تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي
فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

جدول المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فأبدأ -إن شاء الله- بالدرس الأول، وهو: مختاراتٌ من السيرة النبوية، ثم بعد ذلك ننتقل إلى الدرس الثاني: وهو في المختارات من أحاديث رسول الله .

الدرس الأول: مختاراتٌ من السيرة النبوية

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار  

العنوان الذي سأبدأ به: (المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار).

في الدروس السابقة تكلمت عن موضوعاتٍ في "العهد المكي"، فهذا الدرس والدروس القادمة تكون الدروس -إن شاء الله- في "العهد المدني".

لما قدم النبي إلى المدينة؛ آخى بين المهاجرين والأنصار، فجعل كل واحدٍ من المهاجرين أخًا لواحدٍ من الأنصار، وقد ذكر المؤرخ محمد بن إسحاق رحمه الله أسماء عددٍ من المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم رسول الله .

المؤاخاة الأولى بين المهاجرين  

وأخرج محمد بن سعدٍ من طريق شيخه محمد بن عمر الواقدي بأسانيده عن محمد بن إبراهيم التيمي ويحيى بن زيد بن ثابتٍ وضَمْرة بن سعيدٍ، قالوا: "لما قدم رسول الله المدينة؛ آخى بين المهاجرين بعضهم لبعضٍ" [1]، هذه المؤاخاة الأولى بين المهاجرين.

المؤاخاة الثانية بين المهاجرين والأنصار  

وآخى المؤاخاة الثانية بين المهاجرين والأنصار، فالمؤاخاة الأولى بين المهاجرين، والمؤاخاة الثانية بين المهاجرين والأنصار، آخى بينهم على الحق والمواساة، يواسي بعضهم بعضًا في النفقة، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، هذا تشريعٌ مؤقتٌ، بعد ذلك جاء نَسخه كما سيأتي، ويتوارثون بعد الممات دون ذوي الأرحام، وهذا التشريع المؤقت المقصود به تأكيد الأخوة بين المهاجرين والأنصار؛ حتى تكون أخوةً قويةً، وكانوا تسعين رجلًا؛ خمسةً وأربعين من المهاجرين، وخمسةً وأربعين من الأنصار، هذا في البداية، ثم بعد ذلك زاد هذا العدد، وكان ذلك قبل وقعة بدرٍ.

أركان المؤاخاة وبيان ما نُسخ منها وما بقي

ثم ذَكَر الذي نَسَخ حكم التوارث، قال: "وأنزل الله تعالى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75]، فنَسخَت هذه الآيةُ ما كان قبلها" [2]، يعني: من التوارث بين المهاجرين والأنصار، والحكمة قد تمت، الحكمة من التوارث: تأكيد الأخوَّة الإسلامية، وتأكدت فيهم فرجع الحكم بعد ذلك إلى الحكم الشرعي الذي هو على الدوام.

قال: وانقطعت المؤاخاة في الميراث" -فقط في الميراث- "ورجع كل إنسان إلى نسبه، وورثه ذوو رحمه" [3]، أما بقية عناصر المؤاخاة فاستمرت.

وأخرج الإمام أبو داود الطيالسي من حديث عكرمة، عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "آخى رسول الله بين أصحابه، وورَّث بعضهم من بعضٍ، حتى نزلت: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب" [4]، وأخرجه الإمام الطبراني من طريق أبي داود الطيالسي، وذكر مثله، وقال الحافظ الهيثمي عن إسناد الطبراني: "رجاله رجال الصحيح" [5].

وقد بيَّن حبر الأمة عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما الأمور التي قامت عليها هذه المؤاخاة، وذلك فيما أخرجه الإمام البخاري عنه في قوله تعالى: وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [النساء:33]، أنه قال: وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ، قال: "وَرَثَةً"، وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قال: "كان المهاجرون لمَّا قدموا المدينة يرث المهاجرُ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه؛ للأخوَّة التي آخى النبي بينهم، فلما نزلت: وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ [النساء:33] نَسَخَتْ.

ثم قال: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]"، يعني: الذين تآخيتم أنتم وإياهم، "فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ [النساء:33]"، قال: "إلا النصر والرِّفَادة والنصيحة"، يعني: بقي أن ينصر بعضهم بعضًا، وأن يَرفد بعضهم بعضًا، وهو التكافل في الأموال، والنصيحة وهي معروفةٌ، "وقد ذهب الميراث" بهذه الآية "ويوصى له" [6]، يعني: أنه يوصى للذي تمت المؤاخاة بينهم بما لا يزيد على الثلث، كما هو معروفٌ في الأحكام، قال: "والرِّفادة": وهي الإعانة بالعطية [7].

ومن هذه الرواية تبيَّن لنا أن الأمور التي عُقدت من أجلها هذه الأخوة: هي التوارث والنصر والرفادة والنصيحة بين المتآخين، وأن التوارث نُسِخ مع استحباب الوصية للأخ بشيءٍ من المال، وبقية الحقوق الأخرى.

أثر المؤاخاة في بناء المجتمع المدني

ومن هذه المؤاخاة يتبين لنا مثلٌ من الجهد الكبير الذي قام به رسول الله في تثبيت دعائم ذلك المجتمع الإسلامي الناشئ في المدينة المنورة.

كما أن هذه المؤاخاة تشتمل على موقفٍ مشكورٍ من الأنصار ، حيث رضوا بما يترتب عليها من التوارث، مع أنهم هم أصحاب الأموال غالبًا، لم يعترض على هذا الحكم أحدٌ من الأنصار، كلهم سلَّموا لله وللرسول، مع أن الأموال أموالهم، المهاجرون تركوا أموالهم في مكة، والأنصار غالب أموالهم كانت الزراعة والنخيل، ومع ذلك رضوا بهذا الحكم، وقد رُويت أخبارٌ رائعةٌ لما جرى بين أفراد هؤلاء الإخوة من المواساة والإيثار والنصيحة والثقة.

المؤاخاة بين سلمان وأبي الدرداء رضي الله عنهما

ومن أمثلة هذه المؤاخاة في مجال التناصح: ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي جُحيفة قال: آخى النبي بين سلمان -يعني سلمان الفارسي - وبين أبي الدرداء الأنصاري ، فزار سلمان أبا الدرداء -يعني في بيته- فرأى أم الدرداء متبذِّلةً -يعني عليها ثيابٌ قديمةٌ باليةٌ، لا تتزين لزوجها- فقال لها: ما شأنك؟ يعني: لماذا لا تهتمين بزوجك وتتزينين له؟ فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، يعني: أنه يصلي الليل، ويصوم النهار.

فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال له: كُلْ -يعني: أبو الدرداء يقول لسلمان: كُلْ، صنع له طعامًا فقال له: كُلْ، يعني: سلمان قال لأبي الدرداء: كُلْ معي، يعني جاءه بالطعام، وبدأ سلمان يأكل وأبو الدرداء ممسكٌ، فقال له سلمان: كُلْ، ما بالك؟ قال: فإني صائمٌ، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، هو صيام نفلٍ، قال: فأكل؛ حفاظًا على الإخوة التي بينهما.

