- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد النبوي
من قوله: "وأصل القدر سِرُّ الله في خلقه .." (4)

جدول المحتويات
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فينعقد هذا المجلس من مجالس شرح "الرسالة الطحاوية" للعلامة أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى في السادس والعشرين من الشهر السادس من سنة ثمانٍ وثلاثين وأربعمئةٍ وألف من الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها الصلاة والسلام، في المسجد النبوي الشريف، مسجد رسول الله .
ملخص المجلس السابق
كنا أتينا في المجلس الذي سبق بعد العصر، وهو المجلس الثالث، وبين أيدينا الآن المجلس الرابع من مجالس شرح هذه الرسالة، وتقدم في المجلس الثالث جملةٌ من المسائل يمكن أن نُلخصها على سبيل الاقتصاد:
قاعدة أهل السُّنة في صفات الله
المُصنف رحمه الله قرر قاعدة أهل السُّنة والجماعة في مسألة صفات الله، وهي التي جاء بها كلام الله ورسوله ، كما قال الإمام أحمد: "نَصِفُ الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ، لا يُتجاوز القرآن والحديث".
والاقتصاد والعلم والتَّحقيق: ألا يُتجاوز القرآن والحديث، لا في الألفاظ، ولا في المعاني، فإن المعاني مُحقَّقٌ أمرها، أما الألفاظ فقد يقع بعض المُتأخرين في بعض الألفاظ التي تُدِين بها المعاني، فهذه يجب الاقتصاد فيها إلا لما كان من لزوم بيان المعنى، وإلا فالأصل أن الكلمات بَيِّنةٌ بذاتها؛ ولهذا درج السلف رحمهم الله على أنهم يستعملون الكلمات التي وردتْ بها النصوص، وأسماء الله مُسمَّاةٌ في كتاب الله، وفي سُنة النبي ، وكذلك صفات الله جلَّ وعلا.
الإيمان بالأسماء والصفات كما وردتْ
وهذا الإيمان بأسماء الله وصفاته يتضمن الكمال المُطلق لربِّ العالمين، وهو من أخصِّ مقامات توحيد الله.
وكمال الله جلَّ وعلا مُنَزَّهٌ عن التَّشبيه والتَّمثيل، فإن ربنا ليس كمثله شيءٌ، وكل معنًى يختص بالمخلوق فإن الخالق مُنَزَّهٌ عنه، وكل ما يكون للخالق فإنه لا يكون للمخلوق، فإن هذا من التوحيد.
وأما الاسم المُطلق الذي هو كُليٌّ في الذهن، فهذا كما يُعرف في القواعد العلمية الشرعية والعقلية: أن الاشتراك في الاسم المُطلق لا يستلزم التَّماثل في الحقيقة عند الإضافة والتَّخصيص، ولم يقع في كتاب الله ذِكْر هذا الباب على سبيل الإطلاق، وإنما هي أسماء مُضافةٌ، فإما أن تُضاف هذه الصفة إلى الخالق فتكون على ما يليق به وحده لا شريك له، وإما أن تُضاف هذه الصفة إلى المخلوق فتكون على ما يقتضيه حال المخلوق من النَّقص، ويقع ذلك في المقام الواحد، كما في مثل قول الله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة:119]، فرضا الله صفةٌ تليق به، ورضا المخلوق صفةٌ تليق به، والاشتراك في الاسم المُطلق هو كُليٌّ في الذهن، لا يستلزم التَّماثل في الحقيقة عند الإضافة والتَّخصيص، وهذا مُقررٌ بالتَّفصيل، وجواب الشُّبهات التي تعرض في ذلك مُقررٌ في كلام علماء السُّنة رحمهم الله.
الإيمان بالقدر أصلٌ من أصول الإيمان
ومن المسائل التي سبقتْ ما يختص بمسألة القدر، وأن النبي قال: اعملوا، فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له [1]، وقد عُلِمَ أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وأن قدر الله في بني آدم هو في أحوالهم ومآلهم، والقدر لا يختص بالمآل دون الحال.
مسألة التَّخصيص المكاني والزماني للعبادة
سبق من المسائل ما يتعلق بمسألة التَّشريع، وأن الأصل في الأمكنة والأزمنة: عدم التَّخصيص بعبادةٍ إلا بدليلٍ شرعيٍّ، الأصل في الأزمنة والأمكنة: عدم التَّخصيص بعبادةٍ إلا بمُوجِب دليلٍ شرعيٍّ، وأما من دون تخصيصٍ شرعيٍّ -أي: بمُوجِب دليلٍ شرعيٍّ- فتبقى الأزمنة والأمكنة على حالٍ واحدةٍ، وتبقى العبادات على إطلاقها الشرعي، فالأصل في الصيام المشروعية، والأصل في الصلاة المشروعية.
وأما التَّخصيص المكاني أو الزماني لهذه العبادة أو تلك أو لغيرها من العبادات، فهذا لا بد فيه من دليلٍ، فالأصل في الأزمنة والأمكنة: عدم التَّخصيص بعبادةٍ إلا بدليلٍ، وأما غير العبادات فالتَّخصيص في أبواب العادات وغيرها له أحكامٌ تُناسبه؛ حتى لا يُشتبه في أمر هذه القاعدة، فهي قاعدةٌ في أحكام العبادات.
وأما التَّخصيص في أبواب العادات وما إلى ذلك، فهذه لها كلامٌ قد قرره الفقهاء في كتب القواعد وكتب أهل العلم في موارد من كلامهم عن مثل هذه المسائل.
القارئ:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فينعقد هذا المجلس الرابع من شرح عقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله.
قال الإمام رحمه الله:
القدر سِرُّ الله في خلقه
الشيخ: قال الطَّحاوي رحمه الله: "القدر سِرُّ الله في خلقه" هذه الكلمة ليست محفوظةً عن النبي ، ومن بابٍ أظهر فإنها لم تُذْكَر في كلام الله جلَّ وعلا، أو ما يدل عليها بالمُطابقة، أو في كلام النبي ، فالقدر من غيب الله.
