبعون ألف مَلَكٍ لا يعودون إليه، قال :فرحب بي ودعا لي بخيرٍ [9].

هل رأى محمد ربه ليلة المعراج؟

وظهر لمقام الله لمقامٍ سَمع فيه صَرِيف الأقلام [10]، ولكنه كما دلت على ذلك النصوص من نصوص السنة وظاهر القرآن، وهو ظاهر إجماع الصحابة كما حكاه الدارمي وجماعةٌ [11]، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام في معراجه لم يَرَ ربه ببصره، وهذا هو ظاهر القرآن، فإن الله يقول: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، فصار الامتنان عليه والنعمة عليه البالغة في هذا المقام: هي رؤية الآيات، ولم يذكر في هذا الامتنان ما هو فوق ذلك؛ فإن رؤية الله جل وعلا أعظم من رؤية آياته.

فلما صار ذكر القرآن على هذه الدرجة من المقام؛ علم أن النبي لم يَرَ ربه، وكذلك في المقام الآخر من كتاب الله الذي قال الله فيه: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم:18]، ولم يذكر الله في كتابه أن نبينا رأى ربه، ولما سُئل عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث عبدالله بن شَقيقٍ عن أبي ذرٍّ الذي أخرجه مسلمٌ وغيره، قال أبو ذرٍّ : سألت النبي فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: نورٌ أنَّى أراه؟! [12]، وفي وجهٍ آخر من الرواية عند مسلمٍ قال: رأيت نورًا.

فهذه الأدلة وأمثالها تدل على أن النبي لم يَرَ ربه ببصره، ولذا حكى الدارمي إجماع الصحابة على ذلك، ومَن نَسَب إلى ابن عباس رضي الله عنهما، أو إلى الإمام أحمد بن حنبلٍ رحمه الله -كما ذكره طائفةٌ من أصحابه- أو ذكره بعض أهل العلم عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما مذهبًا له، أن النبي رأى ربه ببصره، فهذا غلطٌ على ابن عباسٍ رضي الله عنهما وعلى الإمام أحمد، بل كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تقول: "من زعم أن محمدًا رأى ربه؛ فقد أعظم على الله الفِرْيَة" [13]، فهذا هو الظاهر في هذه المسألة.

ومعراج النبي حقٌّ، وقد أُسري به من المسجد الحرام -كما أخبر الله بذلك في كتابه- إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى السماء كما بيَّن ذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا المعراج ومَسرى رسول الله يُؤمَن به، وهو من نعم الله على عبده ورسوله، وآثار هذه النعمة على عباده المسلمين؛ فإن الله فرض فيه الصلاة، وفريضة الصلاة هي من أخص نعم الله على عباده؛ لما تضمنته هذه الصلاة من تحقيق توحيد الله ومن إصلاح النفوس، فإنها أخص العبادات بعد التوحيد إصلاحًا للقلب، قال الله جل وعلا: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

فالصلاة نعمةٌ من نعم الله، شرعها الله لعباده وخفَّف أمرها، فإنها فُرضت خمسين، ثم راجع موسى  في السماء السادسة، وقال له موسى : قد بلوتُ بني اسرائيل وخَبَرْتُهم [14]، فراجَع رسولُ الله ربه حتى صارت خمسًا ولهم أجر خمسين، وهذا من نعمة الله وفضله على عبده.

ولكن هذه الليلة الشريفة التي أُسري فيها بالنبي لم يُحفظ في الصحاح وهدي النبي أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان بعد ذلك يجعل لها تخصيصًا، ولا شُرع لنا فيها عبادةٌ مختصةٌ، وإن كانت هذه الليلة هي من نعم الله، وهي ليلةٌ مباركةٌ -أعني تلك الليلة التي أُسري فيها بالنبي وعُرج به- وفيها نعمٌ من نعم الله على عبده وعلى هذه الأمة، ولكن ما شُرع لنا فيها عبادةٌ مختصةٌ كما شرع لنا في ليالي رمضان، وفي ليلة القدر التي شُرع قيامها، أو ما شٌرع صيامه من الأيام.

الأصل في الأزمنة والأمكنة عدم التخصيص بتعظيمٍ إلا بدليل شرعي

وثمة -أيها الإخوة- قاعدةٌ من قواعد الشريعة مستقرةٌ في فقه الصحابة وعلمهم، ومستقرةٌ في فقه سلف هذه الأمة؛ كفقه مالك بن أنسٍ وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وأمثال هؤلاء الكبار من أئمة الإسلام وعلمائهم وشيوخهم وأئمتهم، هذه القاعدة العلمية التي قررها جملةٌ من أهل العلم: هي أن الأصل في الأزمنة والأمكنة عدم التخصيص بتعظيمٍ إلا بدليلٍ شرعيٍّ.

