- تاريخ النشر
- المكان:
- المسجد الحرام
السيرة النبوية- من قوله: "فبينا رسول الله ﷺ على ذلك الماء"

جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فأبدأ بالدرس الأول، وهو في مختارات من السيرة النبوية: دعوةٌ إلى العصبية، ومواجهةٌ حكيمة.
واقعة ابن سلول في غزوة بني المُصْطَلِق ودروسها الإيمانية
قال المؤرخ محمد بن إسحاق رحمه الله:
بداية الواقعة وأسبابها
يعني في غزوة بني المُصطلِق.
يعني: وَرَدُوا للاستقاء من البئر.
يعني: يستقي له الماء ويسقي الفرس ونحو ذلك.
يعني: حليف الأنصار، فالأول يعمل أجيرًا لأحد المهاجرين، والثاني هو حليفٌ لبعض الأنصار، بعض الأنصار من الخزرج.
قال:
يعني: تضاربا على الماء.
لأنه حليف الأنصار.
لأنه يعمل مع المهاجرين.
موقف عبدالله بن أُبيٍّ ابن سلول المنافق
يعني: زعيم المنافقين.
يعني: جماعة.
غلام صغير، وكان معهم.
يعني: عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.
يعني: يقصد المهاجرين.
يقصد المهاجرين. يقول:
وهي كلمة خبيثة. قال:
يقصد بالأعز: هو نفسه، والأذل: رسول الله حاشاه عن ذلك.
منافقون مثله، فقال لهم:
هو الآن يتكلم وحوله منافقون، يعني: لا يخشى أن كلامه سيصل إلى الرسول .
موقف زيد بن أرقم
قال:
يعني: هو لم يلتفت لهذا الغلام ولم يهتم به، يقول: هذا صغير لن ينقل شيئًا، لن ينقل الكلام.
قال:
زيد بن أرقم ذهب إلى الرسول ، ونقل له كلام عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.
عَبَّاد بن بشر من كبار الأنصار. قال:
يعني: يقتل عبدالله بن أُبَيٍّ.
لأن العرب يفهمون أن عبدالله بن أُبَيٍّ ومَن معه من المنافقين من المسلمين؛ لأنهم أظهروا الإسلام، فإذا وصل الخبر للعرب قالوا: لا نريد أن ندخل في الإسلام؛ لأن محمدًا يقتل أصحابه.
يعني: أمر الناس أن يرتحلوا.
يعني: في ذلك الوقت ليس مناسبًا للرحيل، لكن أراد النبي أن يشغل الناس عن سماع كلام عبدالله بن أُبَيٍّ.
تكذيب عبدالله بن أُبيٍّ ابن سلول وردُّ قومه عنه
حلف بالله، وكان دائمًا إذا وَقَعوا حَلَفوا فيُصدِّقهم النبي ؛ لأنه يأخذ بظاهرهم ولا يحكم على البواطن.
لأنه هو كان سيد الخزرج بعدما قُتل سيدهم في حرب بُعاث، لم يكن هناك أكبر منه في الخزرج، وكانوا يَنْظِمون له الخرز ليُتوِّجوه ملكًا عليهم، يعني: على الخزرج، وجاء رسول الله في ذلك الوقت إلى المدينة. "وكان في قومه شريفًا عظيمًا"؛ يعني: فيمن بقي من الخزرج ولم يُسلِموا إلا ظاهرًا وهم المنافقون.
في الظاهر من الأنصار، لكنهم في الحقيقة منافقون.
حكمة النبي في إدارة الموقف
قال ابن إسحاق:
يعني: ارتحل رسول الله .
أُسيد بن حضير هذا ثاني رجل في الأوس بعد سعد بن معاذ رضي الله عنهما، هذا الأول هو سيد الأوس، والرجل الثاني في الأوس هو أُسيد بن حُضير، وكان حُضير بن سِماك والده هو سيد الأوس، وقُتل في بُعاث، في معركة بُعاث.
يعني: انتقلت من مكانك في ساعة منكرة، لا تصلح للرحيل، يعني: يمكن الجو حارٌّ.
