تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي
فضيلة الشيخ د. عبدالعزيز بن عبدالله الحميدي

السيرة النبوية- من قوله: "فبينا رسول الله ﷺ على ذلك الماء"

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فأبدأ بالدرس الأول، وهو في مختارات من السيرة النبوية: دعوةٌ إلى العصبية، ومواجهةٌ حكيمة.

واقعة ابن سلول في غزوة بني المُصْطَلِق ودروسها الإيمانية

قال المؤرخ محمد بن إسحاق رحمه الله:

بداية الواقعة وأسبابها

فبينا رسول الله على ذلك الماء.

يعني في غزوة بني المُصطلِق.

وردتْ واردةٌ من الناس.

يعني: وَرَدُوا للاستقاء من البئر.

ومع عمر بن الخطاب أجيرٌ له من بني غِفَار.

يعني: يستقي له الماء ويسقي الفرس ونحو ذلك.

يقال له: جَهْجَاه بن مسعود، يقود فرسه، فازدحم جَهْجَاهُ وسِنان بن وَبَر الجُهني حليف بني عوف بن الخزرج.

يعني: حليف الأنصار، فالأول يعمل أجيرًا لأحد المهاجرين، والثاني هو حليفٌ لبعض الأنصار، بعض الأنصار من الخزرج.

قال:

فاقتتلا.

يعني: تضاربا على الماء.

فصرخ الجُهَني: يا معشر الأنصار.

لأنه حليف الأنصار.

وصرخ جَهْجَاه: يا معشر المهاجرين.

لأنه يعمل مع المهاجرين.

موقف عبدالله بن أُبيٍّ ابن سلول المنافق

فغضب عبدالله بن أُبَيٍّ ابن سلول.

يعني: زعيم المنافقين.

وعنده رَهْطٌ.

يعني: جماعة.

من قومه، فيهم زيد بن أرقم غلامٌ حَدَثٌ.

غلام صغير، وكان معهم.

فقال:

يعني: عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.

قال: أَوَقَدْ فعلوها؟

يعني: يقصد المهاجرين.

أَوَقَدْ فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أَعُدُّنَا وَجَلَابِيبَ قريشٍ.

يقصد المهاجرين. يقول:

والله ما أَعُدُّنَا وَجَلَابِيبَ قريشٍ إلا كما قال الأوَّل: "سَمِّن كلبك يأكُلْك".

وهي كلمة خبيثة. قال:

أمَا والله لئن رجعنا إلى المدينة لَيُخرِجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ.

يقصد بالأعز: هو نفسه، والأذل: رسول الله حاشاه عن ذلك.

ثم أقبل على مَن حضره من قومه الذين حوله.

منافقون مثله، فقال لهم:

هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أمَا والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم؛ لَتحَوَّلوا إلى غير داركم.

هو الآن يتكلم وحوله منافقون، يعني: لا يخشى أن كلامه سيصل إلى الرسول .

موقف زيد بن أرقم

قال:

فسمع ذلك زيد بن أرقم.

يعني: هو لم يلتفت لهذا الغلام ولم يهتم به، يقول: هذا صغير لن ينقل شيئًا، لن ينقل الكلام.

قال:

فمشى به إلى رسول الله .

زيد بن أرقم  ذهب إلى الرسول ، ونقل له كلام عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.

وذلك عند فراغ رسول الله مِن عدوِّه بعد انتهاء معركة بني المصطلِق، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب فقال: "مُرْ به عَبَّاد بن بِشْر فليقتله".

عَبَّاد بن بشر من كبار الأنصار. قال:

"مُرْ به عباد بن بشر فليقتله"، فقال له..

يعني: يقتل عبدالله بن أُبَيٍّ.

فقال له رسول الله : كيف يا عمر إذا تحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه[1].

 لأن العرب يفهمون أن عبدالله بن أُبَيٍّ ومَن معه من المنافقين من المسلمين؛ لأنهم أظهروا الإسلام، فإذا وصل الخبر للعرب قالوا: لا نريد أن ندخل في الإسلام؛ لأن محمدًا يقتل أصحابه.

كيف يا عمر إذا تحدَّث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا، ولكن أَذِّن بالرحيل[2].

يعني: أمر الناس أن يرتحلوا.

وذلك في ساعة لم يكن رسول الله   يرتحل فيها، فارتحل بالناس.

يعني: في ذلك الوقت ليس مناسبًا للرحيل، لكن أراد النبي أن يشغل الناس عن سماع كلام عبدالله بن أُبَيٍّ.

تكذيب عبدالله بن أُبيٍّ ابن سلول وردُّ قومه عنه

وقد مشى عبدالله بن أُبَيٍّ ابن سلول إلى رسول الله حين بَلَغه أن زيد بن أرقم قد بلَّغه ما سمع منه، فحلف بالله ما قلت ما قال، ولا تكلمت به.

حلف بالله، وكان دائمًا إذا وَقَعوا حَلَفوا فيُصدِّقهم النبي ؛ لأنه يأخذ بظاهرهم ولا يحكم على البواطن.

وكان في قومه شريفًا عظيمًا.

لأنه هو كان سيد الخزرج بعدما قُتل سيدهم في حرب بُعاث، لم يكن هناك أكبر منه في الخزرج، وكانوا يَنْظِمون له الخرز ليُتوِّجوه ملكًا عليهم، يعني: على الخزرج، وجاء رسول الله في ذلك الوقت إلى المدينة. "وكان في قومه شريفًا عظيمًا"؛ يعني: فيمن بقي من الخزرج ولم يُسلِموا إلا ظاهرًا وهم المنافقون.

فقال من حضر رسول الله من الأنصار من أصحابه.

في الظاهر من الأنصار، لكنهم في الحقيقة منافقون.

قالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل؛ حَدَبًا على ابن أُبَيٍّ ابن سلول ودفعًا عنه.

حكمة النبي في إدارة الموقف

قال ابن إسحاق:

فلما استقَلَّ.

يعني: ارتحل رسول الله .