فلما كان الليل؛ ذهب أبو الدرداء يقوم ليصلي من أول الليل فقال له سلمان: نَمْ، ليس الآن، الصلاة في آخر الليل، في ثلث الليل، قال: نمْ، فنام، ثم ذهب يقوم أبو الدرداء فقال له سلمان: نمْ، فلما كان آخر الليل -يعني الثلث الأخير من الليل- قال سلمان: قم الآن، فصليا معًا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، فأعطِ كل ذي حقٍّ حقه.

سلمان سيأتي في درسٍ قادمٍ -إن شاء الله- قصة إسلامه، فهو مَرَّ في النصرانية مع النصارى المترهبين، ويَفهم أن الانقطاع للشعائر التعبدية وحدها يجعل الإنسان يضيع الحقوق الأخرى: حقوق زُوّّاره، وحقوق زوجته، وحقوق أولاده.. إلى آخره، سيأتي إن شاء الله.

"فأتى النبيَّ ، أبو الدرداء ذهب إلى الرسول وقال: سلمان قال لي: كذا، وكذا، فذكر ذلك للنبي ، فقال له النبي : صدق سلمان [8].

سلمان فَهِم الدين فهمًا واسعًا على أنه شعائر تعبديةٌ وأخلاقٌ وجهادٌ، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، واكتسابٌ للأموال، وصدقةٌ وإنفاقٌ على الأهل، ومعاشرةٌ للزوجة، وأيضًا جلوسٌ مع الأولاد.. إلى آخره، وأبو الدرداء لم يمر بالأحوال التي مر بها سلمان من قبل، ففهم أن الدين هو الشعائر التعبدية: الصيام والصلاة؛ فصار يقضي أكثر النهار في الصوم، والليل في الصلاة، لكن الرسول قال: صدق سلمان، يعني: هو الذي فهم الإسلام الشامل الكامل.

المؤاخاة بين بلال وأبي رُويحة رضي الله عنهما

ومن أمثلة آثارها في مجال الثقة: ما ذكره محمد بن إسحاق رحمه الله من خبر بلال بن رباحٍ ، قال: "فلما دوَّن عمر بن الخطاب الدواوين..".

طبعًا في عهد الرسول وعهد أبي بكرٍ لم يكن هناك دواوين، الناس كانوا قليلين، فلما كثر المسلمون؛ رأى عمر أن الحاجة تستدعي كتابة أسماء المسلمين وجَعْلهم على جماعاتٍ، كل جماعةٍ لها مسؤولٌ.

قال: "فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام؛ كتب أسماء الصحابة والتابعين، وكان بلالٌ قد خرج إلى الشام فأقام مجاهدًا، فقال عمر لبلالٍ: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ لأنه ليس كل إنسانٍ عنده ديوانٌ، هناك أحدٌ مسؤولٌ عن مجموعةٍ، إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رُويحة -هو عبدالله بن عبدالرحمن الخثعمي - قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدًا؛ للأخوة التي كان رسول الله عقد بيني وبينه"، يعني: لما آخى الرسول بين المهاجرين والأنصار؛ جعل بلال بن رباحٍ مع أبي رُويحة عبدالله بن عبدالرحمن الخثعمي .

قال: "لا أفارقه أبدًا؛ للأخوة التي كان رسول الله عقد بيني وبينه"، يعني: هذا وفاءٌ وتقديرٌ لما قام به النبي من تلك الأخوة، فضُمَّ إليه، يعني ديوان بلالٍ ضُمَّ لأبي رويحة، "وضُم ديوان الحبشة إلى خثعم؛ لمكانة بلالٍ منهم [9].

يعني: بلال بن رباحٍ الحبشي، كل الحبشة ضُمُّوا إلى خثعم، التي منها أبو رويحة، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام، وهذا دليلٌ على عمق آثار هذه المؤاخاة، حيث ظل بلالٌ على ذكرٍ لها بعد تلك المدة الطويلة.

المؤاخاة بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما

ومن ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري من حديث إبراهيم بن سعدٍ عن أبيه عن جده قال: "لما قدموا المدينة -يعني المهاجرين- آخى رسول الله بين عبدالرحمن -يعني ابن عوفٍ- وسعد بن الربيع الأنصاري، فقال لعبدالرحمن بن عوفٍ -يعني: قال سعد بن الربيع لعبدالرحمن بن عوف، سعد بن الربيع الأنصاري قال لعبدالرحمن بن عوفٍ المهاجري- قال له: إني أكثر الأنصار مالًا، فأَقسِمُ مالي نصفين"، طبعًا الأموال هي البساتين، "أقسم مالي نصفين" -يعني: آخذ النصف وأعطيك النصف- قال: "ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمِّها لي أطلقها"، يعني: لم ينزل الحجاب في ذلك الزمن، "فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها؛ فتزوَّجْها.

قال: بارك الله لك في أهلك ومالك! أين سوقكم؟" وهو بارعٌ في التجارة من يوم كان في مكة، "فدلوه على سوق بني قينقاع" -بنو قينقاع: هم قبيلةٌ من قبائل اليهود في المدينة المنورة- "فما انقلب إلا ومعه فضلٌ من أَقِطٍ وسمنٍ" [10]، باع وشرى، حصَّل سمنًا وأقطًا، وهو الذي يُعمل من اللَّبَن، أقراصٌ تُعمل من اللبن معروفةٌ.

فهذا نموذجٌ من المواساة والإيثار، وهو مَثَلٌ لحياةٍ حافلةٍ بالأمثلة العالية التي قدمها الأنصار ، وإذا كان الناس اعتادوا على أن يَجودوا بشيءٍ من أموالهم قلَّ أو كثر؛ فإن الجود بالتنازل عن الزوجات أمرٌ نادر الوجود، ولم يكن معروفًا عند العرب قبل الإسلام.

ولقد كان ما أَقدَم عليه سعد بن الربيع من ذلك مظهرًا من مظاهر كمال الإيثار، والإيثار من أعظم مكارم الأخلاق، وكان الباعث عليه رسوخ الإيمان بالإسلام الذي جعل الفرد المسلم يُلغِي من باله التمسك بالكماليات في المعيشة في سبيل إعزاز هذا الدين والتآخي مع رجاله.

مواقف في إيثار الأنصار للمهاجرين

الموضوع الثاني: (مواقف في إيثار الأنصار).

حينما هاجر المهاجرون إلى المدينة النبوية لم يكن معهم مالٌ يكفيهم لضرورات المعيشة، معروفٌ أن المشركين في مكة لا يدعون مهاجرًا يهاجر بشيءٍ من ماله، أخذوا بيوت المهاجرين وأموالهم، وجاءوا إلى المدينة ليس معهم شيءٌ، لم يكن معهم مال يكفيهم لضرورات المعيشة، فقام الأنصار بإيوائهم -يعني في السكن- وإعاشتهم خير قيامٍ، وضربوا أمثلةً عاليةً في إيثار المهاجرين على أنفسهم.