ما كنت تَرُوح في مثلها. فقال رسول الله : أَوَمَا بلغك ما قال صاحبكم؟. قال: وأَيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: عبدالله بن أُبَيٍّ. قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ[3]. قال: فأنت يا رسول الله، والله تُخْرجه منها إِن شئتَ وهو الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارْفُقْ به.
يعني: هذه كلمةٌ أراد بها ألا يكون هناك فتنةٌ بين الأوس والخزرج.
يعني: يقصد الخزرج.
كل هذا من أجل ألا يتحدث الناس في مقالة عبدالله بن أُبَيٍّ.
حتى في الصباح.
موت أحد عظماء الكفار ونزول سورة المنافقون
قال:
يعني: انتقل بهم.
يعني: بين جنوب المدينة.
يعني: انتقل من ذلك المكان.
تخوفوا من الريح لشدتها.
وهو ممن دخلوا الإسلام نفاقًا. قال:
يعني: من المنافقين.
الغلام، أخذ بأذنه.
يعني: بلَّغ ما سمع.
موقف عبدالله بن عبدالله بن أُبيٍّ المؤمن
عبدالله بن أُبيٍّ له ولدٌ اسمه "عبدالله"، عبدالله مسلمٌ من الصحابة، ومِن المؤمنين المتقين، وأبوه عبدالله زعيم المنافقين.
قال:
يعني: المؤمن ابن عبدالله المنافق.
يعني: المنافق؛ لأنهم لما قال عمر: "مُرْ عبَّاد بن البشر فليقتله"، انتشر بين الصحابة أنه ربما أقدم النبي على قتل عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.
يعني: مُرْني أن أقتله، وأنا مستعدٌّ أن أقتله.
يعني: والد عبدالله المنافق.
يعني: هذا مجرد خاطر، وإلا لن يُقدم على قتل مسلم.
يعني: هذا مجرد خاطر، وهو حتى لو الرسول أمر رجلًا لن يُقدم عبدالله المؤمن على قتله.
قال:
يعني: الرسول تحمَّل كثيرًا مما صدر من عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق من أجل ألا يكون هناك خلافٌ وفرقةٌ بين الأنصار، وقد عرضوا عليه عدة مرات أن يتقدموا لقتل عبدالله بن أُبَيٍّ، فقال: أولئك -يعني: المنافقين- هم الذين نهاني الله عنهم؛ لأن العصبية كانت قوية فيهم لقبائلهم، فالله سبحانه نهى الرسول عن قتل المنافقين، بل صبر عليهم حتى ماتوا وانقضى أمرهم، ولم يبقَ منهم إلا عدد قليل جدًّا.
قال:
يعني: عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.
يعني: إذا صدر منه أمرٌ مخالف للإسلام أو فيه شيءٌ من إهانة الرسول كان قومه هم الذين يُعاتبونه ويأخذونه ويُعنِّفونه.
يعني: هذا تعبير عن شدة الغضب، أُرْعِدَ الأنفُ يعني: اشتد غضبه، يعني: لغَضِبَ له رجالٌ من قومه، لأُرْعِدت له آنُفٌ: "آنُفٌ" جمع أَنْف.
ومنهم: عبدالله المؤمن ابن عبدالله المنافق.
الدروس والعبر المستفادة من الواقعة
في هذا الخبر مواقف وعِبَر، منها:
أولًا: مثلٌ من عداوة المنافقين المتأصلة في نفوسهم للمؤمنين، حيث انتهز عبدالله بن أُبَيٍّ ابن سلول المنافق فرصةَ الخلاف الذي نشأ بين رجلين من المسلمين؛ ليُثير الدعوة إلى العصبية، فنطق بكلماتٍ خبيثة في سَبِّ المهاجرين من قريش والتنقيص منهم، وهكذا يَغلي الحقد في قلوب المنافقين فتظهر نفثاته على فلتات ألسنتهم، ظانِّين أن كلامهم سيظهر مفعوله في التفريق بين المؤمنين، ولن يحصل ذلك -بإذن الله-؛ لأن الأنصار إيمانهم قوي.