وأما التَّعبير بأنه سِرُّ الله في خلقه، فهذا تعبيرٌ عبَّر به بعض النَّاظرين في هذه المسألة، وقد ذُكِرَ هذا التَّعبير عن الشيخ عبدالقادر الجيلاني، وعن جماعةٍ آخرين، وليس هو من التَّعبيرات المُحْكَمة، وإنما التَّعبير المُحْكَم في أبواب الإيمان وأبواب التوحيد على القاعدة التي سبق أن قُرِّرَتْ هو: أن هذه المسائل يُحَدَّث عنها بألفاظ وبكلمات الكتاب والسُّنة، فقدر الله هو حكمه، وهو تدبيره، وهو علمه بأحوال عباده وخلقه، وهو مشيئته جلَّ وعلا، وهو كتابته لما كان ولما سيكون، إلى غير ذلك.
وأما هذه الجملة فهي جملةٌ مُجْمَلَةٌ، وليست من الأحرف المُحْكَمَة، ويُعلم بالضَّرورة أن الأحرف المُحْكَمة في القدر هي أحرف الكلمات الشرعية التي جاءت في كلام الله ورسوله .
والكلمة التي نُقِلَتْ عن الشيخ عبدالقادر -وعليه مُؤاخذاتٌ في مسائله وأرائه عند أهل العلم- أنه قال: "القدر سِرُّ الله في خلقه"، ونُقِلَتْ هذه الكلمة مرويةً عن بعض المُتقدمين، وفي بعض الأسانيد إلى بعض الصحابة، لكن ذلك لا يَثْبُت عن أحدٍ من الصحابة، والظاهر أنها من الكلمات التي جاءتْ بعد ذلك، وليست محفوظةً عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. نعم.
التَّعمق المذموم في القدر
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: "والتَّعمق والنَّظر في ذلك" أي: في مسائل القدر "ذريعة الخذلان، وسُلم الحرمان، ودرجة الطُّغيان" هذه عباراتٌ فيها إجمالٌ، فإن التَّعمق إذا أُريد به التَّحقق في فقه هذا الباب، وفي علم مقصود الشريعة به، وفي تحقيق الإيمان به؛ فهذا المعنى هو من المعاني الصحيحة.
وأما إذا صُرِفَ التَّعمق على معنى السُّؤالات، وإيراد السُّؤالات على القدر، والبحث في تفاصيل المسائل التي أجملتها الشريعة، أو عما كان ليس من مَدْرَك العِبَاد ونظرهم، أو مما لم يُخْبِرهم اللهُ به، إلى غير ذلك؛ فهذه الأوجه من التَّعمق لا شكَّ أنها قد يَحْدُث بها ما أشار إليه المُصنف، فتكون سببًا للطغيان أو الضلال أو الهوى، أو ما إلى ذلك.
فهذه كلماتٌ ليست على إطلاقها، أعني: الكلمات التي ذكرها أبو جعفر رحمه الله كلماتٌ مُجْمَلةٌ، لما قال: "التَّعمق" فإن التَّعمق هو التَّحقق في الشيء أو الإغراق فيه، وهذا معنًى -على كل حالٍ- فيه إجمالٌ، هذا المعنى فيه إجمالٌ؛ ولذلك إذا قُصِدَ بذلك ما يتعلق بالمعاني الصحيحة فهي على وجهها، وما خرج منها ليس كذلك.
لا شكَّ أن مُراد الطحاوي هو الذَّم للوجه الثاني من التَّعمق، وهو التَّعمق الذي تقع بسببه الشُّبهات، ولكن -كما سبق- أن القَدَر الذي جاء به الشرع العقلُ لا يُعارضه، القَدَر الذي أخبر الشرعُ به العقلُ لا يُعارضه؛ لأن القَدَر هو الإيمان بخلق الله، والله هو الخالق لكل شيءٍ.
الإيمان بعلم الله بأفعال العباد
إن ربنا علم أفعال العباد، ويعلم ما كان منهم، وما يكون منهم، وما سيكون منهم، وخلق أفعالهم وقضاها وشاءها ، وإن كانت من حيث الفعل هي فعل العبد، فإن العبد هو المُصلي، وهو الصَّائم، وهو المُزَكِّي، وهو النَّاسك، وهو الصَّابر، وهو الشَّاكر.
وبالمقابل يكون العبد هو الفاجر، والمُشرك، والظالم لنفسه، والسَّارق، والزاني، والشَّارب للخمر.
فالفعل هو فعل العبد، لكن ما من فعلٍ إلا وهو بقضاء الله؛ لأن الله جلَّ وعلا لا يكون في خلقه ولا في ملكه إلا ما أراده هو ، قال الله جلَّ وعلا: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام:125].
فهذه -أي: الهداية- وذاك -أي: الضَّلال- كله بإرادة الله، ولكن إرادة الله ليست هي بمعنى: محبته، فإن الله لا يرضى ولا يُحب من عباده إلا الطاعة، وإلا الخير، وإلا الإيمان، وأما كفرهم وشِرْكُهم أو ضلالهم وطغيانهم فهذا مما نهاهم الله عنه، وهو يكره من عباده الكفر والفسوق والعصيان، كما قال الله جلَّ وعلا: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7]. نعم.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، القَدَر لا يُزاد في بحثه عمَّا أخبرتْ به الشريعة، واقتضته الفطرة، فلا يُفَتَّش عليه بالسؤالات التي تقود إلى الشُّبهات.
وهذا لا يعني أنه مُغلقٌ عن الإدراك، وعن القبول في بدائع العقول، وهو مُسْتَقِرُّ الفِطَر، وإنما لأن الافتيات بالأسئلة؛ ولأن الكثرة في الأسئلة على المسائل الخبرية التي أُغلق بعض تفاصيلها عن إدراك العباد، فَقَصُرَتْ عقولهم عن إدراكها، يقع بسبب هذه الاستطالة من الأسئلة بعض الأوجه من الضَّلال.