وسار، لقيه أُسَيد بن حُضير، فحياه بتحية النبوة.

أُسيد بن حضير هذا ثاني رجل في الأوس بعد سعد بن معاذ رضي الله عنهما، هذا الأول هو سيد الأوس، والرجل الثاني في الأوس هو أُسيد بن حُضير،  وكان حُضير بن سِماك والده هو سيد الأوس، وقُتل في بُعاث، في معركة بُعاث.

لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة، وسلَّم عليه، فقال: يا نبي الله، والله لقد رُحتَ في ساعةٍ منكرة

يعني: انتقلت من مكانك في ساعة منكرة، لا تصلح للرحيل، يعني: يمكن الجو حارٌّ.

ما كنت تَرُوح في مثلها. فقال رسول الله : أَوَمَا بلغك ما قال صاحبكم؟. قال: وأَيُّ صاحبٍ يا رسول الله؟ قال: عبدالله بن أُبَيٍّ. قال: وما قال؟ قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ[3]. قال: فأنت يا رسول الله، والله تُخْرجه منها إِن شئتَ وهو الذليل وأنت العزيز. ثم قال: يا رسول الله، ارْفُقْ به.

يعني: هذه كلمةٌ أراد بها ألا يكون هناك فتنةٌ بين الأوس والخزرج.

قال: يا رسول الله، ارْفُقْ به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه..

يعني: يقصد الخزرج.

وإن قومه لَيَنظِمون له الخرز لِيُتوِّجوه؛ فإنه ليرى أنك قد استلَبته مُلكًا.
ثم مشى رسول الله يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح.

كل هذا من أجل ألا يتحدث الناس في مقالة عبدالله بن أُبَيٍّ.

وصَدْرَ يومهم ذلك.

حتى في الصباح.

حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مَسَّ الأرض فوقعوا نيامًا، وإنما فعل ذلك رسول الله حتى يشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبدالله بن أُبَيٍّ.

موت أحد عظماء الكفار ونزول سورة المنافقون

قال:

ثم راح رسول الله بالناس.

يعني: انتقل بهم.

وسلك الحجاز حتى نزل على ماءٍ بالحجاز فُويق النَّقيع يُقال له "بَقْعاء"، فلما..

يعني: بين جنوب المدينة.

فلما راح رسول الله..

يعني: انتقل من ذلك المكان.

هبَّت ريحٌ على الناس شديدة، آذتهم وتخوَّفُوها.

تخوفوا من الريح لشدتها.

فقال رسول الله : لا تخافوها؛ فإنما هبَّت لموتِ عظيمٍ من عظماء الكفار[4]، فلما قدموا المدينة وجدوا رِفَاعة بن زيد بن التابوت -أحد بني قينقاع، وكان عظيمًا من عظماء اليهود، وكهفًا للمنافقين- قد مات في ذلك اليوم.

وهو ممن دخلوا الإسلام نفاقًا. قال:

ونزلت السورة التي ذُكر فيها المنافقون في عبدالله بن أُبيٍّ ومَن كان على مثل أمره.

يعني: من المنافقين.

فلما نزلت أخذ رسول الله بأُذُن زيد بن أرقم.

الغلام، أخذ بأذنه.

ثم قال: هذا الذي أوفى الله بأُذُنِه[5].

يعني: بلَّغ ما سمع.

موقف عبدالله بن عبدالله بن أُبيٍّ المؤمن

وبلغ عبدَاللهِ بن أُبَيٍّ الذي كان.

عبدالله بن أُبيٍّ له ولدٌ اسمه "عبدالله"، عبدالله مسلمٌ من الصحابة، ومِن المؤمنين المتقين، وأبوه عبدالله زعيم المنافقين.

قال:

وبلغ عبدَاللهِ بنَ عبدالله بن أُبَيٍّ الذي كان من أمر أبيه.
قال ابن إسحاق: فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبدالله..

يعني: المؤمن ابن عبدالله المنافق.

أن عبد الله أتى رسول الله ، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أُبَيٍّ.

يعني: المنافق؛ لأنهم لما قال عمر: "مُرْ عبَّاد بن البشر فليقتله"، انتشر بين الصحابة  أنه ربما أقدم النبي على قتل عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.

إنه بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أُبَيٍّ فيما بلغك عنه، فإن كنت لا بد فاعلًا فمُرْني به.

يعني: مُرْني أن أقتله، وأنا مستعدٌّ أن أقتله.

فمُرْني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان لها من رجل أَبَرَّ بوالده مني.

يعني: والد عبدالله المنافق.

وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبدالله بن أُبَيٍّ يمشي في الناس.

يعني: هذا مجرد خاطر، وإلا لن يُقدم على قتل مسلم.

فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر فأدخل النار.

يعني: هذا مجرد خاطر، وهو حتى لو الرسول أمر رجلًا لن يُقدم عبدالله المؤمن على قتله.

قال:

فقال رسول الله : بل نترفق به، ونُحسن صحبته ما بقي معنا[6].

يعني: الرسول تحمَّل كثيرًا مما صدر من عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق من أجل ألا يكون هناك خلافٌ وفرقةٌ بين الأنصار، وقد عرضوا عليه عدة مرات أن يتقدموا لقتل عبدالله بن أُبَيٍّ، فقال: أولئك -يعني: المنافقين- هم الذين نهاني الله عنهم؛ لأن العصبية كانت قوية فيهم لقبائلهم، فالله سبحانه نهى الرسول عن قتل المنافقين، بل صبر عليهم حتى ماتوا وانقضى أمرهم، ولم يبقَ منهم إلا عدد قليل جدًّا.

قال:

وجعل بعد ذلك..

يعني: عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق.

إذا أحدَثَ الحَدَثَ كان قومه هم الذين يُعاتبونه.

يعني: إذا صدر منه أمرٌ مخالف للإسلام أو فيه شيءٌ من إهانة الرسول كان قومه هم الذين يُعاتبونه ويأخذونه ويُعنِّفونه.

فقال رسول الله لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أمَا والله لو قتلتُه يومَ قلت لي: اقتله؛ لأُرْعِدت له آنُفٌ.