الأصل في الأزمنة والأمكنة: عدم التخصيص بتعظيمٍ إلا بموجب دليلٍ شرعيٍّ؛ لأن من رحمة الله بعباده ومن كمال شرعه أنه ما جعل للبشر أن يجعلوا الشرائع بالقياس، وإنما الشرائع مسماةٌ في كلام الله ورسول عليه الصلاة والسلام، فالأزمنة لا تُخَصُّ بتعظيمٍ إلا بدليلٍ شرعيٍّ والأمكنة كذلك.

فمثلًا: إذا نظرنا إلى شهر رمضان فهذا زمانٌ، أليس كذلك؟ وإذا نظرنا إلى الأشهر الحرم فهذا زمانٌ، وإذا نظرنا إلى أشهر الحج فهذا زمانٌ، وإذا نظرنا إلى الأيام؛ كيوم الجمعة، فهذا زمانٌ، وإذا نظرنا إلى الساعة؛ كساعة الجمعة، فهذا زمانٌ، سواءٌ شهرٌ أو أشهرٌ، أو كان أسبوعًا أو كان يومًا أو كان ساعةً؛ الأصل أن الأزمنة سواءٌ، حتى يأتي الدليل الشرعي الذي يجعل لزمانٍ ما سواءٌ كان شهرًا أو فوقه أو دونه، أو يومًا أو يزيد عليه أو ينقص منه، حتى يأتي دليلٌ من الشريعة بيِّنٌ في تسمية عبادةٍ أو فضلٍ في هذا اليوم.

فأشهر الحج إنما كانت؛ لأن الله قال فيها: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197]، فشُرع تعظيمها، وفُرض الحج فيها، وَالْفَجْرِ ۝ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، فهذه عُظِّمت في كلام الله، وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، وهذه عظِّمت في كلام الله، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185].

وفي السنة قيل: يا رسول الله -وقد سئل عن صيام الاثنين كما في "الصحيح" وغيره- فقال: ذاك يومٌ وُلدت فيه، وفيه أُنزل عليَّ [15]، فصار هذا من تخصيص الزمان بدليلٍ شرعيٍّ، وهذا التخصيص يقع على تقدير الشريعة، فإذا قدَّرت الشريعة فيه عبادةً؛ لم يطَّرِد في سائر العبادات، فشُرع صيام الاثنين، ولكن الصلاة في يوم الاثنين ليس لها اختصاصٌ، وإنما الاختصاص للصيام في الاثنين والخميس.

وأما الصلاة: فالزمان فيها من هذا الوجه، لكن في آخر الليل: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وفي حديث عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما قيل: يا رسول الله، أي القيام أفضل؟ قال: قيام داود [16]، فهذا فيه تخصيصٌ للزمان، وأن ما كان عليه داود عليه الصلاة والسلام هو تعظيمٌ لهذا الزمان بالقيام، فقد يكون ذلك في عبادة الصيام، وقد يكون ذلك في عبادة القيام، وقد يكون ذلك فيما شرع الله من العبادة.

وعليه: لا يحق لبشرٍ أن يأتي لزمانٍ ويُقدِّر فيه عبادةً، لا الصيام ولا غيره، فلو أن شخصًا مثلًا قال بأنه يقصد إلى صيام يوم الخميس أو إلى صيام يوم الاثنين ويتحرى صيامه؛ قيل: هذا قصدٌ شرعيٌّ، أليس كذلك؟ لأن هدي النبي فيه هذا القصد، ولو أن شخصًا تحرَّى وقصد إلى صيام يوم الثلاثاء وصار يخصُّه بالصيام عن غيره، لقيل: صيام الثلاثاء -من حيث الأصل- باقٍ على المشروعية المطلقة، وأنت ترى أن صيام داود  كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا، وقد يُلاقي صيامه يوم الثلاثاء وقد لا يلاقيه، فصيام الثلاثاء ليس منهيًّا عنه كيوم العيد، فصارت الأيام -من حيث الصيام- منها ما شُرع صومه بعينه، ومنها ما شُرع على سبيل الإطلاق، وليس على سبيل التخصيص، ومنها ما نُهي عن صيامه.