ثاني موقف: هو إيمانٌ وشجاعةٌ لزيد بن أرقم الغلام ؛ حيث مشى إلى رسول الله وأخبره بذلك الكلام السيئ الذي سمعه من عبدالله بن أُبَيٍّ، ومع أن زيدًا كان غلامًا، ومن كان في مثل هذه السن لا يُنتظر منه غالبًا الدخول مع الكبار في صراعٍ في مثل وضع ابن أُبَيٍّ، الذي ما يزال له أنصارٌ يقومون برأيه ويقولونه ويدافعون عنه.
ثالثًا: في المحاورة التي جرت بين رسول الله وعمر بن الخطاب مَثَلٌ من غيرة عمر الإسلامية، وحرصه على إخماد الشر وأهله، ولكن رسول الله كان أعلى وحكمته كانت أعظم؛ فقد رأى بما ألهمه الله تعالى أن قتل عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق وأمثاله يُؤثِّر على سير الدعوة الإسلامية.
وأن هذا التصرف النبوي الحكيم فيه توجيهٌ لدعاة المسلمين وقادتهم إلى لزوم الاهتمام بقضايا الدعوة الإسلامية، وأن يكون من الأهداف العالية التي يجعلها المسلم نُصْبَ عينيه: أن يحاول اجتذاب الناس إلى الإسلام، وأن يبتعد كل البعد عن الأمور التي تُنفِّر الناس من الدخول في الإسلام أو الاستقامة عليه، ما لم يرتكب إثمًا.
رابعًا: في تصرف النبي في مواجهة تلك الفتنة في حينها حكمة بالغة؛ فقد عالج الفتنة التي أثارها عبدالله بن أُبَيٍّ بأمرٍ شَغَل به المسلمين عن الحديث عنها، حين أمرهم بالرحيل في ساعةٍ لم يكن يرحل فيها قبل ذلك.
خامسًا: موقفٌ جليلٌ لعبدالله المؤمن ابن عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق؛ حيث أبدى استعداده أمام النبي لقتل والده عبدالله بن أُبَيٍّ.
أيضًا في هذا الخبر: أنه وَقَف لأبيه عند دخول المدينة ومنعه من دخول المدينة، وقال: والله لا تدخل حتى تعترف بأنك الأذل، وأن رسول الله هو الأعز.
وهذا يدل على قوة إيمانه ورسوخ يقينه ، حيث جعل الإسلام فوق أعراف الجاهلية وتقاليدها.
نماذج من دعوة النبي للملوك والأمراء
أخرج الإمام البخاري خبر دعوة النبي ملك الروم هرقل، وذلك في حديث عُبيدالله بن عتبة بن عبدالله بن عباس أنه أخبره:
كتاب النبي إلى قيصر ملك الروم
يعني: ملك الروم.
يعني: أمير بُصرى التي هي في جنوب الشام.
يعني: القدس.
وقد كانت هناك معركة كبرى جرت بين الفرس وبين الروم انتصر فيها الروم، وذلك في العهد المكي للدعوة الإسلامية.
الرسولُ بعث الخِطَاب إليه وهو في إيلياء، يعني: القدس.
يعني: من قريش.
حضور أبي سفيان بين يدي هرقل
يعني: بعد صلح الحديبية.
يعني: بيت المقدس.
يعني: على هرقل.
يعني: كلهم من بني عبد مناف.
يعني: أن يأخذ عليَّ أصحابي:
لولا هذا:
أسئلة هرقل لأبي سفيان
يعني: من أشرف أنساب قريش هو نسب الرسول .
هل أحدُ آبائه كان ملكًا؟
هل يرتد عن الإسلام؟
يعني: صلح الحديبية.
فقط هذه الكلمة التي قالها، أنه يقول: نخشى أن يغدر.
مرة لنا مثل أحد، ومرة له مثل بدر.
هو كل هذا صَدَق فيه؛ لأنه يخشى أن يُتَّهم بالكذب بعد ذلك.
هذا ملك الروم، كان من أعظم الروم عقلًا وعلمًا، وكان عنده علمٌ بالإنجيل وغيره من الكتب المقدسة عندهم، كما سيأتي ربما في هذا أو في غيره.
تحليل هرقل وإقراره بصدق النبي
قل لأبي سفيان.
يعني: الله لا يَبعث الرسل إلا في أشرف أنساب قومه.
يعني: يقتدي.
يعني: لو كان أحدٌ ادَّعى النبوة قبله، يقول: أنا أفعل مثله.