فالقَدَر أمرٌ بَيِّنٌ، وهو حكم الله، وهو قضاء الله في عباده، وفي خلقه. نعم.
الابتعاد عن سؤال "لماذا؟" في أفعال الله
القارئ:
الشيخ: "فمَن سأل: لِمَ فَعَلَ؟" فإن ربنا لا يُسْأَل عما يفعل، قال الله تعالى: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، فالله له الحكمة البالغة، فما من أمرٍ من شرع الله، ولا قَدَرٍ من حكم الله الكوني وفعله وتدبيره إلا وهو بمُوجِب حكمة الربِّ ، وهذه الحكمة في شرعه، وفي خلقه وتدبيره لا يُحيط بها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، وإن كان الله جلَّ وعلا بيَّن من أوجه هذه الحكمة ما بَيَّن مما بَيَّنه لرسله، أو فطر الخلق عليه.
أنواع العلم وأثرها في الإيمان
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: العلم الذي أشار إليه يريد به أن ثَمَّة ما هو من الغيب الذي اختصَّ الله به، وثَمَّة ما هو من العلم الذي أخبر الله به.
فمبدأ القدر وجملة الأخبار التي أخبر الله بها في قَدَره، أو في أفعاله، أو في مُفَصَّل أحكام عباده؛ منها ما بَيَّنَ الله أمره، فيكون العلم بهذا من الإيمان، وتركه من الضَّلال والطُّغيان، فإن الإيمان بما أخبر الله به واجبٌ، الإيمان بما أخبر الله به من أفعاله وقضائه وحكمه وتدبيره، كل ذلك واجبٌ، كما يجب الإيمان بشرعه.
وتَلَمُّس "العلم المفقود"، ويُشير هنا بالعلم المفقود إلى العلم الغيبي الذي لم يُطْلِع اللهُ عليه العباد، لم يُطْلِع الله عباده عليه، فهذا العلم لا يصحُّ تَلَمُّسه بالظنون والأوهام، فإن الله جلَّ وعلا يقول: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، فعلم الغيب خاصٌّ بالله، لا أحد من خلق الله: لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، ومن باب أولى مَن دون هؤلاء.
فإن أفضل خلق الله بإجماع المسلمين وبإجماع دين المُرسلين هم ملائكة الله الذين يُسبحون الليل والنهار لا يَفْتُرون، وهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك فإن الله لم يجعل أمر الغيب لأحدٍ من خلقه البَتَّة، ولا يَطَّلِعُ أحدٌ على غيب الله إلا ما أَطْلَع الله عليه عبده أو نبيه أو رسوله أو مَلَكًا من ملائكته، أو أنزله خبرًا لعباده: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26- 27]، فهذا بِقَدْر ما أتاه الله إياه.
ولذلك لما سُئل النبي عن الروح نزل عليه قول الله جلَّ وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].
فالغيب لا يعلمه إلا الله، ومَن ادَّعى علم الغيب فهو ممن كذَّب أمر الله وكفر به، وحتى إذا كان من المُستقر عند المسلمين أن أفضل الخلق هو نبينا ، ومع ذلك يقول الله في كتابه في بيان حال رسول الله : قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعراف:188]، فهذه حال رسول الله يُخْبِر اللهُ بها خبرًا مُحْكَمًا في كتابه: قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188].
فحقُّ الله ليس هو حقَّ الأنبياء، الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومَن دونهم من الأولياء والصالحين لهم فضلٌ ومقامٌ، بل كل مؤمنٍ ومسلمٍ له فضلٌ ومقامٌ، وقد كرَّم الله جميع بني آدم، ولكن يُعْرَف ما يكون لربِّ العالمين، وما يكون للأنبياء والصالحين.
ولذلك لما قال الله جلَّ وعلا في أمر عيسى : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة:116]؟
كان الجواب من رسول الله عيسى عليه الصلاة والسلام: قَالَ سُبْحَانَكَ، وهذا تعظيمٌ وتنزيهٌ، سُبْحَانَكَ تعظيمٌ وتنزيهٌ، وليس تنزيهًا مُجردًا، سُبْحَانَكَ تعظيمٌ وتنزيهٌ.
قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ؛ لأنه ليس حقًّا للعبد ولو عَلَتْ رُتْبَتُه، وأعلى المراتب التي يُؤْتَاها العباد هي النبوة التي اصطفى الله بها مَن شاء من خلقه: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116].
فما في النفوس هو غيبٌ لا يعلمه إلا الله؛ ولهذا كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول -كما في حديث أبي سعيدٍ وغيره-: إني لم أُومَر أن أَنْقُبَ عن قلوب الناس، ولا أشقّ بطونهم [2].
فلا يعلم ما في النفوس إلا الله؛ ولهذا أخبر عن نفسه أنه العليم بذات الصُّدور: إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة:116- 118].
فهذا هو توحيد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله، ومَن ادَّعى معرفة الغيب فقد كذب، ومَن ادَّعى معرفة الغيب فقد افْتَأَتَ على دين الرسل جميعًا. نعم.
الإيمان باللوح والقلم
القارئ: قال رحمه الله:
"ونؤمن باللوح والقلم، وجميع ما فيه قد رُقِمَ" اللوح هو اللوح المحفوظ، وهو الذي كتب الله فيه كل شيءٍ، وهو خلقٌ خلقه الله وكتب فيه، ولا يُحيط به إلا الله، فنؤمن باللوح بِقَدْر ما أخبر الله من خبره، وبما أخبر به رسوله .
وفي الصحيح وغيره من حديث عمران بن الحصين ، قال النبي : وكتب أي: ربنا في الذكر كل شيءٍ [3]، فاللوح المحفوظ كُتِبَ فيه مقادير الخلق، وغير مقادير الخلق. نعم.
القارئ:
الشيخ: قال: "ونؤمن باللوح والقلم" القلم خلقه الله، وكتب ما كتب، وفي الصحيح وغيره قال النبي : إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القَدَر؛ ما كان، وما هو كائنٌ إلى الأبد [4].
