تاريخ النشر
المكان:
المسجد الحرام
الشيخ:
فضيلة الشيخ د. سليمان بن وائل التويجري
فضيلة الشيخ د. سليمان بن وائل التويجري

باب ما جاء في السحر- من قوله: "اجتنبوا السبع الموبقات"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

السبع الموبقات

في كتاب التوحيد الذي هو حقُّ الله على العبيد، كنا بدأنا الكلام على ما عَنْون له المؤلف رحمه الله بقوله: "باب ما جاء في السحر"، وذكرنا الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمه، وأنه كفر، وأن حد المتعامل بالسحر هو ضربه بالسيف، والذي يتولى ذلك هو الإمام.

وقد ساق المؤلف رحمه الله حديثًا لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال فيه: إن رسول الله قال: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال النبي : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات[1].

هذا حديثٌ يبين سبعًا من الجرائم الكبار التي تُورد صاحبها المهالك، فقوله : اجتنبوا السبع الموبقات، يعني: ابتعدوا عن هذه الأمور السبعة، ولم يقل اتركوا؛ لأن الاجتناب أبلغ؛ لتضمُّنِه معنى المفارقة والمباعدة، والحرص على الفرار من القرب منه؛ لعِظَم ما يترتب على ذلك من الإثم والوزر والفساد، ومعنى موبقات، يعني: مهلكات مدمرات مفسدات للأفراد والجماعات.

الرسول لما قال هذه العبارة اشْرَأبَّتْ نفوس الصحابة، وقالوا: ما هي هذه الأمور الخطيرة التي تورد الناس وتهلكهم وتدمرهم؟ فبيَّن لهم النبي هذه السبع:

الأولى: الشرك بالله

الأمر الأول: هو الشرك، الشرك بالله بمعنى: اتخاذ شريك لله في الإلهية، وهذا النوع من الجرائم هو أعظم أنواع الظلم؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]؛ لماذا؟ لأنَّ مَن يتَّخذه المشرك شريكًا لله ليس فيه أدنى مُسوِّغ من مُسوِّغات الاشتراك، وليس فيه أيُّ وجهٍ من وجوه الاشتراك، فلماذا يشترك غير الله مع الله في العبادة؟ الذي يعمل هذا قد ظلم ظلمًا عظيمًا، ظلم نفسه؛ لأن هذه النفس خلقها الله ورزقها الله، وعافاها الله، وتركها مُهْلةً تعيش في هذه الدنيا بنعم الله، فما الذي قدمه الشريك الذي جعلتَه مع الله حتى إنه يستحق أن يُشرَك مع الله في العبادة، ماذا قدَّم لك؟

الله خلق، وهذا الشريك لم يخلق، الله رَزَق وهذا الشريك لم يَرزُق، أنت تعيش في أرض الله وهذا الشريك ليس له أرضٌ تعيش فيها، الله تعالى هو الذي بيده الأمر، يُعز ويذل، ويحيي ويميت، وإليه مرد الأمور وتصريف الأحوال، وهذا الشريك ليس له شيء من ذلك، فلماذا يتخذ شريكًا مع الله؟

ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ۝ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ [الأحقاف:5-6] ويقول جل وعلا: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ [النحل:17] ما الجواب؟ لا، لا يستوون بحال؛ فلهذا كان أعظمُ الذنب وأعظمُ الظلم هو الشرك؛ فالله تبارك وتعالى هو وحده المستحق للعبادة، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، فلا أحد يستحق أن يُعبَد مع الله أو من دون الله: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5].

خطر الشرك بالله

ولهذا مَن مات على الشرك فإن الله لا يغفر له، بينما إذا عَمِل أيَّ موبقةٍ من الموبقات غير الشرك فهو تحت المشيئة: قد يغفر الله له وقد يعامله بالعدل فيعذبه على قَدْر جُرْمه، ثم إذا عذَّبه على قدر جرمه أخرجه من النار وأدخله الجنة.

وأما الشرك فإن الله لا يغفره لمن مات عليه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وقال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]. 

