- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
أضواءٌ من الهَدْي النبويِّ

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
مُختاراتٌ من السيرة النبوية
فنبدأ بالدرس الأول بإذن الله تعالى، وهو مُختاراتٌ من السيرة النبوية: مَثَلٌ من قُدرة النبي على إخماد الفتنة، وموقفٌ للأنصار بالسمع والطاعة.
حينما انتشر الإسلام في المدينة، وهاجر إليها رسول الله ، والتفَّ حوله المؤمنون من الأنصار، إلى جانب إخوانهم المُهاجِرين، وتكوَّن منهم مُجتمَعٌ إسلاميٌّ مُتماسِكٌ؛ غاظ ذلك اليهود، وعرفوا أنهم لا يستطيعون مُقاوَمة المُسلِمين بالقوة، فقد كانوا يعلمون عجزهم قبل ذلك عن التغلب على الأوس والخزرج، لو فُرض أنهم اجتمعوا؛ فكيف بهم وقد اجتمعوا وانضم إليهم المُهاجِرون؟! فلجؤوا -يعني: اليهود- إلى سلاحهم القديم الذي تفنَّنوا فيه، ونجحوا في تفريق القبائل والأمم بواسطته، وهو سلاح الغزو الفكري، وقد تفتَّق ذِهن أحد شيوخهم الكبار في السنِّ عن حيلةٍ هَدَفَ بها إلى تفريق مُجتمَع الأنصار؛ وذلك بإثارة العصبية القَبَلية بينهم؛ ليعودوا إلى جاهليتهم، فتعود الحروب بينهم كما كانت، ويخسر النبيُّ بذلك أقوى أنصاره.
حادثة شأسِ بن قيسٍ.. ومُحاوَلة تمزيق صفِّ الأنصار
وفي بيان هذا الخبر، يقول محمدُ بن إسحاقَ رحمه الله: ومَرَّ شأسُ بن قيسٍ -هذا من كبار اليهود- وكان شيخًا -كبيرًا في السنِّ يعني- قد عَسَا -يعني: كَبِرَتْ سِنُّه-، عظيم الكُفر، شديد الضِّغْن على المُسلمين، شديد الحسد لهم؛ مرَّ على نفرٍ من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلسٍ قد جمعهم يتحدَّثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم وصلاحِ ذاتِ بينِهم على الإسلام، بعد أن كان بينهم في الجاهلية -يعني: بعد أن كانت الحروب بينهم في الجاهلية-، فقال: لقد اجتمع مَلَأُ بني قَيْلَةَ -وقَيْلَةُ: هي أُمٌّ قديمةٌ للأوس والخزرج، والنسبة إلى الأُمِّ فيها نوعٌ من التحقير عند العرب-، قال: قد اجتمع مَلَأُ بني قَيْلَةَ بهذه البلاد، ولا والله ما لنا معهم إذا اجتمع مَلَؤُهم من قرارٍ! فأمر فتًى شابًّا من يهودٍ كان معهم، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجلِسْ معهم، ثم اذكُرْ يوم بُعاثٍ وما كان قبله، وأَنشِدْهم بعض ما كانوا تقاوَلُوا فيه من الأشعار، وكان يوم بُعاثٍ يوم اقتتلتْ فيه الأوس والخزرج، وكان الظَّفَر فيه يومئذٍ للأوس على الخزرج.
قال ابن إسحاق: ففعل -الشابُّ هذا- فتكلَّم القومُ لمَّا أَنشَدَ الأشعار التي كانوا يفتخرون بها -يعني: بعض الأنصار من الأوس والخزرج تنازعوا وتفاخروا- حتى تواثَبَ رَجُلانِ من الحَيَّيْن على الرُّكَب: أوسُ بن قَيْظِيٍّ -أحد بني حارثةَ من الأوس- وجبَّارُ بن صَخْرٍ -أحد بني سَلَمةَ من الخزرج-، فتقاولا، ثم قال أحدُهما لصاحبه: إن شئتُم رددناها جَذَعةً -يعني: رددنا الحرب فتيةً، كما كانت من قبلُ- فغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة -والظاهرة: الحَرَّة-؛ السلاحَ السلاحَ، تنادَوْا للقتال، فخرجوا إليها.
فبلغ ذلك رسول الله ؛ فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المُهاجِرين، حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين؛ الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أَظْهُرِكم؟! بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّف به بين قلوبكم! [1] فعرف القوم أنها نَزْغةٌ من الشيطان، وكيدٌ من عدوهم؛ فبَكَوْا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مُطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله؛ شأسِ بن قيسٍ.
فأنزل الله تعالى في شأسِ بن قيسٍ وما صنع: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:98]، وأنزل في أوسِ بن قَيْظِيٍّ وجبَّارِ بن صَخْرٍ ومَن كان معهما من قومهما: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]. [2]
مواقفُ من القصة
هذا الخبر فيه موقفان:
الموقف الأول: في اهتمام النبي في أمور المُسلمين، وإشفاقه عليهم، وفزعه مما يُصيبهم من الفتن والمصائب؛ فقد أسرع في الحضور إلى هؤلاء الأنصار، الذين ثارت بينهم العصبية القَبَلية، وذكَّرهم بالله تعالى الذي هداهم من الضلالة، وجمَعهم بعد الفُرقة. والغالب على هؤلاء الصحابة أنهم قد تقابلوا في الميدان، قد غاب عن قلوبهم استحضار عظمة الله تعالى ورقابته عليهم؛ لأن من عَمَرَ قلبُه بذكر الله فإن سلوكه يكون مُنبثِقًا من الخضوع له تعالى؛ بفعل أوامره، والتماس رضاه، واجتناب نواهيه، والبعد عن سخطه.
فكانت أول كلمةٍ قالها رسول الله : الله الله أي: تذكَّروا عظمة الله وجلاله، وأَخضِعوا تصرُّفاتكم لما يُحبه ويرضاه، ثم ذكَّرهم بالأمر الذي أَقْدَموا عليه، وهو أنه من دعوى الجاهلية، وأنكر على من يُقدِم على ذلك مع وجوده بينهم، وهذا يعني: أنه إذا فعلتم هذا المُنكَر مع وجودي بين ظهرانيكم؛ فكيف الحال مع عدم وجودي بينكم؟!