لا يتهمونه بالكذب.
هل كان أحد آبائه ملكًا؟
أول من يتبع الرسل هم الضعفاء، ضعفاء الناس، وقد يكون بعض الكبراء، لكنهم أقل.
يعني: حينما يستقر ويرسخ في القلب.
وأغفل كلام أبي سفيان : نحن في عهدة، هدنة، ونخشى غدره؛ لأنه عَرَف أنه يريد أن يأخذ شيئًا على الرسول.
قال:
يعني: يا معشر القريش، ستكون العاقبة للرسول عليكم في حروبكم معه.
هذا كلام رجلٌ عالم في الدين المسيحي، ويعرف الكتب السماوية السابقة، قال:
يعني: هذا -الذي- موجود في التوراة والإنجيل التبشير برسول الله في مواضع كثيرة.
لأنه في كتبهم في النصوص: أن يملك الشام مع غيرها من بلاد الله.
يعني: لشددت إليه ولقيته.
كلمة عظيمة كَبَت بها المشركين الذين كانوا حوله.
نص كتاب النبي إلى هرقل
الذي جاء به دحية الكلبي .
هي كلمات بمعنى: الفلاحين، لكن يقصد بها عامة الروم.
وقرأ قول الله تعالى:
كلامهم؛ يعني: اعترضوا على هرقل: كيف يمدح الرسول ويُبيِّن أنه صادقٌ ودعوته صادقة.
وهذا -ابن أبي كبشة- جَدٌّ قديم للرسول كان يُلَقَّب بهذا اللقب.
وسيأتي ذلك في فتح مكة.
وهذا الحديث العظيم فيه بعض دلائل النبوة؛ فهو يُفيد بأن أهل الكتاب يعرفون النبي جيدًا بصفاته، وأنه سيُبعث، وسينتشر دينه في الأرض.
وفيه دلالة على علم هرقل ملك الروم؛ ولأنه سأله عن هذه الأشياء الكثيرة التي هي مُطابِقة للواقع وظهر أنه كما أخبر بها.
كتاب النبي إلى كسرى ملك الفرس
وننتقل إلى خبرٍ آخر في: إرسال الرسول خطابًا آخر إلى كسرى ملك الفرس.
ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري كتابَ رسول الله إلى كسرى ملك الفرس بإسناده عن محمد بن إسحاق:
قرشي.
أدعوك بدعاية الإسلام؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لأُنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
قال:
يعني: كسرى مزَّق كتاب النبي .
فرقٌ عظيم بينه وبين هرقل؛ لأن هذا مجوسي من عُبَّاد النار، وليس من أهل الكتاب.
إرسال كسرى إلى باذان والي اليمن
قال:
باذان هذا من الفرس، وقد أرسله كسرى على اليمن، واستولوا على اليمن، وأصبح حكام اليمن من الفرس، وباذان هذا هو حاكم اليمن من الفرس.
يعني: متكبر، هذا الكبر بلغ إلى هذا الحد.
قال:
فخرج حتى قدم الطائف، فوجد رجالًا من قريش في أرض الطائف، فسألهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة. واستبشروا بهما وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشروا؛ فقد نَصَب له كسرى ملك الملوك؛ كُفيتم الرجل.
يعني: قد اهتم بأمره ملك الفرس.
يعني: يكتب إلى كسرى.
يعني: كسرى، فهو مهلكك، ومهلك قومك، ومخربٌ بلادك.
يعني طويلة.
أن تحلقا لحاكما، وتتركا شواربكما طويلة.
يعنيان كسرى، يريدان كسرى.
خبر مقتل كسرى ومعجزة النبي
نزل عليه الوحي من السماء.
يعني: جاء الخبرُ رسولَ الله بأن كسرى الذي بعث له ليأخذاه إليه قتله ولده شِيرُويَه، وجاء في الخبر التحديدُ؛ تحديد اليوم: كذا وكذا، حتى تحديد ساعة من الليل، بعدما مضى من الليل سَلَّط الله عليه ابنه شِيرُويَه فقتله.
قال:
أخبرهما أن كسرى قُتل، وقتله ولده، وتملَّك بعده.
يعني: إلى المشرق والمغرب.