يعني: هذا تعبير عن شدة الغضب، أُرْعِدَ الأنفُ يعني: اشتد غضبه، يعني: لغَضِبَ له رجالٌ من قومه، لأُرْعِدت له آنُفٌ: "آنُفٌ" جمع أَنْف.

لو أمرتها اليوم بقتله لقتلَتْه.

ومنهم: عبدالله المؤمن ابن عبدالله المنافق.

قال: قال عمر: قد علمتُ والله لَأَمْرُ رسول الله أعظم بركةً مِن أمري[7].

الدروس والعبر المستفادة من الواقعة

في هذا الخبر مواقف وعِبَر، منها:

أولًا: مثلٌ من عداوة المنافقين المتأصلة في نفوسهم للمؤمنين، حيث انتهز عبدالله بن أُبَيٍّ ابن سلول المنافق فرصةَ الخلاف الذي نشأ بين رجلين من المسلمين؛ ليُثير الدعوة إلى العصبية، فنطق بكلماتٍ خبيثة في سَبِّ المهاجرين من قريش والتنقيص منهم، وهكذا يَغلي الحقد في قلوب المنافقين فتظهر نفثاته على فلتات ألسنتهم، ظانِّين أن كلامهم سيظهر مفعوله في التفريق بين المؤمنين، ولن يحصل ذلك -بإذن الله-؛ لأن الأنصار  إيمانهم قوي.

ثاني موقف: هو إيمانٌ وشجاعةٌ لزيد بن أرقم الغلام ؛ حيث مشى إلى رسول الله وأخبره بذلك الكلام السيئ الذي سمعه من عبدالله بن أُبَيٍّ، ومع أن زيدًا كان غلامًا، ومن كان في مثل هذه السن لا يُنتظر منه غالبًا الدخول مع الكبار في صراعٍ في مثل وضع ابن أُبَيٍّ، الذي ما يزال له أنصارٌ يقومون برأيه ويقولونه ويدافعون عنه.

ثالثًا: في المحاورة التي جرت بين رسول الله وعمر بن الخطاب مَثَلٌ من غيرة عمر  الإسلامية، وحرصه على إخماد الشر وأهله، ولكن رسول الله كان أعلى وحكمته كانت أعظم؛ فقد رأى بما ألهمه الله تعالى أن قتل عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق وأمثاله يُؤثِّر على سير الدعوة الإسلامية.

وأن هذا التصرف النبوي الحكيم فيه توجيهٌ لدعاة المسلمين وقادتهم إلى لزوم الاهتمام بقضايا الدعوة الإسلامية، وأن يكون من الأهداف العالية التي يجعلها المسلم نُصْبَ عينيه: أن يحاول اجتذاب الناس إلى الإسلام، وأن يبتعد كل البعد عن الأمور التي تُنفِّر الناس من الدخول في الإسلام أو الاستقامة عليه، ما لم يرتكب إثمًا.

رابعًا: في تصرف النبي في مواجهة تلك الفتنة في حينها حكمة بالغة؛ فقد عالج الفتنة التي أثارها عبدالله بن أُبَيٍّ بأمرٍ شَغَل به المسلمين عن الحديث عنها، حين أمرهم بالرحيل في ساعةٍ لم يكن يرحل فيها قبل ذلك.

خامسًا: موقفٌ جليلٌ لعبدالله المؤمن ابن عبدالله بن أُبَيٍّ المنافق؛ حيث أبدى استعداده أمام النبي لقتل والده عبدالله بن أُبَيٍّ.

أيضًا في هذا الخبر: أنه وَقَف لأبيه عند دخول المدينة ومنعه من دخول المدينة، وقال: والله لا تدخل حتى تعترف بأنك الأذل، وأن رسول الله هو الأعز.

وهذا يدل على قوة إيمانه ورسوخ يقينه ، حيث جعل الإسلام فوق أعراف الجاهلية وتقاليدها.

نماذج من دعوة النبي للملوك والأمراء

أخرج الإمام البخاري خبر دعوة النبي ملك الروم هرقل، وذلك في حديث عُبيدالله بن عتبة بن عبدالله بن عباس أنه أخبره:

كتاب النبي إلى قيصر ملك الروم

أن رسول الله كتب إلى قيصر.

يعني: ملك الروم.

يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه مع دحية الكلبي ، وأمره رسول الله أن يدفعه إلى عظيم بُصرى.

يعني: أمير بُصرى التي هي في جنوب الشام.

ليدفعه إلى قيصر. وكان قيصر لما كشف الله عنه جنودَ فارس مشى مِن حِمْص إلى إيلياء.

يعني: القدس.

مشى على رجليه؛ شكرًا لما أبلاه الله.

وقد كانت هناك معركة كبرى جرت بين الفرس وبين الروم انتصر فيها الروم، وذلك في العهد المكي للدعوة الإسلامية.

فلما جاء قيصر..

الرسولُ بعث الخِطَاب إليه وهو في إيلياء، يعني: القدس.

فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله ؛ قال حين قرأه: الْتَمِسوا لي هنا أحدًا من قومه.

يعني: من قريش.

لأسألهم عن رسول الله .

حضور أبي سفيان بين يدي هرقل

قال ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب : أنه كان بالشام في رجالٍ من قريش قدِموا تُجَّارًا في المدة التي كانت بين رسول الله وبين كفار قريش.

يعني: بعد صلح الحديبية.

قال أبو سفيان : فوجدنا رسولَ قيصر ببعض الشام، فانطلَق بي وبأصحابي حتى قدمنا إيلياء.

يعني: بيت المقدس.

فأُدخِلْنا عليه.

يعني: على هرقل.

فإذا هو جالسٌ في مجلس مُلْكه، وعليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم، فقال لِتَرْجُمَانه: سَلْهم أيهم أقرب نسبًا إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟ قال أبو سفيان : فقلت: أنا أقربهم إليه نَسَبًا. قال: ما قرابةُ ما بينَك وبينه؟ قال: هو ابن عمٍّ.