ولقد ذكرهم الله تعالى بالصفات العالية في القرآن الكريم، فقال سبحانه: وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صِدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، أي: والأنصار الذين اتخذوا المدينة مباءةً لهم، يعني: سكنًا ثابتًا، يعني: هم أهل المدينة قبل أن يأتي المهاجرون، والذين آمنوا بالإسلام، يعني: آمنوا بالإسلام قبل مجيء المهاجرين، والذين آمنوا بالإسلام وثبتوا عليه في المدينة قبل قدوم المهاجرين إليها يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9] من إخوانهم أهل مكة وغيرهم من المسلمين.

صور من مظاهر حب الأنصار وإيثارهم للمهاجرين

  • من مظاهر حب الأنصار للمهاجرين: أنهم قدموهم في الولاء والنصرة على حلفائهم من اليهود، بل قدموهم على أقاربهم الذين لم يدخلوا في الإسلام، فالذين لم يدخلوا بَقُوا بعد ذلك على النفاق، قدموهم في الولاء والنصرة على حلفائهم من اليهود، بل قدموهم على أقاربهم الذين لم يدخلوا في الإسلام.
  • ومن مظاهر هذا الحب: أنهم تنازلوا لهم عن محبوبات الدنيا التي يتنافس عليها الناس عادةً؛ من الأموال والمساكن ونحو ذلك، وَلَا يَجِدُونَ فِي صِدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر:9] فإذا قَدَّم النبي المهاجرين بشيءٍ من أمور الدنيا المعنوية؛ كالولايات، أو المادية كأموال الفيء، فإن الأنصار لا يجدون في صدورهم أي شيءٍ من التأثر والكراهية فضلًا عن الحسد؛ وهذا دليلٌ على كمال حبهم إياهم وطهارة قلوبهم نحوهم.
    وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصة [الحشر:9]، يعني: ويقدِّمون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم بمتاع الدنيا وإن كان هؤلاء الأنصار فقراء يحتاجون إلى ذلك المتاع.

إن الإيثار درجةٌ أعلى من المواساة، والأنصار قد واسَوا إخوانهم المهاجرين بأنفسهم، وزادوا على ذلك بأن آثروهم على أنفسهم بخير الدنيا، وهذا شاهدٌ على صدق محبتهم وقوة إيمانهم.

ولقد رُويت نماذج عاليةٌ من مواقف الأنصار في الكرم والمواساة والإيثار:

  • فمن ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة قال: قالت الأنصار للنبي : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا -أموالهم هي النخيل- قال: لا، فقالوا: تكفوننا المؤونة ونَشرَككم في الثمرة -يعني ساعدونا في السقي وإصلاح النخيل، ونشترك في الثمرة- قالوا: سمعنا وأطعنا [11].

فهذا الحديث يفيد: أن الأنصار عرضوا على النبي أن يتولى قسمة أموالهم بينهم وبين إخوانهم المهاجرين، وقد كانت أموالهم هي النخيل، فأبى عليهم النبي ، وأراد أمرًا تكون فيه المواساة من غير إجحافٍ بالأنصار بزوال ملكية أموالهم منهم، فقال الأنصار للمهاجرين: تكفوننا المؤونة، يعني: العمل في النخيل من سقيها وإصلاحها ونَشرَككم في الثمرة، فلما قالوا ذلك؛ رأى رسول الله أن هذا الرأي يضمن سد حاجة المهاجرين مع الإرفاق بالأنصار، فأقرهم على ذلك، فقالوا جميعًا: سمعنا وأطعنا.

وسيأتي في ثناء المهاجرين على الأنصار: أن الأنصار قد قاموا بالمؤونة -يعني العمل في النخيل- وأشركوا المهاجرين في الثمرة، ولعل المهاجرين كانوا يساعدونهم في العمل، ولكن كان أكثر العمل عند الأنصار؛ لأنهم هم أصحاب الخبرة بالزراعة.

  • ومن ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري من حديث خارجة بن زيدٍ في بيان خبر عثمان بن مظعونٍ، وفيه: أن الأنصار اقترعوا على سُكنى المهاجرين، يعني: تنافسوا، إذا جاء المهاجرون؛ كل واحدٍ من الأنصار يقول: تعالوا اسكنوا عندي، فلمَّا تنافسوا أقرع بينهم النبي ، فمن نزلت له القرعة؛ أخذ المهاجر الذي جاء [12]، وهذا يفيد الأنصار، يعني: أن الأنصار قد تنافسوا على إسكان المهاجرين في بيوتهم، وأنهم قد رَضُوا بالقرعة فيما بينهم.
    ولقد أراد النبي أن يكافئ الأنصار على تلك المكارم العظيمة التي قدَّموها لإخوانهم المهاجرين، وقد أخرج الإمام البخاري في ذلك من حديث أنس بن مالكٍ قال: "دعا النبي الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين".

    و"البحرين" إذا وردت في التاريخ؛ ليست "البحرين" الموجودة الآن، "البحرين" في التاريخ: تطلق على شرق الجزيرة العربية، يعني منطقةٌ كبيرةٌ، كل شرق الجزيرة العربية كان يسمى البحرين- فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا المهاجرين مثلها، قال: فإما لا -يعني: إذا كنتم ما رضيتم أن يُقطع لكم البحرين- إما لا، فاصبروا حتى تلقوني؛ فإنه سيصيبكم بعدي أَثَرَةٌ [13]، يعني: سيُقَدَّم عليكم المسلمون من كل الفئات.

وهذه الأثرة لم تحصل في عهد الخلفاء الراشدين، حدثت فيما بعد ذلك، وفي عهد معاوية تأخر في عطايا الأنصار حوالي سنتين، فجاء أحدهم يشكو، فقال: اذهب، ارجع إلى المدينة، وستأتي أعطياتكم بعد ثلاثة أيامٍ، وأرسل لهم الأعطيات، لكن بعد معاوية حصلت الأثرة التي ذكرها النبي ، إلى أن جاء عمر بن عبدالعزيز رحمه الله فأنصف الأنصار وغيرهم، وأعاد العطاء الذي كان قُطع بعد معاوية ، كان العطاء في عهد الرسول والخلفاء الراشدين ومعاوية ، كل مسلمٍ له عطاءٌ، حتى إنه قبل عهد عمر وفي أول عهده كان كل مسلمٍ له عطاءٌ سنويٌّ، إلا الرُّضَّع؛ لأن الرضع لا يأكلون، يرضعون من أمهاتهم.

ففي أول عهد عمر ما كان يُصرف عطاءٌ للرضع "فخرج ذات يومٍ هو ومولاه أسلم، وكان من عادته أن يخرج في نواحي المدينة يتفقد الأعراب الذين يأتون للمدينة، فوجد امرأةً معها صِبيانٌ، ووجد الصبيان يبكون، يتضاغون من الجوع ويبكون، فجاء إليها وقال: أأدنو يا أمة الله؟ قالت: ادن بخيرٍ أو دع، فجاء إليها فقال: ما لصِبْيَتك يصيحون ويبكون؟ قال لها ثلاث مراتٍ، في المرة الثالثة قالت: إني ليس عندي أي شيءٍ من الطعام، وأنا أوقد هذا القدر بالماء؛ حتى أسكتهم ليناموا، ثم قالت: الله بيننا وبين عمر! قال: وما يدري عمر عنك؟! قالت: يتولى أمرنا ويضيِّعنا!