يعني: قولا لباذان ملك اليمن.
الأبناء: هم أبناء فارس الذين يحكمون اليمن، يعني: جعلتكم حكام اليمن.
الذي يُرافق لهذا الرجل.
إسلام باذان والي اليمن ومن معه
أي: إنه بعد مدةٍ قليلة.
الابن الذي قتل أباه كسرى.
فقال:
يعني: حبسهم في ثغورهم.
يقصد الرسول .
لا تعمل شيئًا ضده.
يعني: رسول الله .
الذين كانوا يحكمون اليمن.
يعني: المنطقة التي أعطاه رسول الله .
أهيب من الرسول .
الدروس والعبر المستفادة
ففي هذا الخبر مَثَلٌ من غطرسة مَلِك الفرس كسرى وتجبُّره؛ حيث مزق كتاب النبي ، ووصفه بأنه أحد عبيده، وكلَّف باذان ملك اليمن التابع له بإحضاره إليه.
وكان من نتائج ذلك أن دعا عليه رسول الله بأن يُمزِّق الله ملكه، فاستجاب تعالى دعوته، حيث ثار عليه ابنه فقتله.
ثم استولى المسلمون بعد ذلك على جميع ممالك الفرس، دولة الفرس انتهت كلها في عهد عمر بن الخطاب إلى حدود الصين، وإلى حدود بحر قزوين الذي هو جنوب روسيا الآن، كل هذه كانت بلاد فارس، كلها انتهت وفُتحت في عهد عمر بن الخطاب .
وقد حدثت معجزةٌ للنبي كانت سببًا في تحول ملك اليمن عن تلك المهمة التي من أجلها بَعث الرسولين، انتهت هذه المهمة إلى الدخول في الإسلام، فدخلوا في الإسلام.
وأكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.
مختارات من السنة النبوية
وننتقل بإذن الله تعالى إلى الدرس الآخر في مختاراتٍ من السنة النبوية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد ، وآله وصحبه أجمعين.
هذا الموضوع الذي سأتحدث عنه، وفيه مختاراتٌ من أحاديث رسول الله ، مختاراتٌ من أحاديث التربية والتعليم:
الخيرية في الفقه في الدين
قال رسول الله : من يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، أخرجه الشيخان -الشيخان إذا مَرَّا فهما البخاري ومسلم رحمهما الله- من حديث معاوية [11].
ربطَ النبي في هذا الحديث بين الخير والفقه في الدين: من يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، وهذا يعني: أن كل مسلمٍ لا بد له إذا أراد أن يكون خيِّرًا: أن يختار لنفسه أن يكون عنده نسبةٌ من الفقه في الدين.
وليس معنى هذا أن كل المسلمين يكونون علماء، لا، هناك علماء متخصصون، وهناك طلابُ علم، وهناك مستمعون يأخذون ما يكفيهم من العلم لتطبيق هذا الدين، فكل هؤلاء يدخلون في هذا الحديث: العلماء، وطلاب العلم، والذين يتفقهون فيما يكفيهم لتطبيق الإسلام، يدخلون في هذا الحديث.
التفقه في الدين على نوعين:
الأول: التفرغ لدراسة الدين، وهذا لا يكون لأبناء الأمة عامة، وإنما يتوافر لعلماء الدين.
والثاني: دراسة ما يكفي المسلم لأن يعبد ربه على بصيرة، وأن يُعامل الناس على منهج الإسلام، هذا لا بد أن يفقهه كل مسلم.
من لم يحصل له هذا القدر الضروري من العلم الديني، فإنه قد يكون قد فقد الخيرية؛ لأنه إذا عَبَد الله على جهل، أو تعامل مع الناس على غير منهج الإسلام؛ يكون قد ارتكب بعض المآثم.
ليس المقصود في الحديثِ النوعُ الأول فقط؛ لأن "مَن" الشرطية مِن أدوات العموم: مَنْ يُرِد الله به خيرًا، فلا يختص الحديث بالعلماء، وإنما يدخلون فيه دخولًا أوليًّا، وعلى قدر التفقه في الدين يكون قَدْر الخيرية والفضل.
