تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. سليمان بن وائل التويجري
فضيلة الشيخ د. سليمان بن وائل التويجري

باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان- من قوله ﷺ: إن الله زوى لي الأرض.."

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد:

تتمة باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

ففي "كتاب التوحيد الذي هو حق الله تعالى على العبيد"، كنا نتكلم في الباب الذي عنون له المؤلف رحمه الله بقوله:

باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان

وساق الآيات والأحاديث في هذا المعنى.

ثم ساق حديثًا عند الإمام مسلمٍ رحمه الله:

عن ثوبان رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال: إن الله زَوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمَّتي سيبلغ ملكُها ما زُوي لي منها، وأُعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمَّتي أن لا يُهلكها بسَنَةٍ بعامةٍ، وألا يُسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرد، وإني أعطيتك لأمَّتك: ألا أهلكهم بسَنَةٍ بعامةٍ، وألا أُسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسْبِي بعضهم بعضًا [1].
ورواه البَرْقاني في "صحيحه" وزاد: وإنما أخاف على أمَّتي الأئمة المضلِّين، وإذا وقع عليهم السيف؛ لم يُرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيٌّ من أمَّتي بالمشركين، وحتى تَعبد فئامٌ من أمَّتي الأوثان، وإنه سيكون في أمَّتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمَّتي على الحق منصورةً لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى [2].

دلائل النبوة المذكورة في الحديثين

هذا حديثٌ عظيمٌ اشتمل على عددٍ من المسائل، كل واحدةٍ منها تدل على عَلمٍ من أعلام نبوة النبي ، وهذا من الأحاديث الصحيحة، فقد ثبت عند مسلمٍ رحمه الله في "باب هلاك هذه الأمَّة بعضهم ببعض" [3].

قوله: "عن ثوبان ".

ثوبان هو مولًى من موالي النبي ، وقد أعتقه وظل في خدمته، وبعد وفاة النبي استقر بالشام، حتى تُوفي سنة (54 هـ)، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

انتشار الإسلام

الرسول يُخبر أن الله تبارك وتعالى زَوَى له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها، وأن أمَّته سيبلغ ملكها ما زُوِي له منها.

هذه مسألةٌ من المسائل المعجزة التي تدل على صدق نبوة الرسول ، فإنه رأى الأرض التي سيصل إليها الإسلام، بحيث إن الله تعالى أطلعه على ذلك، فرأى إندونيسيا، ورأى الصين، ورأى المغرب، ورأى ما وصل إليه الإسلام في جميع أنحاء الأرض، وهذا من كرامات النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فليس هناك في ذلك الزمن لا تلفزيوناتٌ، ولا قنواتٌ فضائيةٌ، ولا غيرها، ومع هذا رأى النبي بأمِّ عينيه رؤيةً حقيقيةً هذه الأشياء.

كما أنه أُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء السابعة، وجاء وأخبر عما رأى، وأن المشركين لما بلغهم خبر رسول الله ؛ كذَّبوه وقالوا: نريد أن نختبره، فسألوه عن بيت المقدس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: رُفع لي بيت المقدس، فرأيته وصرت أصفه للمشركين، فلم يجدوا ثغرةً يدخلون منها للتكذيب [4].

كذلك هذه المسألة، فإن الله تعالى زوى له الأرض، أي: قارَب بينها وجمعها، حتى إنه تمكَّن رسول الله من رؤية البعيد كرؤية القريب، وهذا أمرٌ ليس من الأمور السهلة ولا العادية في ذلك الزمن؛ حيث إنه لم يكن هناك وسائل تواصلٍ مثلما هو موجودٌ الآن.

يقول:

فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها.

فانتشار الإسلام ووصوله إلى ديارٍ كثيرةٍ بعد وفاة رسول الله في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ومن جاء بعدهم، وحتى في يومنا هذا البلاد التي دخلها الإسلام وصار أهلها من أهل الإسلام هي مما رآه رسول الله .

مجيء الكنوز لأمته

المسألة الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام:

أُعطيتُ الكنزين: الأحمر والأبيض.