فرجع ومولاه أسلم وقال: احمل على ظهري، كيس الدقيق مع كمية من السمن، فقال: أنا أحمله، قال: لا أُمَّ لك! هل تحمل وزري يوم القيامة؟! احملها عليَّ، فحملها على ظهره ، حتى وصل إلى تلك المرأة، فوضع الدقيق والسمن، فصارت تصنع الطعام، فذهب بعيدًا عنها وجلس في مرتفعٍ قليلٍ، فقال له أسلم: يا أمير المؤمنين، لك أمورٌ أعظم من هذا -يعني: لا تسهر وتضيع الأمور- لم يرد عليه، ثم بعد ذلك قال له: إني رأيت الصِّبْية وهم يتضاغَون من الجوع ويبكون، فلا أريد أن أرجع حتى أراهم يضحكون.

فلما أكلوا؛ صاروا يتضاحكون فيما بينهم ويلعبون، ففرح عمر بهذا، فلما صلى الفجر صلى بالمسلمين ولم يتبينوا صوته من البكاء ، ثم لما انتهى من الصلاة قال: كم أهلكت -يا عمر- من أولاد المسلمين؟! ثم نادى: ألا إننا نفرض العطاء لكل مولودٍ في الإسلام" [14]انتهى.

سابقًا: كل فطيمٍ، والآن قال: "كل مولودٍ في الإسلام".

واستمر الأمر على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين وعهد معاوية، رضي الله عنهم، ثم قُطع العطاء بعده تمامًا حتى جاء عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، وهذا من فضائله العظيمة، أعاد العطاء لجميع المسلمين، حتى إن الواقدي يقول: "وُلدتُ بالمدينة، ففرض لي عمر بن عبدالعزيز دينارين، من يوم أن ولد، فلما توفي عمر بن عبدالعزيز وجاء بعده يزيد بن عبدالملك؛ قُطع العطاء نهائيًّا، واستمر العطاء مقطوعًا بعد ذلك"، هذا نحن خرجنا عن الموضوع لنستشهد بما كان في عهد الصحابة .

إيثار الأنصاري ضيفَه على نفسه وأهله

ولقد كان شكر المهاجرين للأنصار عاليًا، ولقد سجلوا ذلك بثنائهم عليهم عند النبي ، وقد أخرج خبرَ ذلك الإمامُ أحمد من حديث أنس بن مالكٍ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومٍ قدمنا عليهم -يعني الأنصار- أحسن مواساةً في قليلٍ، ولا أحسن بذلًا في كثيرٍ، ولقد كفونا المؤونة -يعني العمل- وأشركونا في المهنة -يعني الثمرة- حتى لقد حسبنا أن يذهبوا بالأجر، -كانوا يهتمون بالأجر قبل اهتمامهم بأي شيءٍ آخر- قال: لا -يعني لن يذهبوا بالأجر- ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم [15]، إذا فعلتم ذلك؛ يبقى لكم الأجر، وفي هذه الإشارةِ من المهاجرين إلى الأجر الأخروي بيانٌ لعمق تصورهم للحياة الآخرة.

ولقد كان إيثار الأنصار على أنفسهم عظيمًا، يبين ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي -يعني يشكو حاجته، جائعٌ يريد طعامًا- فبعث النبي إلى نسائه -يعني يطلب- هل عندكم طعام -حتى نرسل- فقلن: ما عندنا إلا الماء -كل بيوت النبي التسعة ما فيها إلا الماء- فقال رسول الله : من يضم، أو قال: من يضيف هذا؟، فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله .

هذا الصحابي الأنصاري ليس غنيًّا، من الفقراء، أكرمي ضيف رسول الله ، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني -عندهم عشاءٌ يكفي للأطفال فقط- فقال: هيئي طعامك -أصلحيه- وأَصبِحي سراجك، ونوِّمي صبيانك -يعني: أسرجي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا العشاء- فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها -أشعلت سراجها- ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته.

لماذا أطفأته؟ ليأكل الضيف الطعام وحده وكأنهما يأكلان معه، فأطفأته، فجعلا يُرِيانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين؛ لأن الطعام لا يكفي لثلاثةٍ، فباتا طاويين من الجوع، فلما أصبح؛ غدا إلى رسول الله فقال: ضَحِك الله الليلة -أو قال: عَجِب- من فعالكما، ونزل الوحي على الرسول ، ونزل قوله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصة وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [16].

فتنة شأس بن قيس اليهودي وإخماد النبي لها

مَثَلٌ من قدرة النبي على إخماد الفتنة، وموقفٌ للأنصار بالسمع والطاعة، حينما انتشر الإسلام في المدينة، وهاجر إليها رسول الله ، والْتفَّ حوله المؤمنون من الأنصار إلى جانب إخوانهم المهاجرين، وتَكَوَّن منهم مجتمعٌ إسلاميٌّ متماسكٌ، غاظ ذلك اليهود، اليهود لا يريدون أن يجتمع المسلمون، وأن يكون لهم قيادةٌ ودولةٌ، غاظ ذلك اليهود، وعرفوا أنهم لا يستطيعون مقاومة المسلمين بالقوة؛ فقد كانوا يعلمون عجزهم قبل ذلك عن التغلب على الأوس والخزرج، لو فُرض أنهم اجتمعوا؛ فكيف بهم وقد اجتمعوا وانضم إليهم المهاجرون؟!

فلجؤوا إلى سلاحهم القديم الذي تفننوا فيه، ونجحوا في تفريق القبائل والأمم بواسطته، وهو سلاح الغزو الفكري، هذا السلاح برع فيه اليهود من قديمٍ، وطبَّقوا هذا السلاح على المسلمين في العهد النبوي وفيما بعد، وقد تفتق ذهن أحد شيوخهم الكبار في السن عن حيلةٍ هَدَفَ بها إلى تفريق مجتمع الأنصار؛ وذلك بإثارة العصبية القبلية بينهم؛ ليعودوا إلى جاهليتهم فتعود الحروب بينهم كما كانت، ويخسر النبي بذلك أقوى أنصاره.

وفي بيان هذا الخبر يقول محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى: "ومر شأس بن قيسٍ -وهذا يهوديٌّ- وكان شيخًا قد عسا -يعني كبرت سنه- عظيم الكفر، شديد الضِّغْن -أي الحقد على المسلمين- مر على نفرٍ من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلسٍ قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم -لا يريد أن يتآلفوا- وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية، فقال: قد اجتمع ملأ بني قَيْلَة -قيلة: جدةٌ قديمةٌ للأوس والخزرج، والنِّسبة إلى الأم تعني شيئًا من التحقير عند العرب- قال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم -يعني جماعتهم- من قرارٍ بالمدينة، فأمر فتى شابًا من يهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم -اذهب إليهم- فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث، وما كان قبله، وأنشدْهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار" [17].