بعد هذا التذكير بكلماتٍ معدوداتٍ، سَرَتْ في قلوب أولئك الصحابة رُوحٌ جديدةٌ، مسحتْ كل أثرٍ لأمر الجاهلية، وشعروا بأنهم قد ارتكسوا قبل ذلك في ظُلمةٍ حالكةٍ، وأَشْفَوْا على هلاكٍ مُحقَّقٍ؛ فأنقذهم الله تعالى بكلمات نبيِّه العالية المُعبِّرة، وروحه القوية المُنذِرة، وهيئته الوثَّابة؛ فنزعوا عمَّا هم عليه حالًا، وأدركوا أن ما وقعوا فيه كان من وساوس الشيطان، وكيد عدوهم من اليهود.
إن بكاء الرجال حدثٌ جليلٌ، وخصوصًا إذا صدر من مثل هؤلاء الأبطال، الذين يندفعون إلى الحرب بمثل هذه السرعة، فإن الدمع عند هؤلاء وأمثالهم عزيزٌ، يعني: لا يكاد يوجد؛ لأن نفوسهم قد تشكَّلت على حب البطش والانتقام، لولا ما كان من تهذيب الإسلام والتربية النبوية.
فإذن؛ بَكَوْا فإنما يكون بكاؤهم لأمرٍ جسيمٍ هيمن على مشاعرهم، وحول ما كان في قلوبهم من القساوة وحب الانتقام إلى لينٍ ولُطفٍ وأحاسيسَ جيَّاشةٍ نحو الودِّ والصفاء.
ومن هنا، نُدرك عظمة الرسول ، ومقدرته الخارقة على الإقناع وتغيير المشاعر، وتحويل الاتجاهات الشريرة حالًّا إلى اتجاهاتٍ نحو الخير والصلاح.
الموقف الثاني: في موقف أولئك الصحب الكرام من الأنصار، الذين سارعوا إلى الأوبة والتوبة، واقتلعوا وساوس الشيطان من جذورها، ووضعوا عصبية الجاهلية تحت أقدامهم؛ فما أن رَأَوْا رسول الله وسمعوا كلامه، حتى تحوَّلوا إلى أُناسٍ من نوعٍ آخرَ، وهجمتْ على مشاعرهم بسرعةٍ فائقةٍ أحاسيسُ الرحمة والمودة، فنكَّسوا أسلحتهم إجلالًا لرسول الله ، ولشرف الكلام النورانيِّ الذي سمعوه، وجرتْ بينهم مَظاهر الأُخوة الفائقة والمَحبَّة الصادقة، ورجعوا مع رسول الله سامعين ومُطيعين.
إنَّ تراجُع هؤلاء الصحابة عن أفكارهم وقناعاتهم بهذه السرعة دليلٌ على تجرُّد قلوبهم من اتِّباع الهوى، وعُمرانها بتوحيد الله تعالى والإخلاص له، وما طرأ عليهم إنما كان استجابةً لغضبٍ مُهيمنٍ، سرعانَ ما انقشع بسماع الموعظة المؤثِّرة، فتغيَّر سلوكهم حالًّا؛ لأن قلوبهم كانت معمورةً بالتجرد والصفاء، رضي الله عنهم جميعًا.
إسلام سلمانِ الفارسيِّ
وإلى موضوعٍ آخرَ من موضوعات السيرة النبوية: إسلام سلمانِ الفارسيِّ .
إنَّ من أمثلة الصبر على الشدائد: ما جاء في خبر إسلام سلمانِ الفارسيِّ ؛ فقد أخرج الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ هذا الخبر من رواية محمود بن لبيدٍ، عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: حدَّثني سلمانُ الفارسيُّ حديثَه من فِيه -من فَمِه- قال: "كنت رَجُلًا فارسيًّا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يُقال لها: جي، وكان أبي دُهْقانَ قريتِه -يعني: المسؤول عن القرية-، وكنت أَحَبَّ خلق الله إليه، فلم يزلْ به حُبُّه إياي حتى حبسني في بيته كما تُحبَس الجارية، واجتهدتُ في المجوسية، حتى كنتُ قَاطِنَ النار -الذي يُشعل النار- التي يعبدونها، والذي يوقدها، حتى لا يتركها تخبو أبدًا، تشتعل دائمًا.
ثم ذكر أنه مَرَّ بكنيسةٍ للنصارى، فأعجبه دينهم، وأنه سألهم عن أصل ذلك الدين، فقالوا له: بالشام -يعني: الرهبان في الشام- وأنه ذهب إلى الشام مع بعض التجار من النصارى، ثم ذكر أنه تنقَّل بين عدد من الرهبان -هذا الخبر مُختصَرٌ، وهو أطول من هذا، لكن اختصرته؛ لئلا يطول- حتى وصل إلى صاحب عَمُّوريةَ -بلدٍ من بلدان الروم- وأنه أخبره خبرًا فقال: أَقِمْ عندي، فأقمتُ مع رَجُلٍ على هدي أصحابه وأمره.
قال: واكتسبتُ حتى كانت لي بقراتٌ وغنيمةٌ -يعني: من العمل-، وقال: ثم نزل به أمر الله -يعني: حانت وفاته- فلما حضره الموت، قلت له: يا فلانُ، إني كنت مع فلانٍ، فأوصى بي إلى فلانٍ -هو ذكرها في الرواية، لكن أنا اختصرتُ ذلك- وأوصى بي فلانٌ إلى فلانٍ، ثم أوصى بي فلانٌ إليك، فإلى من تُوصِي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أيْ بُنيَّ، والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحدٌ من الناس آمرك أن تأتيه -يعني: الرهبان الذين يعرفهم في بلاد الشام والروم انتهوا، ماتوا، الذين هم على الدين الصحيح من دين النصارى-، ولكن قد أظلَّكَ زمان نبيٍّ -يعني: محمدًا - هو مبعوثٌ بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب مُهاجِرًا إلى أرض بين حَرَّتَيْن بينهما نخلٌ، به علاماتٌ لا تَخفَى. ثم ذكر بعض العلامات، فقال: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتَمُ النبوة -لم يذكر له إلا علامتين، وسيأتينا في أحاديثَ أخرى عن بعض اليهود ذِكْر علاماتٍ أخرى-؛ فإن استطعتَ أن تلحق بتلك البلاد فافعل.