المراد بالأحمر والأبيض: هما الذهب والفضة، والمراد بالكنزين: أي ما عند فارس وما عند الروم، فالروم يَكثر عندهم الذهب: الأحمر، وفارس يكثر عندهم الفضة: الأبيض.

وقد تحقق هذا الأمر في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ؛ حيث إنه كَسَّر كِسرَى، وقَصَّر قيصر، وجاءت كنوز تلك البلاد إلى عمر في المدينة، ومنها تيجان أولئك الملوك، وأُنفقت في سبيل الله ​​​​​​​ على المجاهدين لإعلاء كلمة الله تعالى، وهذا من معجزات نبوة النبي ، وقد دانت هذه البلاد للإسلام وصارت من بلاد الإسلام.

عدم هلاك الأمة بسَنَةٍ عامَّةٍ

ثم ذكر المسألة الثالثة قال:

إني سألت ربي لأمتي ألا يُهلكها بسَنَةٍ بعامَّةٍ.

المراد بالسَّنَة، يعني: الجَدْب والقَحْط؛ كما جاء في قوله تعالى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ [الأعراف:130].

فالنبي عليه الصلاة والسلام دعا ربه ألا تهلك أمَّته بالجدب، والمراد بـ"عامَّةٍ"، يعني: مَهلكةٍ عامةٍ؛ بحيث يكون الهلاك جماعيًّا، وإن وقع في بعض البلاد؛ فإنه لا يكون عامًّا.

عدم استئصال أمته بعدوٍّ

والأمر الآخر:

ألا يُسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم.

ومعناه: ألا يُسلِّط عليهم عدوًّا كافرًا، فالعدو هو ضد الولي، والعدو للإسلام لهذه الأمة: هو الكافر، وليس بين المسلمين عداوةٌ، وإن وُجدت فهي معصيةٌ بين أفرادهم يجب عليهم التوبة منها والاجتماع بمقتضى الأخوة الإيمانية؛ لقول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10]، فأخوَّة الإيمان تفرض على أهله اجتماع الكلمة ووحدة الصف وعدم الاختلاف، وما يقع من نزاعٍ أو خصامٍ يُحَلُّ بالقنوات المتاحة من المحاكم ونحوها التي تَفصل النزاع بين المتخاصمين، ولا تتحول إلى عداوةٍ، وليس للإنسان أن يستحِلَّ من أخيه المؤمن أي حقٍّ ليس له؛ فلا يَحِلُّ مال امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيب نفسٍ منه.

وقد أعلن النبي بعَرَفَةَ في حجة الوداع وقال: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فاشهد [5].

فأمَّة الإسلام لا بد أن تكون كلمتها واحدةً، وإذا شَذَّ أحدٌ؛ فإنه يُرَدُّ إلى الصواب، وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا [الحجرات:9]، هذا هو نظام الإسلام.

النبي سأل ربه ألا يُسلِّط على أمَّته عدوًّا خارجيًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم.

يستبيح بيضتهم، الأصل في البيضة: هي ما يُوضع من وقايةٍ للرأس؛ ليتَّقي بها السهام والسيوف والرماح، والمراد: ألا يكون هناك عدوٌّ يغلبهم ويتسلَّط عليهم.

القضاء الكوني والشرعي

يقول عليه الصلاة والسلام:

وإن ربي قال: يا محمد.

عليه الصلاة والسلام.

إني إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرَدُّ، وإني أَعطيتك لأمّتك ألا أُهلكهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ، وألا أُسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسْبِي بعضهم بعضًا.

قول الرسول : إن الله تعالى قال له:

إني إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرَدُّ.

القضاء نوعان:

  • قضاءٌ شرعيٌّ.
  • وقضاءٌ كونيٌّ.

فالقضاء الكوني: هو الذي لا بد أن يقع، وهي الإرادة الكونية، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون، ولا يقع في ملك الله إلا ما أراده الله جل وعلا، فلا رَادَّ لحكمه، ولا معقِّب لقضائه.