وهذا يوم بُعَاثٍ من أعظم أيامهم في القتال قبل الهجرة بخمس سنواتٍ، وكان يوم بعاثٍ يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج، وكان قبيلةٌ من اليهود تكون مع الأوس، وقبيلةٌ تكون مع الخزرج؛ من أجل أن يدفعوا بعضهم على بعضٍ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، وكان على الأوس -يعني زعيم الأوس- يومئذٍ حُضَير بن سِمَاك الأشهلي، وهو والد أُسَيد بن حُضيرٍ ، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البَيَاضي، فقتلا جميعًا.

قال ابن إسحاق: ففعل -يعني: الشاب حافظ الأشعار التي افتخر فيها الأوس، ورد عليهم الخزرج، وتنازعوا، ففعل -يعني جاء وصار يُنشد الأشعار التي قيلت في يوم بعاث- فتكلم القوم عند ذلك، أخذتهم العصبية، مع أنهم مسلمون أتقياء، لكن في حالة غضبٍ- فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا -يعني: الأوس يفخرون والخزرج يفخرون- حتى تواثب رجلان من الحيين على الرُّكَب -يعني: قاما على رُكَبهما من الغضب- أوس بن قَيظيٍّ، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخرٍ من الخزرج، فتَقَاوَلا.

ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعةً -يعني حربًا فتيةً، إن شئتم خرجنا وتقاتلنا، كل هذا وهم في حال غضبٍ شديدٍ- فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة -والظاهرة: هي الحرة، حرةٌ من حِرار المدينة- ثم قالوا: السلاحَ السلاحَ، فخرجوا إليها يريدون أن يتقاتلوا كما كانوا في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتى جاءهم، فقال: يا معشر المسلمين، اللهَ اللهَ -انظر، بدأ بتذكيرهم بالله، اذكروا الله ، عظموه حق تعظيمه- الله الله، أَبِدَعْوَى الجاهلية وأنا بين ظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف به بين قلوبكم؟!.

هذا الكلام أثَّر تأثيرًا عظيمًا على هؤلاء الصحابة ، فعرف القوم -يعني من الأوس والخزرج الذين ظهروا ليتقاتلوا- أنها نزغةٌ من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم -يعني ذلك اليهودي- فبكوا -انظر، إلى هذا الحد!- وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شأس بن قيسٍ اليهودي [18].

نزول القرآن في الحادثة

فأنزل الله تعالى في شأس بن قيسٍ وما صنع: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ ۝ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98-99]... إلى آخر الآيات.

وأَنزَل في أوس بن قَيظيٍّ وجبار بن صخرٍ، اللَّذَين قاما وطلبا الحرب ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما حصل من الخروج للقتال؛ عما أَدخَل عليهم شأسٌ من أمر الجاهلية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ۝ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ... إلى قوله تعالى: وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:100-105]" [19].

دروس وعبر من القصة

فهذا الخبر فيه موقفان:

  • الأول: في اهتمام النبي بأمور المسلمين، وإشفاقه عليهم، وفزعه مما يصيبهم من الفتن والمصائب، فقد أسرع في الحضور إلى هؤلاء الأنصار الذين ثارت بينهم العصبية القبلية، وذكَّرهم بالله تعالى الذي هداهم من الضلالة وجمعهم بعد الفرقة، والغالب على هؤلاء أنهم قد تقابلوا في الميدان، وقد غاب عن قلوبهم استحضار عظمة الله تعالى ورقابته عليهم؛ لأن من عمر قلبه بذكر الله جل وعلا؛ فإن سلوكه يكون منبثقًا من الخضوع له تعالى بفعل أوامره والتماس رضاه واجتناب نواهيه.

فكانت أول كلمة قالها رسول الله : اللهَ اللهَ، أي: تذكروا عظمة الله وجلاله، وأَخضِعوا تصرفاتكم لما يحبه ويرضاه، ثم ذكَّرهم بأن الأمر الذي أقدموا عليه من دعوى هو من دعوى الجاهلية، وأنكر عليهم أن يُقدِموا على ذلك مع وجوده بينهم، ثم ذكَّرهم بالإسلام، هذا الدين العظيم الذي هداهم الله تعالى إليه، والذي هو أغلى قيمةٍ يمكن تصورها في الحياة، فإن الناس بدونه أشبه شيءٍ بالبهائم، بل قد يكونون أضل منها؛ فلذلك ذَكَر النبي امتنان الله جل وعلا عليهم بهذا الدين وإكرامهم به؛ حيث رفعهم به إلى أعلى درجات الإنسانية.

ثم ذكَّرهم بما يتعلق بموضوعهم من فضائل الإيمان، فقد قطع الله عنهم أمر الجاهلية بما فيها من عداوةٍ وحروبٍ انتقاميةٍ، وأنقذهم به من الكفر الذي يُعد انحرافًا عن الهدف الأعلى الذي خُلق الإنسان من أجله وانحطاطًا إلى درجة إبليس وجنود الشياطين.

وبعد هذا التذكير العظيم الذي تركز في كلماتٍ معدوداتٍ؛ سَرَت في كيان هؤلاء الصحابة روحٌ جديدةٌ مسحت كل أثرٍ لأمر الجاهلية، وشعروا بأنهم قد ارتكسوا قبل ذلك في ظلمةٍ حالكةٍ وأشرفوا على هلاكٍ محققٍ، فأنقذهم الله تعالى بكلمات نبيه العالية المعبرة، وروحه القوية المؤثرة، وهيئته الوثابة المنذرة، فنزعوا عما هم فيه حالًا، وأدركوا أن ما وقعوا فيه كان من وساوس الشيطان وكيد عدوهم من اليهود، فبكوا ندمًا على ما قارفوا من الإثم، وعانق بعضهم بعضًا؛ تعبيرًا عن زوال كل دَرَنٍ أو وسخٍ طرأ على قلوبهم.

إن بكاء الرجال حدثٌ جليلٌ، وخصوصًا إذا صدر من مثل هؤلاء الأبطال الذين يندفعون للحرب بمثل هذه السرعة؛ فإن الدمع عند هؤلاء وأمثالهم عزيزٌ -يعني قليلٌ حدوثه- لأن نفوسهم قد تشكلت على حب البطش والانتقام، لولا ما كان من تهذيب الإسلام والتربية النبوية، فإذا بكوا؛ فإنما يكون بكاؤهم لأمرٍ جسيمٍ هَيْمَنَ على مشاعرهم، وحوَّل ما كان في قلوبهم من القساوة وحب الانتقام إلى لينٍ ولطفٍ، وأحاسيس جياشةٍ نحو الود والصفاء.