يعني: كلهم من بني عبد مناف.

قال: وليس في الرَّكْب يومئذٍ أحدٌ من بني عبد مناف غيري. قال قيصر: أَدْنُوه، قرِّبوه. وأَمَر بأصحابي فجُعلوا خلف ظهري عند كتفي، ثم قال لِتَرْجُمَانه: قل لأصحابه: إني سائلٌ هذا الرجل عن الذي يزعم أنه نبيٌّ، فإن كذَّب فكَذِّبوه. قال أبو سفيان : والله لولا الحياء يومئذ من أن يَأْثُرَ أصحابي..

يعني: أن يأخذ عليَّ أصحابي:

أني كذبتُ..

لولا هذا:

لَكَذَّبتُه حين سألني، ولكن استحييت أن يَأْثُرُوا عني الكذب، فصَدَقْتُه.

أسئلة هرقل لأبي سفيان

ثم قال لترجمانه: قل له: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟ فقلت: هو فينا ذو نسب.

يعني: من أشرف أنساب قريش هو نسب الرسول .

قال: فهل قال هذا القول أحدٌ منكم قبله؟ قلت: لا. قال: هل كنتم تتهمونه على الكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه مِن مَلِكٍ؟

هل أحدُ آبائه كان ملكًا؟

قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم. قال: فيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتَدُّ أحدهم سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟

هل يرتد عن الإسلام؟

فقلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن الآن منه في مدةٍ..

يعني: صلح الحديبية.

نخاف أن يغدر. قال أبو سفيان : ولم يُمْكِنِّي كلمةٌ أُدخل فيها شيئًا أنتقصه، لا أخاف أن تُؤثر علي غيرها.

فقط هذه الكلمة التي قالها، أنه يقول: نخشى أن يغدر.

قال: فهل قاتلتموه أو قاتلكم؟ قلت: نعم. قال: فكيف كانت حربه وحربكم؟ قلت: دُوَلًا وسجالًا، يُدال علينا المرة، ونُدال عليه الأخرى.

مرة لنا مثل أحد، ومرة له مثل بدر.

قال: فماذا يأمركم به؟ قال: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.

هو كل هذا صَدَق فيه؛ لأنه يخشى أن يُتَّهم بالكذب بعد ذلك.

فقال لترجمانه..

هذا ملك الروم، كان من أعظم الروم عقلًا وعلمًا، وكان عنده علمٌ بالإنجيل وغيره من الكتب المقدسة عندهم، كما سيأتي ربما في هذا أو في غيره.

تحليل هرقل وإقراره بصدق النبي

فقال لترجمانه حين قلت ذلك: قل له:

قل لأبي سفيان.

إني سألتك عن نَسَبه فيكم فزعمت أنه ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها.

يعني: الله  لا يَبعث الرسل إلا في أشرف أنساب قومه.

وسألتك: هل قال أحدٌ منكم هذا القول قبله؟ فزعمت أن لا. فقلتُ: لو كان أحدٌ منكم قال هذا القول قبله قلت: رجلٌ يأتَمُّ..

يعني: يقتدي.

بقولٍ قد قيل قبله.

يعني: لو كان أحدٌ ادَّعى النبوة قبله، يقول: أنا أفعل مثله.

وسألت: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمتَ أن لا.

لا يتهمونه بالكذب.

فعرفتُ أنه لم يكن لِيَدَع الكذب على الناس ويَكْذب على الله. وسألتك: هل كان مِن آبائه مِن مَلِكٍ؟

هل كان أحد آبائه ملكًا؟

فزعمت أن لا. فقلتُ: لو كان مِن آبائه ملكٌ قلتُ: يطلب مُلْكَ آبائه.
وسألتك: هل أشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.

أول من يتبع الرسل هم الضعفاء، ضعفاء الناس، وقد يكون بعض الكبراء، لكنهم أقل.

وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون، فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حين يتم.

يعني: حينما يستقر ويرسخ في القلب.

وسألتك: هل يرتد أحدٌ سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمت أن لا. قال: فكذلك الإيمان حينما تُخالط بشاشتُه القلوبَ لا يَسْخطه أحدٌ، وسألتك: هل يغدر؟ فزعمتَ أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون.

وأغفل كلام أبي سفيان : نحن في عهدة، هدنة، ونخشى غدره؛ لأنه عَرَف أنه يريد أن يأخذ شيئًا على الرسول.

قال:

وسألتك: هل قاتلتموه وقاتلكم؟ فزعمت أنه قد فعل، وأن حربكم وحربه تكون دُوَلًا ويُدال عليكم المرة وتُدالون عليه المرة الأخرى، وكذلك الرسل تُبتلى وتكون لها العاقبة.

يعني: يا معشر القريش، ستكون العاقبة للرسول عليكم في حروبكم معه.

هذا كلام رجلٌ عالم في الدين المسيحي، ويعرف الكتب السماوية السابقة، قال:

وسألتك: بماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة.
قال: وهذه صفةُ نبيٍّ قد كنت أعلم أنه خارج.

يعني: هذا -الذي- موجود في التوراة والإنجيل التبشير برسول الله في مواضع كثيرة.

قد كُنت أعلم أنه خارج، ولكني لم أعلم أنه منكم، وإن يَكُ ما قلت حقًّا فيُوشك أن يملك موضع قدميَّ هاتين.

لأنه في كتبهم في النصوص: أن يملك الشام مع غيرها من بلاد الله.

أن يملك موضع قدميَّ هاتين، ولو أرجو أن أَخْلُص إليه لَتَجشَّمت لقاءه.

يعني: لشددت إليه ولقيته.

ولو كنت عنده لغسلت قدميه.

كلمة عظيمة كَبَت بها المشركين الذين كانوا حوله.

نص كتاب النبي إلى هرقل

قال أبو سفيان: ثم دعا بكتابِ رسول الله فَقُرِئ.

الذي جاء به دحية الكلبي .

فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمدٍ عبدِ الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلامٌ على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلِم تسلم، وأسلِم يُؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأرِيسِيِّينَ.