القلم من خلق الله، وليس هو أول المخلوقات، بل هذا الحديث لا يدل على أنه هو أول المخلوقات، وإنما المقصود أنه عند أول خلقه أُمِرَ بالكتابة، وليس المقصود أنه أول الخلق، وهذا المُستقر عند مُتقدمي أئمة السُّنة، وإن كان بعض المُتأخرين من العلماء ظنُّوا من هذا الحديث أنه هو أول المخلوقات، وهذا ليس صحيحًا، والعرش سابقٌ عليه في الخلق.
والذي عليه المُتقدِّمون: أن القلم ليس هو أول المخلوقات، والله بيَّن في كلامه وفي كلام النبي فيما جاء عن رسول الله ما يدل على أن العرش قبله.
قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
| والناس مُختلفون في القلم الذي | كُتِبَ القضاء به من الدَّيَّانِ |
| هل كان قبل العرش أو هو بعده؟ | قولان عند أبي العلا الهمداني |
| والحقُّ أن العرش قبل؛ لأنه | قبل الكتابة كان ذا أركانِ |
ثم أشار ابن القيم إلى معنى الحديث: أول ما خلق الله القلم قال:
| وكتابة القلم الشريف تَعَقَّبَتْ | إيجاده من غير فَصْل زمانِ [5] |
نعم.
ما كُتِبَ في اللوح لا يمكن تغييره
القارئ:
الأسباب والمُسَبَّبات
الشيخ: الله خلق الخلق، وخلق الأسباب، والأسباب يحصل بها المُسَبَّب، لكن هل الأسباب تستقلُّ بحصول المُسَبَّب؟
الجواب: لا، فأنت ترى في أمثلة الأسباب مَن يخلق الله ويُمْضِي الله جلَّ وعلا أمر السبب، وقد يقع السبب، ولا يقع المُسَبَّب، قال الله تعالى في أمر الولد: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49- 50]، فصار الناس مع أنهم يبذلون سببًا واحدًا، أليس كذلك؟ ولكن صار المُسَبَّب منه ما يكون أنثى، ومنه ما يكون ذكرًا، ومنه ما يكون زوجًا -أي: ذكرًا وأنثى- ومنه ما يكون عقيمًا، وكل ذلك بأمر الله، والأسباب مقصودةٌ.
والأسباب نوعان:
- أسبابٌ شرعيةٌ.
- وأسبابٌ كونيةٌ.
الأسباب الشرعية: هي التي شرعها الله لمُوجِب رضوانه وتحقيق الإيمان به، فالصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وهذه العبادات الواجبة والمُستحبة هي أسبابٌ شرعيةٌ لرحمة الله، ولكن السَّبب لا يستقلُّ بالمُسَبَّب، أسبابٌ شرعيةٌ لرضوان الله، ولرحمة الله، لكن السَّبب -حتى السَّبب الشَّرعي- لا يستقلُّ بحصول المُسَبَّب، وهو رحمة الله.
وعن هذا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح وغيره-: لن يُدْخِل الجنةَ أحدًا عملُه العمل هنا أيش؟
العمل الذي هو الصلاة، الصيام .. إلى آخره.
العمل سببٌ: لن يُدْخِل الجنةَ أحدًا عملُه، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدني الله منه برحمةٍ [6].
فكل العباد فقراء إلى الله، كل العباد فقراء إلى الله في الأمور والمآلات الشرعية، وهو الذي هداهم ووفَّقهم وثبَّتهم على الإيمان، وفي الأمور الكونية.
ولهذا تجد أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام -وهو من أئمة المُوحدين وسادات المُرسلين عليهم الصلاة والسلام جميعًا- لما ذكر مقام التوحيد ذكر المقام على هذه الرُّتَب المُتداخلة في تحقيق الإيمان، والمُتصل بعضها ببعضٍ؛ لأن مقام التوحيد وإن قُسِّمَتْ عباراته وألفاظه إلا أنه في حقيقته الشرعية هو حقيقةٌ واحدةٌ، قال: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:78- 82].
فذكر هداية الله، وذكر خلق الله، وذكر مُفَصَّل أحواله في فقره إلى ربِّ العالمين ، وهذا هو مقام القنوت، أعني: تحقيق التوحيد هو مقام القنوت الذي وُصِفَ به إبراهيم، فمَن حقق مقام التوحيد صار من القانتين: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا [النحل:120]، القانت: هو المُحقق للتوحيد، وما شُرِعَت العبادات إلا لتحقيق هذا المقام -مقام القنوت- وهو تحقيق التوحيد لربِّ العالمين: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238].
فهنا فيما يتعلق بهذه المسألة الشريفة يُعلم أن الله بيَّن من أحكامه وشرعه وقضائه وقدره، وأما ما زاد على ما أخبر الله به من الخبر فلا يُتقحَّم في ذلك أمرٌ.
لا تعارض بين العمل والقدر
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: ولذلك جاء في حديث ابن عباسٍ الذي رواه أهل السُّنن والإمام أحمد عن رسول الله قال: يا غلام، إني أُعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهَك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك [7].
فهذا كله من العلم المُحْكَم: أنه ما من أمرٍ إلا وهو بقدر الله جلَّ وعلا؛ ولهذا شُرِعَ في المصائب أن يُرَدَّ الأمر إلى قدر الله، وأن يقول العبد: قدَّر الله وما شاء فعل. ولكن ليس القدر حُجَّةً على ترك الشرع، بل لله الحُجَّة البالغة على خلقه؛ لأن الشرع إذا كان فعلًا للعبد، ففعل العبد من قدر الله، وأما إذا كان إعراضًا، فإعراضه وقع بقدر الله، كما سبق في مسألة الحال، ومسألة المآل.
الإرادة والمشيئة
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: لا يتغير في قدر الله، وهذا هو القول المُحقَّق؛ لأن ربنا بكل شيءٍ عليمٌ.