قال: ثم مات وغُيِّبَ -دُفِنَ- فمكثتُ بعَمُّوريةَ ما شاء الله أن أَمكُث، ثم مَرَّ بي نفرٌ من كَلْبٍ -يعني: من قبيلة كَلْبٍ العربية- تُجَّارٌ، فقلتُ لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم، قال: فأَعطيتُهموها وحملوني، حتى إذا قَدِموا بي وادي القُرَى ظلموني -وادي القُرى: شمال المدينة، تسمى العُلا اليوم على بعد 300 كيلو من المدينة، كانت في القديم تُسمَّى: وادي القُرى-، فباعوني من رجلٍ من يهودٍ عبدًا..
إلى أن قال: فبينما أنا عنده، قَدِمَ عليه ابنُ عمِّ له من بني قُريظةَ -يعني: من المدينة- فابتاعني منه -اشتراني منه- فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتُها -الله قيَّضَ له أن يأتي هذا ويشتريه حتى يذهب للمدينة-، فعَرَفتُها بصفة صاحبي، فأقمتُ بها.
وبُعث الله رسوله فأقام بمكةَ، أقام ما أقام -يعني: ثلاثَ عشرةَ سنةً- لا أسمع له بذكرٍ، مع ما أنا فيه من شُغل الرِّق، ثم هاجر إلى المدينة رسول الله ، فوالله إني لفي رأس عَذْقٍ -يعني: نخلةً، العَذْقُ: النخلة- لسيدي أعمل فيه بعض العمل، وسيدي جالسٌ -يعني: مالكه اليهودي- إذ أقبل ابنُ عمٍّ له حتى وقف عليه، فقال: يا فلانُ، قاتَلَ اللهُ بني قَيْلَةَ -يعني: الأوس والخزرج- والله إنهم الآن لمُجتمِعون بقِباءَ على رَجُلٍ قَدِمَ عليهم من مكةَ اليوم، يَزعُمون أنه نبيٌّ، قال: فلمَّا سمعتُها أخذتني العُرَوْراءُ -يعني: الرِّعدة، أصيب برِعدةٍ من هول الموقف-؛ حتى ظننتُ أني سأسقطُ على سيدي.
قال: ونزلتُ عن النخلة، فجعلتُ أقول لابن عمِّه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغضب سيدي، فلكمني لكمةً شديدةً، ثم قال: ما لك ولهذا؟! أَقبِل على عملك، قال: قلتُ: لا شيء، إنما أردتُ أن أستثبته عما قال، وقد كان عندي شيءٌ قد جمعتُه -شيءٌ من الطعام- فلما أمسيتُ أخذتُه، فذهبتُ به إلى رسول الله وهو بقِباءَ -يعني: لم ينتقل إلى المدينة- فدخلتُ عليه، فقلتُ له: إنه بلغني أنك رجلٌ صالحٌ، ومعك أصحابٌ لك غرباءُ، ذوو حاجةٍ، هذا شيءٌ كان عندي للصدقة -صرَّح بالصدقة-، فرأيتُكم أحقَّ به من غيركم، قال: فقرَّبتُه إليه، فقال رسول الله : كُلُوا، وأَمسَك يدَه فلم يأكل، قال: فقلتُ في نفسي: هذه واحدةٌ؛ يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة.
ثم انصرفتُ عنه، فجمعتُ شيئًا من الطعام، وتحوَّل رسول الله إلى المدينة، ثم جئتُ به، فقلتُ: إني رأيتُك لا تأكل الصدقة، وهذه هديةٌ أكرمتُك بها، قال: فأكل رسول الله ، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلتُ في نفسي: هاتانِ ثِنْتانِ.
ثم جئتُ رسولَ الله وهو ببقيع الغَرْقَدِ -المقبرة التي حول المسجد النبوي- وقد تَبِعَ جنازةَ رَجُلٍ من أصحابه عليه شَمْلَتانِ -يعني: لباسًا من قطعتين- وهو جالسٌ في أصحابه، فسلمتُ عليه، ثم استدرتُ أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتَم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسولُ الله استدبرتُه عَرَفَ أني أَسْتَثْبتُ في شيءٍ وُصِفَ لي -لأن أول الصدقة، ثم الهدية، عرفه رسول الله - قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتَم فعَرَفْتُه، فأكببتُ عليه أُقبِّلُه وأبكي، فقال لي رسول الله : تحوَّلْ، فتحوَّلتُ -يعني: صرتُ أمامه- فقصصتُ عليه حديثي، كما حدَّثتُك يا ابن عباسٍ. قال: فأَعجَبَ رسولُ الله أن يسمع ذلك أصحابه؛ لأنه يشتمل على ثلاثٍ من الآيات النبوية.
قال: ثم شَغَل سلمانَ الرِّقُ -لأنه ما زال مملوكًا- حتى فاته مع رسول الله بدرٌ وأُحُدٌ -غزوة بدرٍ وأُحُدٍ- قال: ثم قال لي رسول الله : كاتِبْ يا سلمانُ -يعني: ادفع مبلغًا من المال للذي يملكك هذا، وتكون حُرًّا- فكاتبتُ صاحبي على ثلاثمائة نخلةٍ أُحييها له بالفَقِير -يعني: يحفر لثلاثِمائةِ نخلةٍ ويغرسها، عملٌ كبيرٌ! ومع ذلك يقول:- وبأربعين أُوقيةً -مع هذا العمل الكبير، أربعين أُوقيةً!- فقال رسول الله لأصحابه: أعينوا أخاكم، فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين وَدِيَّةً -يعني: غرسةً- والرجل بعشرين، والرجل بخمسَ عشرةَ، والرجل بعَشْرٍ، يُعين الرجلُ بقدر ما عنده؛ حتى اجتمعتْ لي ثلاثُمائةِ وَدِيَّةٍ، يعني: غرسةً.