  • الموقف الثاني: موقف أولئك الصحب الكرام من الأنصار الذين سارعوا إلى الأوبة والتوبة، واقتلعوا وساوس الشيطان من جذورها، ووضعوا عصبية الجاهلية تحت أقدامهم، فما أن رأوا رسول الله وسمعوا كلامه حتى تحولوا إلى أناسٍ من نوعٍ آخر، وهجمت على مشاعرهم بسرعةٍ فائقةٍ أحاسيس الرحمة والمودة، فنكَّسوا أسلحتهم؛ إجلالًا لرسول الله ، ولشرف الكلام النوراني الذي سمعوه، وجرت بينهم مظاهر الأخوة الفائقة، والمحبة الصادقة، ورجعوا مع رسول الله سامعين ومطيعين.

إن تراجع هؤلاء الصحابة عن أفكارهم وقناعاتهم بهذه السرعة؛ دليلٌ على تجرد قلوبهم من اتباع الهوى وعمرانها بتوحيد الله تعالى والإخلاص له، وأن ما طرأ عليهم إنما كان استجابةً لغضبٍ مهيمنٍ سرعان ما انقشع بسماع الموعظة المؤثرة، فتغير سلوكهم حالًا؛ لأن قلوبهم كانت معمورةً بالتجرد والصفاء، رضي الله عنهم جميعًا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه أجمعين.

وننتقل -إن شاء الله- إلى الدرس الثاني في أحاديث مختارةٍ من سنة رسول الله .

الدرس الثاني: أحاديث مختارة من سنة رسول الله

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

كنت تحدثت في الدرس الماضي عن بعض الأحاديث في الزهد والخشية والورع، وأُكمِل في هذا الدرس بعض هذا الموضوع: التحذير من فتنة المال.

حديث: إن لكل أمةٍ فتنةً، وفتنة أمتي المال

عن كعب بن عياضٍ قال: سمعت النبي يقول: إن لكل أمةٍ فتنةً، وفتنة أمتي: المال [20]، يجب أن نتذكر هذا الحديث دائمًا: إن لكل أمةٍ فتنةً، وفتنة أمتي: المال، أخرجه الحافظ الترمذي، وقال: "حسن صحيح"، وصححه الشيخ الألباني، رحمهما الله تعالى، وأخرجه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وصححه وأقره الذهبي.

ما يستفاد من الحديث:

والحديث فيه مسائل:

  • الأولى: أن لكل أمةٍ فتنةً تتميز بها، ليس معناه أن فيها فتنةً واحدةً، إنما تتميز بفتنةٍ من الفتن مع وجود فتنٍ أخرى تقع فيها، كل أمةٍ تعرض عليها فتنٌ، هذه الأمة، تعرض عليها مجموعةٌ من الفتن، لكنها تتميز بفتنةٍ واحدةٍ: هي فتنة المال.
  • الثانية: أن الفتنة التي تتميز بها هذه الأمة: هي فتنة المال.
  • الثالثة: المقصود من الحديث: التحذير من التورط في فتنة المال، يعني: أن يحذر الإنسان، ويكون ورعًا، لا يستقل إذا أخذ الريال، حتى أقل من الريال، يحاسب عنه الإنسان.

ورع بِشْرٍ الحافي

بِشرٌ الحافي رحمه الله هذا من الزهاد العباد أصحاب الورع الشديد، يعني يصلي الليل ويتهجد ويبكي، هذا لمَّا تُوفي رآه رجلٌ في المنام، وقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي، غير أنني حوسبت على عُودٍ أخذته من حطب بني فلانٍ، يعني: مر على حطبٍ، وأخذ خشبةً منها بغير استئذانٍ من أهله، فيقول: حوسبت على هذه، يعني كل شيءٍ يحاسب عنه الإنسان، عاد أقل الأشياء يحاسب عنها، فلا تحتقر أشياء تقول: هذا قيمته بسيطةٌ قليلةٌ، لا، كل شيءٍ يحاسب عنه الإنسان إذا أخذه من غير حقٍّ.

تذكُّر الآخرة حصنٌ من الفتنة

من أقوى العواصم من هذه الفتنة: تذكُّر الآخرة، وما أعد الله فيها من النعيم الخالد للمؤمنين، الذي لا تعادل الدنيا قطرةً منه، والصحابة كانوا يتذكرون الآخرة يوميًّا؛ لذلك كانوا أتقياء، ويلتزمون بأوامر الإسلام ويطبقونه، ويحذرون من المعاصي؛ لأنهم يتذكرون الآخرة كل يومٍ، فلا يأخذون حتى لم يُعرف في تاريخ الغزوات أنهم غَلُّوا من الغنيمة، فأحيانًا واحدٌ مثلًا أخذ خيوطًا يُصلِح بها ثيابه، فلما سمع المنادي ينهى عن الغلول حتى الخياطة والمخيط؛ أعاد الخيوط التي أخذها إلى الغنيمة [21]، وهذا ورد كثيرًا في حياة الصحابة .

خطورة الحرص على المال والشرف

عن كعب بن مالكٍ ، قال: قال رسول الله -وهذا حديثٌ عظيمٌ يبين لنا خطورة الوقوع في المال وفي الجاه والسمعة- قال : ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه [22]، يعني: المال هذا معروفٌ، والشرف يعني: المناصب والسمعة الدنيوية، أخرجه الإمام الترمذي وقال: "حسن صحيح"، وصححه ابن حبان، وصححه الشيخ الألباني، رحمهم الله تعالى.

ما يستفاد من الحديث:

فيه مسائل:

  1. الأولى: الهدف الأعلى للمسلم: هو ابتغاء رضوان الله والجنة، واجتناب سخطه والنار، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29]، والصحابة مدحهم الله بها، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ: الجنة، وَرِضْوَانًا من الله أكبر من الجنة.
  2. الثانية: المسلم ينظر إلى الجاه والمال على أنهما وسيلتان لتحقيق هذا الهدف، يعني: اجعل هدفك دائمًا ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة، واجتناب سخطه والنار، أي مالٍ يعرض لك يخالف هذا الهدف اجتنبه، وأي سمعةٍ وجاهٍ تتعرض لها وهي لا ترضي الله  أو تُوقِع في سخطه اجتنبها.
  3. الذي يجعل الجاه أو المال هدفًا له في هذه الحياة فإنما يضعف شعوره بالهدف الإسلامي، يعني: هناك هدفٌ أعلى، وأهدافٌ دنيَّةٌ؛ الهدف الأعلى: هو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة، واجتناب سخطه والنار، وأهدافٌ دنيةٌ: هي المال بغير حقٍّ، والجاه الذي يشغل عن طاعة الله ، ويكون هذا الذي انخدع بالمال أو الجاه قد كبَّل نفسه بمعوقاتٍ ثقيلةٍ تَحول بينه وبينه الهدف السامي.
  4. الرابعة: أن المستعبدين للجاه أو للمال أو لهما معًا يهدرون كثيرًا من طاقتهم الفكرية؛ لأنهم حصروا تفكيرهم في هذا الهدف الرخيص، فهناك أناسٌ لهم طاقاتٌ عاليةٌ، أذكياء، يستطيعون أن ينتجوا في هذه الحياة نتائج عظيمةً، لكنهم لأنهم إذا انشغلوا بطلب المال، أو انشغلوا بطلب الجاه؛ أشغلوا طاقاتهم ولم يستفيدوا كثيرًا بالنسبة للآخرة.
  5. الخامسة: أن الذي يستعبد نفسه لهذا الهدف الرخيص يخسر دنياه قبل آخرته؛ لأن الأمور الدنيوية هي محل التنافس بين عشاق هذه الأهداف، فهناك عشاقٌ للمال، وعشاقٌ للسمعة والجاه، والسعي للوصول إلى هذه الأهداف يورث الحسد والضغينة في التنافس عليها، يفسد أفراد المجتمع؛ لأنهم لا يتنافسون على الآخرة، التنافس على الآخرة يجمعهم مع بعضهم، يكونون أتقياء، والتنافس على الدنيا يفرق بينهم، يكون بينهم الحسد والضغينة والتقاطع، وربما اعتدى بعضهم على بعضٍ؛ بسبب التنافس على المال أو الجاه.
  6. الحديث فيه تشبيهٌ بليغٌ، وذلك بتشبيه إفساد الذئبين للغنم بإفساد المال والشرف للدين، والذئب عادةً -والذين عاشوا في الحياة السابقة يعرفون إفساد الذئاب- إذا عدا على الغنم؛ لا يأخذ شاةً واحدةً، بل يحاول أن يقتل عددًا من الشياه، يُمسِكها من الحلق ويقتلها؛ من أجل أن يرجع إليها بعد ذلك، فيُفسِد الذئبان، إذا دخل الذئب على القطيع أفسده.
    فهذا تشبيهٌ بليغٌ، فالذي ينخدع بالمال هذا يشبه الذئب، والذي ينخدع بالجاه هذا يشبه الذئب الجائع في الإفساد.
  7. كمال المراقبة، مما جاء في الحث على الورع: ما رواه الحافظ ابن حبان من حديث أسامة بن شريكٍ ، قال: قال رسول الله : ما كرهتَ أن يراه الناس منك؛ فلا تفعله بنفسك إذا خلوت [23]، وحسنه الشيخ الألباني، رحمهما الله.

ما يستفاد من الحديث

فيه مسائل:

  • الأولى: فيه تحديدٌ لمقياسٍ من مقاييس الورع؛ وذلك بأن تكون خشية المسلم من الله جل وعلا أعظم من خشيته من الناس، يعني: إذا كنت أمام الناس تبتعد عن الأشياء المنتقدة، وإذا خلوت تفعلها؛ فأنت لم تعظم الله حق تعظيمه، يجب أن تخشى الله سبحانه وتعالى إذا خلوت مثلما تخشاه إذا كنت مع الناس.
  • الثانية: أن ذلك مترتبٌ على إيمان الإنسان بالغيب، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، أول صفةٍ للمؤمنين في سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ، أن ذلك مترتبٌ على إيمان الإنسان بالغيب؛ لأن الإيمان بالغيب يضمن توافر استشعار رقابة الله على الإنسان في جميع الأحوال.

تَذَكَّر أن الله سبحانه وتعالى يراك، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك، كما جاء في الحديث الذي تقدم لنا في الإحسان، قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، هذه منزلةٌ عليا للأنبياء وكبار الصالحين، فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك [24]، يعني: استشعر بأنه يراك دائمًا، وهو كمال المراقبة، استشعر كل ساعةٍ من أول ما تقوم من النوم أن الله يراك ومطلع إليك، وهذا يُفيد الإيمان بسعة علم الله سبحانه وتعالى.

الذي يبتعد عن المعاصي خشية أن يراه الناس في إيمانه ضعفٌ، يعني: إذا كان أمام الناس؛ لا يفعل المعصية، يستحي منهم، وإذا خلا بنفسه فعل؛ فهذا إيمانه ضعيفٌ؛ لأنه لا يؤمن بالغيب إيمانًا حقًّا، لو كان يؤمن بالغيب إيمانًا حقًّا؛ لعرف أن الله يراه ويرى جميع خلقه.

سبق لنا في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة، فقام كل واحدٍ منهم ليدعوا الله بأفضل أعماله، فدعوا الله الثلاثةُ بأفضل أعمالهم فأزيحت الصخرة [25].

هؤلاء لو كانوا لا يؤمنون بالغيب؛ لصار الغار مقبرتهم، لكن لأنهم يؤمنون بالغيب ويعلمون أن الله يطلع عليهم في تلك الساعة؛ دعوا الله ، لكن لو كانوا يعبدون البشر أو الأوثان؛ فأين تأتيهم الأوثان في ذلك؟! لا تعلم الأوثان شيئًا، والبشر لا يعلمون إلا ما حولهم.

فالذي يبتعد عن المعاصي خشية أن يراه الناس؛ في إيمانه ضعفٌ؛ لأنه لا يؤمن بالغيب، فاقتصر إيمانه على اعتبار ما يشاهده بحواسه من أسباب النجاة وأسباب الهلاك.

النجاة باليقين والزهد، والهلاك بالبخل وطول الأمل

عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي قال: نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، أمران: نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل [26]، يعني: طول الأمل، أخرجه ابن أبي الدنيا، وحسنه الشيخ الألباني، رحمه الله ورحم الله ابن أبي الدنيا، ولولا أن الشيخ الألباني حسَّن هذا الحديث؛ يشك في صحته؛ لأن ابن أبي الدنيا يخرج الأحاديث الضعيفة وغيرها، لكن ما دام حسنه الشيخ الألباني؛ يكون مقبولًا.

ما يستفاد من الحديث

فيه مسائل:

1. الأولى: أن من أسباب نجاة أول هذه الأمة: اتصافهم باليقين، واليقين يرادف -في بعض مفهومه- الإحسان، وهو أن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه، الذي جاء في حديث جبريل  [27].
اليقين: هناك علم اليقين، وهناك عين اليقين:

  • عين اليقين لا يكون في الدنيا؛ يكون في الآخرة، يعني: إذا شاهد الإنسان النار والجنة؛ فهذا عين اليقين.
  • وإذا كان يؤمن بالجنة والنار؛ كان علم اليقين، هذا يقرب من عين اليقين، هذا من أعلى المنازل، وهو الإحسان.

فأول هذه الأمة نجا باليقين، عندهم يقينٌ كاملٌ بأن الله يراهم، وأن الله يراقبهم، وأنه سيحاسبهم، وعندهم يقينٌ بالآخرة، والجنة والنار يتذكرونهما كل يومٍ، وهذا من اليقين، وهذا كان يَشتهر بين الصحابة ، وكان أعلى هذه الأمة باليقين هو أبو بكرٍ معروفةٌ قصته، قصصه كثيرةٌ، فلما توفي النبي ؛ ارتد أكثر العرب، أو تمردوا على الإسلام، فكان أعظم الأمة في اليقين والوقوف والجهاد في سبيله هو أبو بكر .