وأما القضاء الشرعي: فهو أمر الله بفعل الطاعات، ونهيه عن فعل المحرمات؛ كتحريمه للزنا، وتحريمه للخمر، وتحريمه للسرقة، وتحريمه للغيبة، فهذا قضاءٌ شرعيٌّ، وكأمره بالصلاة، وأمره بالزكاة، وأمره بالصيام، وأمره بالبر، وأمره بالإحسان، وأمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه أوامر شرعيةٌ، والله تعالى أمر بها وطلب منا أن ننفِّذها، فمن نفَّذها؛ حاز على أجرها وثوابها، ومن خالف ذلك؛ فالويل له، فالعقاب قد أُعِدَّ له.

معنى: إني إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرَدُّ

والمراد بقوله جل وعلا لنبيه : إني إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرَدُّ، المراد به: الأمر الكوني، فإنه لا بد أن يقع، وكذلك الأمر الشرعي لا بد أن يُلتزَم به، ومن لم يَلتزم به فهو الذي يجني على نفسه؛ كما جاء في قوله تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:20]، فقضاء الله تعالى كله حقٌّ، سواءٌ أكان شرعيًّا أم كونيًّا.

ومن القضاء الشرعي: قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، فالله تعالى قضى وحكم بلزوم العبادة له وحده دون سواه، وأيضًا حكم بلزوم البر بالوالدين والإحسان إليهما، ومن خالف ذلك فإنه يتحمل العقاب.

وأما القضاء الكوني: فكما جاء في قوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]، بمعنى: أن هذا لا بد أن يقع، فلا بد أن يقع من بني إسرائيل الفساد في الأرض، وهذا مَرَّتَيْنِ من المسائل العظام التي يُفسدون فيها في الأرض فسادًا عظيمًا، وقد وقع هذا.

وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]، أي: يكون منكم تكبُّرٌ وتجبُّرٌ وفسادٌ كبيرٌ في الأرض، وقد وقع، وكما هو يقع الآن، فإن الفساد من هذين النوعين من المشركين والكفار ما يزال موجودًا ويتطاولون على عباد الله.

والله تبارك وتعالى بالمرصاد لا يتركهم، ولكنه يُعاقبهم على فسادهم، كما حصل في المرتين السابقتين، وقال جل وعلا: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]، وقد عادوا ووقع لهم العقاب، وشُرِّدوا في الأرض شَرَّ تشريدٍ.

وقوله تعالى: فإنه لا يُرَدُّ، بمعنى: أنه من كمال سلطان الله تبارك وتعالى وقدرته وربوبيته: لا يستطيع أحدٌ أن يمنع قدر الله تعالى وأمره من أن يقع؛ لأنه تعالى هو المالك لهذا الكون، وهو المدبر وحده دون شريكٍ، وهو الذي ينفذ أمره، إذا قال: كن، فإنه يكون، ولا رادَّ لحكمه ولا معقِّب لقضائه.

والمقصود بقوله: إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرَدُّ: بيان أن مِن الأشياء التي طلبها النبي ما لم يُعطَها؛ لأن الله تعالى قضى بعلمه وحكمته هذا الأمر، ولا يمكن أن يُرَدَّ ما قضاه الله ​​​​.

هل القضاء يتأثر بالدعاء؟

وهنا مسألةٌ: وهي أن القضاء قد يتوقف على الدعاء، بل إن كل القضاء أو أكثر القضاء له أسبابٌ إما معلومةٌ أو مجهولةٌ، فدخول الجنة لا يمكن إلا بسببٍ يترتب دخول الجنة عليه، وهو الإيمان والعمل الصالح، كذلك حصول المطلوب قد يكون الله تبارك وتعالى منعه؛ حتى نسأله، لكن من الأشياء ما لا تقتضي الحكمة وجوده، لا يُجيب الله تعالى دعاء السائل، وحينئذٍ يُجازَى الداعي بما هو أكمل مما طلب، أو يُؤخَّر له ويُدَّخر عند الله جل وعلا.

ولهذا قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]، فالذي يصبر على البلاء ويحتسب ذلك عند الله ​​​​​​​ يكون له من الأجر والثواب أكثرُ وأغنى وأحفظ وأجلُّ وأكبر مما طَلب، أو يَصرف الله تبارك وتعالى عن الإنسان من السوء ما هو أعظم مما كان حالًّا به فيندفع بذلك عنه. 