هي كلمات بمعنى: الفلاحين، لكن يقصد بها عامة الروم.

وقرأ قول الله تعالى:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:64].
قال أبو سفيان: فلما  أن قضى مقالته عَلَتْ أصوات الذين مِن حوله مِن عظماء الروم، وكَثُر لغطهم.

كلامهم؛ يعني: اعترضوا على هرقل: كيف يمدح الرسول ويُبيِّن أنه صادقٌ ودعوته صادقة.

وكثر لغطهم، فلا أدري ماذا قالوا، وأُمِر بنا فأُخرجنا. قال: فلما أُخرجت مع أصحابي وخلوت بهم، قلت لهم: لقد أَمِر أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ هذا مَلِك الروم يخافه.

وهذا -ابن أبي كبشة- جَدٌّ قديم للرسول كان يُلَقَّب بهذا اللقب.

هذا ملك بني الأصفر يخافه. قال أبو سفيان: والله ما زلتُ ذليلًا مستيقنًا بأن أمره سيظهر حتى أدخل الله قلبي الإسلام وأنا كاره[8].

وسيأتي ذلك في فتح مكة.

وهذا الحديث العظيم فيه بعض دلائل النبوة؛ فهو يُفيد بأن أهل الكتاب يعرفون النبي  جيدًا بصفاته، وأنه سيُبعث، وسينتشر دينه في الأرض.

وفيه دلالة على علم هرقل ملك الروم؛ ولأنه سأله عن هذه الأشياء الكثيرة التي هي مُطابِقة للواقع وظهر أنه كما أخبر بها.

كتاب النبي إلى كسرى ملك الفرس

وننتقل إلى خبرٍ آخر في: إرسال الرسول خطابًا آخر إلى كسرى ملك الفرس.

ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري كتابَ رسول الله إلى كسرى ملك الفرس بإسناده عن محمد بن إسحاق:

عن يزيد بن حبيب قال: وبعث عبدالله بن حُذَافة بن قيس بن عَدِيٍّ مِن بني سهم.

قرشي.

إلى كسرى بن هرمز ملك فارس، وكتب معه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلامٌ على من اتَّبع الهدى وآمَن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
أدعوك بدعاية الإسلام؛ فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة؛ لأُنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.

قال:

فلما قرأه مزَّقه.

يعني: كسرى مزَّق كتاب النبي .

وقال: يكتب إليَّ وهو عبدي؟!

فرقٌ عظيم بينه وبين هرقل؛ لأن هذا مجوسي من عُبَّاد النار، وليس من أهل الكتاب.

إرسال كسرى إلى باذان والي اليمن

قال:

ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن.

باذان هذا من الفرس، وقد أرسله كسرى على اليمن، واستولوا على اليمن، وأصبح حكام اليمن من الفرس، وباذان هذا هو حاكم اليمن من الفرس.

ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن: أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جَلْدين قويين فَلْيَأْتِيَانِي به.

يعني: متكبر، هذا الكبر بلغ إلى هذا الحد.

قال:

فبعث باذان قَهْرَمَانَهُ وهو بَابَوَيْه -وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس- وبعث معه رجلًا من الفرس يقال له "خرخسره"، وكتب معهما إلى رسول الله يأمره بأن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبَابُويه: ائْتِ بلد هذا الرجل وكلِّمه وأْتِنِي  بخبره.
فخرج حتى قدم الطائف، فوجد رجالًا من قريش في أرض الطائف، فسألهم عنه، فقالوا: هو بالمدينة. واستبشروا بهما وفرحوا، وقال بعضهم لبعض: أبشروا؛ فقد نَصَب له كسرى ملك الملوك؛ كُفيتم الرجل.

يعني: قد اهتم بأمره ملك الفرس.

فخرجا حتى قَدِما على رسول الله ، فكلمه بَابُويَه، قال: إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيك به، وقد بعثني إليك لتنطلق معي، فإن فعلت كتبت فيك إلى ملك الملوك بما ينفعك ويَكُفُّه عنك.

يعني: يكتب إلى كسرى.

وإن أبيت فهو مَن قد علمت.

يعني: كسرى، فهو مهلكك، ومهلك قومك، ومخربٌ بلادك.

ودخلا على رسول الله  وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما.

يعني طويلة.

فكَرِه النظر إليهما، ثم أقبل عليهما، فقال: ويلكما! مَن أمركما بهذا؟!.

أن تحلقا لحاكما، وتتركا شواربكما طويلة.

قالا: أمرنا بهذا ربنا.

يعنيان كسرى، يريدان كسرى.

فقال: رسول الله : لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي، وقص شاربي، ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غدًا[9].

خبر مقتل كسرى ومعجزة النبي

وأتى رسولَ الله   الخبرُ من السماء.

نزل عليه الوحي من السماء.

أن الله قد سلَّط على كسرى ابنَه شِيرُويَه فقتله في شهر كذا وكذا من الليل.

يعني: جاء الخبرُ رسولَ الله بأن كسرى الذي بعث له ليأخذاه إليه قتله ولده شِيرُويَه، وجاء في الخبر التحديدُ؛ تحديد اليوم: كذا وكذا، حتى تحديد ساعة من الليل، بعدما مضى من الليل سَلَّط الله عليه ابنه شِيرُويَه فقتله.

قال:

فدعاهما فأخبرهما بذلك.

أخبرهما أن كسرى قُتل، وقتله ولده، وتملَّك بعده.

فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقِمنا عليك ما هو أيسر من هذا، أفنكتب هذا عنك؟ قال: نعم، أفنخبر الملك؟ قال: نعم، أَخْبِرَاه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ مُلْكَ كسرى، وينتهي إلى منتهى الخُفِّ والحافر.

يعني: إلى المشرق والمغرب.

وقولا له: إنك إن أسلمت...

يعني: قولا لباذان ملك اليمن.

إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملَّكتُك على قومك من الأبناء.

الأبناء: هم أبناء فارس الذين يحكمون اليمن، يعني: جعلتكم حكام اليمن.