فقال لي رسول الله : اذهب يا سلمان، ففَقِّرْ لها -احفر، احفر للنخلة- فإذا فرغتَ فأتني، أكن أنا أضعُها بيدي -يعني: الرسول خشي أن يموت بعضها، لكن إذا وضعها بيده هذا مضمونٌ أنها ستعيش-، ففَقَّرتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغتُ منها جئتُه فأخبرتُه، فخرج رسول الله معي إليها، فجعلنا نُقرِّب له الوَدِيَّ -الغرسات- ويضعه رسول الله بيده -عملٌ كبيرٌ؛ ثلاثُمائةِ نخلةٍ يغرسها الرسول ، فيضعه بيده- فوالذي نفسُ سلمانَ بيده، ما ماتت منها وَدِيَّةٌ واحدةٌ -كلها عاشت- فأديتُ النخل وبقي عليَّ المال.
فأُتِيَ رسول الله بمِثل بيضة الدجاجة من ذهبٍ من بعض المغازي، فقال: ما فعل الفارسيُّ المُكاتَب؟ -يعني: سلمان- قال: فدُعيتُ له، فقال: خُذ هذه، فأدِّ بها ما عليك يا سلمان، فقلتُ: أين تقع هذه يا رسول الله مما عليَّ؟ قال: خُذها، فإن الله سيؤدي بها عنك -يعني: سيتبارك هذا الذهب حتى يطلع أربعين أُوقيةً، ببركة رسول الله - قال: فأوفيتُهم حقَّهم، وعتقتُ، وشهدتُ مع رسول الله الخندق، ثم لم يَفُتْني معه مشهدٌ" [3].
وسيأتينا إن شاء الله في غزوة الخندق أنه كان هو الذي حصل منه إنقاذ المسلمين، لما أشار عليهم بحفر الخندق.
فوائدُ من قصة سلمانِ الفارسيِّ
وهذه القصة تُبيِّن لنا ما كان يتصف به سلمانُ من الصبر الطويل على المشاقِّ الجَمَّة، والصعاب المُتواصِلة، من أجل الوصول إلى الدِّين الحق، وإن في قصته لعبرةً لأولي الألباب، الذين ينظرون إلى الاعتبار لمُستقبَلهم الأخروي، فيُسخِّرون له حياتهم الدنيا.
فقد صبر على حبْس أبيه وقيْده أولًا، ثم صبر على السفر والتنقُّل من عابدٍ إلى عابدٍ، حتى دلَّه العابد الأخير على الطريق الثابت، الذي لا يزول بزواله عباده وعلماؤه، فلما عرف أن الطريق المُستقيم في أن يبحث عن هذا النبيِّ المُنتظَر، فيؤمِن به ويتَّبعه؛ ضحَّى بماله وراحته من أجل الوصول إليه، وتحمَّل الرِّقَّ صابرًا مُحتسِبًا، ما دام أنه سيُبلغه هدفه المنشود.
ونجد في هذه القصة عناية الله تعالى بسلمانَ؛ حيث قاده توفيق الله تعالى من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ؛ حتى بلغ أرض الهجرة النبوية.
ومن خلال هذا الخبر، يتبيَّن لنا هَدْيُ أصحاب رسول الله ، وبيان شيءٍ من علامات النبوة المذكورة في الكُتب السابقة، وهي: أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، وأن بين كتفيه خاتَم النبوة، وأنه يُبعَث في مكةَ، ويُهاجِر إلى المدينة، وأن أهل الكتاب كانوا يعرفون زمن بعثته على التقريب؛ لما جاء في هذا الخبر من قول الراهب لسلمانَ: "قد أظلَّك زمانُ نبيٍّ، هو مبعوثٌ بدين إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام".
والحمد لله رب العالمين.
مُختاراتٌ من الأحاديث النبوية
وننتقل إن شاء الله إلى الدرس الثاني: مُختاراتٌ من الأحاديث النبوية.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
نُكمِل في هذا الدرس أحاديثَ الزهد والورع والخشية، التي بدأناها سابقًا:
تصحيح مقياس الرِّفعة في الإسلام
عن سهلِ بن سعدٍ الساعديِّ ، قال: "مات رجلٌ من أصحاب النبي ، فجعل أصحابُ رسول الله يُثنون عليه ويَذكُرون من عبادته، ورسول الله ساكتٌ. فلما سكتوا، قال رسول الله : هل كان يُكثِر ذِكر الموت؟ قالوا: لا، قال: فهل كان يَدَعُ كثيرًا مما يشتهي؟ قالوا: لا، قال: ما بَلَغَ صاحبُكم كثيرًا مما تذهبون إليه [4].
فيه مسائلُ:
- الأولى: بيان شمول العبادة لكل أمور الدِّين؛ لأنهم ذكروا شيئًا من عبادته، التي هي الشعائر التعبُّدية، وذكر النبي أنواعًا من العبادة ليست من الشعائر التعبُّدية، وهي التي سألهم عنها.
- الثانية: أهمية ذِكر الموت، يعني: حضور الحياة البرزخية في القبور، وحضور الحياة الآخرة، هذا من عبادة الله تعالى، أهمية ذكر الموت، يعني: أولًا: حضور الحياة البرزخية، الحياة في القبور فيها نعيمٌ وعذابٌ، وحضور الحياة الآخرة التي فيها الحساب والنعيم، أو العذاب.