حكم طلب قضاء الحاجات من الموتى

والسؤال: لماذا في بعض بلاد المسلمين يذهب أناسٌ إلى بعض الأضرحة وقبور الصالحين، ويطلبون منهم ما لا يصلح أن يُطلَب إلا من الله؟

هذا هو عمل أبي جهل، وعمل أبي لهب، وهذا هو الشرك الأكبر المخرج عن الملة، فهل يعي الناس هذه المسألة؟ وهل ينبري لهذا أهل الصلاح والإصلاح والنصح ويُعلِّمون أولئك القوم وينبهونهم لما نبه إليه النبي محمد ، ويعلمونهم التوحيد الذي جاء به القرآن، ونزل على رسول الله ، وبه يتحول الإنسان من كافر إلى مسلم، وعما إذا عبد مع الله غيره سواء أكان ضريحًا، أو صنمًا، أو شجرًا، أو غيرها. فهذا هو الشرك.

والله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العلى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180]، اللهُ تعالى سمَّى نفسَه بأسماء ذكرها في القرآن تقرؤونها، وكثير منها في أواخر الآي، وبعض الآيات تأتي كلها في الأسماء؛ كالآيات الثلاث في آخر سورة الحشر، وآية الكرسي كلها أسماء الله وصفاته، فيُدعَى اللهُ بها، ويُتوسَّل إليه بها، ولا يُلجَأ إلى غيره.

والله تعالى سميع، والله تعالى قريب، والله تعالى مجيب، والله تعالى بصير، والله تعالى عليم، والله تعالى قوي، والله تعالى عزيز، والله تعالى جبار: فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] ولا تذهب إلى ضريح الولي فلان أو قبر السيد فلان، وتطلب منه المدد والعافية وصلاح الذرية، أو إصلاح ما بين الأزواج؛ فإن هذا هو فعل أبي جهل وأبي لهب.

والله تعالى لا يكلفكم شيئًا، أغلِق على نفسك البابَ، وأطفئ الأنوار، وارفع يديك إلى ربك واطلب ما تريد: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقولون: لا نَحْمل هَمَّ الإجابة، وإنما نحمل هَمَّ الدعاء[2]؛ لأنا نُقصِّر في الأدب في حسن المناجاة لله، فهل يفهم الناس هذا المعنى؟ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف:55]، ادعوه خوفًا وطمعًا: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

وقال جل وعلا: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] إذا ذهب للضريح وطلب من الضريح أن يتوسط له عند الله، لا، ليس بيننا وبين الله وسائط، الخط مفتوح بيننا وبين الله، بقي -أنت- أن تحسن التعامل في هذا، فتناجي الله، وتطلب منه بصدق وإخلاص، فإذا حصل هذا منك فأبشر بالجواب.

فيجب على الناس أن يحققوا التوحيد في دعائهم، وأن ينادوا الله تعالى بأسمائه حسب الحاجة: إذا كنت تريد من الله رحمة فادعه باسم الرحيم، إذا كنت تشعر بمظلمة فادعُ الله باسم الجبار، وباسم القوي العزيز، إذا كنت قد أذنبت وكثرت خطاياك فاطلب من الله باسم العفو وباسم الغفور، وهكذا.

النبي سئل: أيُّ الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك[3] أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك، الذي خلقك هو الله، فمن هو الند الذي سيساوي الله؟ هل هناك أحد ثانٍ خلقك، أو هل هناك أحدٌ سيخلق؟ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له، فكيف يخلقون إنسانًا؟! لا يستطيعون أن يخلقوا حبة، ولا شعيرة، فكيف يستطيعون؟! أو ما هي مُسوِّغات عبادتهم وصَرْف شيءٍ من العبادة لهم؟

يقول الشارح رحمه الله: "الذي خلقك وأوجدك، وأمدك وأعدك، ورزقك، كيف تجعل له ندًّا؟ فلو أن أحدًا من الناس أحسن إليك بما دون ذلك فجعلت له نظيرًا؛ لكان هذا الأمر بالنسبة له جحودًا"[4].

المعنى لو أن إنسانًا قدَّم لك خدمة: خَدَمَك، سعى لك في وظيفة، سعى لك في زواج، سعى لك في شيءٍ من الأمور، وشخصًا آخر لم يقدم لك خدمة، فتعاملت معهما بميزان واحد؛ لغضب الأول عليك، وهذا في ميزان البشر بين مخلوق ومخلوق، فكيف بين الخالق والمخلوق؟! وقد سبق أن تكلمنا عن مسألة الشرك بالله في أبواب كثيرة مرت بنا في دروس مضت.

الثانية: السحر

ثم قال: والسحر، والسحر تكلمنا عنه في الدرس الماضي.