ثم أعطى خرخسره..

الذي يُرافق لهذا الرجل.

منطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها إليه بعض الملوك.

إسلام باذان والي اليمن ومن معه

فخرجا مِن عنده حتى قدما على باذان ملك اليمن الفارسي، فأخبراه، فقال: والله ما هذا بكلام ملك.
يعني: كلام نبي، وإني لأرى الرجل نبيًّا كما يقول، ولننظرن ما قد قال: فلئن كان هذا حقًّا ما فيه كلام إنه لَنَبيٌّ مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
فلم يَنْشَب باذان..

أي: إنه بعد مدةٍ قليلة.

أن قَدِم عليه كتاب شِيرُويَه.

الابن الذي قتل أباه كسرى.

فقال:

أما بعد، فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس؛ لِمَا استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم.

يعني: حبسهم في ثغورهم.

فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قِبَلَك، وانظر إلى الرجل.

يقصد الرسول .

وانظر إلى الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تُهِجْهُ.

لا تعمل شيئًا ضده.

حتى يأتيك أمري. فلما انتهى كتاب شِيرُويَه إلى باذان، قال: إن هذا الرجل..

يعني: رسول الله .

إن هذا الرجل لرسولٌ. فأسلَمَ وأسلمت الأبناء معه من فارس.

الذين كانوا يحكمون اليمن.

مَن كان منهم في اليمن، فكانت حِمير تقول لِخرخسره الذي كان مع هذا الرجل: "ذو المعجزة".

يعني: المنطقة التي أعطاه رسول الله .

وقد قال بابُويَه لباذان: ما كلمتُ رَجُلًا قَطُّ أَهْيَبَ عندي منه.

أهيب من الرسول .

فقال له باذان: هل معه شُرَطٌ؟ قال: لا[10].

الدروس والعبر المستفادة

ففي هذا الخبر مَثَلٌ من غطرسة مَلِك الفرس كسرى وتجبُّره؛ حيث مزق كتاب النبي ، ووصفه بأنه أحد عبيده، وكلَّف باذان ملك اليمن التابع له بإحضاره إليه.

وكان من نتائج ذلك أن دعا عليه رسول الله بأن يُمزِّق الله ملكه، فاستجاب تعالى دعوته، حيث ثار عليه ابنه فقتله.

ثم استولى المسلمون بعد ذلك على جميع ممالك الفرس، دولة الفرس انتهت كلها في عهد عمر بن الخطاب إلى حدود الصين، وإلى حدود بحر قزوين الذي هو جنوب روسيا الآن، كل هذه كانت بلاد فارس، كلها انتهت وفُتحت في عهد عمر بن الخطاب .

وقد حدثت معجزةٌ للنبي كانت سببًا في تحول ملك اليمن عن تلك المهمة التي من أجلها بَعث الرسولين، انتهت هذه المهمة إلى الدخول في الإسلام، فدخلوا في الإسلام.

وأكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.

مختارات من السنة النبوية

وننتقل بإذن الله تعالى إلى الدرس الآخر في مختاراتٍ من السنة النبوية.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد ، وآله وصحبه أجمعين.

هذا الموضوع الذي سأتحدث عنه، وفيه مختاراتٌ من أحاديث رسول الله ، مختاراتٌ من أحاديث التربية والتعليم:

الخيرية في الفقه في الدين

قال رسول الله : من يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، أخرجه الشيخان -الشيخان إذا مَرَّا فهما البخاري ومسلم رحمهما الله- من حديث معاوية [11].

ربطَ النبي في هذا الحديث بين الخير والفقه في الدين: من يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، وهذا يعني: أن كل مسلمٍ لا بد له إذا أراد أن يكون خيِّرًا: أن يختار لنفسه أن يكون عنده نسبةٌ من الفقه في الدين.

وليس معنى هذا أن كل المسلمين يكونون علماء، لا، هناك علماء متخصصون، وهناك طلابُ علم، وهناك مستمعون يأخذون ما يكفيهم من العلم لتطبيق هذا الدين، فكل هؤلاء يدخلون في هذا الحديث: العلماء، وطلاب العلم، والذين يتفقهون فيما يكفيهم لتطبيق الإسلام، يدخلون في هذا الحديث.

التفقه في الدين على نوعين:

الأول: التفرغ لدراسة الدين، وهذا لا يكون لأبناء الأمة عامة، وإنما يتوافر لعلماء الدين.

والثاني: دراسة ما يكفي المسلم لأن يعبد ربه على بصيرة، وأن يُعامل الناس على منهج الإسلام، هذا لا بد أن يفقهه كل مسلم.

من لم يحصل له هذا القدر الضروري من العلم الديني، فإنه قد يكون قد فقد الخيرية؛ لأنه إذا عَبَد الله على جهل، أو تعامل مع الناس على غير منهج الإسلام؛ يكون قد ارتكب بعض المآثم.

ليس المقصود في الحديثِ النوعُ الأول فقط؛ لأن "مَن" الشرطية مِن أدوات العموم: مَنْ يُرِد الله به خيرًا، فلا يختص الحديث بالعلماء، وإنما يدخلون فيه دخولًا أوليًّا، وعلى قدر التفقه في الدين يكون قَدْر الخيرية والفضل.

أثر الاشتغال في العلم في النجاة

عن أبي هريرة  قال: سمعت النبي يقول: اغْدُ عالمًا هذه واحد، أو متعلمًا هذا الثاني، أو مستمعًا هذا الثالث، أو مُحِبًّا لأهل العلم، ولا تكن الخامسة فتهلك. الغُدُوُّ: الإسراع في الأمر. رواه الطبراني والبزار، وقال الحافظ الهيثمي: "رجاله موثقون"[12].

فيه مسائل:

الخصلة الأولى: بيان الخصلة الأولى من صفات الخير: وهي تعليم العلم النافع: اغْدُ عالمًا يعني: تُعلِّم الناس العلم. والعلم النافع: هو ما جاء في الكتاب والسنة وما يدور حول هذين المصدرين من كلام العلماء.