- الثالثة: أهمية الاتِّصاف بالزهد والورع؛ لأنه يقول: هل كان يَدَعُ كثيرًا مما يشتهي؟ ومن ذلك: ترك بعض الحلال الذي يُوقِع في الحرام: هل كان يَدَعُ كثيرًا مما يشتهي؟ يعني: يَدَعُ بعض الحلال حتى لا يُوقِعه في الحرام. كما جاء في قول النبي : اجعلوا بينكم وبين الحرام سُترةً من الحلال [5] يعني: إذا شكَّ الإنسان في شيءٍ، فيتركه؛ خشيةَ أن يُوقِعه في الحرام.
الباقي هو العمل الصالح
عن أنسِ بن مالكٍ ، قال: قال رسول الله : يَتْبَعُ الميتَ ثلاثةٌ، فيرجع اثنانِ، ويبقى معه واحدٌ؛ يَتْبَعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجع أهلُه ومالُه، ويبقى عملُه، [6] الذي يبقى للإنسان بعد الموت عملُه فقط.
وأخرج الحافظُ البزَّارُ من حديث أبي هريرةَ : أن رسول الله قال: مَثَلُ ابنِ آدمَ ومالِه وأهلِه وعملِه، كرجلٍ له ثلاثةُ إخوةٍ.. -هي الثلاثة هذه: المال والأهل والعمل- كرجلٍ له ثلاثةُ إخوةٍ أو ثلاثةُ أصحابٍ، فقال أحدهم: أنا معك حياتَك؛ فإذا مُتَّ فلستُ منك، ولستَ مني.. -يعني: تنتهي العلاقة بالموت- وقال الآخر: أنا معك؛ فإذا بلغت تلك الشجرة، فلستُ منك ولستَ مني.. -أيضًا هذه العلاقة تنتهي- وقال الآخر: أنا معكَ حيًّا وميتًا [7]، يعني: فالمال والأهل ينقطعون بالموت، لا يتبعون الإنسان، والثالث شبَّه به العمل الصالح: أنا معك حيًّا وميتًا.
في الحديثين بيانُ ثلاثةِ مَطالِبَ:
- المَطلَب الأول: أهل الإنسان؛ فهو يعمل معهم طوال حياته، إما في الخير وإما في الشر.
- المَطلَب الثاني: المال؛ فالإنسان يجمعه، يسعى في جمعه والإنفاق منه طوال حياته، إما في الخير وإما في الشر.
- المَطلَب الثالث: العمل؛ وهو يقوم به طوال حياته، وقد يكون صالحًا وقد يكون غير صالحٍ.
بيان أن كل هذه المَطالِب تنقضي بموت الإنسان، ولا يتبعه في الحياة البرزخية ولا في الحياة الآخرة إلا عمله.
ومن هذا التوجيه تبيَّن لنا: أن من كمال العقل وسداد التفكير: أن يهتمَّ الإنسان بعمله الذي يبقى معه، وأن يعلم أن هذا العمل إما أن ينفعه نفعًا أبديًّا إن كان صالحًا، وإما أن يضره ضررًا أبديًّا إن كان طالحًا فاسدًا.
والأساس الثالث: أن الذي يفكر بتحرير مُستقبَله بعد الموت من رواسب الشر، وأن يجعل عمله مُتمحِضًا للخير؛ هو صاحب العقل السليم، الذي يعمل للآخرة، أما الذي يعمل للدنيا فهذا عقله فيه نقصٌ.
مَثَلٌ من ورع النبي
أخرج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، واللفظ له، عن رجلٍ من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله في جنازةٍ، فرأيتُ رسول الله وهو على القبر يُوصي الحافرَ -الذي يحفر القبر- ويقول له: أَوْسِعْ مِن قِبَلِ رجلَيْه، أَوْسِعْ مِن قِبَلِ رأسِه -يعني: لا تجعل القبر ضيقًا- فلما رجع من المقبرة استقبله داعي امرأةٍ -يعني: امرأةٌ دعتْه إلى الطعام، وهي شاةٌ مشويةٌ-، فجاء، وجيء بالطعام، فوضع النبي يدَه، ثم وضع القوم أيديَهم، فأكلوا.
قال الراوي: فنظر آباؤنا رسول الله يلوك لُقمةً في فمِه -يعني: لم يستسغ الأكل، لم يستسغ اللحم-، ثم قال: أجدُ لحم شاةٍ أُخِذَتْ بغير إذن أهلها -يعني هذا: الله سبحانه وتعالى ألهمه أو أوحى إليه- فأرسلتِ المرأةُ -أرسلوا للمرأة يقولون: ما هذا الطعام الذي أتيتِ به؟!- قالت: يا رسول الله، إني أرسلتُ إلى البقيع -مكان يبيعون فيه الغنم- يشترى لي شاةً، فلم أجد، فأرسلتُ إلى جارٍ لي قد اشترى شاةً، فقلت له: أَرْسِلْ إليَّ بثمنِها، فلم يُوجَد -صاحب البيت مُسافرٌ- فأرسلتُ إلى امرأتِه، وقلتُ لها: أَرسليها إليَّ بثمنِها، فأرسلتْ إليَّ بها، فقال رسول الله للمرأة: أَطعِميه الأُسارى [8].
كان هذا بعد غزوة بدرٍ، وكان في المدينة السبعون من الأسرى المُشركين، قال: أَطعِميه الأُسارى، يعني: لا يَحِلُّ للمُسلمين؛ لأنها أُخِذَتْ بغير إذن صاحبها، مع أنه لو جاء يفدي رسول الله بنفسه وماله، ولكن التحري والدقة في الأمور المالية لا بُدَّ أن يأذن صاحبُها، والمرأة لا تملك الشاةَ، الذي يملكها الرجل صاحب البيت.
فيه مسائلُ:
- الأولى: هذا الحديث يُبيِّن اتِّصاف النبي بالورع الشديد، يعني: هذا يُعتبَر شُبهةً؛ لأنه الغالب عليه أنه اشتُري بالمال، والغالب أن صاحبها إذا جاء سيأذن، فهي شُبهاتٌ، يعني: لا تصل إلى التحريم، ومع ذلك تورَّع عنه النبي ؛ لأنه داخلٌ في مجال الشبهات.