الثالثة: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق

والثالث: قال: وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق: قتل النفس التي حرم الله يعني: إزهاق الروح. والمراد بـالنفس: نفس الإنسان الذي فيه الروح، فهو المقصود به، والتي حرم الله يعني: حرم الله قتلها إلا بالحق. والمراد بالحق: العدل؛ لأن النفس تُقتَل أحيانًا لكن بحق، مثل: الزاني المحصن، ومثل القاتل عمدًا عدوانًا، ومثل المرتد؛ فهؤلاء يَقتلهم الحاكم، وقَتْلهم بحق.

لكن القتل بغير هذه الأسباب الثلاثة يعتبر من السبع الموبقات، من الجرائم العظام؛ لأن دين الإسلام هو دين حفظ النفوس، اعتنى ديننا بحفظ النفوس، والنبي يقول في حجة الوداع: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا [5].

فنفس الإنسان محترمة ومحرم قتلها، سواء كان مسلمًا أو كان ذميًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا، ولا يحل من دماء البشر إلا المحارب، الذي بيننا وبينه حرب والحرب قائمة، وليس بيننا وبينهم عهود ولا مواثيق ولا عقد أمان ولا عقد ذمة.

وعلى هذا؛ فلا يجوز التعدي على الأنفس، وإنما يجب حمايتها وصيانتها والحفاظ عليها، ومنع الظالم عن ظلمه، ووضع حد لمن أراد العبث في الأرض؛ ولهذا جاءت الشريعة الإسلامية ببيان أحكام القصاص، وأحكام الحدود، كحد الحرابة: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:33]؛ فنفوس البشر مصونة ومحترمة ومحرم الاعتداء عليها.

الرابعة: أكل الربا

قال: النوع الرابع: أكل الربا، الربا معناه: الزيادة؛ ولهذا قال الله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، يُربي بمعنى: يَزِيد.

والربا معناه الشرعي: تفاضُلٌ في عقدٍ بين أشياء يجب فيها التساوي، ونَسْأٌ في عقدٍ بين أشياء يجب فيها التقابضُ، وهو نوعان:

أنواع الربا

ربا فضل وربا نسيئة. ربا الفضل هو بمعنى: الزيادة، وربا النسيئة بمعنى التأجيل.

الأموال التي هي أصولُ الأموال الربوية ستة: الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح، النبي يقول: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد[6] وفي رواية: فمن زاد أو استزاد فقد أربى [7].

والذهب والفضة هي الأثمان، والأنواع الأربعة -البُرُّ والتمر والشعير والمِلْح- هي المُثْمَنات، فهذه الأنواع الأثمان لا يباع بعضها ببعض إلا متقابضًا، وإذا كان من غير جنسه جاز التفاضل. وأما من جنسه فلا يجوز، فالذهب بالذهب لا بد فيه من التساوي بالوزن، ولا بد فيه من التقابض في مجلس العقد. والفضة بالفضة كذلك.

أما بيع الذهب بالفضة فيجوز التفاضل، لكن لا بد من التقابض، فالذي يبيع مثلًا ذهبًا بفضة: جرام الذهب بعشرين جرام فضة لا حرج، لكن لا بد من التقابض في مجلس العقد. وهنا مسألة: العملات الورقية التي يتبادل بها الناس، الآن التعامل عند بيع بعضها ببعض، أو بيعها بذهب، أو بيعها بفضة يجوز التفاضل، لكن لا بد من التقابض في مجلس العقد.

فإذا أردت أن تصرف دولارًا بريال لا بد من التقابض، إذا أردت أن تشتري ذهبًا بريال فلا بد من التقابض، ولا يصلح فيه التأجيل، إذا كان ما عندك الثمن أو باقٍ من الثمن شيء تقول: أجيبها لك بكرة. صاحب الذهب: لا، ما يصلح؛ لا بد من التقابض في مجلس العقد.

وهذه المسألة يتساهل فيها أهل الصرافة وأهل الذهب أحيانًا، ويظنون أنها من باب المساعدة والتسهيل في المعاملة، بينما هي باب من أبواب الربا.

وأما بيع المُثْمَنات بعضها ببعض فلا بد من التقابض، فإذا أردت أن تبيع بُرًّا بتمر فلا بد من التقابض في مجلس العقد، ولا حرج أن يختلف الوزن أو الكيل. وأما بيع التمر بالتمر فلا بد من التساوي والتقابض، وهكذا بقية الأشياء، ويقاس عليها غيرها من المُثْمَنات مما يدخل في الكيل أو الوزن.