وإذا نظرتَ في مثل قول رسول الله -كما في حديث أبي سعيدٍ وغيره في الصحيح وغيره- قال: مَن أحبَّ أن يُبْسَط له في رزقه، ويُنْسَأ له في أثره؛ فَلْيَصِلْ رحمه [8].
وقوله: مَن أحبَّ أن يُبْسَط له في رزقه أي: يُوسَّع له في رزقه: إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ [الإسراء:30] أي: هو يُوسِّعه جلَّ وعلا على مَن شاء من عباده.
ويُنْسَأ له في أثره أي: يُؤَخَّر ويُزاد له في أثره.
والنَّسيء: هو الزيادة والتَّأخير، ومنه قوله جلَّ وعلا: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37].
فهذا الحديث هل يدل على أن القدر يكون فيه هذا التَّغير؟
الجواب: هذا ليس بلازمٍ، ولا ظاهر في الدلالة، وإنما إذا عرفتَ أن أول مقامات القَدَر هو: الإيمان بعلم الله بما سيكون، فهو عَلِمَ من كل عبدٍ حاله، وعَلِمَ من عبده هذا أنه يصل الرحم، وعَلِمَ من عبده هذا أنه ليس كذلك، فكتب آثارهم، وكتب رزقهم على مُقتضى علمه، وبمُوجِب علمه ، فهذا ليس من القدر الذي يعرض في أمر الله.
وأما قوله جلَّ وعلا: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد:39]، فهذا فيما يظهر -والله تعالى أعلم- أنه في الشرع، وأما في مسألة القدر فإن قدر الله قد سبق.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: خلق الله كل شيءٍ بمُقتضى حكمته، فالله له الخلق، وله الأمر، وله الحكمة البالغة، وما من شيءٍ إلا وهو بأمر الله وحكمته.
القارئ:
فويلٌ لمَن صار لله في القدر خصيمًا، وأحضر للنَّظر فيه قلبًا سقيمًا، لقد التمس بِوَهْمِه في فحص الغيب سرًّا كتيمًا، وعاد بما قال أفَّاكًا أثيمًا.
مشيئة العبد تحت مشيئة الله
الشيخ: ولذلك جاءت كلمة الشريعة كلمةً مُقْتَصِدَةً، قال النبي : كلٌّ مَيَسَّرٌ لما خُلِقَ له [9].
وبعض الناس يستعمل عبارةً يزيد فيها فيقول: أنا مُيَسَّرٌ، ولستُ مُخَيَّرًا.
وهذه الكلمة بالتَّخيير، هذه كلمةٌ ليس لها أصلٌ، وفي معناها إجمالٌ، وإنما الله يَسَّر العباد، ويَسَّر لهم أعمالهم، ويَسَّر أمرهم بما هم عليه من صفة الخلق، فجعل لهم من الخلق والصفة الآدمية ما يختارون بها، ويفعلون بها؛ ولهذا يُعرف بالحِسِّ والإدراك والقطع الظاهر -فضلًا عن الشرع- أن الإنسان له اختيارٌ في أفعاله، لكن هذا الاختيار هو بمعنى أيش؟
المشيئة، فكلمة "المُخَيَّر" كلمةٌ مُجْمَلَةٌ، وإنما العبد له ماذا؟
الإنسان له إرادةٌ، والإنسان له مشيئةٌ، وإرادة الإنسان يفعل بها بعضُ الناس فعلًا، وآخرون لا يفعلون نفس الفعل، ما الدليل على ذلك؟
هذا أمرٌ من جهة الحِسِّ مُدْرَكٌ، فأنت الذي تختار أن تأخذ هذا الماء وأن تشربه، أو ألا تشربه، أليس كذلك؟
إذن لك إرادةٌ، ولك مشيئةٌ، أليس كذلك؟
لكن هل هذه الإرادة والمشيئة مُستقلةٌ، أم أنها تحت مشيئة الله وهيمنة مشيئة الله؟
تحت هيمنة مشيئة الله.
ما الدليل على ذلك من القرآن؟
كثيرٌ، منه -وليس حصرًا- قوله جلَّ وعلا: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28- 29].
تنوع الإرادة في أفعال العباد مذكورةٌ في القرآن، قال الله تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152]، ولكن الله مُهيمنٌ على إرادة عباده: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [الأنعام:125].
هل العبد مُجْبَرٌ على أفعاله؟
العبد هل هو مُستقلٌّ عن أمر ربه؟
الجواب: لا، هذا خلاف الشرع، وخلاف العقل، وخلاف الفطرة.
هل العبد مُجْبَرٌ على أفعاله من خالقه؟
نقول: الله سبحانه ما جبر العباد، وإذا قرأتَ القرآن من أوله إلى آخره، والسُّنة من أولها إلى آخرها، بل وكلام الصحابة، بل وكلام الأئمة؛ ما وجدتَ أنهم يُعبرون بكلمةٍ تقول: إن الله جبر العباد، ربنا أكرم العباد، وتفضل على العباد، وجبل العباد على الخير، وفطر العباد على الخير.
جاء أشجُّ عبدالقيس مع قومه، كما في الصحيحين وغيرهما من رواية غير واحدٍ من الصحابة، منهم ابن عباسٍ رضي الله عنهما، وجاء عند مسلمٍ من حديث أبي سعيدٍ الخدري [10].
جاء في حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "أن وفد عبدالقيس أتوا رسول الله فقالوا: يا رسول الله، إنَّا حيٌّ من ربيعة، وبيننا وبينك كفار مُضَر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهرٍ حرامٍ"؛ لأن العرب كانت تَكُفُّ في الأشهر الحُرُم عن القتال، "ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهرٍ حرامٍ، فَمُرْنَا بأمرٍ فَصْلٍ نُخْبِر به مَن وراءنا، وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به، فقال النبي : آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُؤَدُّوا خُمُسًا من المَغْنَم، ونهاهم عن الدُّبَّاء والحَنْتَم والمُزَفَّت والمُقَيَّر" [11].