- الثانية: أن ذلك من قَبِيل الشبهات، وليس من الحرام، ومع ذلك تورَّع عنه رسول الله .
- الثالثة: تعليمٌ بليغٌ للأمة للاتِّصاف بالورع، أن يتَّصف المسلمون بالورع، حتى في مجال الشبهات، يعني: لا تتورَّع عن الحرام فقط، حتى عن الشبهات، إذا اشتبه عليك المال؛ هل هو حلال أم حرام؟ تتركه، اجتنبه.
- الرابعة: فيه معجزةٌ للنبي ؛ حيث أخبر أن تلك الشاة أُخِذَتْ بغير إذن أهلها، يعني: لم تُؤخَذ بإذن صاحبها.
مثالٌ من تطبيق التوجيهات النبوية
ما أخرجه الحافظُ البزَّارُ من حديث أنسِ بن مالكٍ ، قال: كنتُ جالسًا، ورجلٌ عند النبي ، فقال رسول الله : لا يؤمن عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه المُسلم ما يُحبُّ لنفسه قال أنسٌ: فخرجتُ أنا والرجل إلى السوق، فإذا سلعةٌ تُباع، فساومتُه -أي: ساومتُ صاحبَها- فقال: بثلاثين، فنظر الرجلُ فقال: قد أخذتُها بأربعين، قال صاحبُها: ما يحملك على هذا؟! -يعني: هذا يقول ساوَمَه، فقال: بثلاثين، صاحب السلعة يقول: بثلاثين، قال هذا الرجل الذي سمع النبي : ما يحملك على هذا؟ قال: بأربعين، يقول: أنا سأدفع أربعين، ما أدفع ثلاثين فقط، فقال صاحبها: ما يحملك على هذا، وأنا أعطيكها بأقل من هذا؟!- قال: ثم نظر أيضًا، فقال: قد أخذتُها بخمسين -زاد عشرين- فقال صاحبها: ما يحملك على هذا وأنا أعطيتُك بأقل من هذا؟! قال: إني سمعتُ رسول الله يقول: لا يؤمن عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه، وأنا أرى أنه صالحٌ بخمسين [9]، قال الحافظ الهيثمي: رواه البزَّار، ورجاله رجال "الصحيح".
فيه مسائلُ:
- الأولى: هذا الحديث فيه مَثَلٌ رائعٌ في الورع والعفة، والورع خُلقٌ عظيمٌ، يدل على قوة الإيمان ورسوخ اليقين، وأقوى دافعٍ له: الشعور بالحياة الآخرة، وضآلة الحياة الدنيا في فكر المسلم، يعني: لا يتحصل الورع ولا الخشية ولا الزهد إلا بتذكُّر الحياة الآخرة دائمًا، هذا هو الذي يجعلك تزهد في الدنيا وتخشى الله وتتورع عن الشبهات والحرام.
- والثانية: فيه مَثَلٌ من سرعة المُبادَرة للامتثال، والتحري الدقيق في تطبيق أحكام الإسلام، هذا الرجل ما أن سمع قول النبي : لا يؤمن عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه، حتى طبَّقه على نفسه، فهو يرى أن السلعة تساوي خمسين، فقال: لا، أنا أدفع خمسين؛ لأني أُحب لأخي البائع ما أُحب لنفسي.
التحذير من صرف المال العام بغير حقٍّ
عن خولةَ الأنصاريةِ رضي الله عنها قالت: سمعتُ النبي يقول: إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ، فلهم النار يوم القيامة [10].
فيه مسائلُ:
- الأولى: المُسلم مسؤولٌ عن الرزق الذي رزقه الله من حيث اكتسابه، فيجب عليه أن يجتنب جميع الوجوه المُحرَّمة في اكتساب المال، وأن يتورَّع عن الوجوه المُشتبَه فيها.
- المسألة الثانية: المُسلم مسؤولٌ عن الرزق الذي رزقه الله من حيث إنفاقه، يُنفقه في حلالٍ، فيجب عليه أن يُنفق منه في الحقوق الواجبة؛ كالزكاة، ونفقة من تلزمه مؤونتهم، ثم يُنفق منه في سُبل الخير، وألا يُنفق منه في الحرام.
- الثالثة: يجب على المُسلم أن يكون مُعتدلًا في إنفاقه، فلا يُسرِف ولا يُقصِّر، لا تُسرِف ولا تُقصِّر؛ مُطبِّقًا قول الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67] يعني: النفقة تكون بين الإسراف والتقتير.
- الرابعة: الذين يكونون مسؤولين عن شيءٍ من أموال المسلمين العامة، فلا يتقيَّدون في صرفها بأوامر الشريعة الإسلامية، قد ظلموا أنفسهم بالوقوع في الآثام، وظلموا من حُرِموا من المسلمين من حقوقهم من هذا المال، فالذي يأخذ أموال المسلمين العامة، ويصرفها بغير أوامر الشريعة؛ قد ظلم نفسه؛ لأنه وقع في الإثم، وظلم الذين حُرِموا من المسلمين من أصحاب هذا المال الذي صَرَفَ منه.
مَثَلٌ في الزهد في الدنيا
أخرج "الشيخان" من حديث أبي هريرةَ ، قال رسول الله : اشترى رجلٌ من رجلٍ عقارًا له.. -يعني: البناء- فوجد الرجلُ الذي اشترى العقارَ في عقارِه جَرَّةً فيها ذهبٌ -حَفَرَ؛ فطلع له ذهبٌ، جَرَّةٌ فيها ذهبٌ- فقال الذي اشترى العقار للبائع: خُذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أَبتعْ منك الذهب؛ فقال الذي له الأرض: إنما بِعتُك الأرضَ وما فيها -كلهم فيهم ورعٌ، هذا وهذا؛ إنما بِعتُك الأرضَ وما فيها، فالذهب لكَ وليس لي- فتحاكما إلى رجلٍ -يعني: كل واحدٍ مُصِرٌّ على رأيه- فقال الذي تحاكما إليه: -وكان حكيمًا، قال:- ألكما ولدٌ؟ -الولد يشمل الابن والبنت- فقال أحدُهما: لي غلامٌ، وقال الآخر: لي جاريةٌ -بنت- فقال: أنكحوا الغلامَ الجاريةَ، وأنفقوا على أَنفُسِكما منه، وتصدَّقا [11] حل المشكلة، فهذا جيدٌ.