الخصلة الثانية: بيان الخصلة الثانية: وهي تعلُّم العلم النافع الذي سبق ذكره، وهو الذي يُوصل إلى الهدف الأعلى، وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة.

الخصلة الثالثة: هي استماع العلم النافع، يعني: الذين يحضرون دروس العلماء؛ إما طلابٌ مواظبون يحضرون دائمًا ويتعلمون العلم ومعلوماتهم تُبنى بعضها على بعض. وإما مستمعون، وهذا فيه خيرٌ، حتى المستمعون مثل: الذين يأتون للصلاة في المسجد الحرام، فيجلسون يستمعون إلى الذكر والعلم، هؤلاء مستمعون، وهم من أهل الخير إن شاء الله، وهو استماع العلم النافع، وذلك بحضور مجالس العلماء وسماع دروسهم ومواعظهم.

الخصلة الرابعة: بيان الخصلة الرابعة: وهي حب العلم الديني، وحب العلماء، وحب طلاب العلم، يعني: أن يكون لدى المسلم محبةٌ للعلم الديني وللعلماء ولطلاب العلم.

ومن نتائج هذا الحب: ما يقوم به المحسنون من تخصيص معوناتٍ للعلماء وطلاب العلم، ومِن طباعة الكتب الدينية، وتمويل وسائل الإعلام الخاصة بنشر العلم الديني، هؤلاء كلهم ممن يُحب العلم الديني وأهله.

الخصلة الخامسة: هي كراهية الدروس والمواعظ الدينية واستثقالها، فصاحب هذه الخصلة قد حكم عليه النبي بالهلاك.

والمراد بالهلاك هنا: هو خسارة السعادة الكاملة في الآخرة؛ لأنه قد خسر ثواب تعلم العلم واستماعه ومحبته.

نماذج من المعروف

عن جابر بن عبدالله  قال: قال رسول الله : كُلُّ معروفٍ صدقة، وإنَّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُفْرِغ مِن دَلْوِكَ في إناء أخيك. أخرجه الحافظ الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني، رحمهما الله، وأخرج الإمام البخاري أوله[13].

فيه مسائل:

الأولى: حيث إن الصدقة قد اشتهر ثوابها، يعني: المسلمون كلهم يعرفون ثواب الصدقة؛ لكثرة الآيات والأحاديث التي تَحُثُّ على الصدقة بالمال؛ حيث إن الصدقة قد اشتهر ثوابها، فإن النبي يُعمِّم إطلاق الصدقة على كل معروفٍ يبذله المسلم لإخوانه المسلمين.

فهذا الكلام فيه تقييمٌ لأعمال الخير، يعني: كُلُّ من قام بعمل معروف للناس كأنما تصدق عليهم من ماله.

إن إطلاق الصدقة على كل ما يبذله المسلم من المعروف فيه فتحُ أبوابٍ كثيرة لفعل الصدقات لمن لا يملكون المال الذي يتصدقون به، يعني: الفقراء يستطيعون أن يتصدقوا، لا بالأموال، لكن بفعل الخير، الإحسان، بذل المعروف، خدمة المسلمين؛ كلها صدقات هذه.

فلا ينبغي أن يقول: ما عندنا مالٌ نتصدق، لا، أنت ابذل المعروف، واخدم المسلمين وساعدهم في أمور حياتهم؛ تكون قد قدمت صدقات جليلة.

ذَكَر النبي أن من المعروف: أن تلقى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ[14]، مبتسِّمًا.

وفي حديث آخر: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة[15]، سهلٌ جدًّا، يعني تستطيع أن تتبسم عشرات المرات في اليوم، وكل مرة تأخذ صدقة، إذا دخلت المسجد سَلِّم على كل من تراه وابتسم، فقط إذا ابتسمت تأخذ صدقة، نعمة كبرى هذه: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة، بخلاف الذي يعبس ويقطب جَبِينه في وجه أخيه، هذا يأثم: تبسُّمك في وجه أخيك صدقة.

وهذا مدخلٌ كبيرٌ للتألف والتآخي بين المسلمين؛ فإن المسلم حين يلقاه أخوه المسلم بوجهٍ بَشُوش تعلوه الابتسامة فإنه يُقبِل عليه وتترسخ الأخوة الإسلامية بينهما.

ذَكَر النبي في هذا الحديث أيضًا: أن من المعروف أن يُفرِغ المسلم مِن دلوه في إناء أخيه، وهذا تعبيرٌ عن التراحم والتكافل، وفي خدمة المسلمين بعضهم بعضًا، وهذا مثالٌ لكل الخدمات التي يمكن أن يقدمها المسلم لأخيه المسلم، فليس الدلو -انتهى، هذا قديمًا كان الدلو- موجودًا، الآن هناك خدمات أخرى كثيرة يمكن أن يُقدِّمها المسلم لأخيه المسلم فيحصل على أجر الصدقة.

فضيلة قضاء حوائج الناس

عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : ما من عبدٍ أنعَمَ الله عليه نعمةً فأسبغها عليه، ثم جَعَل من حوائج الناس إليه فتَبَرَّمَ يعني: ابتعد عن خدمة الناس ولم يلتفت لهم فقد عَرَّض تلك النعمة للزوال. رواه الطبراني في "معجمه الأوسط"، وقال الهيثمي: "إسناده جيد"[16].

فيه مسائل:

الأولى: فيه ربطٌ محكم بين ثبات نعمة الله جل وعلا على الإنسان، وبين قضاء حوائج الناس، تريد أن تستمر نعمة الله عليك؛ قم بقضاء حوائج الناس، فإن هذا يجعل نعمة الله تستمر عليك.

الثانية: النعمة تشمل كل أنواع النعم، فمن ذلك:

نعمة المال، وإنَّ شُكْر هذه النعمة يكون بالعطف على الفقراء والمصابين بالكوارث، إذا أُصيب إخوانك المسلمين بكوارث، بجوائح، بفقر، بمشكلات، أَنْعِم عليهم بالعطاء من مالك؛ فإن هذا سببٌ لاستدامة هذه النعمة.