الأصل الثاني ما هو؟

الأصل في الصيام: المشروعية، الأصل في الصلاة ماذا؟ المشروعية، هذا الأصل، لكن يُتحرَّى زمانٌ للصلاة أو يُعين زمانٌ للصلاة؟ نقول: نعم، الصلوات الخمس لها أزمنةٌ مختصةٌ، أليس كذلك؟ قال الله تعالى: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، وفصلها النبي كما في حديث جابرٍ المعروف بحديث جبريل وصلاته بالنبي عليهما الصلاة والسلام، وكما في حديث عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما الذي أخرجه مسلمٌ وغيره، قال النبي  فيه: وقت الظهر: إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر، ووقت العصر: ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت المغرب: ما لم يَغِب الشفق، ووقت العشاء: إلى نصف الليل الأوسط، ووقت الصبح: ما لم تطلع الشمس [17].

هذه مواقيت وأزمنةٌ، أو ليس كذلك؟ بلى، بل هي مواقيت واجبةٌ، بل هي مواقيت فريضة، وقد تكون المواقيت مشروعةً لا على سبيل الفرض بل على سبيل الاستحباب؛ كقيام الليل، فإنه وقتٌ، وآخر الليل أفضل، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه [18]، كما في قيام النبي وقيام داود عليهما الصلاة والسلام، فهذا وقتُ مشروعيةٍ؛ قد تكون فريضةً تارةً، أو مستحبةً تارةً.

فالأصل في الصيام: المشروعية، لكن قد يُعيِّن الشارع يومًا أو شهرًا أو دون ذلك؛ فيكون له اختصاصٌ، فإذا نظرنا باعتبار الأيام؛ قلنا: صيام يوم الاثنين ماذا؟ مشروعٌ بالتخصيص؛ لوجود الهدي النبوي فيه، وصيام الثلاثاء هل يُنهى عنه؟ نقول: لا، لا يُنهى عنه، صيام الثلاثاء، صيام الأربعاء، هذه لا يُنهى عنها لكن لا تُخصَّص، بل إذا وافقت صوم الإنسان؛ صامها، لكن لا يتحراها بعينها كما يتحرى صيام عاشوراء، أو كما يتحرى صيام الاثنين، فهذه تُتَحرَّى؛ لأن النبي تحرَّاها أو شرع تحرِّيها، وعندنا صيام يوم العيد -عيد الفطر والأضحى- منهيٌّ عنه.

فالأصل في الأزمنة والأمكنة ماذا؟ لا نقول: عدم العبادة، خطأٌ، الأصل في الأزمنة والأمكنة: عدم التخصيص، عدم ماذا؟ التخصيص، إلا بموجب دليلٍ شرعيٍّ، لكن إذا انتفى التخصيص؛ يبقى المطلق على إطلاقه أو لا يبقى؟ يبقى المطلق على إطلاقه، فالصلاة النافلة مشروعةٌ في كل وقتٍ، حتى نَهَى رسول الله عن بعض الأوقات؛ كما جاء في حديث عقبة بن عامرٍ رضي الله تعالى عنه كما في "الصحيح"، قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله ينهانا أن نصلي فيهن.." [19]

الشريعة -أيها الأخوة، وهذا ينبغي أن يؤصَّل لعموم المسلمين- من عند الله، هو الذي يُشرِّع جل وعلا، ما يحق لأحدٍ أن يقول: ما دامت صلاةً؛ سأُصلِّي كيفما اتفق، لا؛ لأن الله قال لنبيه : اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف:3]، الدين مبني على ماذا؟ على الاتباع، وليس على الابتداع.

فـ"ثلاث ساعاتٍ كان رسول الله ينهانا أن نُصلِّي فيهن.."، وجاء ذلك في أحاديث أخرى؛ كحديث أبي هريرة وابنٍ عباس [20].

وعند الفقهاء رحمهم الله خلافٌ في ساعات أو أوقات النهي، عندهم خلافٌ في ذلك، لكن الراجح من حيث الأدلة: أنها من بعد صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، ومن بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قِيدَ رمحٍ، وإذا قاربت الزوال حتى تزول، وجاء في الحديث: "حين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس" [21]، وهو قبل أذان الظهر بدقائق.