فيه مسائلُ:
- الأولى: فيه مَثَلٌ بليغٌ في العفة والورع، جرى من هذين المُتعاقِدَيْن الصالحَيْن، يعني: هذا من الأمم السابقة.
- الثانية: فيه مَثَلٌ على تأثير الإيمان القوي بالحياة الآخرة في السلوك، فكل واحدٍ من الرَّجُلين أبى أن يأخذ الذهب؛ خشيةَ أن يؤثِّر ذلك على مُستقبَله في الآخرة، الدنيا ما هي بشيءٍ عندهم، أهم شيءٍ عندهم الآخرة، أن تسلم لهم الآخرة، أن يرتقوا في الجنان، في الدرجات العُلى، وأن لا يكون لهم سيئاتٌ.
- الثالثة: فيه مَثَلٌ على التميز والارتفاع عن مستوى الأغلبية من الناس، هذان الرجلان عندهما تميُّزٌ، لا يحدث هذا من كل الناس، هذا نادرٌ أن يحصل هذا الورع، فهما مُتميِّزان؛ فلو أن المُشتري أخذ الذهب وسكت، أو لو أن البائع قَبِلَ عرض المُشتري وأخذ ذلك الذهب؛ لم يكن لهذين الرَّجُلين ذِكْرٌ في التاريخ، هذا من الأمم السابقة، ويذكره الرسول ، بقي الذِّكر حتى يوم القيامة، ذِكْر هذين الرَّجُلَين الصالحَيْن، لم يكن لهذين الرَّجُلَين ذِكْرٌ في التاريخ، ولكن الذي خلَّد ذِكرَهما بلوغُهما هذه الدرجة، هذه الدرجة العالية في الرقي الأخلاقي.
الثواب على قدر العمل
من ذلك: ما أخرجه الحافظ الدارقطنيُّ من حديث أنسِ بن مالكٍ : أن رسول الله قال: من أراد أن يَعْلَم ما له عند الله -الذي له عند الله- فلينظر ما لله عنده [12].
فيه مسائلُ:
- الأولى: الثواب على قدر العمل؛ فليس مَن نصب وتعب مثل مَن استراح ولعب، لا؛ فالذي نصب وتعب وشقي وبذل الجهد، ليس كمن استراح وضيَّع وقته.
- الثانية: أن مِن مُقتضيات العقل السليم: أن يُكافَأ المُحسِن على قدر إحسانه، وأن يُعاقَب المُسيء على قدر إساءته.
- الثالثة: من أهمَّه مُستقبَله الأخروي، فلينظر إلى واقعه الدنيوي، فالعمل في الدنيا مرآة الآخرة. من أراد أن يعلم ما له عند الله، يعني: مُستقبَله الأخروي، فليعلم ما لله عنده، يعني: واقعه في الحياة الدنيا؛ هل هو مُستقيمٌ أم أنه مُنحرِفٌ؟ وهل له أعمالٌ صالحةٌ أو أعمالٌ فاسدةٌ؟ إلى آخره.
ترتُّب الأمن يوم القيامة على الخوف في الدنيا
عن شدَّادِ بن أوسٍ ، أن النبي قال: يقول الله تعالى: وعِزَّتي وجلالي، لا أجمع لعبدي أمنَيْن ولا خوفَيْن؛ إن هو أَمِنَنِي في الدنيا أَخَفْتُه يوم أجمع عبادي.. -يعني: فارتكب المعاصي، أو ترك الواجبات- وإن هو خافني في الدنيا.. -فاستقام على الدين، وطبَّق الواجبات، واجتنب المُحرَّمات- أَمَّنْتُه يومَ أَجمعُ عبادي، أي: يكون آمِنًا يوم القيامة [13].
فيه مسائلُ:
- الأولى: أن الله لا يجمع لعبده المؤمن خوفَيْن في الدنيا والآخرة؛ إذا خاف من الله في الدنيا، لا يخاف في الآخرة من أهوالها، فمَن خاف ربَّه في الدنيا، فاستقام على طاعته واجتنب معصيته؛ كان جديرًا بأن يُؤمِّنَه الله يوم القيامة.
- الثانية: أن الله تعالى لا يجمع لعبده بين أمنَيْن في الدنيا والآخرة، فمَن أَمِنَ في الدنيا من عقاب الله تعالى، فأخلَّ بأداء الواجبات، أو ارتكب بعض المُحرَّمات، ولم يَتُبْ من ذلك؛ فليس جديرًا بالأمن يوم الفزع الأكبر.
- الثالثة: لولا هذه النتائج المُتميزة لعمل الخير والشر؛ لما كان هناك فرقٌ بين الصالحين والطالحين، ولا بين المُصلِحين والمُفسِدين.
التحذير من صغائر الذنوب
أخرج الإمامُ أحمدُ، من حديث سهلِ بن سعدٍ : أن النبي قال: إياكم ومُحقَّراتِ الذنوب.. -يعني: الصغائر- إياكم ومُحقَّراتِ الذنوب؛ فإنما مَثَلُ مُحقَّراتِ الذنوب كمَثَلِ قومٍ نزلوا ببطن وادٍ، فجاء ذا بِعُودٍ، وجاء ذا بِعُودٍ.. -يعني: جمعوا الحطب، كل واحدٍ جاء بعودِ حطبٍ- حتى حَمَلُوا من الحطب ما أنضجوا به خبزهم.. -طبخوا من حطب الوادي- وإن مُحقَّراتِ الذنوب متى يُؤخَذ بها صاحبُها تُهلِكْه [14].