أثر الاشتغال في العلم في النجاة
عن أبي هريرة قال: سمعت النبي يقول: اغْدُ عالمًا هذه واحد، أو متعلمًا هذا الثاني، أو مستمعًا هذا الثالث، أو مُحِبًّا لأهل العلم، ولا تكن الخامسة فتهلك. الغُدُوُّ: الإسراع في الأمر. رواه الطبراني والبزار، وقال الحافظ الهيثمي: "رجاله موثقون"[12].
فيه مسائل:
الخصلة الأولى: بيان الخصلة الأولى من صفات الخير: وهي تعليم العلم النافع: اغْدُ عالمًا يعني: تُعلِّم الناس العلم. والعلم النافع: هو ما جاء في الكتاب والسنة وما يدور حول هذين المصدرين من كلام العلماء.
الخصلة الثانية: بيان الخصلة الثانية: وهي تعلُّم العلم النافع الذي سبق ذكره، وهو الذي يُوصل إلى الهدف الأعلى، وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة.
الخصلة الثالثة: هي استماع العلم النافع، يعني: الذين يحضرون دروس العلماء؛ إما طلابٌ مواظبون يحضرون دائمًا ويتعلمون العلم ومعلوماتهم تُبنى بعضها على بعض. وإما مستمعون، وهذا فيه خيرٌ، حتى المستمعون مثل: الذين يأتون للصلاة في المسجد الحرام، فيجلسون يستمعون إلى الذكر والعلم، هؤلاء مستمعون، وهم من أهل الخير إن شاء الله، وهو استماع العلم النافع، وذلك بحضور مجالس العلماء وسماع دروسهم ومواعظهم.
الخصلة الرابعة: بيان الخصلة الرابعة: وهي حب العلم الديني، وحب العلماء، وحب طلاب العلم، يعني: أن يكون لدى المسلم محبةٌ للعلم الديني وللعلماء ولطلاب العلم.
ومن نتائج هذا الحب: ما يقوم به المحسنون من تخصيص معوناتٍ للعلماء وطلاب العلم، ومِن طباعة الكتب الدينية، وتمويل وسائل الإعلام الخاصة بنشر العلم الديني، هؤلاء كلهم ممن يُحب العلم الديني وأهله.
الخصلة الخامسة: هي كراهية الدروس والمواعظ الدينية واستثقالها، فصاحب هذه الخصلة قد حكم عليه النبي بالهلاك.
والمراد بالهلاك هنا: هو خسارة السعادة الكاملة في الآخرة؛ لأنه قد خسر ثواب تعلم العلم واستماعه ومحبته.
نماذج من المعروف
عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله : كُلُّ معروفٍ صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُفْرِغ مِن دَلْوِكَ في إناء أخيك. أخرجه الحافظ الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني، رحمهما الله، وأخرج الإمام البخاري أوله[13].
فيه مسائل:
الأولى: حيث إن الصدقة قد اشتهر ثوابها، يعني: المسلمون كلهم يعرفون ثواب الصدقة؛ لكثرة الآيات والأحاديث التي تَحُثُّ على الصدقة بالمال؛ حيث إن الصدقة قد اشتهر ثوابها، فإن النبي يُعمِّم إطلاق الصدقة على كل معروفٍ يبذله المسلم لإخوانه المسلمين.
فهذا الكلام فيه تقييمٌ لأعمال الخير، يعني: كُلُّ من قام بعمل معروف للناس كأنما تصدق عليهم من ماله.
إن إطلاق الصدقة على كل ما يبذله المسلم من المعروف فيه فتحُ أبوابٍ كثيرة لفعل الصدقات لمن لا يملكون المال الذي يتصدقون به، يعني: الفقراء يستطيعون أن يتصدقوا، لا بالأموال، لكن بفعل الخير، الإحسان، بذل المعروف، خدمة المسلمين؛ كلها صدقات هذه.
فلا ينبغي أن يقول: ما عندنا مالٌ نتصدق، لا، أنت ابذل المعروف، واخدم المسلمين وساعدهم في أمور حياتهم؛ تكون قد قدمت صدقات جليلة.
ذَكَر النبي أن من المعروف: أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ[14]، مبتسِّمًا.