وأما ما يُستثنى من ذلك: فبالإجماع أن الفريضة تُستثنى، وعلى الراجح: أن ركعتي الطواف تُستثنيان، فمن طاف بالبيت بعد العصر وانتهى من طوافه قبل غروب الشمس؛ يُصلِّي أو لا يصلي؟ الراجح: أنه يُصلِّي؛ لحديث جُبير بن مُطعمٍ : يا بَني عبد منافٍ، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أي ساعةٍ من ليلٍ أو نهارٍ [22]؛ ولذا ذهب الإمام أحمد رحمه الله -مع قوله بأحاديث النهي- إلى أن ركعتي الطواف تُستثنيان من ذلك.

وتَوَسع بعض العلماء؛ كالإمام الشافعي، فجعل لها معيارًا سماه الشافعيةُ بـ"ذوات الأسباب"، فقالوا: كل صلاةٍ لها سببٌ -حتى تحية المسجد- فإنها تُصلَّى وقت النهي، ولكن هذا التوسع ليس على قول الجمهور، بل هو مذهبٌ للشافعي؛ ولذلكم تحية المسجد مثلًا تُشرع في مذهب الإمام الشافعي ولو كان الوقت وقت نهيٍ لمن دخل المسجد، وعند أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد: من دخل المسجد في وقت النهي؛ فإنه يجلس ولا يُصلِّي تحية المسجد.

المقصود من هذا في تأصيل الأمر العقدي: أن الأصل في الأزمنة والأمكنة عدم التخصيص؛ في الأمكنة مثلًا الشريعة جعلت الوقوف بعرفة، وهو ركنُ الحج بإجماع أهل العلم، أنه ركنٌ في الحج، وقال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام: الحج عرفة [23]، فلا بد من القيام بهذا الركن.

ووقته كما هو معروفٌ عند جمهور العلماء: من زوال الشمس في اليوم التاسع، ويسقط الركن بفعل ذلك على سبيل التعبد لمن كان قد أهَلَّ بحجةٍ، ولو انصرف قبل غروب الشمس؛ سقط ركنه وبقي عليه الواجب على مذهب الجمهور، وعند مالكٍ: بطل حجه، عند الإمام مالكٍ: من انصرف قبل غروب الشمس؛ بطل حجه؛ لأن مالكًا رحمه الله يقول: إنه ركنٌ إلى غروب الشمس.

الشاهد: أن الشريعة والإجماع دلَّا على ماذا؟ على أن الوقوف بعرفة مشروعٌ، مع أن عرفة مكانٌ، مَن الذي خَصَّ عرفة بهذا التخصيص؟ هو تخصيصٌ في الزمان وتخصيصٌ في المكان؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: إنه يريد أن يخرج إلى عرفة في يومٍ من السنة ويتعبد في هذا المكان؛ هل لهذا التعبد أصلٌ في الشريعة؟ الجواب: ليس كذلك، طيب، كيف وهي في أيام حج لها من الفضل ما لها؟! يجتمع فيها الحجاج، ويُقيمون فيها ركن الحج، ويعبدون الله، وفيها الفضل من الله الذي جاء في حديث عائشة رضي الله عنها كما في "الصحيح": ما من يومٍ أكثر من أن يُعتِق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يُباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ [24].

نقول: هذا كله صحيحٌ، ولكن نقف حيث وقف التشريع؛ ولذلك لو أن أحدًا أراد أن يتقدم إلى المزدلفة قبلها بليلةٍ؛ هل ذلك يُجزِئه عند أدنى فقيهٍ أو عارفٍ بالشريعة؟ لا، بل بإجماع العلماء: أن تقدمه هذا إن فَعَله عبادةً؛ فهو بدعةٌ، إن فعله عبادةً فهو ماذا؟ فهو بدعةٌ، ومثله عرفة لو تَقدَّم أو تأخر، إن فعله تعبُّدًا؛ فهو ضلالةٌ، وليس من نُسك الشريعة.

وعليه: تكون هذه القاعدة قاعدةً نافعةً للمسلم ولطالب العلم: وهي أن العبادات التي شرع الله الأصل أنها على إطلاقها؛ الذكر، الصلاة، الصيام، وأما الأزمنة والأمكنة، فالأصل في الأزمنة والأمكنة ماذا؟ عدم التخصيص بتعظيمٍ، إلا بموجب دليلٍ شرعيٍّ بيِّنٍ، ولا يأتي في هذا قياسٌ أو نحوه، ولو لزم المسلمون هذا المعنى الشرعي الذي دَلَّ عليه القرآن والسنة وأجمع عليه الصحابة ، ولهذا صحابة رسول عليه الصلاة والسلام ما كانوا يخصون أماكنَ بتعظيمٍ؛ لأنهم كانوا يعلمون أن التعظيم هو تشريع، وأن التشريع حقٌّ لله وحده ، فما أنزله الله آمنّا به وعملنا به، وما لم يُشرِّعه الله ولا رسوله فهو المحدَث الذي نهى الله ورسوله عنه [25].