وهذه مسألةٌ معروفةٌ عند الفقهاء في مسألة الظروف، والجمهور على أنها لم تُنْسَخ، وقالت طائفةٌ: إنها نُسِخَتْ. وفيها عن أحمد رحمه الله روايتان.
ومَن قال: إنها نُسِخَتْ، قالوا: نُسِخَتْ بحديث بُريدة الذي رواه مسلمٌ وغيره، قال النبي : كنتُ نهيتُكم عن الظروف أي: الأوعية، وإن الظروف لا تُحِلُّ شيئًا ولا تُحرِّمه، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مُسْكِرًا [12].
ونهي الشريعة عن الظروف هو من أدلة سدِّ الذَّرائع، من أدلة قاعدة سدِّ الذَّرائع.
وفي فقه هذا الحديث العظيم -حديث عبدالقيس- أن النبي عليه الصلاة والسلام سمَّى الأعمال: إيمانًا، بل جعل الأعمال هي الإيمان مع التوحيد، لما قال: آمركم بالإيمان ثم فسَّره لهم بما سمَّاه: إسلامًا في الحديث الآخر الذي هو حديث ابن عمر المُتفق عليه: بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحجِّ [13].
فهذه المباني سُمِّيتْ في حديث عبدالقيس -وإن كان لم يُذْكَر فيه الحجّ- لكن سُمِّيتْ في جُملتها، سُمِّيتْ: الإيمان، وبه يُعلم أن العمل من الإيمان، وأن الإيمان قولٌ وعملٌ، كما سمَّاه رسول الله .
ومَن قال بأن هذا من باب المجاز، فهذا قد أبعد، فإن النبي يُبيِّن هنا الحقائق الشرعية، وليست هي من الكلمات التي تُستعمل على الكنايات والصناعات اللفظية، فهو يُبين لهم حقائق الشريعة.
الشاهد في ذلك: أن هذا الوفد كان فيهم شابٌّ، وهو أشجُّ عبدالقيس، فقال له النبي : إنَّ فيك خَلَّتَين يُحبهما الله: الحلم والأَنَاة، فقال هذا الشَّاب للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، أنا أَتَخَلَّقُ بهما أم الله جَبَلَنِي عليهما؟ قال: بل الله جَبَلَك عليهما [14].
فالله يَجْبُل عبده، والجَبْل ليس هو الجبر.
الله ما جبر العباد، ولا أعجزهم عن عمل الصالحات، بل كل إنسانٍ من حيث الاستطاعة والقُدرة قادرٌ على فعل الخير، وإن كان قادرًا على فعل الشر، قال الله تعالى: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7- 8].
معنى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا
ما معنى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا؟
هل جبرها على الفجور؟
كلا، وهذا وصفٌ لجميع النفوس، وإن كان الله عصم نفوس الأنبياء عن مادة الفجور؛ ولهذا قال النبي لما ذكر أمر القرين: يا عائشة، أقد جاءكِ شيطانك؟ قالت: يا رسول الله، أَوَمَعِي شيطانٌ؟ قال: نعم .. الحديث [15].
فالله اصطفى أنبياءه عن هذا، لكن في أمر الخلق الأول الله يقول: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.
وما معنى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا؟
هذا في باب الخلق، ليس في باب التَّشريع، فالله له الخلق، وله التَّشريع، فهذا في مقام الخلق: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا أي: خلقها، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا أي: جعلها قابلةً للخير، وقابلةً للشر.
نفوس الملائكة لا تقبل إلا الخير: لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6]، لكن بنو آدم منهم مَن أطاع الله ما أمره، ومنهم مَن عصى الله ما أمره، أليس كذلك؟
لكن الملائكة خلقٌ، والله يخلق ما يشاء، وله الحكمة البالغة في خلقه.
الملائكة نفوسهم لا تعصي: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:20]، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، لكن بنو آدم منهم الصالح، ومنهم دون ذلك: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا [التوبة:102]، فتجتمع منهم المعصية والطاعة.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا أي: جعل النفس البشرية قابلةً للخير، وقابلةً للشر.
ولو جاءنا سؤالٌ هنا: هل قبول النفوس البشرية للخير بدرجة قبولها للشر، أم أن درجة الشر أبلغ، أم أن درجة الخير أبلغ؟
نقول: من فضل الله ونعمته وإكرامه لبني آدم أن جعل قبولهم الخير أعظم وأظهر من قبول الشر، بل جعل قبول الشر لا سلطان فيه.
ما معنى: لا سلطان فيه؟
أي: لا حُجَّة فيه.
لو أن شخصًا طالبك بمالٍ بدون بينةٍ، هل تُعطيه، أو القضاء يُعطيه المال؟
لا.
هكذا أمر الشر لا بَيِّنة فيه، ولا حُجَّة فيه، ولا برهان فيه، بخلاف الخير فإنه بَيِّنةٌ ونورٌ وبرهانٌ.
قال الله تعالى عن الذي تقلد أمر الشر هو وجنوده -إبليس الشيطان الرَّجيم- قال الله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ [إبراهيم:22]، ماذا بعدها؟
وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22]، الشَّر والضَّلال لا سلطان فيه، أي: لا بَيِّنة فيه، ولا دليل فيه، ولا برهان فيه: وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [إبراهيم:22].
لقيك رجلٌ في الطريق وقال: أُريد منك مئة ألفٍ. قلتَ: تفضل مئة ألفٍ.
هذا يقع أو ما يقع؟
ولا بَيِّنة عنده، ولا تعرفه، ولا يعرفك، هل هناك أحدٌ من العقلاء يُسلِّم بهذا؟
لا، لا بد أن يَثْبُت دَيْنًا، وإن كان ناسيًا للدَّين يقول له: ائتني ببينةٍ. أليس كذلك؟
فالشر لا بَيِّنة فيه، لكن لما أراد الله أن يبتلي العباد جعل عندهم قبول الخير وقبول الشَّر، وقبول الخير هو الأصل.