وفي حديث آخر: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة[15]، سهلٌ جدًّا، يعني تستطيع أن تتبسم عشرات المرات في اليوم، وكل مرة تأخذ صدقة، إذا دخلت المسجد سَلِّم على كل من تراه وابتسم، فقط إذا ابتسمت تأخذ صدقة، نعمة كبرى هذه: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة، بخلاف الذي يعبس ويقطب جَبِينه في وجه أخيه، هذا يأثم: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة.
وهذا مدخلٌ كبيرٌ للتألف والتآخي بين المسلمين؛ فإن المسلم حين يلقاه أخوه المسلم بوجهٍ بَشُوش تعلوه الابتسامة فإنه يُقبِل عليه وتترسخ الأخوة الإسلامية بينهما.
ذَكَر النبي في هذا الحديث أيضًا: أن من المعروف أن يُفرِغ المسلم مِن دلوه في إناء أخيه، وهذا تعبيرٌ عن التراحم والتكافل، وفي خدمة المسلمين بعضهم بعضًا، وهذا مثالٌ لكل الخدمات التي يمكن أن يقدمها المسلم لأخيه المسلم، فليس الدلو -انتهى، هذا قديمًا كان الدلو- موجودًا، الآن هناك خدمات أخرى كثيرة يمكن أن يُقدِّمها المسلم لأخيه المسلم فيحصل على أجر الصدقة.
فضيلة قضاء حوائج الناس
عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ما من عبدٍ أنعَمَ الله عليه نعمةً فأسبغها عليه، ثم جَعَل من حوائج الناس إليه فتَبَرَّمَ يعني: ابتعد عن خدمة الناس ولم يلتفت لهم فقد عَرَّض تلك النعمة للزوال. رواه الطبراني في "معجمه الأوسط"، وقال الهيثمي: "إسناده جيد"[16].
فيه مسائل:
الأولى: فيه ربطٌ محكم بين ثبات نعمة الله جل وعلا على الإنسان، وبين قضاء حوائج الناس، تريد أن تستمر نعمة الله عليك؛ قم بقضاء حوائج الناس، فإن هذا يجعل نعمة الله تستمر عليك.
الثانية: النعمة تشمل كل أنواع النعم، فمن ذلك:
نعمة المال، وإنَّ شُكْر هذه النعمة يكون بالعطف على الفقراء والمصابين بالكوارث، إذا أُصيب إخوانك المسلمين بكوارث، بجوائح، بفقر، بمشكلات، أَنْعِم عليهم بالعطاء من مالك؛ فإن هذا سببٌ لاستدامة هذه النعمة.
من النعم: نعمة الجاه، الآن ذكرتُ نعمة المال، الآن نعمة الجاه من النِّعم. نعمة الجاه: أن يكون الإنسان ذا سمعة، ذا شرف، ذا جاه بين الناس، له منصب كبير أو معروف عند الناس ويحترمونه.
وإنَّ مِن شُكْر هذه النعمة أن يبذل صاحبها جاهه في الشفاعة لقضاء حوائج الناس من غير إضرارٍ بالآخرين. وإن من شكر هذه النعمة، أن يبذل صاحبها جاهه في الشفاعة لقضاء حوائج الناس من غير إضرار بالآخرين، يعني: إذا منَّ الله عليك بالشرف والمكانة والمنزلة؛ ساعد إخوانك المسلمين إذا كانوا لا يستطيعون أن يَصِلوا إلى مديرٍ، صاحبِ منصبٍ، لهم غرض، عنده خبر، ساعِدْهم واشفعْ لهم لقضاء حوائجهم، ويكون لك هذا الأجر الكبير وتسلم من أن تتعرض نعمتك للزوال.
فضل تعلم العلم وتعليمه
مما جاء في ذلك عن رسول الله قوله: مَن سلك طريقًا يبتغي به علمًا؛ سلك الله به طريقًا إلى الجنة[17]: فضيلةٌ عُظمى لتعلم العلم.
وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم[18]: الملائكة على عظمتهم يضعون أجنحتهم احترامًا لطالب العلم.
وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء: العالِم: يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، شيءٌ عظيم! الملائكة والإنس والجن، المسلمون من الإنس والجن، حتى الحيتان في جوف الماء، والحيوانات كلها في الأرض.