إثبات حوض نبينا محمد

القارئ: قال رحمه الله:

والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حقٌّ، والشفاعة التي ادخرها لهم حقٌّ.

الشيخ: "الحوض الذي أكرمه الله به"، أكرم الله جل وعلا عبده ورسوله محمدًا عليه الصلاة والسلام بالحوض، قال الله جل وعلا: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]، كيف نزلت هذه السورة على رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

جاء في "الصحيح" وغيره من حديث أنس بن مالكٍ قال: كنا مع رسول الله في سفرٍ إذ أغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أُنزلت عليَّ آنفًا سورةٌ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ۝ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ۝ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهرٌ وعَدَنِيه ربي ، عليه خيرٌ كثيرٌ، وعليه حوضٌ تَرِدُه أمتي يوم القيامة [26]، فأُوتي رسول الله الصلاة والسلام الحوض وأُوتي الكوثر.

وحوض النبي حديثه متواترٌ، جاء في الصحاح والسنن والمسانيد عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من رواية جملةٍ من الصحابة؛ منهم: أنسٌ وجابر بن سمرة وأبو هريرة وأسماء وعائشة ابنتَي أبي بكرٍ .

وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو الحديث في "الصحيح" وغيره، قال: كنا عند رسول الله فقال: وددت أنَّا قد رأينا إخواننا! فقلنا: يا رسول الله، أولسنا إخوانك؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا: الذين لم يأتوا بعد، قلنا: يا رسول الله، وكيف تعرف من لم يأت بعدُ من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلًا له خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بين ظَهْرَيْ خيلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ؛ ألا يعرف خيله؟، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا محجلين من آثار الوضوء، وأنا فَرَطُهم على الحوض -هذا الشاهد- قال: وأنا فَرَطُهُم، أي: مُقَدَّمُهم، ويكون قد سبقهم عليه الصلاة والسلام، وهو السابق في شأنه لأمته، وهو أول من يدخل الجنة كما في "الصحيح" وغيره.

قال: وأنا فَرَطُهم على الحوض، ثم قال عليه الصلاة والسلام، وهذا من هدي القرآن وهدي الرسول ، أنه إذا ذُكرت النعم، الحوض نعمةٌ، أليس كذلك؟ وشُرْبُ المؤمنين منه نعمةٌ، من هدي القرآن في كلام الله وهدي النبي فيما جاء به: أن النعم إذا ذُكرت -ولا سيما النعم الشرعية- يُذكر ما يُوجبها، فمن أراد هذه النعمة؛ فلينظر في مُوجبها؛ ومُوجبها هو اتباع السنة، فلما قال عليه الصلاة والسلام: وأنا فَرَطُهُم على الحوض، فذكر مقام النعمة؛ ذكر مقام المُوجب بعد ذلك، وحذَّر من المنافي الذي تفوت به هذه النعمة.

قال: وأنا فَرَطُهم على الحوض، ألا لَيُذادَنَّ رجالٌ عن حوضي كما يُذَادُ البعير الضال، أناديهم: ألا هَلُمَّ، فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا! [27]، هذا مخالفةُ السنة؛ ولهذا من أخص الأصول وأصدقها وأعظم أصول العلم والإيمان: هو لزوم سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاقتداء به كما أمرنا الله بقوله: لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21].

المقصود: أن الكتاب دل، وكذلك السنة في مُفصَّلِها، والإجماع؛ على حوض النبي .

وجاء في صفة الحوض كما في حديث أبي ذرٍّ قال: حوضي طوله شهر، وعرضه شهر، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا [28]، وجاء في حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في "الصحيح" وغيره عن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: حوضي كما بين جَرْباءَ وأَذْرُحَ [29].

فحوض رسول الله  حقٌّ على حقيقته، ويَرِده المؤمنون ويشربون، وقد بيَّن النبيُّ أن من أخصِّ موجبات وُرُود هذا الحوض: هو لزوم هدي النبي عليه الصلاة والسلام وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

‌‌شفاعة النبي العظمى

القارئ: قال رحمه الله:

والشفاعة التي ادخَرَها لهم حقٌّ، كما رُوي في الأخبار.