موسى  لما ركب السفينة مع الخضر ؛ خرقها الخضر، والأولاد الذين يعملون على هذه السفينة ستكون مشاعرهم الألم والحسرة والغضب على هذا الذي أفسد عليهم سفينتهم، لكنْ رَدَّ الخضر على موسى عليهما السلام: قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا [الكهف:72]، ولما انتهت الرحلة؛ قال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ۝ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف:78-79]، يعني: كل سفينةٍ صالحةٍ سليمةٍ، يأخذها غصبًا عن أصحابها، وأنا أردت أن تبقى هذه السفينة لأصحابها، فإذا رآها هذا الظالم مخروقةً؛ لا يأخذها، ويتركها معهم فينتفعون بها، وهذا في معلومات الناس وفي مدارك بعض الناس، فكيف بالعليم الخبير الحكيم الذي يعلم الغيب وأخفى.

يقول الله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام:

وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسَنَةٍ بعامَّةٍ.

هذه واحدةٌ: ألا تهلك هذه الأمة بالجَدْب هلاكًا جماعيًّا، منطقةٌ قد يأتيها جدبٌ، والمناطق الثانية يكون فيها خِصبٌ ورَغَدٌ وخيراتٌ وأمطارٌ.

لكن أن يعم هذا، فهذا لا يقع، وهذا وعد الله، ومنذ ذلك الوعد إلى اليوم لم يحصل، قد يقع في منطقةٍ من المناطق، أو بلدٍ من البُلدان، لكنه لا يقع في كل البلاد.

والمسألة الثانية:

وألا أُسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها.

يقول الله تعالى: أنا أيضًا أُعطيك أن أمَّتك لا يفترسهم العدو افتراسًا جماعيًّا، ويُهلكهم ويستبيح بيضتهم، هذا لا يقع، إلا إذا هم فَسَدوا فيما بينهم.

يقول:

حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا.

حينئذٍ يتدخل العدو ويلعب بهم، أما إذا صاروا مجتمعين، وليس بينهم نزاعٌ، ولم يعتدِ بعضهم على بعضٍ، فهم في حفظ الله، لا يقع عليهم تسلُّط العدو الأجنبي، والمراد به الكافر ما داموا مجتمعين، وإذا وُجد بينهم الخصام والنزاع والقتال، وصار بعضهم يَسبي بعضًا، وبعضهم يقتل بعضًا؛ انفتح المجال للعدو.

تأملوا التاريخ في القديم والحديث وتجدون هذا المعنى واضحًا، إذا أن المسلمين اجتمعوا لا يمكن أن يقترب منهم العدو، وإذا صار بعضهم يتقرب للعدو في سبيل النكاية بأصحابه؛ فإنه حينئذٍ يستغل هذه الفرصة، ويستثمرها للانقضاض على المسلمين، ويركز على العقيدة، يستحل بيضتهم، ويستهين بهم، ويدمر بلادهم، ويبدأ بمساجدهم.

فهذه الإجابة قُيِّدَت بقوله: حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا، حينئذٍ إذا وقع منهم فقد يُسلِّط الله تعالى عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم.

فكأن إجابة الله تبارك وتعالى لرسوله في الجملة الأولى بدون استثناءٍ، وهو ألا يُهلَكوا بسَنَةٍ بعامةٍ.

وأما المسألة الثانية: فإنها باستثناءٍ: حتى يكون بعضهم يُهلك بعضًا، ويَسبي بعضهم بعضًا.

قال الشارح رحمه الله: هذه هي الحكمة من تقديم قوله: إذا قضيت قضاءً؛ فإنه لا يُرَد؛ فصارت إجابة الله تعالى لرسوله مقيدةً بهذا الأمر.

وهذا تنبيهٌ وتأديبٌ لهذه الأمَّة وتحذيرٌ من أن يقعوا في هذا، فهذا فيه المَهلكة، وأنتم سبب الهلاك، فلا تُهلِكوا أنفسكم، فإن وَقَع هلاكٌ؛ فأنتم السبب، لأنكم اخترتموه وفضلتموه على الاجتماع والتلاحم والتعاون والتوحد في الصفوف.