من النعم: نعمة الجاه، الآن ذكرتُ نعمة المال، الآن نعمة الجاه من النِّعم. نعمة الجاه: أن يكون الإنسان ذا سمعة، ذا شرف، ذا جاه بين الناس، له منصب كبير أو معروف عند الناس ويحترمونه.

وإنَّ مِن شُكْر هذه النعمة أن يبذل صاحبها جاهه في الشفاعة لقضاء حوائج الناس من غير إضرارٍ بالآخرين. وإن من شكر هذه النعمة، أن يبذل صاحبها جاهه في الشفاعة لقضاء حوائج الناس من غير إضرار بالآخرين، يعني: إذا منَّ الله عليك بالشرف والمكانة والمنزلة؛ ساعد إخوانك المسلمين إذا كانوا لا يستطيعون أن يَصِلوا إلى مديرٍ، صاحبِ منصبٍ، لهم غرض، عنده خبر، ساعِدْهم واشفعْ لهم لقضاء حوائجهم، ويكون لك هذا الأجر الكبير وتسلم من أن تتعرض نعمتك للزوال.

فضل تعلم العلم وتعليمه

مما جاء في ذلك عن رسول الله قوله: مَن سلك طريقًا يبتغي به علمًا؛ سلك الله به طريقًا إلى الجنة[17]: فضيلةٌ عُظمى لتعلم العلم.

وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم[18]: الملائكة على عظمتهم يضعون أجنحتهم احترامًا لطالب العلم.

وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء: العالِم: يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، شيءٌ عظيم! الملائكة والإنس والجن، المسلمون من الإنس والجن، حتى الحيتان في جوف الماء، والحيوانات كلها في الأرض.

وذَكَر النبي الحيتان بالذات في جوف الماء؛ لأنها من ناحية الخفاء مختفية؛ ولأنها أكثر شيءٍ، أكثر المخلوقات الحيتان في الماء.

وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب: يعني: في منظر العينِ القمرُ أكبر من جميع النجوم، وإن كان في الحقيقة هناك نجومٌ أكبر بكثير لا بما كان في نظر العين، وهذا المقصودُ به: في نظر عيون الناس، ليس تعبيرًا عن حقيقة الأجرام السماوية.

وفضل العالم على العابد كفضل القمر: يعني: في النور، في صدور النور منه على سائر الكواكب؛ فالقمر نوره يصل إلى الأرض، والكواكب لا يصل نورها إلى الأرض.

وإن العلماء ورثة الأنبياء: هذه فضيلةٌ عظمى للعلماء؛ علماء الشريعة والإسلامية ورثة الأنبياء؛ لأن الأنبياء كانت مهمتهم تعليم الناس ودعوتهم إلى الخير؛ فالعلماء يقومون بهذه المهمة بعد وفاة الأنبياء.

وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظٍّ وافر. أخرجه الحافظ الترمذي من حديث أبي الدرداء ، وصححه الشيخ الألباني، وأخرجه الإمام أحمد وابن حبان[19].

فيه مسائل:

الأولى: فضل العلم الديني، يبدأ فضل العلم الديني من أول مراحل طلب العلم، من حين ما يبدأ طالب العلم فهو في فضل، وإذا أراد بذلك وجه الله ​​​​​​​ يُكتب له عملٌ صالح.

الثاني: حفظ الملائكة عليهم السلام بطلب العلم لطالب العلم، حيث تضع أجنحتها تعبيرًا عن رضاها بهذا السلوك الحميد.

الثالثة: رفعة قدْر علماء الإسلام؛ حيث يستغفر لهم الملائكة عليهم السلام وأهل الأرض، حتى الحيتان في جوف الماء، إذا كان العابد قد بلغ منزلةً عالية عند الناس؛ ولذلك الرسول مَثَّل بالعابد لأن العابد له منزلة كبيرة عند الناس، فإذا كان العابد قد بلغ منزلةً عالية عند الناس فإن العالم الذي استنار قلبه بعلمه فاستقام وأفاد بعلمه المسلمين يزيد فضله على فضل العابد بقَدْر زيادة نور القمر ليلة البدر على نور سائر الكواكب.

المسألة الرابعة: بيان فضيلة العلماء، وأن فضلهم لا يُدانيه فضل، وهو أنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وميراثهم: هو العلم الذي لا تُساويه الدنيا بأسرها.

وسيأتي بيانٌ لميراث العلماء للأنبياء في حديث آخر بإذن الله.

والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

^1, ^3 رواه البخاري: 4905، ومسلم: 2584.
^2 سبق تخريجه.
^4 رواه مسلم: 2782.
^5 رواه البخاري: 4906.
^6 رواه البزار في "مسنده": 7978، وابن حبان في "صحيحه": 771، والطبراني في "الأوسط": 229، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان": 429.
^7 رواه ابن هشام في "السيرة": 2/ 290- 293، والطبري في "التاريخ": 2/ 605- 608، وابن كثير في "السيرة النبوية": 3/ 298- 301.
^8 رواه البخاري: 2940، ومسلم: 1773.
^9 رواه الطبري في "تاريخه": 2/ 654- 656.
^10 رواه الطبري في "التاريخ": 2/ 654- 657.
^11 رواه البخاري: 71، ومسلم: 1037.
^12 رواه البزار في "مسنده": 3626، والطبراني في "المعجم الأوسط": 5171، والبيهقي في "شعب الإيمان": 1581، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 1/ 127: رجاله موثقون.
^13 رواه الترمذي: 1970، وأحمد: 14877، وقال الترمذي: "حسن صحيح". وروى أوله: البخاري: 6021، ومسلم: 1005.
^14 رواه مسلم: 2626.
^15 رواه الترمذي: 1956، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 2908.
^16 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط": 7529، وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان": 1/ 215، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 195: إسناده جيد.
^17 رواه مسلم: 2699.
^18, ^19 رواه أبو داود: 3641، والترمذي: 2682، وابن ماجه: 223، وأحمد: 21715، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 70.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©