الشيخ: الشفاعة ذكرها الله في كتابه، وتأتي الشفاعة في القرآن تارةً على سبيل الإثبات، وتارةً على سبيل النفي، والشفاعة المثبَتة غير الشفاعة المنفية، قال الله جل وعلا: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48]، فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، فهذا النفي من الشفاعة هي شفاعة المشركين، فلا آلهتهم ولا غيرها تشفع لهم، فإن الله يقول: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].

وأما المثبَت في مثل قول الله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، فهذه شفاعة المؤمنين، وهي حقٌّ، وأَخَصُّها وأشرفها وأعظمها: ما يكون للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما يكون للملائكة، وأعظم ما يكون للخلق من الشفاعة عند رب العالمين: هو ما يكون لسيدنا ونبينا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.

وله شفاعاتٌ عليه الصلاة والسلام:

الشفاعة الأولى: وهي التي تسمى "الشفاعة العظمى"، وهي شفاعته لأهل الموقف في يوم القيامة أن يُفصَل بينهم، وهذه الشفاعة دل عليها القرآن والسنة والإجماع، وأجمع عليها المسلمون، ولم يخالف أحدٌ من أهل القبلة في الشفاعة العظمى، وجميع أهل القبلة متفقون على إثبات الشفاعة العظمى.

 

^1 ينظر: الإبانة لابن بطة (7/ 326)، وذم التأويل لابن قدامة (ص 22).
^2 العرش وما روي فيه لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة (ص 175، وتفسير الموطأ للقنازعي (1/ 242).
^3 شرح أصول الاعتقاد للالكائي (3/ 441)، والاعتقاد للبيهقي (ص 116).
^4 رواه مسلم: 8.
^5 رواه البخاري: 6541، ومسلم: 220، بلفظ: "عرضت علي الأمم.."، وفيه: "فنظرت، فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.."، واللفظ للبخاري.
^6 ديوان طرفة بن العبد (ص 27).
^7 الأسودة: جمع سَوَاد، قال أهل اللغة: السواد: الشخص، وقيل: السواد: الجماعات. ينظر شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 218).
^8 النَّسَم -فبفتح النون والسين- الواحدة نَسَمة، قال الخطابي وغيره: هي نفس الإنسان، والمراد: أرواح بني آدم. ينظر شرح النووي على صحيح مسلم (2/ 218).
^9 رواه البخاري من روايات عدة: 349، 3342، 3437، 4709، ومسلم: 162-168.
^10 صريف الأقلام: تصويتها حال الكتابة. شرح النووي على مسلم (2/ 221).
^11 ينظر: نقض الإمام المريسي (2/ 738)، والمسائل والأجوبة لابن تيمية (ص 124).
^12 رواه مسلم: 178.
^13 رواه البخاري: 7380، ومسلم: 177.
^14 رواه مسلم: 162.
^15 رواه مسلم: 1162.
^16 رواه البخاري: 3420، ومسلم: 1159، بلفظ: أحب الصيام إلى الله: صيام ‌داود؛ كان يصوم يوما ويفطر يوما، وأحب الصلاة إلى الله صلاة ‌داود، ‌كان ‌ينام ‌نصف ‌الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه.
^17 رواه مسلم: 612.
^18 رواه البخاري: 3420، ومسلم: 1159.
^19, ^21 رواه مسلم: 831.
^20 حديث أبي هريرة رواه البخاري: 588، ومسلم: 825، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما رواه البخاري: 581، ومسلم: 826، وفيهما النهي عن الصلاة بعد صلاتي الفجر والعصر.
^22 رواه ابن حبان: 1553، وصححه الأرنؤوط.
^23 رواه النسائي: 3044، وصححه الألباني.
^24 رواه مسلم: 1348.
^25 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وأحمد: 17144، وفيه: "‌وإياكم ‌ومحدثات ‌الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة"، وقال محققو المسند: حديث صحيح.
^26 رواه مسلم: 400.
^27 رواه مسلم: 249.
^28 رواه مسلم: 2299، 2292، 2300، بروايات عدة، وعبارة: طوله شهر وعرضه شهر، مستنبطة من بعض رواياته بلفظ: "عرضه مثل طوله".
^29 رواه البخاري: 6577، بلفظ: "أمامكم حوض كما بين جرباء وأذرح"، ومسلم: 2299، بنحوه.
‌وجرباء ‌وأذرح: قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال. ينظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/ 57).

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©