فيه مسائلُ:
- الأولى: بيان خطورة تجمُّع الذنوب الصغيرة، فإن العبرة ليست بالمُخالَفة الواحدة الصغيرة، إنما العبرة بمجموع أعمال الإنسان من الصغائر.
- الثانية: المعصية تُمثِّل نقطةً سوداءَ في صحيفة العمل، ولكن مع تراكُم الأعمال السيئة يكون حجم السواد كبيرًا.
- الثالثة: العاقل هو الذي ينظر إلى المُعدَّل التراكميِّ لأعماله، وليس الذي ينظر إلى مُفرَدات الذنوب حال وقوعها، يعني: فالعود لا قيمة له، صغيرٌ، لكن إذا اجتمع واجتمع تُشعَل به النار.
ذِكر الموت من أسباب الخشوع
عن أنس بن مالكٍ : أن النبي قال: اذكُر الموتَ في صلاتك.. -يعني: هذا من أسباب الخشوع، إذا شرعتَ في الصلاة أن تَذكُر الموت؛ لأن الإنسان إذا ذكر الموت ينسى الدنيا، لا يفكِّر في أمور الدنيا، يفكر في أمور الآخرة- اذكُر الموت في صلاتك؛ فإن الرجل إذا ذَكَرَ الموت في صلاته لَحَرِيٌّ به.. -أي: جديرٌ به- أن يُحسِن صلاته.. -لأنه ينسى الدنيا، لا يُفكِّر فيها- قال: وَصَلِّ صلاةَ رَجُلٍ يظنُّ أنه لا يُصلِّي صلاةً غيرَها.. -يعني: ربما أُصلِّي المغرب ولا أُصلِّي العشاء، أُصلِّي العشاء ولا أُصلِّي الفجر- وإياك وكل أمرٍ يُعتذَر منه [15]، أخرجه الديلمي، وقال السخاوي: قال شيخنا الحافظ ابن حجرٍ: إنه حسنٌ؛ وحسَّنه الشيخ الألباني رحمهم الله.
فيه مسائلُ:
- الأولى: فيه إشارةٌ إلى الخشوع في الصلاة، والخشوع هو روح الصلاة، ومظهرٌ لسكون القلب وخضوعه لله ، فالإنسان إذا دخل في الصلاة من علامات الخشوع: ألا يُفكِّر في أي أمرٍ من أمور الدنيا، يكون فكره مشغولًا بالصلاة وتعظيم الله .
- الثانية: ذِكر الموت، وأنه سببٌ من أسباب حضور القلب مع الصلاة ومع تعظيم الله ، هذا نتذكَّره دائمًا، ونوصي به. إذا سُئلت: كيف أخشع في صلاتي؟ نقول: اذكُر الموت، إذا دخلتَ في صلاتِك فتذكَّر الموت، وصلِّ وأنت قد لا تُصلِّي الصلاة الأخرى.
- الثالثة: أن يُصلِّي المسلم صلاةَ مُودِّعٍ، وذلك بأن يظنَّ بأنه لا يُصلِّي غير تلك الصلاة، هذه صلاةُ المُودِّع: أن يظنَّ بأنه لا يُصلِّي الصلاة الأخرى، هذا يجعله لا يُفكِّر في الدنيا، بل يُفكِّر في أمور الصلاة فقط، وإن الذي يشعر بهذا الشعور سيكون فكره مُركَّزًا بالكامل على الصلاة.
- الرابعة: التوجيه إلى التريُّث والتؤدة في الإقدام على أي سلوكٍ يقوم به الإنسان، لا يتعجَّل. فإذا حقَّق التخطيط السليم لسلوكه، فإنه حَرِيٌّ به ألا يندم على أيِّ سلوكٍ، وإياك وما يُعتذَر منه يعني: فكِّر، فكِّر، فكِّر، لا تُقدِم على أيِّ سلوكٍ إلا بعد التخطيط السليم، وأن تَعرِف أن مآله إلى خيرٍ، وأنه خالٍ من الشر. فحَرِيٌّ به وجدير به ألا يندم على أيِّ تصرُّفٍ قام به.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا ، وآله وصحبه أجمعين.
| ^1 | تفسير الطبري، ت التركي: 5/ 628. |
|---|---|
| ^2 | سيرة ابن هشام، ت السقا: 1/ 557. |
| ^3 | رواه أحمد في "المسند": 23737، والطبراني في "المعجم الكبير": 6065، والبيهقي في "السنن الكبرى": 21652؛ وقال مُحققو "المسند": إسناده حسنٌ. |
| ^4 | رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 5941، وقال الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد": إسناده حسنٌ: 10/ 309. |
| ^5 | رواه ابن حبان: 5569، وحسَّنه الألباني في "التعليقات الحسان": 5543. |
| ^6 | رواه البخاري: 6514، ومسلم: 2960. |
| ^7 | رواه البزَّار في "البحر الزخَّار": 8356، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3232. |
| ^8 | رواه أبو داود: 3332، واللفظ له، وأحمد في "المسند": 22509، والبيهقي في "السنن الكبرى": 10927، وقال محققو "المسند": إسناده قويٌّ. |
| ^9 | رواه أحمد في "المسند": 13146، والبزار في "البحر الزخار": 7548، وصححه محققو "المسند"، والألباني في "صحيح الجامع": 7085. |
| ^10 | رواه البخاري: 3118. |
| ^11 | رواه البخاري: 3472، ومسلم: 1721. |
| ^12 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 2501، والحاكم في "المُستدرك": 1837، والبيهقي في "الشُّعب": 525، بنحوه عن جابرٍ ؛ وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 6006. |
| ^13 | رواه أبو نعيم في "الحلية": 6/ 98، وابن حبان في "صحيحه": 640، من حديث أبي هريرة ، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 4332. |
| ^14 | رواه أحمد في "المسند": 22808، والطبراني في "المعجم الكبير": 5872، والبيهقي في "الشُّعب": 6881، والبغوي في "شرح السُّنة": 4203، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2471. |
| ^15 | رواه البيهقي في "الزهد الكبير": 527، والديلمي في "الفردوس": 1755، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 982. |