خوف النبي على الأمة من الأئمة المضلين

ثم ذكر الرواية الأخرى التي رواها البَرْقاني في "صحيحه" رحمه الله:

وزاد: وإنما أخاف على أمّتي الأئمة المضلِّين.

الرسول عليه الصلاة والسلام يخاف على هذه الأمة، وهو حريصٌ عليها ومشفقٌ، يريد لها دوام العزة، ولا يريدها أن تتردى في الحضيض، ويخاف عليها من الأئمة المضلِّين.

"الأئمة المضلُّون"، الإمام: هو الذي يُقتدى به، سواءٌ كان عالمًا أو عابدًا أو حاكمًا، يعني: الذي يَقتدي به الناس ويُعجبون به، وينصاعون لأمره ويتبعونه، وقد يكون الإنسان إمامًا في الخير، وقد يكون إمامًا في الشر، فإبليس إمام الشياطين، والله تبارك وتعالى يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]، وقال تعالى عن آل فرعون: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ [القصص:41].

فالأئمة المُضِلُّون: هم الذين يدعون للشر، والذين يُزيِّنون للناس الباطل، والذين يدعون الناس للفساد، والذين يعبدون الله على طريقةٍ غير صحيحةٍ، فما يجعل الناس ينظرون اليه ويعجبون به ويقتنعون برأيه يعتبر إمامًا، سواءٌ أكان داعيةً للخير أو داعيةً للشر.

فالنبي عليه الصلاة والسلام خاف علينا من الأئمة المضلِّين الذين يكونون محل احترام الناس، ومحل تقدير الناس، ومحل ثقة الناس، وهو الغش، وهذا تحذيرٌ من رسول الله من أن يقع الإنسان في هذا الصنف من الأئمة، أو أن يكون ضحيةً من الضحايا تابعًا لهذا الإمام الظالم.

وزلة العالم، أو خطأ الحاكم، أو اجتهاد الإنسان في العبادة على جهلٍ، كلها تُوقع العامة في المهالك؛ لأن الناس قد لا يصل فهمهم وإدراكهم لما عليه هذا الشخص الذي صار على رأس القائمة ومحلَّ اعتبارٍ وتقديرٍ وثقةٍ من الناس.

وهذا تنبيهٌ إلى أن الأمَّة لا بد أن تكون واعيةً، فلا تتبع كل ناعقٍ وداعيةٍ إلى الضلال، وإنما يميزون بين داعي الحق وداعي الفساد؛ فيتبعون دعاة الحق، ويحذرون دعاة الشر والفساد.

وكثيرٌ من الفرق نشأت في بلاد الإسلام في أزمنةٍ قديمةٍ وحديثةٍ؛ بسبب أنه صار لبعض أهل الضلال شأنٌ واستماعٌ لكلامهم، فانزلق فئامٌ من الناس واتبعوهم على ما هم عليه من الضلال؛ فانتشرت البدع، ووقعت المُحدَثات، وانتشر الفساد، وصار بعض الناس يفتخر بأنه يعمل هذا العمل الفاسد، ويُوصف بأنه هو التقدم والتطور، وهو الضلال والعمى في حقيقته.

وقوع القتل في الأمة واستمراره إلى يوم القيامة

ثم قال عليه الصلاة والسلام:

وإذا وقع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة.

إذا وقع عليهم السيف بمعنى: إذا صار في هذه الأمَّة استعمالُ السيف في الضرب بين أبنائها؛ فإنه سيظل إلى يوم القيامة.

أول ما وقع السيف في هذه الأمَّة: في فتنة عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الخليفة الراشد الثالث، فإنه بمقتله انتشرت الفتن، وقام لأهل الباطل شأنٌ، وصار لهم كلامٌ، وتوالت المصائب والفتن -كما أخبر عليه الصلاة والسلام- إلى يومنا هذا، وهذه آيةٌ من آيات رسول الله المعجزة.