الصحابة بعضهم قال كما قال أبو هريرة ، قال: كدنا نهلك يوم أن توفي رسول الله ، لولا أن قيض الله لنا أبا بكرٍ، قلنا: نعبد الله ونصلي ونصوم، وندعو، ولم يفكروا بالجهاد [28]؛ لأن كل العرب انقلبوا عليهم، لكن أبا بكر أصر على الجهاد، وعقد أحد عشر لواءً، وفي ثلاثة أرباع سنةٍ أعاد الجزيرة كلها للإسلام، وبدلًا من أن تكون دولة الإسلام في المدينة فقط بعد أن توفي النبي ؛ أصبحت دولة الإسلام في كل جزيرة العرب، وهذا لعله -إن شاء الله- في السيرة النبوية بعدها نتحدث عن هذه الأمور.

فإذنْ اليقين شيءٌ عظيمٌ هو اشتهر به الصحابة ، كانوا كلما دخلوا معركةً من المعارك يوقنون بأن الله يراهم، وأنه سينصرهم، ويكون عددهم عُشر الأعداء أحيانًا، وينتصرون عليهم؛ لأن عندهم اليقين بأن الله سينصرهم، وهو أن يعبد الإنسان ربه كأنه يراه، بمعنى: أن يكون إيمانه بالغيب يقرب من إيمانه بالمشاهدة، فيكون إيمانه في الدنيا بالغيب قريبًا من إيمان الناس في الآخرة، الذي هو عين اليقين.
ومن ذلك: استحضار عظمة الله تعالى، واستحضار الموت والحياة الآخرة، واستحضار معية الله تعالى لعباده بالعلم والحفظ والنصرة، هذا اشتَهر عن الصحابة ، واستمر على ذلك الصالحون فيما بعد، لكن ضَعُف المسلمون وأصيبوا بضعف الإيمان، وأصبحوا لا يذكرون الذكر القلبي، لا يتوافر لديهم كل يومٍ، ينسون ويغفلون، وقد يقعون في المعاصي، ثم يندمون بعد ذلك.

2. والزهد: هو عدم التعلق بالمال، نجا أول هذه الأمة باليقين والزهد [29]، الزهد: هو عدم التعلق بالمال، واعتباره وسيلةً إلى العيش في هذه الحياة، وعدم اعتباره غايةً، الفرق بين الزهَّاد وبين أهل الدنيا: أن الزهَّاد يعتبرون المال وسيلةً، والغاية هي الآخرة، فالدنيا وسيلةٌ للآخرة، الدنيا وسيلةٌ والآخرة غايةٌ، والزهد في الدنيا هو الوسط الملائم للتعلق بالآخرة، يعني: الذي ينشغل بالمال، ويشغل فكره دائمًا، هذا لا يتذكر الآخرة إلا قليلًا، أما الذي يَزهد ويكتفي بالقليل فهذا يكون قلبه معلقًا بالآخرة.

3. إن من أسباب هلاك آخر هذه الأمة: الوقوع في البخل، والهلاك قد يكون حسيًّا؛ وذلك بوقوع جماعاتٍ من المسلمين في أنواعٍ من الفقر بسبب إمساك الأغنياء أموالهم عنهم، وقد يكون بغزو الكفار بلاد المسلمين، إذا لم ينفق القادرون على إعداد المجاهدين وتأمين السلاح.
وقد يكون معنويًّا؛ وذلك بتعرض الممسكين عن الإنفاق للآثام والعاقبة السيئة في الآخرة، الذين يمسكون أموالهم ولا ينفقون في سبيل الله يتعرضون للآثام في الآخرة.

4. الرابعة: أن من أسباب هلاك آخر هذه الأمة: الابتلاء بطول الأمل، وذلك يكون في الإغراق في الدنيا، ونسيان الآخرة، هذا طول الأمل، يكون الإنسان دنيا دنيا دنيا، فكره كله مشغول في الدنيا، هذا من طول الأمل، ونسيان الآخرة، لكن إذا تذكر أن العمر محدود، ولا يدري متى يموت، ربما بعد ساعة يموت، بعد يوم يموت، فإنه يشغل فكره بالآخرة بدلًا من إشغاله في الدنيا، وهذا ذلك يكون في الإغراق في الدنيا، ونسيان الآخرة، فيتكون سلوك الإنسان على التفاخر بالمظاهر الدنيوية، ونسيان الموت؛ لاغترارهم بطول الأمل في البقاء على قيد الحياة.

فينبغي أن يكون المسلم يعيش على الزهد والتقشف، والذين يعيشون على الزهد والتقشف لا يضرهم تغير الأحوال، يعني لو أصيب المسلمون بجائحةٍ، أو أشخاصٌ معينون أصيبوا بالفقر؛ لا يتأثرون كثيرًا إذا كانت معيشتهم بسيطةً.

والصحابة ما من فرقٍ بين الأغنياء والمتوسطين والفقراء، كلهم أكلهم واحدٌ تقريبًا، وبيوتهم متقاربةٌ؛ فلذلك إذا أصيبوا بجوائح، إذا أصيبوا بفقرٍ، إذا كانت نكباتٌ يكتفون بالقليل؛ لأنهم تعوَّدوا على القليل، فلا تتأثر صحتهم ولا يتألمون؛ لأنهم ما عاشوا في القصور الفاخرة، ولا في الأطعمة المتوافرة الكثيرة، إذا زهدوا لا يتأثرون بتغير الأحوال.

أما الذين يعيشون في طبقاتٍ عاليةٍ في المساكن والملابس والمآكل، هؤلاء إذا فوجئوا بذهاب ذلك عنهم؛ تسوء أحوالهم الصحية، وربما يضعف إيمانهم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

^1 الطبقات الكبرى (1/ 204).
^2, ^3 الطبقات الكبرى (1/ 205).
^4 رواه أبو دود الطيالسي: 2798، ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير: 11748.
^5 مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (7/ 28).
^6 رواه البخاري: 2292.
^7 ينظر فتح الباري لابن حجر (8/ 249).
^8 رواه البخاري: 1968.
^9 سيرة ابن هشام (1/ 507).
^10 رواه البخاري: 3780.
^11 رواه البخاري: 2325.
^12 رواه البخاري: 3929.
^13 رواه البخاري: 3794.
^14 تاريخ الطبري= تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (4/ 206).
^15 رواه أحمد: 13076، وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
^16 رواه البخاري: 3798.
^17 ينظر سيرة ابن هشام (1/ 555).
^18 ينظر سيرة ابن هشام (1/ 556).
^19 ينظر سيرة ابن هشام (1/ 557.
^20 رواه الترمذي: 2336، والنسائي في السنن الكبرى: 11795، وأحمد: 17471، وابن حبان: 4575، والحاكم: 8133.
^21 رواه أبو داود: 2712، وأحمد: 6996، بنحوه، وقال محققو المسند: "إسناده حسن".
^22 رواه الترمذي: 2376، وأحمد: 15784، وابن حبان: 4569.
^23 رواه ابن حبان: 403.
^24 رواه البخاري: 50، ومسلم: 8.
^25 رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743.
^26 رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (ص 36)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 6746.
^27, ^29 سبق تخريجه.
^28 ذكره ابن الأثير في الكامل في التاريخ (2/ 201)، عن ابن مسعود .

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©