ولذلك مسألة الصراع مع الشيطان، في هذه المسألة من أول ما ينزل الولد من بطن أُمه -وإن كان ليس مُكلَّفًا- لكن يبدأ الشيطان في المحاولة.
ولذلك قال النبي -كما في الحديث الثابت في الصحيح وغيره-: ما من مولودٍ يُولَد إلا نَخَسَه الشيطان؛ فَيَسْتَهِلّ صارخًا من نَخْسَة الشيطان إلا ابن مريم وأُمه [16].
فقبول النفوس للخير هو الأصل، لماذا هو الأصل؟
لأن الخير هو الفطرة؛ ولأن الخير برهانه النبوة؛ ولذلك سمَّى الله مَن يَتَّبع الأنبياء: مُتَّبِعًا للنور، ويخرج من الظُّلمات إلى النور، قال الله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، وسَمَّى ما خالف طريق الأنبياء: ظلمات؛ لأن الشيطان يأتي كل قومٍ -وكل إنسانٍ- بما يُناسبهم، بخلاف الحقِّ فإنه وجهٌ واحدٌ.
الحقُّ الذي آمن به إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام هو الذي آمن به محمدٌ ، وهو الذي جاء به محمدٌ : قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:9]، بخلاف الضَّلالات فهي غير مُتناهيةٍ.
الشاهد في هذا: أن قوله: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:7- 8] أي: جعلها قابلةً للخير، وقابلةً للشَّر، فليس الإنسان مَجْبُورًا، ولكن له مشيئةٌ، وله إرادةٌ لها حقيقةٌ، والله يعلم ما في النفوس، وما في الصدور: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152].
ولهذا لما كانت مشيئة العبد قاصرةً، وأسبابه قاصرةً؛ كان لا بد له في طاعة الله وفي أمره العادي من الاستعانة بالله، كان لا بد له في طاعة الله وفي الأمر العادي -من أمره العادي- لا بد له من الاستعانة بالله .
العرش والكرسي
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: "والعرش والكرسي حقٌّ كما بَيَّنَ الله تعالى في كتابه".
العرش خَلْقٌ من خَلْقِ الله، خلقه الله وأخبر عن أمره، وجاء في سبعة مواضع من كتاب الله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، ذُكِرَ الاستواء على العرش في سبعة مواضع من كتاب الله.
والعرش مخلوقٌ عظيمٌ، لا يَقْدِر قدره إلا الله ، والكرسي أخبر الله به في تلك الآية التي هي أعظم آيةٍ في كتاب الله، كما أن سورة الفاتحة هي أعظم سورةٍ في كتاب الله، وقال فيها رسول الله عليه الصلاة والسلام: هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه [17]، هي فاتحة الكتاب.
وفاتحة الكتاب هي في تحقيق التوحيد، فإنها مُبتدأةٌ بأشرف المقامات في عبادة الله، وهو مقام الحمد، فإن العبودية مقامات، وهي التي يُسميها بعض علماء السلوك: "مقامات العارفين"، والأجود أنها تُسمى بالاسم الشرعي: "مقامات العابدين"، كما قال الله: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [التوبة:112].
أشرف مقامات العابدين هو هذا المقام، وهو مقام الحمد، وقد ذكره الله في قوله جلَّ وعلا: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ [التوبة:112].
فالحمد لله، له الحمد في خلقه، مَن حقق مقام الحمد لربِّ العالمين، له الحمد في خلقه، فَحَمِدَ نفسَه على شرعه، وحَمِدَ نفسَه على خلقه وتدبيره.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، هذه الآية في ابتداء سورة الأنعام، أهي في ذِكْر الخلق أم في ذِكْر التَّشريع؟
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ هذا مقام الخلق والربوبية.
قال: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ الظلمات والنور هي الحسيَّة هنا؟
الجواب: لا، هذا في الظلمات، أي: ظلمات الباطل؛ ولذلك ذُكِرَتْ جمعًا.
ولما ذُكِرَ النور ذُكِرَ واحدًا، باعتباره واحدًا؛ لأن الحقَّ لا يتعدد.
فهذا ليس في الأمر الحسي، هذا في الأمر الشرعي، كما قال الله جلَّ وعلا: وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ [الأعراف:157]، يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52].
ففي هذه الآية الجامعة ذكر الله فيها مقام الخلق: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَخَلْق الله مُوجِبٌ لحمده.
وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ أي: ينحرفون ويميلون عن هذه الحقيقة الشرعية، وعن هذه الحقيقة الربوبية، فالله يُحْمَد.
وسورة الفاتحة في التوحيد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، الإيمان بربوبيته، وما تتضمنه الربوبية من حقيقة معرفة الله جلَّ وعلا.
وذِكْر مقام الإله سبحانه هو تحقيق مقام الألوهية، وكل آيةٍ دالَّة على الربوبية فهي دالَّةٌ على وجوب مقام العبادة والألوهية، وكل آيةٍ دالَّة على الألوهية والعبادة فهي دالَّةٌ على مقام الربوبية.
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] بيان أسماء الله جلَّ وعلا، وبيان فضله على عباده، وبيان رحمته ، وأن الخلق ما اهتدوا إلا برحمة الله، ولا صلحتْ أحوالهم إلا برحمة الله.
ولهذا قال ربنا جلَّ وعلا -حتى في أخصِّ خلقه وهو رسول الله -: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران:159]، هذا كله برحمة الله.
ومَن عرف حقَّ الله عرف أنه هو الفقير -أي: العبد- إلى الله، وأن الله هو الغني عن عباده: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:3- 4] هذا مقام المآلات ومقام الجزاء.
ثم جاء بعده: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]، وهي التي قال فيها ربنا فيما ذكر رسول الله : قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل [18].
ولشرف هذه السورة فُرِضَتْ في الصلاة، وصارتْ رُكْنًا عند طائفةٍ من أهل العلم، أو واجبًا عند طائفةٍ.
وهذان القولان هما المُعتبران في أمر الفاتحة؛ لحديث عبادة، وحديث أبي هريرة، وغيرهما.