ونفس الفتنة التي تَعَوَّلَ بها قَتَلَةُ عثمان -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- موجودةٌ الآن، ولا زال المجتمع يعاني من ويلاتها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ويدَّعون أنهم هم حماة الدين، وأنهم المدافعون عن الشريعة، بينما هم مارقون وخارجون عن الإسلام.

لحوق أقوام من أمته بالمشركين

المسألة الكبيرة: قال عليه الصلاة والسلام:

لا تقوم الساعة حتى يلحق حَيٌّ من أمَّتي بالمشركين.

قوله عليه الصلاة والسلام: حتى يلحق حَيٌّ من أمَّتي، يعني: قومٌ كثيرٌ؛ قبيلةٌ أو جماعةٌ كبيرةٌ، وليس عددًا قليلًا، يرتدُّون عن الإسلام ويتبعون المشركين، ويمارسون الأعمال الشركية التي كان يمارسها أبو جهلٍ وأبو لهبٍ من عبادة الأصنام، وقد وقع؛ صار أناسٌ يذهبون إلى الأضرحة وقبور الصالحين، ويطلبون منهم ما يحتاجون من الأمور التي لا يصلح أن تُطلب إلا من الله، فيطلبون منهم شفاء المرضى، ويطلبون منهم الإصلاح بين الأزواج، ويطلبون منهم الغنى، ويطلبون منهم تحصيل الولد، ويذبحون لهم وينذرون ويتبركون، ويعملون الأعمال التي لا تصلح إلا لله، وهذا مع الأسف وقع! ووقع في عددٍ من البقاع.

عبادة فئامٍ من المسلمين الأوثانَ

قال عليه الصلاة والسلام:

وحتى تَعبد فئامٌ من أمتي الأوثانَ.

حتى تعبد فئامٌ يعني: جماعاتٌ، "الفئام" يعني: الجماعات، "يعبدون الأوثان"، يعني: يعبدون غير الله، و"الوَثَن": هو كل ما عُبد من دون الله من تمثالٍ، من شجرٍ، من صنمٍ، من قبرٍ، فإنها تُعتبر أوثانًا.

خروج أدعياء النبوة

ثم قال عليه الصلاة والسلام:

وإنه سيكون في أمَّتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيين.

صلى الله وسلم وبارك عليه.

 وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي.

الرسول عليه الصلاة والسلام يُخبر أنه سيقع في هذه الأمَّة ثلاثون إنسانًا يدَّعون النبوة، وكلهم كذابون؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنبياء، ورسالته خاتمة الرسائل، فلا نبي بعده ولا رسول بعده، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، فمن ادعى النبوة فهو كذابٌ لا يحتاج الأمر إلى تفاهمٍ معه، يُحكم عليه بالكذب مِن دون مناقشةٍ، والذي يدَّعي هذه الدعوى يُحكم عليه بالردة، ويكون حلال الدم والمال، يجب أن يقتل، ولا يُترك له مهلةٌ، والذي يتولى هذا هو الحاكم المسلم، كذلك من صدَّقه بشيءٍ مما يدعيه فإنه يكفر؛ لأن النبي أخبر بكذب هذه الدعاوى، فإذا صدَّقتَها فإنك كذَّبت رسول الله ، ومن ادعى أنه أفضل من رسول الله فهو كافرٌ بهذه الدعوى.

وقد وقع هذا الشيء في زمن النبي ؛ كمُسَيلِمة، وقُتل في خلافة أبي بكرٍ، رضي الله تعالى عن أبي بكرٍ، وادَّعت النبوةَ سَجَاحٌ، وهي امرأةٌ، وادَّعاها كثيرٌ، وكلهم كذابون، ومَن يأتي ويدعي هذه الدعوى فإنه كذابٌ.

بقاء طائفة على الحق إلى قيام الساعة

ثم قال عليه الصلاة والسلام:

ولا تزال طائفةٌ من أمَّتي على الحق منصورةً، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى.

هذا من البشائر التي يُبشِّر بها رسولنا هذه الأمة، بأن الحق لا يزال قائمًا، وأنه لا تزال طائفةٌ من هذه الأمة باقيةً على الحق الذي كان عليه رسول الله ، وأن الزمان لا ينعدم من الحق أبدًا منذ مبعث رسول الله إلى قيام الساعة.