وذَكَر النبي الحيتان بالذات في جوف الماء؛ لأنها من ناحية الخفاء مختفية؛ ولأنها أكثر شيءٍ، أكثر المخلوقات الحيتان في الماء.
وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب: يعني: في منظر العينِ القمرُ أكبر من جميع النجوم، وإن كان في الحقيقة هناك نجومٌ أكبر بكثير لا بما كان في نظر العين، وهذا المقصودُ به: في نظر عيون الناس، ليس تعبيرًا عن حقيقة الأجرام السماوية.
وفضل العالم على العابد كفضل القمر: يعني: في النور، في صدور النور منه على سائر الكواكب؛ فالقمر نوره يصل إلى الأرض، والكواكب لا يصل نورها إلى الأرض.
وإن العلماء ورثة الأنبياء: هذه فضيلةٌ عظمى للعلماء؛ علماء الشريعة والإسلامية ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء كانت مهمتهم تعليم الناس ودعوتهم إلى الخير؛ فالعلماء يقومون بهذه المهمة بعد وفاة الأنبياء.
وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍّ وافر. أخرجه الحافظ الترمذي من حديث أبي الدرداء ، وصححه الشيخ الألباني، وأخرجه الإمام أحمد وابن حبان[19].
فيه مسائل:
الأولى: فضل العلم الديني، يبدأ فضل العلم الديني من أول مراحل طلب العلم، من حين ما يبدأ طالب العلم فهو في فضل، وإذا أراد بذلك وجه الله يُكتب له عملٌ صالح.
الثاني: حفظ الملائكة عليهم السلام بطلب العلم لطالب العلم، حيث تضع أجنحتها تعبيرًا عن رضاها بهذا السلوك الحميد.
الثالثة: رفعة قدْر علماء الإسلام؛ حيث يستغفر لهم الملائكة عليهم السلام وأهل الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء، إذا كان العابد قد بلغ منزلةً عالية عند الناس؛ ولذلك الرسول مَثَّل بالعابد لأن العابد له منزلة كبيرة عند الناس، فإذا كان العابد قد بلغ منزلةً عالية عند الناس فإن العالم الذي استنار قلبه بعلمه فاستقام وأفاد بعلمه المسلمين يزيد فضله على فضل العابد بقَدْر زيادة نور القمر ليلة البدر على نور سائر الكواكب.
المسألة الرابعة: بيان فضيلة العلماء، وأن فضلهم لا يُدانيه فضل، وهو أنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وميراثهم: هو العلم الذي لا تُساويه الدنيا بأسرها.
وسيأتي بيانٌ لميراث العلماء للأنبياء في حديث آخر بإذن الله.
والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
| ^1, ^3 | رواه البخاري: 4905، ومسلم: 2584. |
|---|---|
| ^2 | سبق تخريجه. |
| ^4 | رواه مسلم: 2782. |
| ^5 | رواه البخاري: 4906. |
| ^6 | رواه البزار في "مسنده": 7978، وابن حبان في "صحيحه": 771، والطبراني في "الأوسط": 229، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان": 429. |
| ^7 | رواه ابن هشام في "السيرة": 2/ 290- 293، والطبري في "التاريخ": 2/ 605- 608، وابن كثير في "السيرة النبوية": 3/ 298- 301. |
| ^8 | رواه البخاري: 2940، ومسلم: 1773. |
| ^9 | رواه الطبري في "تاريخه": 2/ 654- 656. |
| ^10 | رواه الطبري في "التاريخ": 2/ 654- 657. |
| ^11 | رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037. |
| ^12 | رواه البزار في "مسنده": 3626، والطبراني في "المعجم الأوسط": 5171، والبيهقي في "شعب الإيمان": 1581، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 127: رجاله موثقون. |
| ^13 | رواه الترمذي: 1970، وأحمد: 14877، وقال الترمذي: "حسن صحيح". وروى أوله: البخاري: 6021، ومسلم: 1005. |
| ^14 | رواه مسلم: 2626. |
| ^15 | رواه الترمذي: 1956، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2908. |
| ^16 | رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7529، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان": 1/ 215، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 195: إسناده جيد. |
| ^17 | رواه مسلم: 2699. |
| ^18, ^19 | رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وأحمد: 21715، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70. |