وأما بيع المثمنات بالأثمان فلا حرج في التأجيل والتفاضل؛ لأن النبي أقر عَقْد السَّلَم[8]، وهو تقديم الثمن وتأجيل المُثْمن؛ فلك أن تدفع للمزارع مثلًا ألف ريال وتشتري منه مائةَ أو مائتي كيلو أو ألف كيلو من القمح يأتي بها بعد ثلاثة أشهر، فهنا تفاضُلٌ وتأجيلٌ، هذا لا حرج فيه؛ لأنه بين ثَمَنٍ ومُثْمَنٍ.

وأما إذا كانت كلها أثمان كالذهب والفضة أو العملات الورقية؛ فلا بد من التقابض، أو كان بين مثمنات كبيع التمر بالبر أو بالشعير؛ فلا بد من التقابض في مجلس العقد. فأكل الربا من الكبائر، ومن الذنوب العظام، وقد جاء قول الله تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].

ثم قال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهُ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۝ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تَبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ۝ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرةٍ [البقرة:278-280].

والنبي لعن آكِلَ الربا ومُوكِلَه وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواء[9]، وقال : دِرْهمُ ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشدُّ من ستةٍ وثلاثين زَنْيةً [10]، والناس في هذا الزمن يتساهلون ويسمونها فائدة، أين الفائدة إذا كانت تُورِدُكَ النار، وتكون مجرمًا وارتكبت شيئًا موبقًا ومهلكًا ومدمرًا؟

وقد رأيتم قبل أربع سنواتٍ كيف انهار اقتصاد العالم بسبب الربا، وكان من وصايا أحد خبراء الاقتصاد البريطانيين قال: إذا كان الاقتصاد البريطاني يريد أن يعود إلى عافيته؛ فعليه أن يُلغي الفائدة. هذا كلام شخص كافر يقول: إذا كانت بريطانيا تريد أن تعود إليها عافيتها، فعليها أن تُلغي الفائدة، يعني تترك الربا في البنوك، فهل يعي الناس هذا الأمر؟!

ونحن نبَّهَنا ربُّنا جل وعلا قبل ألف وأربعمائة وقريبٍ من أربعين سنة على هذا الأمر؛ فعلينا أن ننتبه لهذا، ونحذر أن نتساهل في معاملات الربا التي يروج لها بعض البنوك ويسمونها بغير اسمها ليستسيغها الناس؛ لأن كلمة الربا صارت معروفة عند الناس، فصاروا يختارون لها أساليب أخرى من: عبارات تمويل، وعبارات فائدة، وعبارات قرض، ونحو ذلك. وهذه كلها تلبيس للحقائق، وإخراج للعقود عن مقاصدها وحقائقها، فهو من التلاعب بالشريعة.

الخامسة: أكل مال اليتيم

والأمر الخامس: يقول : وأكل مال اليتيم، اليتيم: هو الإنسان الذي تُوُفِّي أبوه قبل أن يبلغ، من ذكرٍ أو أنثى، إذا مات الأب عن أطفال فإن هؤلاء الأطفال يُسَمَّون يتامى.

الأب بالنسبة للأسرة هو مركز القوة، وإذا حصل أيُّ إهانة للولد أو البنت تلجأ إلى أبيها أو يلجأ الولد إلى أبيه، فإذا زال هذا الغطاء صاروا في العراء وشعروا بالضعف، وشعروا بأنهم أقل من أقرانهم، ورأوا أنَّ مَن حولهم كلهم يجد من يدافع عنه ومن يحميه، وهو لا يوجد عنده هذا الشيء.

تلاحظون هذا في الصفوف الأولية في المرحلة الابتدائية، هناك فرق بين الولد اليتيم وغيره، وهذا يدركه المعلم الناجح الذي يكتشف طلابه ويعتني بهم، ويهتم بشؤونهم ويراعي نفسياتهم، فإذا تبنى العطف على هؤلاء الأيتام استقامت أمورهم، وشعروا بعودة الحياة إليهم، بينما هم إذا لم يكن المدرس مؤهلًا يشعرون بأنهم في كابوس.