النبي عليه الصلاة والسلام طمأن هذه الأمة، عندما ذكر أن بعضًا من الناس يلحقون بالمشركين؛ بيَّن في المقابل أن هذه الأمة لا يزال فيها خيرٌ يبقى إلى قيام الساعة، وهذا لطمأنة هذه الأمة على استمرار الحق، وأنه مهما غلب الباطل وكثر الباطل وتسلَّط الباطل؛ إلا أن الحق لا بد أن يبقى، فلا يُصاب الإنسان بالإحباط، لا يُصاب الإنسان بالوهن، لا يُصاب الإنسان بأنه يتشاءم، بل لا بد أن يتمسك بدينه، ويعلم أن هذا الدين باقٍ، وأنه منصورٌ، وإن كان هو من أهل نصرة هذا الدين؛ فهو سعيدٌ، وإن تخلَّى؛ فحينئذٍ هذا من خسارته وضلاله.

فالواجب على أهل الإيمان أن يتمسكوا بالحق دائمًا وأبدًا، ولا يصابوا بالوهن، أو يصابوا بالإحباط عندما يُخيَّل إليهم أن الباطل ظَهَرَ؛ فإن هذا من تزيين الشيطان.

وإن الواجب على هذه الأمة أن تسعى للمحافظة على مكونات القوة فيها: وهي حفاظها على عقيدتها وعبادتها ومعاملاتها وأخلاقها، التي هي شرع الله.

وقوله:

لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.

خذلهم يعني: لم ينصرهم، ولم يُوافقهم على ما ذهبوا إليه.

وهذا تنبيهٌ إلى أن هذه الأمّة سيُوجد فيها مخذِّلون، لكنه لا يضر؛ لأن الأمور بيد الله ليست بأيديهم؛ كما ورد قوله : واعلم أن الأمَّة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ؛ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك [6]، فكذلك هذه الأمة لا يضرهم من خالفهم؛ لأنهم منصورون بنصر الله تعالى، والله تعالى إذا نصر أحدًا لا يستطيع أحدٌ أن يُذِلَّه بحالٍ من الأحوال.

وقوله:

حتى يأتي أمر الله.

أي: أمر الله الكوني، وهو قيام الساعة، عندما يأتي أمره سبحانه بأن تُقبض نفسُ كل مؤمنٍ حتى لا يبقى إلا شرار الخلق؛ فعليهم تقوم الساعة، وذلك عند قيام الساعة عند وجود العلامات الكبرى؛ لأن من الثلاثين الكذابين الذين يدَّعون النبوة: الدجال، وخروج الدجال هو من العلامات الكبرى، ويَعقُب خروجه نزول عيسى ، ويبقى هناك أناسٌ من أهل الإيمان، ثم بعد ذلك تطلع الشمس من مغربها، وتخرج الدابة والريح.

فهذه الأمور في هذا الحديث العظيم الجليل من الأمور التي ينبغي أن يتذاكرها الناس ويتدارسوها، ويعلموا ويُوقنوا أن الله غالبٌ على أمره، وأن الله تبارك وتعالى سينصر هذا الدين، ولا يزال باقيًا حتى يأتي أمر الله بإرسال ريحٍ عليلةٍ وباردةٍ تقبض أرواح المؤمنين، حتى لا ينالهم شيءٌ من أهوال ومخاوف علامات الساعة الأخيرة.

نسأل الله جل وعلا أن يُثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يغفر لنا ولوالدِينا وذرياتنا والمؤمنين، ونسأله جل وعلا أن يُعِز الإسلام والمسلمين، وأن يُذل الشرك والمشركين، وأن يُصلح أحوال المسلمين، وأن يصرف عنا وعنهم كل شرٍّ وبلاءٍ وفتنةٍ.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه.

^1 رواه مسلم: 2889.
^2 رواه أبو داود: 4252، وابن ماجه: 3952.
^3 صحيح مسلم (8/ 171).
^4 ينظر صحيح البخاري: 4710، ومسلم: 170.
^5 رواه البخاري 6785، ومسلم: 66.
^6 رواه الترمذي: 2516، وصححه الألباني.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©