وجاء في حديث أبي هريرة: قَسَمْتُ الصلاة [19].
وقوله: قَسَمْتُ الصلاة يدل على أن قراءة الفاتحة فيها فريضةٌ واجبةٌ؛ لأنه إذا سُمِّي في كلام العرب الشيء ببعضه دلَّ على أنه إذا ارتفع هذا البعض ارتفع الاسم، وهذا من طرق العرب في تسميتها، وله استعمالٌ في كلام الشارع، ومنه قوله: قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي فيما ذكره رسول الله عن ربه، ومنه قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: الحجُّ عرفة [20].
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، في آية الكرسي قال: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة:255]، فَكُرسيه يُؤْمَنُ به كما أخبر الله به في كتابه، ولا تُثار السُّؤالات التَّفصيلية التي لم يرد بها دليلٌ من كلام الله ورسوله ، فإن الإمساك مقامٌ من مقامات الإيمان، وهذا من قواعد الشريعة حتى في أمور العباد، فكيف في أمور ..
الإمساك مقامٌ من مقامات الشريعة حتى في أحوال العباد، فكيف بأحوال الغيب؟
قال النبي : مَن كان يُؤمن بالله واليوم الآخر فَلْيَقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ [21]، كفى بالمرء إثمًا أن يُحَدِّث بكل ما سمع [22].
فإذا كان هذا مذمومًا في أحوال العباد، فكيف بمَن تَخَرَّص في غيب الله جلَّ وعلا؟!
والله قد قال لعباده: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: الله غنيٌّ عن سائر خلقه، عن جميع خلقه: عن العرش، وعن الكرسي، وعن سائر عباده وخلقه الذين نعلمهم أو لا نعلمهم، فإنه لا يُحاط بخلق الله، ولا يُحيط بخلقه إلا هو.
الإيمان بجميع أسماء الله وصفاته
القارئ:
ونقول: إن الله تعالى اتَّخذ إبراهيم خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا، إيمانًا وتصديقًا وتسليمًا.
الشيخ: "ونقول: إن الله تعالى اتَّخذ إبراهيم خليلًا، وكلَّم موسى تكليمًا".
أراد الطحاوي رحمه الله بيان التَّسليم في صفات الله، وأن ما أخبر الله به من صفاته وأفعاله يجب علينا الإيمان به، وألا نتجاوز القرآن زيادةً أو تأويلًا أو تحريفًا، وإن كان صاحبه لا يُسَمِّيه: تحريفًا.
فمقام التَّأويل في الصفات فتنةٌ استطار أمرها على كثيرٍ من المُتأخرين، والتَّسليم والإيمان هو الذي شرعه الله: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]، وموارد النزاع المُحتملة هي موارد الاجتهاد، أما هذه الموارد فهي موارد أخبار واجبة التَّصديق، وأن الله اتَّخذ إبراهيم خليلًا، وأنه كلَّم موسى تكليمًا.
القارئ: قال رحمه الله:
الشيخ: نعم، هذا كما سبق في تقرير الإيمان بصفات الله جلَّ وعلا، ومن ذلك: أن ربنا اتَّخذ إبراهيم خليلًا كما أخبر الله في كتابه: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125]، وموسى عليه الصلاة والسلام كلَّمه الله كما جاء في قوله جلَّ ذكره: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ... الآية [الأعراف:143].
قال: وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ فالله مُتَّصفٌ بصفات الكمال، والقرآن كلام الله، قال الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فكلام الله جلَّ وعلا هو كتابه، وهو ما أنزله على عبده ورسوله ، وربنا له صفات الكمال، والكلام من صفات الكمال.
ولذلك بيَّن الله بُطلان عبادة قومٍ من بني إسرائيل للعجل، قال الله تعالى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ فَعَدَم ذلك كان نقصًا: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ [الأعراف:148].
نقف على هذا الموضع من التَّعليق.
نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يجعلنا وإياكم من أهل رحمته، وأن يرحمنا ووالدينا والمسلمين بواسع رحمته.
اللهم يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم احفظنا من بين أيدينا، ومن خلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نُغتال من تحتنا.
اللهم احفظ عبادك المسلمين في كل مكانٍ.
اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مُطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين.
اللهم يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اغفر لنا ولوالدينا الأحياء منهم والميتين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم وَفِّقْ ولي أمرنا لما تُحب وترضى، اللهم اجعله هاديًا مَهْدِيًّا، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعله مُباركًا، يا أرحم الراحمين، اللهم خُذْ بناصيته للبرِّ والتَّقوى.
اللهم إنَّا نعوذ بك من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
يا حيُّ، يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم جَنِّبْ بلادنا الفتن وسائر بلاد المسلمين.
اللهم إنَّا نسألك العفو والعافية.
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمدٍ.
| ^1, ^9 | رواه البخاري: 4949، ومسلم: 2647. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064. |
| ^3 | رواه البخاري: 3191. |
| ^4 | رواه الترمذي: 2155، وأحمد: 22707، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2017. |
| ^5 | الكافية الشافية: ص67. |
| ^6 | رواه البخاري: 6467، ومسلم: 2818. |
| ^7 | رواه الترمذي: 2516 وصححه، وأحمد: 2669، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5302. |
| ^8 | رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557. |
| ^10 | رواه مسلم: 18. |
| ^11 | رواه البخاري: 53، 87، ومسلم: 17. |
| ^12 | رواه مسلم: 977. |
| ^13 | رواه البخاري: 8، ومسلم: 16. |
| ^14 | رواه أبو داود: 5225. |
| ^15 | رواه مسلم: 2815. |
| ^16 | رواه البخاري: 4548، ومسلم: 2366. |
| ^17 | رواه البخاري: 4474. |
| ^18, ^19 | رواه مسلم: 395. |
| ^20 | رواه الترمذي: 889، والنسائي: 3016، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 2714. |
| ^21 | رواه البخاري: 6018، ومسلم: 47. |
| ^22 | رواه أبو داود: 4992، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4480. |