ولهذا اعتنت شريعة الإسلام باليتيم، وطلبت من المجتمع كله أن يكون راعيًا لأحوال هذا اليتيم: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ [الضحى:9]، اليتيم ما يحتاج قهرًا، هو مقهور، منتهٍ، متهالك، فإذا أردت أن تقهره تكون دمرته، وإنما يجب أن ترفع من معنوياته وتشد من أزره، حتى إنه يتقوى ويصير يعيش مع أقرانه بلا زيادة.

وجعل الشرع المطهر إذا الولي على اليتيم اختلس شيئًا من ماله أو جحد شيئًا من ماله: أن هذا من الكبائر، ومن الأمور الموبقة والمدمرة للمجتمع.

فإذا وُجد في المجتمع أَكَلةٌ لمال اليتيم -وغالبًا ما يكون هذا مِن الذي يكون وصيًّا فيخون في وصيته أو وصايته ورعايته لهذا اليتيم- فالويل له؛ فقد ارتكب جرمًا كبيرًا، والوعد أمامك سيحاسبك الله حسابًا عسيرًا على أيِّ شيءٍ تأخذه من مال اليتيم بغير حق، فتلاعبك بمال اليتيم أو استيلاؤك عليه أو إنفاقه في أمورٍ ليست في مصلحة اليتيم يعتبر جريمةً في مجتمع المسلمين.

وهذا من فضل الله جل وعلا على هذه الأمة: أن الضعيف فيها قوي ومحمي اجتماعيًّا، فمجتمع المسلمين يجب أن يكون كله راصدًا وحارسًا أمينًا على حقوق هذا اليتيم؛ لكي يعيش عزيزًا كريمًا، ليس فيه شيء من القهر والإيذاء بأي نوع من أنواع الإيذاء، ممنوع في المجتمع المسلم أن يصل إلى هذا اليتيم.

هذا التنظيم السماوي الذي جاء من عند الله لن يستطيع أحد أن يجد مثله ولا قريبًا منه في أي تنظيم وُجد في الأرض، في قديم الزمان أو في حديثه؛ فيجب علينا أن نشكر ربنا على ما أنعم به علينا وهدانا إليه، وجعل شؤون حياتنا كلها منظمة، بما فيها حقوق هذا النوع من البشر الضعيف، الذي يتساهل أصحاب النفوس الضعيفة في حقه، وربما افترسوه وأكلوا ماله، لكن إن ربك بالمرصاد.

السادسة: التولي يوم الزحف

والأمر السادس: هو التولي يوم الزحف، هذا أسلوب عسكري يُحتاج إليه في المعارك وفي الحروب، وهذه قضية جوهرية في تنظيم الجيش وترتيبه، بحيث إن المسلمين إذا كانوا مواجهين للعدو فلا يجوز لأحدٍ أن يتحرك من مكانه ويتراجع ويَفِرَّ ويريد الفرار بنفسه، لا، يا أستاذ يلزمك أن تبقى، إن تركت مكانك وهربت فأنت ارتكبت جريمة من أكبر الجرائم.

وهذه مسألة شرعية ليست عسكرية وليست تنظيمية، لا، هذه دينية، وديننا نظَّم الشؤون العسكرية كلها، وقال يستثني من ذلك: إذا كان مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال:16]، ومن لم يكن كذلك فهو من أهل الكبائر الذي يستحق العقاب.

فالتولي يوم الزحف -ومعنى الزحف: مواجهة العدو- إذا كان العدو يزحف علينا؛ فلا ينبغي ولا يجوز لنا أن نتراجع، بل نقف ونزحف أمامه حتى نصده عن أن يصل إلى ديارنا، ونمنعه من ذلك، إلا إذا كان الإنسان مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ [الأنفال:16] فرأى أن جهةً من الجهات ضعيفة والجهة التي هو فيها قوية وفيه ما يكفي، فانحاز إلى هؤلاء الضعاف ليقويهم؛ فلا حرج، لكن هذا مشروط بألا يؤثر على مركزه، فلا يضعف حينئذ، أو مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ [الأنفال:16] بمعنى: أنه يتجه إلى نقطة أخرى يريد أن يقاتل فيها. فهذا مما استثناه الله تعالى.

السابعة: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات

النوع السابع من الجرائم الكبار السبع: قذف المحصنات الغافلات المؤمنات.

القذف: هو أن يرمي الإنسان شخصًا بالزنا، فيقول: فلان زانٍ، أو يقول: فلانة زانية، هذا هو القذف، إذا قذف الإنسان امرأة محصنة -بمعنى أنها عفيفة، وأنها حرة، وأنها مؤمنة- فقذفه لها من كبائر الذنوب، ومن السبع الموبقات.

ذكر هنا المؤمنات تنبيهًا إلى أن النساء أشد تضررًا من الرجال، وإلا فالكل لا يجوز قذفه، حتى الرجال لا يجوز لأحد أن يقذفهم، لكن لأن جانب المرأة أضعف والقذف فيها أنكى وأشد؛ فقذف الرجل أهون من قذف المرأة، وكلاهما من الكبائر.

لكن قذف المرأة تتضرر هي، وتتضرر أسرتها، وتتضرر ذريتها، ويتضرر نسلها، وهذا أمر فظيع، ويلحقها العار، فكون الإنسان يُطلِق لسانه بقذف المرأة المحصنة المؤمنة يُعتبر من أكبر الجرائم في المجتمع؛ لأن الإسلام يريد لمجتمع المسلمين أن يكون نظيفًا عفيفًا، وليس فيه مجالٌ للقيل والقال.

إذا ثبت هذا الشيء بأربعة شهود عدول يتقدَّم الإنسان ويُثبته، أمَّا أن يُطلِقَ لسانه بأن يصف فلانة بأنها زانية ونحو ذلك؛ فهذا يترتب عليه ثلاثة أمور:

  • أنه يُحكَم عليه بالفسق.
  • ولا تُقبَل له شهادة أبدًا.
  • والأمر الثالث: أنه يُجلَد ثمانين جلدة.

الإنسان الذي يقذف المرأة، أو يقذف الرجل، إذا لم يأتِ بأربعة شهودٍ يشهدون على ما قال، فإنه يُجلد هو ثمانين جلدة، ويصير فاسقًا في المجتمع، ولا تُقبَل له شهادةٌ أبدًا.

ثلاثة أحكام تترتب على القذف؛ وهذا لأجل صيانة مجتمع المسلمين عن عبث العابثين؛ ليبقى مجتمع المسلمين طاهرًا نقيًّا سليمًا من القيل والقال والأوبئة، وليس فيه مُتنفَّسٌ لأهل الأغراض الشريرة، وأهل الفساد في الأرض الذين يريدون أن يؤذوا الناس في أعراضهم.

فأعراض المسلمين مصونة ومحصنة: البيِّنة أو حَدٌّ في ظهرك[11]، إذا قذف الإنسان شخصًا فعليه أن يأتي بالبينة، وإلا يقام عليه حد القذف، وليس فقط هذا، بل إنه يُحكم بفسقه: تسقط عدالته، ولا تُقبَل له شهادة.

هذه السبع الموبقات، نعوذ بالله منها ومن أهلها.

ونسأل الله تعالى أن يُطهِّر مجتمعات المسلمين منها ومما شابهها من سائر الأمراض والأوبئة.

ونسأل الله جل وعلا أن يصرف عنا وعن المسلمين كل شر وبلاء وفتنة.

ونسأله تعالى أن يُصلح لنا ديننا ودنيانا وأخرانا، وأن يُثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يغفر لنا ولوالدينا وذرياتنا وأقاربنا والمؤمنين.

ونسأله جل وعلا أن يُعِز الإسلام والمسلمين، وأن يُذل الشرك والمشركين، وأن يُصلح أحوال المسلمين، وأن يصرف عنا وعنهم كل شر وبلاء وفتنة.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

^1 رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89.
^2 ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 8/ 193.
^3 رواه البخاري: 4477، ومسلم: 86.
^4 ينظر: "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين": 9/ 498.
^5 رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1679.
^6 رواه البخاري: 2175، ومسلم: 1587.
^7 رواه مسلم: 1584.
^8 فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي  المدينةَ وهم يُسْلفون بالتَّمْرِ السنتين والثلاث، فقال: من أَسْلف في شيءٍ ففي كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم. رواه البخاري: 2240، ومسلم: 1604.
^9 رواه البخاري: 5347، ومسلم: 1598.
^10 رواه أحمد: 21957، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3375.
^11 رواه البخاري: 2671.

شركاء النجاح

Tibyan

Tibyan logo

جميع الحقوق محفوظة لرئاسة الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي١٤٤٧ هـ ©